«أَخْنَى الْأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٠٥

الحديث رقم ٦٢٠٥ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أبغض الأسماء إلى الله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٢٠٥ في صحيح البخاري

«أَخْنَى الْأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ.»

إسناد حديث رقم ٦٢٠٥ من صحيح البخاري

٦٢٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٢٠٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَوْلُهُ: فَاضْطَجَعَ إِلَى الْجِدَارِ فِي الْمَسْجِدِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ، وَعَنْهُ فِي بَدَلَ إِلَى، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: إِلَى الْجِدَارِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ بِلَفْظِ: فَإِذَا هُوَ رَاقِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ هُنَا. وَقَوْلُهُ يَتَّبِعُهُ بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ وَالْعَيْنُ مُهْمَلَةُ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: يَبْتَغِيهِ؛ بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ، وَالْغَيْنُ مُعْجَمَةٌ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ. وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ جَوَازُ تَكْنِيَةِ الشَّخْصِ بِأَكْثَرَ مِنْ كُنْيَةٍ، وَالتَّلْقِيبُ بِلَفْظِ الْكُنْيَةِ وَبِمَا يُشْتَقُّ مِنْ حَالِ الشَّخْصِ، وَأَنَّ اللَّقَبَ إِذَا صَدَرَ مِنَ الْكَبِيرِ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُهُ لَفْظَ مَدْحٍ، وَأَنَّ مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى التَّنْقِيصِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ كَمَا كَانَ أَهْلُ الشَّامِ يَنْتَقِصُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِزَعْمِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ لَهُ: ابْنُ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، فَيَقُول: تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَفِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْفَضْلِ قَدْ يَقَعُ بَيْنَ الْكَبِيرِ مِنْهُمْ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ مِنَ الْغَضَبِ، وَقَدْ يَدْعُوهُ ذَلِكَ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهِ وَلَا يُعَابُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ خُرُوجِ عَلِيٍّ خَشْيَةَ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهُ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَنَابِ فَاطِمَةَ فَحَسَمَ مَادَّةَ الْكَلَامِ بِذَلِكَ إِلَى أَنْ تَسْكُنَ فَوْرَةُ الْغَضَبِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا. وَفِيهِ كَرَمُ خُلُقِ النَّبِيِّ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ عَلِيٍّ لِيَتَرَضَّاهُ، وَمَسَحَ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ لِيُبْسِطَهُ، وَدَاعَبَهُ بِالْكُنْيَةِ الْمَذْكُورَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ حَالَتِهِ، وَلَمْ يُعَاتِبْهُ عَلَى مُغَاضَبَتِهِ لِابْنَتِهِ مَعَ رَفِيعِ مَنْزِلَتِهَا عِنْدَهُ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ الرِّفْقِ بِالْأَصْهَارِ وَتَرْكُ مُعَاتَبَتِهِمْ إِبْقَاءً لِمَوَدَّتِهِمْ، لِأَنَّ الْعِتَابَ إِنَّمَا يُخْشَى مِمَّنْ يُخْشَى مِنْهُ الْحِقْدُ لَا مِمَّنْ هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.

(تَنْبِيهٌ): أَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِهِ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَعَلِيٌّ فِي غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ فَجَاءَ النَّبِيُّ فَوَجَدَ عَلِيًّا نَائِمًا وَقَدْ عَلَاهُ تُرَابٌ، فَأَيْقَظَهُ وَقَالَ لَهُ: مَالَكَ أَبَا تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِأَشْقَى النَّاسِ؟ الْحَدِيثَ. وَغَزْوَةُ الْعُشَيْرَةِ كَانَتْ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِي حَقِّ عَلِيٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَقِبَ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ إِذَا غَضِبَ عَلَى فَاطِمَةَ فِي شَيْءٍ لَمْ يُكَلِّمْهَا، بَلْ كَانَ يَأْخُذُ تُرَابًا فَيَضَعُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا رَأَى ذَلِكَ عَرَفَ، فَيَقُولُ: مَالَكَ يَا أَبَا تُرَابٍ؟ فَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ يُقَوِّي التَّعَدُّدَ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حَدِيثُ سَهْلٍ فِي الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١١٤ - بَاب أَبْغَضِ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ

٦٢٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَخْنَى الْأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ.

[الحديث ٦٢٠٥ - طرفه في: ٦٢٠٦]

٦٢٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: "أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ" وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ "أَخْنَعُ الأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأَمْلَاكِ" قَالَ سُفْيَانُ يَقُولُ غَيْرُهُ تَفْسِيرُهُ شَاهَانْ شَاهْ

قَوْلُهُ: (بَابُ أَبْغَضِ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ ﷿ كَذَا تَرْجَمَ بِلَفْظِ: أَبْغَضَ، وَهُوَ بِالْمَعْنَى. وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ:

أَخْبَثَ؛ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، وَبِلَفْظِ: أَغْيَظَ، وَهُمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: أَكْرَهِ الْأَسْمَاءِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ: وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: أَبْغَضُ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ خَالِدٌ وَمَالِكٌ، قَالَ: وَمَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا لِأَنَّ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ تَسَمَّى بِهِمَا، قَالَ: وَفِي الْقُرْآنِ تَسْمِيَةُ خَازِنِ النَّارِ مَالِكًا، قَالَ: وَالْعِبَادُ وَإِنْ كَانُوا يَمُوتُونَ فَإِنَّ الْأَرْوَاحَ لَا تَفْنَى، انْتَهَى كَلَامُهُ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فَمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَحْثِ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ الْمَدَنِيِّ أَحَدِ الضُّعَفَاءِ مِنْ مَنَاكِيرِهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ مَا سُمِّيَ بِهِ، وَأَصْدَقُهَا الْحَارِثُ، وَهَمَّامٌ، وَأَكْذَبُ الْأَسْمَاءِ خَالِدٌ وَمَالِكٌ، وَأَبْغَضُهَا إِلَى اللَّهِ مَا سُمِّيَ لِغَيْرِهِ فَلَمْ يَضْبِطِ الدَّاوُدِيُّ لَفْظَ الْمَتْنِ، أَوْ هُوَ مَتْنٌ آخَرُ اطَّلَعَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ عَلَى ضَعْفِهِ بِمَا ذَكَرَ مِنْ تَسْمِيَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَبَعْضِ الْمَلَائِكَةِ فَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، لِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِ الْمَنْعِ بِمَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا.

وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ لِجَوَازِ التَّسْمِيَةِ بخَالِدٍ بِمَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الْأَرْوَاحَ لَا تَفْنَى فَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَلَيْسَ بِوَاضِحٍ أَيْضًا ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ لِنَبِيِّهِ : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ وَالْخُلْدُ الْبَقَاءُ الدَّائِمُ بِغَيْرِ مَوْتٍ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْأَرْوَاحِ لَا تَفْنَى أَنْ يُقَالَ: صَاحِبُ تِلْكَ الرُّوحِ خَالِدٌ.

قَوْلُهُ: (أَخْنَى) كَذَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ لِلْأَكْثَرِ، مِنَ الْخَنَا - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ مَقْصُورٌ - وَهُوَ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَخْنَى عَلَيْهِ الدَّهْرُ؛ أَيْ أَهْلَكَهُ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي: أَخْنَعَ؛ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ مِنَ الْخُنُوعِ وَهُوَ الذُّلُّ، وَقَدْ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ عَقِبَ رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: أَخْنَعُ: أَذَلُّ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ - يَعْنِي إِسْحَاقَ اللُّغَوِيَّ - عَنْ أَخْنَعَ فَقَالَ: أَوْضَعُ، قَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَشَدُّ الْأَسْمَاءِ صَغَارًا. وَبِنَحْوِ ذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْخَانِعُ الذَّلِيلُ وَخَنَعَ الرَّجُلُ ذَلَّ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَإِذَا كَانَ الِاسْمُ أَذَلَّ الْأَسْمَاءِ كَانَ مَنْ تَسَمَّى بِهِ أَشَدَّ ذُلًّا، وَقَدْ فَسَّرَ الْخَلِيلُ أَخْنَعَ بِأَفْجَرَ فَقَالَ: الْخَنْعُ الْفُجُورُ، يُقَالُ: أَخْنَعَ الرَّجُلُ إِلَى الْمَرْأَةِ؛ إِذَا دَعَاهَا لِلْفُجُورِ. قُلْتُ: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْخَنَا وَهُوَ الْفُحْشُ. وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: أَخْنَعُ: أَقْبَحُ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ وَرَدَ بِلَفْظِ: أَنْخَعَ؛ بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلَى الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ بِمَعْنَى أَهْلَكَ؛ لِأَنَّ النَّخْعَ الذَّبْحُ وَالْقَتْلُ الشَّدِيدُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ: أَغْيَظَ؛ بِغَيْنٍ وَظَاءٍ مُعْجَمَتَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَلِكُ الْأَمْلَاكِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ.

وَوَقَعَ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا ابْنِ الْمُلَقِّنِ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَفْحَشُ الْأَسْمَاءِ، وَلَمْ أَرَهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فِي تَفْسِيرِ أَخْنَى، وَقَوْلُهُ: أَخْنَعُ اسْمٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرُ مَرَّةٍ: أَخْنَعُ الْأَسْمَاءِ؛ أَيْ قَالَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَهَذَا اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِي إِرَادَةِ الْكَثْرَةِ، وَسَأَذْكُرُ تَوْجِيهَ الرِّوَايَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عِنْدَ اللَّهِ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِمَا: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ ثَابِتَةٌ هُنَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.

قَوْلُهُ: (تَسَمَّى)؛ أَيْ سَمَّى نَفْسَهُ، أَوْ سُمِّيَ بِذَلِكَ فَرَضِيَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ) بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ مَلِكٍ، وَالْأَمْلَاكُ جَمْعُ مَلِكٍ - بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ - وَجَمْعُ مَلِيكٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ: يَقُولُ غَيْرُهُ)؛ أَيْ غَيْرُ أَبِي الزِّنَادِ.

قَوْلُهُ: (تَفْسِيرُهُ شَاهَانْ شَاهْ) هَكَذَا ثَبَتَ لَفْظُ

تَفْسِيرِهِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ سُفْيَانُ: مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ، فَلَعَلَّ سُفْيَانَ قَالَهُ مَرَّةً نَقْلًا وَمَرَّةً مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ سُفْيَانَ مِثْلَهُ وَزَادَ مِثْلَ ذَلِكَ الصِّينَ، وَشَاهَانْ شَاهْ بِسُكُونِ النُّونِ وَبِهَاءٍ فِي آخِرِهِ وَقَدْ تُنَوَّنُ، وَلَيْسَتْ هَاءَ تَأْنِيثٍ فَلَا يُقَالُ بِالْمُثَنَّاةِ أَصْلًا.

وَقَدْ تَعَجَّبَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ تَفْسِيرِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ اللَّفْظَةُ الْعَرَبِيَّةُ بِاللَّفْظَةِ الْعَجَمِيَّةِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ آخَرُونَ، وَهُوَ غَفْلَةٌ مِنْهُمْ عَنْ مُرَادِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ شَاهَانْ شَاهْ كَانَ قَدْ كَثُرَ التَّسْمِيَةُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ فَنَبَّهَ سفيان عَلَى أَنَّ الِاسْمَ الَّذِي وَرَدَ الْخَبَرُ بِذَمِّهِ لَا يَنْحَصِرُ فِي مَلِكِ الْأَمْلَاكِ بَلْ كُلُّ مَا أَدَّى مَعْنَاهُ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ فَهُوَ مُرَادٌ بِالذَّمِّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: مِثْلَ شَاهَانْ شَاهْ وَقَوْلُهُ: شَاهَانْ شَاهْ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: شَاهٍ شَاهْ؛ بِالتَّنْوِينِ بِغَيْرِ إِشْبَاعٍ فِي الْأُولَى، وَالْأَصْلُ هُوَ الْأُولَى، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَخْفِيفٌ مِنْهَا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ: شَاهْ شَاهَانْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْعَجَمِ تَقْدِيمُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ، فَإِذَا أَرَادُوا قَاضِي الْقُضَاةِ بِلِسَانِهِمْ قَالُوا: موبذان موبذ، فموبذ هُوَ الْقَاضِي وَموبذان جَمْعُهُ، فَكَذَا شَاهْ هُوَ الْمَلِكُ وَشَاهَانْ هُوَ الْمُلُوكُ، قَالَ عِيَاضٌ: اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ بَلِ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْمِ صَاحِبُ الِاسْمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ: هَمَّامٍ أَغْيَظُ رَجُلٍ، فَكَأَنَّهُ مِنْ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: تَسَمَّى، فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ اسْمُ رَجُلٍ تَسَمَّى، بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: وَأَنَّ أَخْنَعَ الْأَسْمَاءِ.

وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّسَمِّي بِهَذَا الِاسْمِ لِوُرُودِ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ؛ مِثْلُ: خَالِقِ الْخَلْقِ، وَأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، وَسُلْطَانِ السَّلَاطِينِ، وَأَمِيرِ الْأُمَرَاءِ. وَقِيلَ: يَلْتَحِقُ بِهِ أَيْضًا مَنْ تَسَمَّى بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْخَاصَّةِ بِهِ كَالرَّحْمَنِ وَالْقُدُّوسِ وَالْجَبَّارِ. وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِهِ مَنْ تَسَمَّى قَاضِي الْقُضَاةِ أَوْ حَاكِمَ الْحُكَّامِ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ أَيْ أَعْدَلُ الْحُكَّامِ وَأَعْلَمُهُمْ، إِذْ لَا فَضْلَ لِحَاكِمٍ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، قَالَ: وَرُبَّ غَرِيقٍ فِي الْجَهْلِ وَالْجَوْرِ مِنْ مُقَلِّدِي زَمَانِنَا قَدْ لُقِّبَ أَقْضَى الْقُضَاةِ وَمَعْنَاهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ فَاعْتَبِرْ وَاسْتَعْبِرْ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِحَدِيثِ: أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ، قَالَ: فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنْ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ عَلَى قَاضٍ يَكُونُ أَعْدَلَ الْقُضَاةِ أَوْ أَعْلَمَهُمْ فِي زَمَانِهِ أَقْضَى الْقُضَاةِ، أَوْ يُرِيدُ إِقْلِيمَهُ أَوْ بَلَدَهُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَاضِي الْقُضَاةِ وَأَقْضَى الْقُضَاةِ، وَفِي اصْطِلَاحِهِمْ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ فَوْقَ الثَّانِي وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِنَا هُنَا.

وَقَدْ تَعَقَّبَ كَلَامَ ابْنِ الْمُنِيرِ عَلَمُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فَصَوَّبَ مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الْمَنْعِ وَرَدَّ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ قَضِيَّةِ عَلِيٍّ بِأَنَّ التَّفْضِيلَ فِي ذَلِكَ وَقَعَ فِي حَقِّ مَنْ خُوطِبَ بِهِ وَمَنْ يَلْتَحِقُ بِهِمْ فَلَيْسَ مُسَاوِيًا لِإِطْلَاقِ التَّفْضِيلِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، قَالَ: وَلَا يَخْفَى مَا فِي إِطْلَاقِ ذَلِكَ مِنَ الْجَرَاءَةِ وَسُوءِ الْأَدَبِ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَنُعِتَ بِذَلِكَ فَلَذَّ فِي سَمْعِهِ فَاحْتَالَ فِي الْجَوَازِ فَإِنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنْ تتَّبَعَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمِنَ النَّوَادِرِ أَنَّ الْقَاضِي عِزَّ الدِّينِ بْنَ جَمَاعَةَ قَالَ أنَّهُ رَأَى أَبَاهُ فِي الْمَنَامِ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ: مَا كَانَ عَلَيَّ أَضَرُّ مِنْ هَذَا الِاسْمِ، فَأَمَرَ الْمُوَقِّعِينَ أَنْ لَا يَكْتُبُوا لَهُ فِي السِّجِلَّاتِ قَاضِي الْقُضَاةِ بَلْ قَاضِي الْمُسْلِمِينَ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ أَبِيهِ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْوَظِيفَةِ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي، فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ بِقَاضِي الْقُضَاةِ وُجِدَتْ فِي الْعَصْرِ الْقَدِيمِ مِنْ عَهْدِ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ مَنَعَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ جَوَازِ تَلْقِيبِ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ فِي عَصْرِهِ بِمَلِكِ الْمُلُوكِ مَعَ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ كَانَ يُقَالُ لَهُ: أَقْضَى الْقُضَاةِ، وَكَأَنَّ وَجْهَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا الْوُقُوفُ مَعَ الْخَبَرِ وَظُهُورُ إِرَادَةِ الْعَهْدِ الزَّمَانِيِّ فِي الْقُضَاةِ.

وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يَلْتَحِقُ بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يَقُولُ: اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ) فاشتقَّ له النَّبيُّ من حالته هذه الكنية، قال الخليل: يقال لمن كان قائمًا: اقعد، ولمن كان نائمًا: اجلس. وتعقَّبه ابنُ دِحية بحديث «الموطأ» حيث قال للقائمِ: اجلسْ، وفيه كرم خلقِ النَّبيِّ ؛ لأنَّه توجَّه نحو عليٍّ ليترضَّاه ومسح التُّراب عن ظهرهِ ليُبسطه وداعبهُ بالكُنية المذكورةِ، ولم يعاتبْه على مغاضبتهِ لابنته مع رفيع منزلتها عندَه، ففيه استحباب الرِّفق بالأصهار وتركِ معاتبتهم إبقاءً لمودَّتهم، وفيه أيضًا أنَّ أهل الفضلِ قد يقعُ بينهم وبين أزواجِهم ما جبلَ الله عليه البشرَ من الغضبِ، وليس ذلك بعيبٍ، وفيه جوازُ تكنيةِ الشَّخص بأكثر من كنيةٍ، فإنَّ عليًّا كانت كنيتُه أبا الحسن.

(١١٤) (بابُ أَبْغَضِ الأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ) ﷿.

٦٢٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ، أنَّه (١) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (: أَخْنَى) بهمزة مفتوحة فخاء معجمة ساكنة فنون مفتوحة بعدها ألف مقصورة، أي: أفحشُ، من الخَنَى، وهو الفحشُ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أخنعُ» بالعين المهملة بدل الألف، أي: أذلُّ وأوضعُ (الأَسْمَاءِ) وفي مسلم عن أبي هُريرة من وجهٍ بلفظ: «أبغضُ» وفي لفظ: «أخبثُ الأسماءِ» (يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ) بكسر اللام، والأملاكُ جمع ملِك -بالكسر-، وبالفتح جمع مَليك، ولأبي ذرٍّ: «بملك الأملاك» بزيادةِ موحدةٍ، أي: سمَّى نفسَه بذلك، أو سمِّي بذلك فرضِي به، واستمرَّ عليه وذلك لأنَّ هذا من صفات الحقِّ ، وذلك لا يليقُ بمخلوقٍ، والعبادُ إنَّما يوصفون بالذُّلِّ والخضوعِ والعبوديَّة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَوْلُهُ: فَاضْطَجَعَ إِلَى الْجِدَارِ فِي الْمَسْجِدِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ، وَعَنْهُ فِي بَدَلَ إِلَى، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ: إِلَى الْجِدَارِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ بِلَفْظِ: فَإِذَا هُوَ رَاقِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُقَوِّي رِوَايَةَ الْأَكْثَرِ هُنَا. وَقَوْلُهُ يَتَّبِعُهُ بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ وَالْعَيْنُ مُهْمَلَةُ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: يَبْتَغِيهِ؛ بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ، وَالْغَيْنُ مُعْجَمَةٌ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ. وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ جَوَازُ تَكْنِيَةِ الشَّخْصِ بِأَكْثَرَ مِنْ كُنْيَةٍ، وَالتَّلْقِيبُ بِلَفْظِ الْكُنْيَةِ وَبِمَا يُشْتَقُّ مِنْ حَالِ الشَّخْصِ، وَأَنَّ اللَّقَبَ إِذَا صَدَرَ مِنَ الْكَبِيرِ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُهُ لَفْظَ مَدْحٍ، وَأَنَّ مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى التَّنْقِيصِ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ كَمَا كَانَ أَهْلُ الشَّامِ يَنْتَقِصُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِزَعْمِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ لَهُ: ابْنُ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، فَيَقُول: تِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَفِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْفَضْلِ قَدْ يَقَعُ بَيْنَ الْكَبِيرِ مِنْهُمْ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ مِنَ الْغَضَبِ، وَقَدْ يَدْعُوهُ ذَلِكَ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهِ وَلَا يُعَابُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ خُرُوجِ عَلِيٍّ خَشْيَةَ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهُ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَنَابِ فَاطِمَةَ فَحَسَمَ مَادَّةَ الْكَلَامِ بِذَلِكَ إِلَى أَنْ تَسْكُنَ فَوْرَةُ الْغَضَبِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا. وَفِيهِ كَرَمُ خُلُقِ النَّبِيِّ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ عَلِيٍّ لِيَتَرَضَّاهُ، وَمَسَحَ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ لِيُبْسِطَهُ، وَدَاعَبَهُ بِالْكُنْيَةِ الْمَذْكُورَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ حَالَتِهِ، وَلَمْ يُعَاتِبْهُ عَلَى مُغَاضَبَتِهِ لِابْنَتِهِ مَعَ رَفِيعِ مَنْزِلَتِهَا عِنْدَهُ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ الرِّفْقِ بِالْأَصْهَارِ وَتَرْكُ مُعَاتَبَتِهِمْ إِبْقَاءً لِمَوَدَّتِهِمْ، لِأَنَّ الْعِتَابَ إِنَّمَا يُخْشَى مِمَّنْ يُخْشَى مِنْهُ الْحِقْدُ لَا مِمَّنْ هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.

(تَنْبِيهٌ): أَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِهِ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَعَلِيٌّ فِي غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ فَجَاءَ النَّبِيُّ فَوَجَدَ عَلِيًّا نَائِمًا وَقَدْ عَلَاهُ تُرَابٌ، فَأَيْقَظَهُ وَقَالَ لَهُ: مَالَكَ أَبَا تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِأَشْقَى النَّاسِ؟ الْحَدِيثَ. وَغَزْوَةُ الْعُشَيْرَةِ كَانَتْ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِي حَقِّ عَلِيٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَقِبَ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ إِذَا غَضِبَ عَلَى فَاطِمَةَ فِي شَيْءٍ لَمْ يُكَلِّمْهَا، بَلْ كَانَ يَأْخُذُ تُرَابًا فَيَضَعُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا رَأَى ذَلِكَ عَرَفَ، فَيَقُولُ: مَالَكَ يَا أَبَا تُرَابٍ؟ فَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ يُقَوِّي التَّعَدُّدَ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حَدِيثُ سَهْلٍ فِي الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١١٤ - بَاب أَبْغَضِ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ

٦٢٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَخْنَى الْأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ.

[الحديث ٦٢٠٥ - طرفه في: ٦٢٠٦]

٦٢٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: "أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ" وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ "أَخْنَعُ الأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأَمْلَاكِ" قَالَ سُفْيَانُ يَقُولُ غَيْرُهُ تَفْسِيرُهُ شَاهَانْ شَاهْ

قَوْلُهُ: (بَابُ أَبْغَضِ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ ﷿ كَذَا تَرْجَمَ بِلَفْظِ: أَبْغَضَ، وَهُوَ بِالْمَعْنَى. وَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ:

أَخْبَثَ؛ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ، وَبِلَفْظِ: أَغْيَظَ، وَهُمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: أَكْرَهِ الْأَسْمَاءِ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ: وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: أَبْغَضُ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ خَالِدٌ وَمَالِكٌ، قَالَ: وَمَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا لِأَنَّ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ تَسَمَّى بِهِمَا، قَالَ: وَفِي الْقُرْآنِ تَسْمِيَةُ خَازِنِ النَّارِ مَالِكًا، قَالَ: وَالْعِبَادُ وَإِنْ كَانُوا يَمُوتُونَ فَإِنَّ الْأَرْوَاحَ لَا تَفْنَى، انْتَهَى كَلَامُهُ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فَمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَحْثِ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ الْمَدَنِيِّ أَحَدِ الضُّعَفَاءِ مِنْ مَنَاكِيرِهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ مَا سُمِّيَ بِهِ، وَأَصْدَقُهَا الْحَارِثُ، وَهَمَّامٌ، وَأَكْذَبُ الْأَسْمَاءِ خَالِدٌ وَمَالِكٌ، وَأَبْغَضُهَا إِلَى اللَّهِ مَا سُمِّيَ لِغَيْرِهِ فَلَمْ يَضْبِطِ الدَّاوُدِيُّ لَفْظَ الْمَتْنِ، أَوْ هُوَ مَتْنٌ آخَرُ اطَّلَعَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ عَلَى ضَعْفِهِ بِمَا ذَكَرَ مِنْ تَسْمِيَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَبَعْضِ الْمَلَائِكَةِ فَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، لِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِ الْمَنْعِ بِمَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا.

وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ لِجَوَازِ التَّسْمِيَةِ بخَالِدٍ بِمَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الْأَرْوَاحَ لَا تَفْنَى فَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَلَيْسَ بِوَاضِحٍ أَيْضًا ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ لِنَبِيِّهِ : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ وَالْخُلْدُ الْبَقَاءُ الدَّائِمُ بِغَيْرِ مَوْتٍ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْأَرْوَاحِ لَا تَفْنَى أَنْ يُقَالَ: صَاحِبُ تِلْكَ الرُّوحِ خَالِدٌ.

قَوْلُهُ: (أَخْنَى) كَذَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ لِلْأَكْثَرِ، مِنَ الْخَنَا - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ مَقْصُورٌ - وَهُوَ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَخْنَى عَلَيْهِ الدَّهْرُ؛ أَيْ أَهْلَكَهُ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي: أَخْنَعَ؛ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ مِنَ الْخُنُوعِ وَهُوَ الذُّلُّ، وَقَدْ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ عَقِبَ رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: أَخْنَعُ: أَذَلُّ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ - يَعْنِي إِسْحَاقَ اللُّغَوِيَّ - عَنْ أَخْنَعَ فَقَالَ: أَوْضَعُ، قَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَشَدُّ الْأَسْمَاءِ صَغَارًا. وَبِنَحْوِ ذَلِكَ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْخَانِعُ الذَّلِيلُ وَخَنَعَ الرَّجُلُ ذَلَّ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَإِذَا كَانَ الِاسْمُ أَذَلَّ الْأَسْمَاءِ كَانَ مَنْ تَسَمَّى بِهِ أَشَدَّ ذُلًّا، وَقَدْ فَسَّرَ الْخَلِيلُ أَخْنَعَ بِأَفْجَرَ فَقَالَ: الْخَنْعُ الْفُجُورُ، يُقَالُ: أَخْنَعَ الرَّجُلُ إِلَى الْمَرْأَةِ؛ إِذَا دَعَاهَا لِلْفُجُورِ. قُلْتُ: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْخَنَا وَهُوَ الْفُحْشُ. وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: أَخْنَعُ: أَقْبَحُ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ وَرَدَ بِلَفْظِ: أَنْخَعَ؛ بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلَى الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ بِمَعْنَى أَهْلَكَ؛ لِأَنَّ النَّخْعَ الذَّبْحُ وَالْقَتْلُ الشَّدِيدُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ: أَغْيَظَ؛ بِغَيْنٍ وَظَاءٍ مُعْجَمَتَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَلِكُ الْأَمْلَاكِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ.

وَوَقَعَ فِي شَرْحِ شَيْخِنَا ابْنِ الْمُلَقِّنِ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَفْحَشُ الْأَسْمَاءِ، وَلَمْ أَرَهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فِي تَفْسِيرِ أَخْنَى، وَقَوْلُهُ: أَخْنَعُ اسْمٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرُ مَرَّةٍ: أَخْنَعُ الْأَسْمَاءِ؛ أَيْ قَالَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَهَذَا اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِي إِرَادَةِ الْكَثْرَةِ، وَسَأَذْكُرُ تَوْجِيهَ الرِّوَايَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (عِنْدَ اللَّهِ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِمَا: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ ثَابِتَةٌ هُنَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.

قَوْلُهُ: (تَسَمَّى)؛ أَيْ سَمَّى نَفْسَهُ، أَوْ سُمِّيَ بِذَلِكَ فَرَضِيَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ) بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ مَلِكٍ، وَالْأَمْلَاكُ جَمْعُ مَلِكٍ - بِالْكَسْرِ وَبِالْفَتْحِ - وَجَمْعُ مَلِيكٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ: يَقُولُ غَيْرُهُ)؛ أَيْ غَيْرُ أَبِي الزِّنَادِ.

قَوْلُهُ: (تَفْسِيرُهُ شَاهَانْ شَاهْ) هَكَذَا ثَبَتَ لَفْظُ

تَفْسِيرِهِ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ سُفْيَانُ: مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ، فَلَعَلَّ سُفْيَانَ قَالَهُ مَرَّةً نَقْلًا وَمَرَّةً مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ سُفْيَانَ مِثْلَهُ وَزَادَ مِثْلَ ذَلِكَ الصِّينَ، وَشَاهَانْ شَاهْ بِسُكُونِ النُّونِ وَبِهَاءٍ فِي آخِرِهِ وَقَدْ تُنَوَّنُ، وَلَيْسَتْ هَاءَ تَأْنِيثٍ فَلَا يُقَالُ بِالْمُثَنَّاةِ أَصْلًا.

وَقَدْ تَعَجَّبَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ تَفْسِيرِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ اللَّفْظَةُ الْعَرَبِيَّةُ بِاللَّفْظَةِ الْعَجَمِيَّةِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ آخَرُونَ، وَهُوَ غَفْلَةٌ مِنْهُمْ عَنْ مُرَادِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ شَاهَانْ شَاهْ كَانَ قَدْ كَثُرَ التَّسْمِيَةُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ فَنَبَّهَ سفيان عَلَى أَنَّ الِاسْمَ الَّذِي وَرَدَ الْخَبَرُ بِذَمِّهِ لَا يَنْحَصِرُ فِي مَلِكِ الْأَمْلَاكِ بَلْ كُلُّ مَا أَدَّى مَعْنَاهُ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ فَهُوَ مُرَادٌ بِالذَّمِّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: مِثْلَ شَاهَانْ شَاهْ وَقَوْلُهُ: شَاهَانْ شَاهْ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: شَاهٍ شَاهْ؛ بِالتَّنْوِينِ بِغَيْرِ إِشْبَاعٍ فِي الْأُولَى، وَالْأَصْلُ هُوَ الْأُولَى، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَخْفِيفٌ مِنْهَا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ: شَاهْ شَاهَانْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْعَجَمِ تَقْدِيمُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ، فَإِذَا أَرَادُوا قَاضِي الْقُضَاةِ بِلِسَانِهِمْ قَالُوا: موبذان موبذ، فموبذ هُوَ الْقَاضِي وَموبذان جَمْعُهُ، فَكَذَا شَاهْ هُوَ الْمَلِكُ وَشَاهَانْ هُوَ الْمُلُوكُ، قَالَ عِيَاضٌ: اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ بَلِ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْمِ صَاحِبُ الِاسْمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ: هَمَّامٍ أَغْيَظُ رَجُلٍ، فَكَأَنَّهُ مِنْ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: تَسَمَّى، فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ اسْمُ رَجُلٍ تَسَمَّى، بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: وَأَنَّ أَخْنَعَ الْأَسْمَاءِ.

وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّسَمِّي بِهَذَا الِاسْمِ لِوُرُودِ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ؛ مِثْلُ: خَالِقِ الْخَلْقِ، وَأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، وَسُلْطَانِ السَّلَاطِينِ، وَأَمِيرِ الْأُمَرَاءِ. وَقِيلَ: يَلْتَحِقُ بِهِ أَيْضًا مَنْ تَسَمَّى بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْخَاصَّةِ بِهِ كَالرَّحْمَنِ وَالْقُدُّوسِ وَالْجَبَّارِ. وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِهِ مَنْ تَسَمَّى قَاضِي الْقُضَاةِ أَوْ حَاكِمَ الْحُكَّامِ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ أَيْ أَعْدَلُ الْحُكَّامِ وَأَعْلَمُهُمْ، إِذْ لَا فَضْلَ لِحَاكِمٍ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، قَالَ: وَرُبَّ غَرِيقٍ فِي الْجَهْلِ وَالْجَوْرِ مِنْ مُقَلِّدِي زَمَانِنَا قَدْ لُقِّبَ أَقْضَى الْقُضَاةِ وَمَعْنَاهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ فَاعْتَبِرْ وَاسْتَعْبِرْ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِحَدِيثِ: أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ، قَالَ: فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنْ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ عَلَى قَاضٍ يَكُونُ أَعْدَلَ الْقُضَاةِ أَوْ أَعْلَمَهُمْ فِي زَمَانِهِ أَقْضَى الْقُضَاةِ، أَوْ يُرِيدُ إِقْلِيمَهُ أَوْ بَلَدَهُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَاضِي الْقُضَاةِ وَأَقْضَى الْقُضَاةِ، وَفِي اصْطِلَاحِهِمْ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ فَوْقَ الثَّانِي وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِنَا هُنَا.

وَقَدْ تَعَقَّبَ كَلَامَ ابْنِ الْمُنِيرِ عَلَمُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فَصَوَّبَ مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الْمَنْعِ وَرَدَّ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ قَضِيَّةِ عَلِيٍّ بِأَنَّ التَّفْضِيلَ فِي ذَلِكَ وَقَعَ فِي حَقِّ مَنْ خُوطِبَ بِهِ وَمَنْ يَلْتَحِقُ بِهِمْ فَلَيْسَ مُسَاوِيًا لِإِطْلَاقِ التَّفْضِيلِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، قَالَ: وَلَا يَخْفَى مَا فِي إِطْلَاقِ ذَلِكَ مِنَ الْجَرَاءَةِ وَسُوءِ الْأَدَبِ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَنُعِتَ بِذَلِكَ فَلَذَّ فِي سَمْعِهِ فَاحْتَالَ فِي الْجَوَازِ فَإِنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنْ تتَّبَعَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمِنَ النَّوَادِرِ أَنَّ الْقَاضِي عِزَّ الدِّينِ بْنَ جَمَاعَةَ قَالَ أنَّهُ رَأَى أَبَاهُ فِي الْمَنَامِ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ: مَا كَانَ عَلَيَّ أَضَرُّ مِنْ هَذَا الِاسْمِ، فَأَمَرَ الْمُوَقِّعِينَ أَنْ لَا يَكْتُبُوا لَهُ فِي السِّجِلَّاتِ قَاضِي الْقُضَاةِ بَلْ قَاضِي الْمُسْلِمِينَ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ أَبِيهِ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى الْوَظِيفَةِ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي، فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ بِقَاضِي الْقُضَاةِ وُجِدَتْ فِي الْعَصْرِ الْقَدِيمِ مِنْ عَهْدِ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ مَنَعَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ جَوَازِ تَلْقِيبِ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ فِي عَصْرِهِ بِمَلِكِ الْمُلُوكِ مَعَ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ كَانَ يُقَالُ لَهُ: أَقْضَى الْقُضَاةِ، وَكَأَنَّ وَجْهَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا الْوُقُوفُ مَعَ الْخَبَرِ وَظُهُورُ إِرَادَةِ الْعَهْدِ الزَّمَانِيِّ فِي الْقُضَاةِ.

وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: يَلْتَحِقُ بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

يَقُولُ: اجْلِسْ يَا أَبَا تُرَابٍ) فاشتقَّ له النَّبيُّ من حالته هذه الكنية، قال الخليل: يقال لمن كان قائمًا: اقعد، ولمن كان نائمًا: اجلس. وتعقَّبه ابنُ دِحية بحديث «الموطأ» حيث قال للقائمِ: اجلسْ، وفيه كرم خلقِ النَّبيِّ ؛ لأنَّه توجَّه نحو عليٍّ ليترضَّاه ومسح التُّراب عن ظهرهِ ليُبسطه وداعبهُ بالكُنية المذكورةِ، ولم يعاتبْه على مغاضبتهِ لابنته مع رفيع منزلتها عندَه، ففيه استحباب الرِّفق بالأصهار وتركِ معاتبتهم إبقاءً لمودَّتهم، وفيه أيضًا أنَّ أهل الفضلِ قد يقعُ بينهم وبين أزواجِهم ما جبلَ الله عليه البشرَ من الغضبِ، وليس ذلك بعيبٍ، وفيه جوازُ تكنيةِ الشَّخص بأكثر من كنيةٍ، فإنَّ عليًّا كانت كنيتُه أبا الحسن.

(١١٤) (بابُ أَبْغَضِ الأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ) ﷿.

٦٢٠٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكمُ بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ، أنَّه (١) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (: أَخْنَى) بهمزة مفتوحة فخاء معجمة ساكنة فنون مفتوحة بعدها ألف مقصورة، أي: أفحشُ، من الخَنَى، وهو الفحشُ، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «أخنعُ» بالعين المهملة بدل الألف، أي: أذلُّ وأوضعُ (الأَسْمَاءِ) وفي مسلم عن أبي هُريرة من وجهٍ بلفظ: «أبغضُ» وفي لفظ: «أخبثُ الأسماءِ» (يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ) بكسر اللام، والأملاكُ جمع ملِك -بالكسر-، وبالفتح جمع مَليك، ولأبي ذرٍّ: «بملك الأملاك» بزيادةِ موحدةٍ، أي: سمَّى نفسَه بذلك، أو سمِّي بذلك فرضِي به، واستمرَّ عليه وذلك لأنَّ هذا من صفات الحقِّ ، وذلك لا يليقُ بمخلوقٍ، والعبادُ إنَّما يوصفون بالذُّلِّ والخضوعِ والعبوديَّة.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله