الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٨١
الحديث رقم ٦١٨١ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا تسبوا الدهر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦١٨١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَالَ اللهُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْفِعَالِ. قُلْتُ: وَعَلَى الْحَرَامِ وَالصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ.
أورد حَدِيثُ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي، وحديث سهل بن حنيف مثله سواء. قَالَ الْخَطَّابِيُّ تَبَعًا لِأَبِي عُبَيْدٍ: لَقِسَتْ وَخَبُثَتْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَإِنَّمَا كَرِهَ ﷺ مِنْ ذَلِكَ اسْمَ الْخُبْثِ فَاخْتَارَ اللَّفْظَةَ السَّالِمَةَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ سُنَّتِهِ تَبْدِيلُ الِاسْمِ الْقَبِيحِ بِالْحَسَنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى لَقِسَتْ غَثَتْ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، وَهُوَ يَرْجِعُ أَيْضًا إِلَى مَعْنَى خَبِثت، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ سَاءَ خُلُقُهَا، وَقِيلَ: مَالَتْ بِهِ إِلَى الدَّعَةِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ عَلَى مَعْنَى الْأَدَبِ وَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ فِي الَّذِي يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِهِ فَيُصْبِحُ خَبِيثَ النَّفْسِ. وَنَطَقَ الْقُرْآنُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قُلْتُ: لَكِنْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ مِنْ كَرَاهَةِ وَصْفِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِذَلِكَ. وَقَدْ سَبَقَ لِهَذَا عِيَاضٌ فَقَالَ: الْفَرْقُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ عَنْ صِفَةِ شَخْصٍ مَذْمُومِ الْحَالِ فَلَمْ يَمْتَنِعْ إِطْلَاقُ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِلنَّدْبِ، وَالْأَمْرُ بِقَوْلِهِ لَقِسَتْ لِلنَّدْبِ أَيْضًا، فَإِنْ عَبَّرَ بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ كَفَى، وَلَكِنْ تَرَكَ الْأَوْلَى.
قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ مُجَانَبَةِ الْأَلْفَاظِ الْقَبِيحَةِ وَالْأَسْمَاءِ، وَالْعُدُولُ إِلَى مَا لَا قُبْحَ فِيهِ، وَالْخُبْثُ وَاللَّقْسُ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ يَتَأَدَّى بِكُلٍّ مِنْهُمَا لَكِنْ لَفْظُ الْخُبْثِ قَبِيحٌ وَيَجْمَعُ أُمُورًا زَائِدَةً عَلَى الْمُرَادِ، بِخِلَافِ اللَّقْسِ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِامْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ. قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْءَ يَطْلُبُ الْخَيْرَ حَتَّى بِالْفَأْلِ الْحَسَنِ، وَيُضِيفُ الْخَيْرَ إِلَى نَفْسِهِ وَلَوْ بِنِسْبَةٍ مَا، وَيَدْفَعُ الشَّرَّ عَنْ نَفْسِهِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَيَقْطَعُ الْوَصْلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الشَّرِّ حَتَّى فِي الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ. قَالَ: وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا أَنَّ الضَّعِيفَ إِذَا سُئِلَ عَنْ حَالِهِ لَا يَقُولُ لَسْتُ بِطَيِّبٍ، بَلْ يَقُولُ ضَعِيفٌ، وَلَا يُخْرِجُ نَفْسَهُ مِنَ الطَّيِّبِينَ فَيُلْحِقُهَا بِالْخَبِيثِينَ.
(تَنْبِيهٌ): أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ حَدِيثَ سَهْلٍ مِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ثُمَّ قَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى، وَقَالَ: هُوَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَالصَّحِيحُ يُونُسُ. قُلْتُ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَنْ يُونُسَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عُقَيْلٌ) يَعْنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ وَالْمَتْنِ، وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُقَيْلٍ وَسَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَثَبَتَتْ لِلنَّسَفِيِّ وَالْبَاقِينَ.
١٠١ - بَاب لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ
٦١٨١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَالَ اللَّهُ: يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.
٦١٨٢ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ وَلَا تَقُولُوا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ".
[الحديث ٦١٨٢ - طرفه في: ٦١٨٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ) هَذَا اللَّفْظُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ، وَبَعْدَهُ: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ.
قَوْلُهُ: (اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: هَكَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ فَقَالَ فِيهِ: اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهَكَذَا وَقَعَ فِي الزُّهْرِيَّاتِ لِلذُّهْلِيِّ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ، وَلَكِنَّ لَفْظَهُ: لَا يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِيُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ عِنْدَ اللَّيْثِ عَنْ شَيْخَيْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، وَابْنُ بُكَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بِهِ.
قَوْلُهُ (قَالَ اللَّهُ: يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ) هَذِهِ رِوَايَةُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ بَعْدَهَا بِلَفْظِ: وَلَا تَقُولُوا يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ أَوَّلُهُ: لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى مَعْمَرٍ فِي شَيْخِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُهُ: قَالَ اللَّهُ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَهَكَذَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِيَ الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَقَدْ مَضَى فِي التَّفْسِيرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْحَدِيثَانِ لِلزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ جَمِيعًا صَحِيحَانِ.
قُلْتُ: قَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ: كِلَاهُمَا مَحْفُوظٌ، لَكِنْ حَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ أَشْهَرُهُمَا، قُلْتُ: وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ فِيهِ عَنْ مَعْمَرٍ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا يَسُبُّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ ; وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ الْعِنَبِ الْكَرْمَ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا يَقُلِ ابْنُ آدَمَ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، إِنِّي أَنَا الدَّهْرُ، أُرْسِلُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا. وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ، وَالْبَاقِي مِثْلُ رِوَايَةِ عبد الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ، عَنْ مَالِكٍ فِي آخِرِهِ: فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللَّهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: خَالَفَ جَمِيعَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ، وَجَمِيعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مُطْلَقًا، فَإِنَّ الْجَمِيعَ قَالُوا: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: أَنَا الدَّهْرُ، الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي لِي أُجَدِّدُهَا وَأُبْلِيهَا، وَآتِي بِمُلُوكٍ بَعْدَ مُلُوكٍ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَقُولُوا خَيْبَةُ الدَّهْرِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلنَّسَفِيِّ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، وَفِي غير الْبُخَارِيِّ: وَاخَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ الْخَيْبَةُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ: الْحِرْمَانُ، وَهِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى النُّدْبَةِ، كَأَنَّهُ فَقَدَ الدَّهْرَ لِمَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ فَنَدَبَهُ مُتَفَجِّعًا عَلَيْهِ أَوْ مُتَوَجِّعًا مِنْهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: هُوَ دُعَاءٌ عَلَى الدَّهْرِ بِالْخَيْبَةِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: قَحَطَ اللَّهُ نَوْءَهَا، يَدْعُونَ عَلَى الْأَرْضِ بِالْقَحْطِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ هَذَا أَصْلُهَا ثُمَّ صَارَتْ تُقَالُ لِكُلِّ مَذْمُومٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: وَادَهْرَهُ وَادَهْرَهُ، وَمَعْنَى النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ الْفَاعِلُ لِلْمَكْرُوهِ فَسَبَّهُ أَخْطَأَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَاعِلُ، فَإِذَا سَبَبْتُمْ مَنْ أَنْزَلَ ذَلِكَ بِكُمْ رَجَعَ السَّبُّ إِلَى اللَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْجَاثِيَةِ، وَمُحَصَّلُ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ؛ أَيِ الْمُدَبِّرُ لِلْأُمُورِ.
ثَانِيهَا: أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ؛ أَيْ صَاحِبُ الدَّهْرِ.
ثَالِثُهَا: التَّقْدِيرُ مُقَلِّبُ الدَّهْرِ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: بِيَدِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: بِيَدِيَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦١٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المخزوميُّ مولاهم المصريُّ (١)، واسم أبيه: عبدُ الله، ونسبه لجدِّه لشهرته به قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَالَ اللهُ) تعالى: (يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ) اللَّيل والنَّهار بأن يقولوا نحو: يا بُؤس الدَّهر، أو يا خيبة الدَّهر؛ لأنَّهم كانوا يزعمون أنَّ مرور الأيَّام واللَّيالي هو المؤثِّر في هلاكِ الأنفس (٢)، ويُنكرون ملك الموت وقبضهُ الأرواحَ بأمر الله، ويضيفون كلَّ حادث يحدث (٣) إلى الدَّهر والزَّمان، وأشعارهم ناطقةٌ بشكوى الزَّمان، وهذا مذهب الدَّهريَّة من الكفَّار، والدَّهريَّةُ المنكرون للصَّانع المعتقدون أنَّ في كلِّ ثلاثين ألف سنةٍ يعود كلُّ شيءٍ إلى ما كان عليه، ويزعمون أنَّ هذا قد تكرَّر مرَّات لا تتناهى، فكابروا العقول وكذَّبوا المنقول ووافقَهم مشركو العرب، وإليه ذهبَ آخرون، ولكنَّهم مُعترفون بوجودِ الصَّانع الإله الحقِّ ﷿، ولكنَّهم كانوا ينزِّهون أنَّ تنسب إليه المكارهُ (٤) ويُضِيفونها (٥) إلى الدَّهر، فكانوا كذلك (٦) يسبُّون الدَّهر، وفي «تفسير سورة الجاثية» قال الله تعالى: «يُؤذيني ابنُ آدم يسبُّ الدَّهر» [خ¦٤٨٢٦] (وَأَنَا الدَّهْرُ) أي: خالقهُ، أو المدبِّر للأمورِ، أو مقلِّب الدَّهر، ولذلك (٧) عقَّبه بقولهِ: (بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ) وعند أحمدَ من وجهٍ آخر، بسندٍ صحيحٍ، عن أبي هريرة: «لا تسبُّوا الدَّهر فإنَّ الله تعالى قال: أنا الدَّهر الأيام واللَّيالي لي (٨) أجدِّدها وأُبْليها وآتي بملوكٍ بعدَ ملوك» فإذا سبَّ ابن آدم الدَّهر على أنَّه فاعل هذه الأمور عاد السَّبُّ إلى الله؛ لأنَّه هو الفاعل، والدَّهر إنَّما هو ظرفٌ لمواقع هذه الأمور، فالمعنى: أنا مصرِّف الدَّهر، فحذف اختصارًا للَّفظ واتِّساعًا في المعنى.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْفِعَالِ. قُلْتُ: وَعَلَى الْحَرَامِ وَالصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ.
أورد حَدِيثُ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي، وحديث سهل بن حنيف مثله سواء. قَالَ الْخَطَّابِيُّ تَبَعًا لِأَبِي عُبَيْدٍ: لَقِسَتْ وَخَبُثَتْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَإِنَّمَا كَرِهَ ﷺ مِنْ ذَلِكَ اسْمَ الْخُبْثِ فَاخْتَارَ اللَّفْظَةَ السَّالِمَةَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ سُنَّتِهِ تَبْدِيلُ الِاسْمِ الْقَبِيحِ بِالْحَسَنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى لَقِسَتْ غَثَتْ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، وَهُوَ يَرْجِعُ أَيْضًا إِلَى مَعْنَى خَبِثت، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ سَاءَ خُلُقُهَا، وَقِيلَ: مَالَتْ بِهِ إِلَى الدَّعَةِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هُوَ عَلَى مَعْنَى الْأَدَبِ وَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ فِي الَّذِي يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِهِ فَيُصْبِحُ خَبِيثَ النَّفْسِ. وَنَطَقَ الْقُرْآنُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قُلْتُ: لَكِنْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ، فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ مِنْ كَرَاهَةِ وَصْفِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِذَلِكَ. وَقَدْ سَبَقَ لِهَذَا عِيَاضٌ فَقَالَ: الْفَرْقُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ عَنْ صِفَةِ شَخْصٍ مَذْمُومِ الْحَالِ فَلَمْ يَمْتَنِعْ إِطْلَاقُ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِلنَّدْبِ، وَالْأَمْرُ بِقَوْلِهِ لَقِسَتْ لِلنَّدْبِ أَيْضًا، فَإِنْ عَبَّرَ بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ كَفَى، وَلَكِنْ تَرَكَ الْأَوْلَى.
قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ مُجَانَبَةِ الْأَلْفَاظِ الْقَبِيحَةِ وَالْأَسْمَاءِ، وَالْعُدُولُ إِلَى مَا لَا قُبْحَ فِيهِ، وَالْخُبْثُ وَاللَّقْسُ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ يَتَأَدَّى بِكُلٍّ مِنْهُمَا لَكِنْ لَفْظُ الْخُبْثِ قَبِيحٌ وَيَجْمَعُ أُمُورًا زَائِدَةً عَلَى الْمُرَادِ، بِخِلَافِ اللَّقْسِ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِامْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ. قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْءَ يَطْلُبُ الْخَيْرَ حَتَّى بِالْفَأْلِ الْحَسَنِ، وَيُضِيفُ الْخَيْرَ إِلَى نَفْسِهِ وَلَوْ بِنِسْبَةٍ مَا، وَيَدْفَعُ الشَّرَّ عَنْ نَفْسِهِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَيَقْطَعُ الْوَصْلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ الشَّرِّ حَتَّى فِي الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ. قَالَ: وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا أَنَّ الضَّعِيفَ إِذَا سُئِلَ عَنْ حَالِهِ لَا يَقُولُ لَسْتُ بِطَيِّبٍ، بَلْ يَقُولُ ضَعِيفٌ، وَلَا يُخْرِجُ نَفْسَهُ مِنَ الطَّيِّبِينَ فَيُلْحِقُهَا بِالْخَبِيثِينَ.
(تَنْبِيهٌ): أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ حَدِيثَ سَهْلٍ مِنْ طَرِيقِ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ثُمَّ قَالَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُوسَى، وَقَالَ: هُوَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَالصَّحِيحُ يُونُسُ. قُلْتُ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ إِلَّا عَنْ يُونُسَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عُقَيْلٌ) يَعْنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ وَالْمَتْنِ، وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُقَيْلٍ وَسَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَثَبَتَتْ لِلنَّسَفِيِّ وَالْبَاقِينَ.
١٠١ - بَاب لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ
٦١٨١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَالَ اللَّهُ: يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.
٦١٨٢ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ وَلَا تَقُولُوا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ".
[الحديث ٦١٨٢ - طرفه في: ٦١٨٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ) هَذَا اللَّفْظُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ، وَبَعْدَهُ: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ.
قَوْلُهُ: (اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: هَكَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ فَقَالَ فِيهِ: اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهَكَذَا وَقَعَ فِي الزُّهْرِيَّاتِ لِلذُّهْلِيِّ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ، وَلَكِنَّ لَفْظَهُ: لَا يَسُبُّ ابْنُ آدَمَ الدَّهْرَ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ: الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِيُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ عِنْدَ اللَّيْثِ عَنْ شَيْخَيْنِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، وَابْنُ بُكَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بِهِ.
قَوْلُهُ (قَالَ اللَّهُ: يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ) هَذِهِ رِوَايَةُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ بَعْدَهَا بِلَفْظِ: وَلَا تَقُولُوا يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ أَوَّلُهُ: لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى مَعْمَرٍ فِي شَيْخِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُهُ: قَالَ اللَّهُ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَقُولُ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَهَكَذَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِيَ الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَقَدْ مَضَى فِي التَّفْسِيرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْحَدِيثَانِ لِلزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ جَمِيعًا صَحِيحَانِ.
قُلْتُ: قَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ: كِلَاهُمَا مَحْفُوظٌ، لَكِنْ حَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ أَشْهَرُهُمَا، قُلْتُ: وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ فِيهِ عَنْ مَعْمَرٍ إِسْنَادٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالَ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا يَسُبُّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ ; وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ الْعِنَبِ الْكَرْمَ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا يَقُلِ ابْنُ آدَمَ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، إِنِّي أَنَا الدَّهْرُ، أُرْسِلُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا. وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ، وَالْبَاقِي مِثْلُ رِوَايَةِ عبد الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ، عَنْ مَالِكٍ فِي آخِرِهِ: فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللَّهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: خَالَفَ جَمِيعَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ، وَجَمِيعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مُطْلَقًا، فَإِنَّ الْجَمِيعَ قَالُوا: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: أَنَا الدَّهْرُ، الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي لِي أُجَدِّدُهَا وَأُبْلِيهَا، وَآتِي بِمُلُوكٍ بَعْدَ مُلُوكٍ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَقُولُوا خَيْبَةُ الدَّهْرِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلنَّسَفِيِّ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، وَفِي غير الْبُخَارِيِّ: وَاخَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ الْخَيْبَةُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ: الْحِرْمَانُ، وَهِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى النُّدْبَةِ، كَأَنَّهُ فَقَدَ الدَّهْرَ لِمَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ فَنَدَبَهُ مُتَفَجِّعًا عَلَيْهِ أَوْ مُتَوَجِّعًا مِنْهُ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: هُوَ دُعَاءٌ عَلَى الدَّهْرِ بِالْخَيْبَةِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: قَحَطَ اللَّهُ نَوْءَهَا، يَدْعُونَ عَلَى الْأَرْضِ بِالْقَحْطِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ هَذَا أَصْلُهَا ثُمَّ صَارَتْ تُقَالُ لِكُلِّ مَذْمُومٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: وَادَهْرَهُ وَادَهْرَهُ، وَمَعْنَى النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ الْفَاعِلُ لِلْمَكْرُوهِ فَسَبَّهُ أَخْطَأَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَاعِلُ، فَإِذَا سَبَبْتُمْ مَنْ أَنْزَلَ ذَلِكَ بِكُمْ رَجَعَ السَّبُّ إِلَى اللَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْجَاثِيَةِ، وَمُحَصَّلُ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ؛ أَيِ الْمُدَبِّرُ لِلْأُمُورِ.
ثَانِيهَا: أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ؛ أَيْ صَاحِبُ الدَّهْرِ.
ثَالِثُهَا: التَّقْدِيرُ مُقَلِّبُ الدَّهْرِ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: بِيَدِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: بِيَدِيَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦١٨١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) المخزوميُّ مولاهم المصريُّ (١)، واسم أبيه: عبدُ الله، ونسبه لجدِّه لشهرته به قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّدِ بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَالَ اللهُ) تعالى: (يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ) اللَّيل والنَّهار بأن يقولوا نحو: يا بُؤس الدَّهر، أو يا خيبة الدَّهر؛ لأنَّهم كانوا يزعمون أنَّ مرور الأيَّام واللَّيالي هو المؤثِّر في هلاكِ الأنفس (٢)، ويُنكرون ملك الموت وقبضهُ الأرواحَ بأمر الله، ويضيفون كلَّ حادث يحدث (٣) إلى الدَّهر والزَّمان، وأشعارهم ناطقةٌ بشكوى الزَّمان، وهذا مذهب الدَّهريَّة من الكفَّار، والدَّهريَّةُ المنكرون للصَّانع المعتقدون أنَّ في كلِّ ثلاثين ألف سنةٍ يعود كلُّ شيءٍ إلى ما كان عليه، ويزعمون أنَّ هذا قد تكرَّر مرَّات لا تتناهى، فكابروا العقول وكذَّبوا المنقول ووافقَهم مشركو العرب، وإليه ذهبَ آخرون، ولكنَّهم مُعترفون بوجودِ الصَّانع الإله الحقِّ ﷿، ولكنَّهم كانوا ينزِّهون أنَّ تنسب إليه المكارهُ (٤) ويُضِيفونها (٥) إلى الدَّهر، فكانوا كذلك (٦) يسبُّون الدَّهر، وفي «تفسير سورة الجاثية» قال الله تعالى: «يُؤذيني ابنُ آدم يسبُّ الدَّهر» [خ¦٤٨٢٦] (وَأَنَا الدَّهْرُ) أي: خالقهُ، أو المدبِّر للأمورِ، أو مقلِّب الدَّهر، ولذلك (٧) عقَّبه بقولهِ: (بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ) وعند أحمدَ من وجهٍ آخر، بسندٍ صحيحٍ، عن أبي هريرة: «لا تسبُّوا الدَّهر فإنَّ الله تعالى قال: أنا الدَّهر الأيام واللَّيالي لي (٨) أجدِّدها وأُبْليها وآتي بملوكٍ بعدَ ملوك» فإذا سبَّ ابن آدم الدَّهر على أنَّه فاعل هذه الأمور عاد السَّبُّ إلى الله؛ لأنَّه هو الفاعل، والدَّهر إنَّما هو ظرفٌ لمواقع هذه الأمور، فالمعنى: أنا مصرِّف الدَّهر، فحذف اختصارًا للَّفظ واتِّساعًا في المعنى.