الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦١٨٦
الحديث رقم ٦١٨٦ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أحب الأسماء إلى الله ﷿.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي قَالَهُ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
٦١٨٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي وَمَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْأَنْصَارِ.
١٠٥ - بَاب أَحَبِّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ ﷿
٦١٨٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ، فَقُلْنَا: لَا نَكْنِيكَ أَبَا الْقَاسِمِ وَلَا كَرَامَةَ. فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: سَمِّ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ ﷿ وَرَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رفعه: إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ بَعْدَ بَابٍ، وَآخَرُ عَنْ مُجَاهِدٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِثْلُهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَلْتَحِقُ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مَا كَانَ مِثْلَهُمَا كَعَبْدِ الرَّحِيمِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الصَّمَدِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ مَا هُوَ وَصْفٌ وَاجِبٌ لِلَّهِ وَمَا هُوَ وَصْفٌ لِلْإِنْسَانِ وَوَاجِبٌ لَهُ وَهُوَ الْعُبُودِيَّةُ. ثُمَّ أُضِيفَ الْعَبْدُ إِلَى الرَّبِّ إِضَافَةً حَقِيقِيَّةً فَصَدَقَتْ أَفْرَادُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَشَرُفَتْ بِهَذَا التَّرْكِيبِ فَحَصَلَتْ لَهَا هَذِهِ الْفَضِيلَةُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الِاسْمَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ إِضَافَةُ عَبْدٍ إِلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرِهِمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُهَيْرٍ الثَّقَفِيِّ رَفَعَهُ: إِذَا سَمَّيْتُمْ فَعَبِّدُوا، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ مَا تُعُبِّدَ بِهِ؛ وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعْفٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرٍ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ) اسْمُ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَسَمَّاهُ الْقَاسِمُ) مُقْتَضَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ الْهَيْثَمِ، عَنْ خَالِدٍ الواسطي بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا: فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، إِلَّا أَنَّهُ أَوْرَدَهُ عَقِبَ رِوَايَةِ عَبْثَرٍ - وَهُوَ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ، بِعَيْنِ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ - عَنْ حُصَيْنٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي، فَإِنَّمَا بُعِثْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ.
ثُمَّ سَاقَ رِوَايَةَ خَالِدٍ وَقَالَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُذْكَرْ: فَإِنَّمَا بُعِثْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ، وَكَأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى خَالِدٍ، فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ وُهَيْبِ بْنِ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ فَقَالَ: فَسَمَّاهُ الْقَاسِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنٍ فَقَالَ: سَمَّاهُ الْقَاسِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُوسُفَ الْقَاضِي عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ خَالِدٍ فَقَالَ: سَمَّاهُ بِاسْمِ النَّبِيِّ ﷺ، وهَكَذَا قَالَهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى مُسْلِمٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ رِفَاعَةَ بْنِ الْهَيْثَمِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ زِيَادٍ الْبُكَائِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ كَمَا قَالَ رِفَاعَةُ، وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى شُعْبَةَ أَيْضًا فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ يَعْنِي قَسْمُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابٍ فَرْضُ الْخُمُسِ، فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَاكَ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ - وَهُوَ الْأَعْمَشُ -، وَمَنْصُورٌ، وَقَتَادَةُ قَالُوا: سَمِعْنَا سَالِمًا - أَيِ ابْنَ أَبِي الْجَعْدِ -، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا.
قَالَ: وَقَالَ عُمَرُو - يَعْنِي ابْنَ مَرْزُوقٍ -، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِسَنَدِهِ: أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ الْقَاسِمَ، وَأَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ الْقَاسِمَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ فَقَالَ فِيهِ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كَانُوا بِظَهْرِ المَدِينَةِ) أي: بظاهِرها (-أَوْ قَالَ: أَشْرَفُوا) بالشين المعجمة والفاء (عَلَى المَدِينَةِ- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ): (آيِبُونَ) جمع: آيبٍ، راجعون إلى الله (تَائِبُونَ) راجعون عمَّا هو مذمومٌ شرعًا إلى ما هو محمودٌ، قاله تعليمًا لأمَّته أو تواضعًا (عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُوْلُهَا) أي: هذه الكلمات (حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ).
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في قولهِ: «جعلني الله فداءكَ» على ما لا يخفى، وفيه دليلٌ على جواز ذلك إذ لو كان غير سائغٍ لنهى النَّبيُّ ﷺ (١) قائلَه ولأعلمَه، قيل: لا يلزمُ من تسويغِ قول ذلك للنَّبيِّ ﷺ أن (٢) يسوغ ذلك لغيره؛ لأنَّ نفسه الشَّريفة أعزُّ من أنفس القائلين وآبائهم؟ وأُجيب بأنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة، وفي حديث ابن عمر أنَّه ﷺ قال لفاطمة: «فداك أبوك» وفي حديث ابن مسعودٍ أنَّه ﷺ قال لأصحابه: «فداكُم أبي وأمِّي»، وفي حديث أنسٍ أنَّه ﷺ قال مثلَ ذلك للأنصار، رواها ابنُ أبي عاصمٍ، وأمَّا ما رواه مُبارك بنُ فَضَالة، عن الحسن قال: دخلَ الزُّبير على النَّبيِّ ﷺ وهو شاكٍ، قال: كيف تجدكُ؟ جعلني الله فِدَاءك قال: «ما تركتَ أعرابيَّتك بعد»، فقال الطَّبريُّ: لا حجَّة فيه على المنع؛ لأنَّه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصِّحَّة، وعلى تقدير ثبوتِ ذلك فليس فيه صريحُ المنع، بل فيه إشارةٌ إلى أنَّه ترك الأولى في القول للمريض إمَّا بالتَّأنيس والملاطفة، وإمَّا بالدُّعاء والتَّوجُّع.
والحديثُ سبقَ في «الجهاد» [خ¦٣٠٨٦].
(١٠٥) (بابُ) بيان (أَحَبِّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ ﷿.
٦١٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيينة) سُفيان قال:
(حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ) محمَّد (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (﵁) أنَّه (قَالَ: وُلِدَ) بضم الواو (لِرَجُلٍ) لم أقفْ على اسمه (مِنَّا غُلَامٌ، فَسَمَّاهُ (١) القَاسِمَ، فَقُلْنَا: لَا نَكْنِيكَ) بفتح النون وسكون الكاف (أَبَا القَاسِمِ وَلَا كَرَامَةَ) نصب، أي: لا نكرمُك كرامة (فَأَخْبَرَ) بفتح الهمزة والموحدة، الرَّجلُ (النَّبِيَّ ﷺ) وفي روايةٍ -قال في «الفتح»: إنَّها للأكثر-: «فأُخْبِرَ» بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (٢) «النَّبيُّ» (فَقَالَ) ﷺ له: (سَمِّ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) وفي حديث مسلمٍ عن ابن عمرَ مرفوعًا «إنَّ أحبَّ الأسماءِ إلى الله ﷿ عبد الله وعبد الرَّحمن» وإنَّما كانا أحبَّ لتضمُّنهما ما هو واجبٌ لله تعالى، ووصفٌ للإنسان وواجبٌ له وهو العبوديَّة، ثمَّ أُضيف العبد إلى الرَّبِّ إضافةً حقيقيَّةً، فصَدَقَت أفرادُ هذين الاسمين، وما يلحقُ بهما كعبدِ الرَّحيم وعبدِ القادرِ، وشَرُفَت بهذا التَّركيب، فحصلت لها هذه الفضيلةُ.
والحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الاستئذان».
(١٠٦) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: سَمُّوا) أبناءكم (بِاسْمِي) محمَّد أو أحمد (وَلَا تَكْتَنُوا) بسكون الكاف وفتح الفوقية وضم النون، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا تكَنَّوا» بفتح الكاف والنون المشددة على حذف إحدى التاءين (بِكُنْيَتِي) بالياء. قال في «الفتح»: وللأَصيليِّ: «بكنوتي» بالواو بدل التحتية، وهي بمعناها تقول: كنيتُهُ وكَنَوتُهُ معنى، والكُنْية ما أوَّلُه أبٌ (٣) أو أمٌّ كأبي القاسم، وأبي عبد الله، وأمِّ الخير، والاسمُ ما عُرِي عنه (قَالَهُ) بالهاء، أي: ما سبقَ، ولأبي الوقتِ: «قال» بإسقاط الضَّمير، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فيه» (أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) فيما سبق موصولًا في «البيوعِ» [خ¦٣٥٣٨] و «صفة النَّبيِّ ﷺ» [خ¦٣٥٣٨] بلفظ: «سمُّوا باسمِي، ولا تكَنَّوا بكُنْيتي» [خ¦٢١٢٠].
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي وَمَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْأَنْصَارِ.
١٠٥ - بَاب أَحَبِّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ ﷿
٦١٨٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمَ، فَقُلْنَا: لَا نَكْنِيكَ أَبَا الْقَاسِمِ وَلَا كَرَامَةَ. فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: سَمِّ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ ﷿ وَرَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رفعه: إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي وَهْبٍ الْجُشَمِيِّ وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ بَعْدَ بَابٍ، وَآخَرُ عَنْ مُجَاهِدٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِثْلُهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَلْتَحِقُ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مَا كَانَ مِثْلَهُمَا كَعَبْدِ الرَّحِيمِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الصَّمَدِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ مَا هُوَ وَصْفٌ وَاجِبٌ لِلَّهِ وَمَا هُوَ وَصْفٌ لِلْإِنْسَانِ وَوَاجِبٌ لَهُ وَهُوَ الْعُبُودِيَّةُ. ثُمَّ أُضِيفَ الْعَبْدُ إِلَى الرَّبِّ إِضَافَةً حَقِيقِيَّةً فَصَدَقَتْ أَفْرَادُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَشَرُفَتْ بِهَذَا التَّرْكِيبِ فَحَصَلَتْ لَهَا هَذِهِ الْفَضِيلَةُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الِاسْمَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ إِضَافَةُ عَبْدٍ إِلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرِهِمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُهَيْرٍ الثَّقَفِيِّ رَفَعَهُ: إِذَا سَمَّيْتُمْ فَعَبِّدُوا، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ مَا تُعُبِّدَ بِهِ؛ وَفِي إِسْنَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعْفٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرٍ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ) اسْمُ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَسَمَّاهُ الْقَاسِمُ) مُقْتَضَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ الْهَيْثَمِ، عَنْ خَالِدٍ الواسطي بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا: فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، إِلَّا أَنَّهُ أَوْرَدَهُ عَقِبَ رِوَايَةِ عَبْثَرٍ - وَهُوَ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ، بِعَيْنِ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ - عَنْ حُصَيْنٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تُكَنُّوا بِكُنْيَتِي، فَإِنَّمَا بُعِثْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ.
ثُمَّ سَاقَ رِوَايَةَ خَالِدٍ وَقَالَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُذْكَرْ: فَإِنَّمَا بُعِثْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ، وَكَأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى خَالِدٍ، فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ وُهَيْبِ بْنِ بَقِيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ فَقَالَ: فَسَمَّاهُ الْقَاسِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ حُصَيْنٍ فَقَالَ: سَمَّاهُ الْقَاسِمُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُوسُفَ الْقَاضِي عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ خَالِدٍ فَقَالَ: سَمَّاهُ بِاسْمِ النَّبِيِّ ﷺ، وهَكَذَا قَالَهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى مُسْلِمٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ رِفَاعَةَ بْنِ الْهَيْثَمِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ زِيَادٍ الْبُكَائِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ كَمَا قَالَ رِفَاعَةُ، وَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى شُعْبَةَ أَيْضًا فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ يَعْنِي قَسْمُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابٍ فَرْضُ الْخُمُسِ، فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَاكَ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ - وَهُوَ الْأَعْمَشُ -، وَمَنْصُورٌ، وَقَتَادَةُ قَالُوا: سَمِعْنَا سَالِمًا - أَيِ ابْنَ أَبِي الْجَعْدِ -، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَأَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا.
قَالَ: وَقَالَ عُمَرُو - يَعْنِي ابْنَ مَرْزُوقٍ -، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ بِسَنَدِهِ: أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ الْقَاسِمَ، وَأَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهُ الْقَاسِمَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ فَقَالَ فِيهِ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
كَانُوا بِظَهْرِ المَدِينَةِ) أي: بظاهِرها (-أَوْ قَالَ: أَشْرَفُوا) بالشين المعجمة والفاء (عَلَى المَدِينَةِ- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ): (آيِبُونَ) جمع: آيبٍ، راجعون إلى الله (تَائِبُونَ) راجعون عمَّا هو مذمومٌ شرعًا إلى ما هو محمودٌ، قاله تعليمًا لأمَّته أو تواضعًا (عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُوْلُهَا) أي: هذه الكلمات (حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ).
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في قولهِ: «جعلني الله فداءكَ» على ما لا يخفى، وفيه دليلٌ على جواز ذلك إذ لو كان غير سائغٍ لنهى النَّبيُّ ﷺ (١) قائلَه ولأعلمَه، قيل: لا يلزمُ من تسويغِ قول ذلك للنَّبيِّ ﷺ أن (٢) يسوغ ذلك لغيره؛ لأنَّ نفسه الشَّريفة أعزُّ من أنفس القائلين وآبائهم؟ وأُجيب بأنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة، وفي حديث ابن عمر أنَّه ﷺ قال لفاطمة: «فداك أبوك» وفي حديث ابن مسعودٍ أنَّه ﷺ قال لأصحابه: «فداكُم أبي وأمِّي»، وفي حديث أنسٍ أنَّه ﷺ قال مثلَ ذلك للأنصار، رواها ابنُ أبي عاصمٍ، وأمَّا ما رواه مُبارك بنُ فَضَالة، عن الحسن قال: دخلَ الزُّبير على النَّبيِّ ﷺ وهو شاكٍ، قال: كيف تجدكُ؟ جعلني الله فِدَاءك قال: «ما تركتَ أعرابيَّتك بعد»، فقال الطَّبريُّ: لا حجَّة فيه على المنع؛ لأنَّه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصِّحَّة، وعلى تقدير ثبوتِ ذلك فليس فيه صريحُ المنع، بل فيه إشارةٌ إلى أنَّه ترك الأولى في القول للمريض إمَّا بالتَّأنيس والملاطفة، وإمَّا بالدُّعاء والتَّوجُّع.
والحديثُ سبقَ في «الجهاد» [خ¦٣٠٨٦].
(١٠٥) (بابُ) بيان (أَحَبِّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ ﷿.
٦١٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ) المروزيُّ الحافظ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيينة) سُفيان قال:
(حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ) محمَّد (عَنْ جَابِرٍ) الأنصاريِّ (﵁) أنَّه (قَالَ: وُلِدَ) بضم الواو (لِرَجُلٍ) لم أقفْ على اسمه (مِنَّا غُلَامٌ، فَسَمَّاهُ (١) القَاسِمَ، فَقُلْنَا: لَا نَكْنِيكَ) بفتح النون وسكون الكاف (أَبَا القَاسِمِ وَلَا كَرَامَةَ) نصب، أي: لا نكرمُك كرامة (فَأَخْبَرَ) بفتح الهمزة والموحدة، الرَّجلُ (النَّبِيَّ ﷺ) وفي روايةٍ -قال في «الفتح»: إنَّها للأكثر-: «فأُخْبِرَ» بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (٢) «النَّبيُّ» (فَقَالَ) ﷺ له: (سَمِّ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) وفي حديث مسلمٍ عن ابن عمرَ مرفوعًا «إنَّ أحبَّ الأسماءِ إلى الله ﷿ عبد الله وعبد الرَّحمن» وإنَّما كانا أحبَّ لتضمُّنهما ما هو واجبٌ لله تعالى، ووصفٌ للإنسان وواجبٌ له وهو العبوديَّة، ثمَّ أُضيف العبد إلى الرَّبِّ إضافةً حقيقيَّةً، فصَدَقَت أفرادُ هذين الاسمين، وما يلحقُ بهما كعبدِ الرَّحيم وعبدِ القادرِ، وشَرُفَت بهذا التَّركيب، فحصلت لها هذه الفضيلةُ.
والحديثُ أخرجه مسلمٌ في «الاستئذان».
(١٠٦) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: سَمُّوا) أبناءكم (بِاسْمِي) محمَّد أو أحمد (وَلَا تَكْتَنُوا) بسكون الكاف وفتح الفوقية وضم النون، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولا تكَنَّوا» بفتح الكاف والنون المشددة على حذف إحدى التاءين (بِكُنْيَتِي) بالياء. قال في «الفتح»: وللأَصيليِّ: «بكنوتي» بالواو بدل التحتية، وهي بمعناها تقول: كنيتُهُ وكَنَوتُهُ معنى، والكُنْية ما أوَّلُه أبٌ (٣) أو أمٌّ كأبي القاسم، وأبي عبد الله، وأمِّ الخير، والاسمُ ما عُرِي عنه (قَالَهُ) بالهاء، أي: ما سبقَ، ولأبي الوقتِ: «قال» بإسقاط الضَّمير، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فيه» (أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) فيما سبق موصولًا في «البيوعِ» [خ¦٣٥٣٨] و «صفة النَّبيِّ ﷺ» [خ¦٣٥٣٨] بلفظ: «سمُّوا باسمِي، ولا تكَنَّوا بكُنْيتي» [خ¦٢١٢٠].