«نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٢٠

الحديث رقم ٦٢٢٠ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب النهي عن الخذف.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٢٢٠ في صحيح البخاري

«نَهَى النَّبِيُّ عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَلَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ، وَإِنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ.»

بَابُ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ

إسناد حديث رقم ٦٢٢٠ من صحيح البخاري

٦٢٢٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ الْأَزْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٢٢٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَإنَّ الْفِتَنَ تَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِمَّا وَقَعَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي ثَوْرٍ) هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ حَيْثُ قَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ فِي قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَقِيَنِي النَّبِيُّ وَأَنَا جُنُبٌ، وَفِيهِ: فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، وَفِيهِ: قَالَ: تَطَهَّرِي بِهَا. قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي نَذَرَتْ أَنْ تَنْحَرَ نَاقَةَ النَّبِيِّ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! بِئْسَمَا جَزَيْتِهَا، وَكِلَاهُمَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ لَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي حَدِيثِ صَفِيَّةَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ مُؤَخَّرًا آخِرَ هَذَا الْبَابِ وَالْخَطْبُ فِيهِ سَهْلٌ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ إِيرَادُ حَدِيثِ صَفِيَّةَ الْمَذْكُورِ عَقِبَ حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مُتَّصِلًا بِهِ، ثُمَّ اسْتَشْكَلَ مُطَابَقَتَهُ لِلتَّرْجَمَةِ وَقَالَ: سَأَلْتُ الْمُهَلَّبَ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ فُرِغَ مِنْ مَقْعَدِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَقَوَّاهُ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، أَشَارَ إِلَى أَنَّ أَقْوَى أَسْبَابِ النَّارِ الْفِتَنُ وَالْعَصَبِيَّةُ فِيهَا وَالتَّقَاتُلُ عَلَى الْمَالِ وَمَا يُفْتَحُ مِنَ الْخَزَائِنِ اهـ. وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ عَلَى وَفْقِ مَا نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي بَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ لِلتَّعَجُّبِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّكَلُّفِ، وَالْجَوَابُ الْمَذْكُورُ لَا يُفِيدُ مُطَابَقَةَ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ التَّرْجَمَةِ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرْجَمَةِ.

١٢٢ - بَاب النَّهْيِ عَنْ الْخَذْفِ

٦٢٢٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ الْأَزْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنْ الْخَذْفِ وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَلَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ، وَإِنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ.

قَوْلُهُ: (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْخَذْفِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الذالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ، تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وشرح الحديث فِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ.

١٢٣ - بَاب الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ

٦٢٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتْ الْآخَرَ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَهَذَا لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ.

[الحديث ٦٢٢١ - طرفه في: ٦٢٢٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ)؛ أَيْ مَشْرُوعِيَّتُهُ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ الصَّرِيحِ بِهِ، وَلَكِنْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَأَمَّا لَفْظُهُ فَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الْحَمْدِ لِلَّهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي بَعْدَ بَابَيْنِ، وَعَنْ طَائِفَةٍ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. قَالَ: وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ فِيهِ: هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رَفَعَهُ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: يَقُولُ الْعَاطِسُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلِابْنِ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ مِثْلُهُ، وَلِأَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ رَفَعَهُ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَعَنْ طَائِفَةٍ: يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

قُلْتُ: وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَوَرَدَ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، فَعِنْدَهُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَنْ قَالَ عِنْدَ عَطْسَةٍ سَمِعَهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا كَانَ، لَمْ يَجِدْ وَجَعَ الضِّرْسِ وَلَا الْأُذُنِ أَبَدًا وَهَذَا مَوْقُوفٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: مَنْ بَادَرَ الْعَاطِسَ بِالْحَمْدِ عُوفِيَ مِنْ وَجَعِ الْخَاصِرَةِ وَلَمْ يَشْتَكِ ضِرْسَهُ أَبَدًا وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَلِلْمُصَنِّفِ أَيْضًا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا عَطَسَ الرَّجُلُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ الْمَلَكُ: رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَإِنْ قَالَ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ الْمَلَكُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. وَعَنْ طَائِفَةٍ مَا زَادَ مِنَ الثَّنَاءِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَمْدِ كَانَ حَسَنًا، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فِي التَّهْذِيبِ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. فَقَالَ له النَّبِيُّ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ. وَعَطَسَ آخَرُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَقَالَ: ارْتَفَعَ هَذَا عَلَى هَذَا تِسْعَ عَشْرَةَ دَرَجَةً.

وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ فَعَطَسْتُ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ ثَلَاثًا. فَقُلْتُ: أَنَا. فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدِ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ الْمَغْرِبُ، وَسَنَدُهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْعُطَاسِ، وَإِنَّمَا فِيهِ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ إِلَخْ بِنَحْوِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ بِشَرْحِهِ. وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: جَاءَ رَجُلٌ فَدَخَلَ فِي الصَّفِّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَعَطَسَ، فَخَلَّى يَدَيَّ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ شَيْئًا لَمْ أَفْهَمْهُ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِذَا أَنْتَ عَطَسْتَ فَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لِكَرَمِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِعِزِّ جَلَالِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: صَدَقَ عَبْدِي ثَلَاثًا مَغْفُورًا لَهُ. وَأَمَّا الثَّنَاءُ الْخَارِجُ عَنِ الْحَمْدِ فَوَرَدَ فِيهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْيَشْكُرِيِّ قَالَ: عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ تَمَّمْتَهَا وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ! وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَيُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: عَطَسَ رَجُلٌ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى

رَسُولِ اللَّهِ . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ الرَّبِيعِ. قُلْتُ: وَهُوَ صَدُوقٌ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا. وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى رِوَايَةِ زِيَادٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَا أَصْلَ لِمَا اعْتَادَهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنَ اسْتِكْمَالِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَذَا الْعُدُولُ مِنَ الْحَمْدِ إِلَى أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَمْدِ فَمَكْرُوهٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ ابْنَهُ عَطَسَ فَقَالَ: أَبٌ، فَقَالَ: وَمَا أَبٌ؟ إِنَّ الشَّيْطَانَ جَعَلَهَا بَيْنَ الْعَطْسَةِ وَالْحَمْدِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ أَشْ بَدَلَ أَبٍ. وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ الْعَاطِسَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ يَزِيدَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَوْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنَ الْأَدِلَّةِ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ، لَكِنْ مَا كَانَ أَكْثَرَ ثَنَاءً أَفْضَلُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَأْثُورًا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْعَاطِسِ أَنْ يَقُولَ عَقِبَ عُطَاسِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَوْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَكَانَ أَحْسَنَ، فَلَوْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَانَ أَفْضَلَ، كَذَا قَالَ، وَالْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ ثُمَّ الْأَوْلَوِيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ التَّيْمِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: سَمِعْتُ أَنَسًا.

قَوْلُهُ: (عَطَسَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ فِي الْمَاضِي، وَبِكَسْرِهَا وَضَمِّهَا فِي الْمُضَارِعِ.

قَوْلُهُ: (رَجُلَانِ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: أَحَدُهُمَا أَشْرَفُ مِنَ الْآخَرِ، وَإنَّ الشَّرِيفَ لَمْ يَحْمَدْ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُمَا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَابْنُ أَخِيهِ.

قَوْلُهُ: (فَشَمَّتَ) بِالْمُعْجَمَةِ، وَلِلسَّرَخْسِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: فَشَمَّتَ أَوْ سَمَّتَ؛ بِالشَّكِّ فِي الْمُعْجَمَةِ أَوِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مِنَ التَّشْمِيتِ، قَالَ الْخَلِيلُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا: يُقَالُ بِالْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: كُلُّ دَاعٍ بِالْخَيْرِ مُشَمِّتٌ بِالْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ، وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ الشِّينَ وَالسِّينَ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ بِمَعْنًى اهـ. وَهَذَا لَيْسَ مُطَّرِدًا بَلْ هُوَ فِي مَوَاضِعَ مَعْدُودَةٍ، وَقَدْ جَمَعَهَا شَيْخُنَا شَمْسُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي جُزْءٍ لَطِيفٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: التَّشْمِيتُ بِالْمُعْجَمَةِ أَعْلَى وَأَكْثَرُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ كَذَلِكَ لِلْأَكْثَرِ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَفِي الرِّوَايَةِ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الِاخْتِيَارُ أنه بِالْمُهْمَلَةِ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّمْتِ وَهُوَ الْقَصْدُ وَالطَّرِيقُ الْقَوِيمُ. وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ إِلَى تَرْجِيحِهِ، وَقَالَ الْقَزَّازُ: التَّشْمِيتُ التَّبْرِيكُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ شَمَّتَهُ إِذَا دَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَشَمَّتَ عَلَيْهِ إِذَا بَرَّكَ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي قِصَّةِ تَزْوِيجِ عَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ: شَمَّتَ عَلَيْهِمَا؛ إِذَا دَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ.

وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: التَّسْمِيتُ بِالْمُهْمَلَةِ أَفْصَحُ، وَهُوَ مِنْ سَمَتِ الْإِبِلُ فِي الْمَرْعَى إِذَا جُمِعَتْ، فَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا: جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَكَ. وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ سَمْتَ الْإِبِلِ إِنَّمَا هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ، وَكَذَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ، فَيَكُونُ مَعْنَى سَمَّتَهُ دَعَا لَهُ بِأَنْ يَجْمَعَ شَمْلَهُ، وَقِيلَ: هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ مِنَ الشَّمَاتَةِ وَهُوَ فَرَحُ الشَّخْصِ بِمَا يَسُوءُ عَدُوَّهُ فَكَأَنَّهُ دَعَا لَهُ أَنْ لا يَكُونَ فِي حَالٍ مَنْ يَشْمَتُ بِهِ، أَوْ أَنَّهُ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ أَدْخَلَ عَلَى الشَّيْطَانِ مَا يَسُوؤُهُ فَشَمِتَ هُوَ بِالشَّيْطَانِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الشَّوَامِتِ جَمْعُ شَامِتَةٍ وَهِيَ الْقَائِمَةُ، يُقَالُ: لَا تَرَكَ اللَّهُ لَهُ شَامِتَةً؛ أَيْ قَائِمَةً. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: تَكَلَّمَ أَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى اشْتِقَاقِ اللَّفْظَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ بَدِيعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَاطِسَ يَنْحَلُّ كُلُّ عُضْو فِي رَأْسِهِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الْعُنُقِ وَنَحْوِهِ، فَكَأَنَّهُ إِذَا قِيلَ رَحِمَكَ اللَّهُ كَانَ مَعْنَاهُ أَعْطَاهُ اللَّهُ رَحْمَةً يَرْجِعُ بِهَا بِذَلِكَ العضو إِلَى حَالِهِ قَبْلَ الْعُطَاسِ وَيُقِيمُ عَلَى حَالِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، فَإِنْ كَانَ التَّسْمِيتُ بِالْمُهْمَلَةِ فَمَعْنَاهُ رَجَعَ كُلُّ

عُضْوٍ إِلَى سَمْتِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِالْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهُ صَانَ اللَّهُ شَوَامِتَهُ أَيْ قَوَائِمُهُ الَّتِي بِهَا قِوَامُ بَدَنِهِ عَنْ خُرُوجِهَا عَنِ الِاعْتِدَالِ.

قَالَ: وَشَوَامِتُ كُلِّ شَيْءٍ قَوَائِمُهُ الَّتِي بِهَا قِوَامُهُ ; فَقِوَامُ الدَّابَّةِ بِسَلَامَةِ قَوَائِمِهَا الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا إِذَا سَلِمَتْ، وَقِوَامُ الْآدَمِيِّ بِسَلَامَةِ قَوَائِمِهِ الَّتِي بِهَا قِوَامُهُ وَهِيَ رَأْسُهُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ عُنُقٍ وَصَدْرٍ اهـ مُلَخَّصًا.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لَهُ) السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ هُوَ الْعَاطِسُ الَّذِي لَمْ يَحْمَدْ، وَقَعَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِلَفْظِ: فَسَأَلَهُ الشَّرِيفُ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابَيْنِ بِلَفْظِ: فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَمَّتَّ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي وَهَذَا قَدْ يُعَكِّرُ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ الشَّرِيفَ الْمَذْكُورَ هُوَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَإِنَّهُ كَانَ كَافِرًا وَمَاتَ عَلَى كُفْرِهِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يُخَاطِبَ النَّبِيَّ بِقَوْلِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهَا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ بَلْ بِاعْتِبَارِ مَا يُخَاطِبُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ لِعَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الْمَذْكُورِ، فَفِي الصَّحَابَةِ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ الْأَسْلَمِيُّ لَهُ ذِكْرٌ فِي الصَّحَابَةِ وَحَدِيثٌ رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيُّ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَفِي الصَّحَابَةِ أَيْضًا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ الْأَزْدِيُّ ذَكَرَهُ وَثِيمَةُ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ وَوَرَدَ لَهُ مَرْثِيَةٌ فِي النَّبِيِّ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَامِرٌ الْمَشْهُورُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدَ هَذَيْنِ، ثُمَّ رَاجَعْتُ مُعْجَمَ الطَّبَرَانِيِّ فَوَجَدْتُ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الدَّلَالَةَ الظَّاهِرَةَ عَلَى أَنَّهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ الْفَارِسُ الْمَشْهُورُ، وَكَانَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ كَلَامٌ، ثُمَّ عَطَسَ ابْنُ أَخِيهِ فَحَمِدَ فَشَمَّتَهُ النَّبِيُّ ثُمَّ عَطَسَ

عَامِرٌ فَلَمْ يَحْمَدْ فَلَمْ يُشَمِّتْهُ، فَسَأَلَهُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قِصَّةُ غَزْوَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ وَكَانَ هُوَ السَّبَبُ فِيهَا، وَمَاتَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بَعْدَ ذَلِكَ كَافِرًا فِي قِصَّةٍ لَهُ مَشْهُورَةٍ فِي مَوْتِهِ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَهَذَا لَمْ يَحْمَدْ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ هَذَا ذَكَرَ اللَّهَ فَذَكَرْتُهُ، وَأَنْتَ نَسِيتَ اللَّهَ فَنَسِيتُكَ، وَقَدْ تقَدَّمُ أَنَّ النِّسْيَانَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ التَّرْكُ. قَالَ الْحَلِيمِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ أَنَّ الْعُطَاسَ يَدْفَعُ الْأَذَى مِنَ الدِّمَاغِ الَّذِي فِيهِ قُوَّةُ الْفِكْرِ، وَمِنْهُ مَنْشَأُ الْأَعْصَابِ الَّتِي هِيَ مَعْدِنُ الْحِسِّ وَبِسَلَامَتِهِ تَسْلَمُ الْأَعْضَاءُ، فَيَظْهَرُ بِهَذَا أَنَّهَا نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ فَنَاسَبَ أَنْ تُقَابَلَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِقْرَارِ لِلَّهِ بِالْخَلْقِ وَالْقُدْرَةِ وَإِضَافَةِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ لَا إِلَى الطَّبَائِعِ اهـ. وَهَذَا بَعْضُ مَا ادَّعَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ التَّشْمِيتَ إِنَّمَا يُشْرَعُ لِمَنْ حَمِدَ اللَّهَ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَفِيهِ جَوَازُ السُّؤَالِ عَنْ عِلَّةِ الْحُكْمِ وَبَيَانِهَا لِلسَّائِلِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَاطِسَ إِذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ لَا يُلَقَّنِ الْحَمْدَ لِيَحْمَدَ فَيُشَمَّتَ، كَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ ثَالِثِ بَابٍ.

وَمِنْ آدَابِ الْعَاطِسِ أَنْ يَخْفِضَ بِالْعَطْسِ صَوْتَهُ وَيَرْفَعَهُ بِالْحَمْدِ، وَأَنْ يُغَطِّي وَجْهَهُ لِئَلَّا يَبْدُوَ مِنْ فِيهِ أَوْ أَنْفِهِ مَا يُؤْذِي جَلِيسَهُ، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْحِكْمَةُ فِي خَفْضِ الصَّوْتِ بِالْعُطَاسِ أَنَّ فِي رَفْعِهِ إِزْعَاجًا لِلْأَعْضَاءِ، وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ أَنَّهُ لَوْ بَدَرَ مِنْهُ شَيْءٌ آذَى جَلِيسَهُ، وَلَوْ لَوَى عُنُقَهُ صِيَانَةً لِجَلِيسِهِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ الِالْتِوَاءِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَخَفَضَ صَوْتَهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِنَحْوِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَمِنْ فَوَائِدِ التَّشْمِيتِ تَحْصِيلُ الْمَوَدَّةِ وَالتَّأْلِيفُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَأْدِيبُ الْعَاطِسِ بِكَسْرِ النَّفْسِ عَنِ الْكِبْرِ، وَالْحَمْلِ عَلَى التَّوَاضُعِ، لِمَا فِي ذِكْرِ الرَّحْمَةِ مِنَ الْإِشْعَارِ بِالذَّنْبِ الَّذِي لَا يَعْرَى عَنْهُ أَكْثَرُ الْمُكَلَّفِينَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

زَوْجِ النَّبِيِّ مَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ) لم يسمَّيا (فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ثُمَّ نَفَذَا) بفتح النون والفاء والذال المعجمة، مضيا (فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ : عَلَى رِسْلِكُمَا) بكسر الراء وسكون السين المهملة، هينتكما (إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ. قَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ) أي: تنزَّه الله أن يكون رسولهُ متَّهمًا بما لا ينبغِي، أو كنايةً عن تعجُّبهما من هذا القولِ المذكور بقرينة قولهِ (وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا) بضم الموحدة، أي: عظُم وشقَّ (مَا قَالَ) وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «ما قال» (قَالَ) : (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي) بالجيم والراء (مِنِ ابْنِ آدَمَ) ولأبي ذرٍّ: «يبلغُ من الإنسان» (مَبْلَغَ الدَّمِ) أي: كمبلغ الدَّم، ووجه التَّشبيه كما في «الكواكب» عدمُ المفارقة، وكمال الاتِّصال (وَإِنِّي خَشِيتُ) عليكما (أَنْ يَقْذِفَ) الشَّيطان (فِي قُلُوبِكُمَا) شيئًا تهلكان بسببهِ، وأشار المصنِّف بسياق ما ذكره هنا إلى الرَّدِّ (١) على من منعَ استعمال ذلك عند التَّعجُّب، وقد وردتْ أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ في قولهِ: سبحان الله عند التَّعجُّب، وقد وقع حديث صفيَّة هذا مؤخرًا في رواية غير أبي ذرٍّ آخر هذا الحديث كما تَرى، والله أعلم.

وقد سبق في «الاعتكاف» في «باب هل يخرج المعتكف لحوائجه» [خ¦٢٠٣٥] وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٨١] وفي «الخُمس» [خ¦٣١٠١].

(١٢٢) (بابُ) بيان (النَّهْيِ عَنِ الخَذْفِ) بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين وبالفاء، وهو رميُ الحصى بالأصابعِ.

٦٢٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ) بضم العين وسكون القاف في الأول، وضم الصاد المهملة وسكون الهاء في الثاني (الأَزْدِيَّ) بفتح الهمزة وسكون الزاي والدال مهملة، نسبةً إلى أزدِ بن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَإنَّ الْفِتَنَ تَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِمَّا وَقَعَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي ثَوْرٍ) هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ حَيْثُ قَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ فِي قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَقِيَنِي النَّبِيُّ وَأَنَا جُنُبٌ، وَفِيهِ: فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، وَفِيهِ: قَالَ: تَطَهَّرِي بِهَا. قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي نَذَرَتْ أَنْ تَنْحَرَ نَاقَةَ النَّبِيِّ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! بِئْسَمَا جَزَيْتِهَا، وَكِلَاهُمَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ لَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي حَدِيثِ صَفِيَّةَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ مُؤَخَّرًا آخِرَ هَذَا الْبَابِ وَالْخَطْبُ فِيهِ سَهْلٌ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ إِيرَادُ حَدِيثِ صَفِيَّةَ الْمَذْكُورِ عَقِبَ حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مُتَّصِلًا بِهِ، ثُمَّ اسْتَشْكَلَ مُطَابَقَتَهُ لِلتَّرْجَمَةِ وَقَالَ: سَأَلْتُ الْمُهَلَّبَ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّمَا أَوْرَدَهُ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ فُرِغَ مِنْ مَقْعَدِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَقَوَّاهُ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، أَشَارَ إِلَى أَنَّ أَقْوَى أَسْبَابِ النَّارِ الْفِتَنُ وَالْعَصَبِيَّةُ فِيهَا وَالتَّقَاتُلُ عَلَى الْمَالِ وَمَا يُفْتَحُ مِنَ الْخَزَائِنِ اهـ. وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ عَلَى وَفْقِ مَا نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَإِنَّمَا وَقَعَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي بَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ لِلتَّعَجُّبِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ مُسْتَغْنٍ عَنِ التَّكَلُّفِ، وَالْجَوَابُ الْمَذْكُورُ لَا يُفِيدُ مُطَابَقَةَ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ التَّرْجَمَةِ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرْجَمَةِ.

١٢٢ - بَاب النَّهْيِ عَنْ الْخَذْفِ

٦٢٢٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ الْأَزْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ عَنْ الْخَذْفِ وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ وَلَا يَنْكَأُ الْعَدُوَّ، وَإِنَّهُ يَفْقَأُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ.

قَوْلُهُ: (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْخَذْفِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الذالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ، تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وشرح الحديث فِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ.

١٢٣ - بَاب الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ

٦٢٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتْ الْآخَرَ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَهَذَا لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ.

[الحديث ٦٢٢١ - طرفه في: ٦٢٢٥]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ)؛ أَيْ مَشْرُوعِيَّتُهُ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ الصَّرِيحِ بِهِ، وَلَكِنْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَأَمَّا لَفْظُهُ فَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الْحَمْدِ لِلَّهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي بَعْدَ بَابَيْنِ، وَعَنْ طَائِفَةٍ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. قَالَ: وَقَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ فِيهِ: هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رَفَعَهُ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَفَعَهُ: يَقُولُ الْعَاطِسُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلِابْنِ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ مِثْلُهُ، وَلِأَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ رَفَعَهُ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَوِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَعَنْ طَائِفَةٍ: يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

قُلْتُ: وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَوَرَدَ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، فَعِنْدَهُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَنْ قَالَ عِنْدَ عَطْسَةٍ سَمِعَهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا كَانَ، لَمْ يَجِدْ وَجَعَ الضِّرْسِ وَلَا الْأُذُنِ أَبَدًا وَهَذَا مَوْقُوفٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: مَنْ بَادَرَ الْعَاطِسَ بِالْحَمْدِ عُوفِيَ مِنْ وَجَعِ الْخَاصِرَةِ وَلَمْ يَشْتَكِ ضِرْسَهُ أَبَدًا وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَلِلْمُصَنِّفِ أَيْضًا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا عَطَسَ الرَّجُلُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ الْمَلَكُ: رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَإِنْ قَالَ: رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ الْمَلَكُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. وَعَنْ طَائِفَةٍ مَا زَادَ مِنَ الثَّنَاءِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَمْدِ كَانَ حَسَنًا، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فِي التَّهْذِيبِ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. فَقَالَ له النَّبِيُّ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ. وَعَطَسَ آخَرُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَقَالَ: ارْتَفَعَ هَذَا عَلَى هَذَا تِسْعَ عَشْرَةَ دَرَجَةً.

وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ فَعَطَسْتُ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ ثَلَاثًا. فَقُلْتُ: أَنَا. فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدِ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ الْمَغْرِبُ، وَسَنَدُهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْعُطَاسِ، وَإِنَّمَا فِيهِ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ إِلَخْ بِنَحْوِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ بِشَرْحِهِ. وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: جَاءَ رَجُلٌ فَدَخَلَ فِي الصَّفِّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَعَطَسَ، فَخَلَّى يَدَيَّ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ شَيْئًا لَمْ أَفْهَمْهُ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِذَا أَنْتَ عَطَسْتَ فَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لِكَرَمِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِعِزِّ جَلَالِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: صَدَقَ عَبْدِي ثَلَاثًا مَغْفُورًا لَهُ. وَأَمَّا الثَّنَاءُ الْخَارِجُ عَنِ الْحَمْدِ فَوَرَدَ فِيهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْيَشْكُرِيِّ قَالَ: عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ تَمَّمْتَهَا وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ! وَأَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ، وَيُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: عَطَسَ رَجُلٌ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى

رَسُولِ اللَّهِ . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ الرَّبِيعِ. قُلْتُ: وَهُوَ صَدُوقٌ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا. وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى رِوَايَةِ زِيَادٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَا أَصْلَ لِمَا اعْتَادَهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنَ اسْتِكْمَالِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَذَا الْعُدُولُ مِنَ الْحَمْدِ إِلَى أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَمْدِ فَمَكْرُوهٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَمِعَ ابْنَهُ عَطَسَ فَقَالَ: أَبٌ، فَقَالَ: وَمَا أَبٌ؟ إِنَّ الشَّيْطَانَ جَعَلَهَا بَيْنَ الْعَطْسَةِ وَالْحَمْدِ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ أَشْ بَدَلَ أَبٍ. وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ الْعَاطِسَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ يَزِيدَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَوْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنَ الْأَدِلَّةِ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ، لَكِنْ مَا كَانَ أَكْثَرَ ثَنَاءً أَفْضَلُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَأْثُورًا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْعَاطِسِ أَنْ يَقُولَ عَقِبَ عُطَاسِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَوْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَكَانَ أَحْسَنَ، فَلَوْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَانَ أَفْضَلَ، كَذَا قَالَ، وَالْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ ثُمَّ الْأَوْلَوِيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ التَّيْمِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: سَمِعْتُ أَنَسًا.

قَوْلُهُ: (عَطَسَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ فِي الْمَاضِي، وَبِكَسْرِهَا وَضَمِّهَا فِي الْمُضَارِعِ.

قَوْلُهُ: (رَجُلَانِ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: أَحَدُهُمَا أَشْرَفُ مِنَ الْآخَرِ، وَإنَّ الشَّرِيفَ لَمْ يَحْمَدْ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُمَا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَابْنُ أَخِيهِ.

قَوْلُهُ: (فَشَمَّتَ) بِالْمُعْجَمَةِ، وَلِلسَّرَخْسِيِّ بِالْمُهْمَلَةِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ: فَشَمَّتَ أَوْ سَمَّتَ؛ بِالشَّكِّ فِي الْمُعْجَمَةِ أَوِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مِنَ التَّشْمِيتِ، قَالَ الْخَلِيلُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمَا: يُقَالُ بِالْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: كُلُّ دَاعٍ بِالْخَيْرِ مُشَمِّتٌ بِالْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ، وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ الشِّينَ وَالسِّينَ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ بِمَعْنًى اهـ. وَهَذَا لَيْسَ مُطَّرِدًا بَلْ هُوَ فِي مَوَاضِعَ مَعْدُودَةٍ، وَقَدْ جَمَعَهَا شَيْخُنَا شَمْسُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي جُزْءٍ لَطِيفٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: التَّشْمِيتُ بِالْمُعْجَمَةِ أَعْلَى وَأَكْثَرُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ كَذَلِكَ لِلْأَكْثَرِ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَفِي الرِّوَايَةِ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الِاخْتِيَارُ أنه بِالْمُهْمَلَةِ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّمْتِ وَهُوَ الْقَصْدُ وَالطَّرِيقُ الْقَوِيمُ. وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ إِلَى تَرْجِيحِهِ، وَقَالَ الْقَزَّازُ: التَّشْمِيتُ التَّبْرِيكُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ شَمَّتَهُ إِذَا دَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَشَمَّتَ عَلَيْهِ إِذَا بَرَّكَ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي قِصَّةِ تَزْوِيجِ عَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ: شَمَّتَ عَلَيْهِمَا؛ إِذَا دَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ.

وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: التَّسْمِيتُ بِالْمُهْمَلَةِ أَفْصَحُ، وَهُوَ مِنْ سَمَتِ الْإِبِلُ فِي الْمَرْعَى إِذَا جُمِعَتْ، فَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا: جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَكَ. وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّ سَمْتَ الْإِبِلِ إِنَّمَا هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ، وَكَذَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ، فَيَكُونُ مَعْنَى سَمَّتَهُ دَعَا لَهُ بِأَنْ يَجْمَعَ شَمْلَهُ، وَقِيلَ: هُوَ بِالْمُعْجَمَةِ مِنَ الشَّمَاتَةِ وَهُوَ فَرَحُ الشَّخْصِ بِمَا يَسُوءُ عَدُوَّهُ فَكَأَنَّهُ دَعَا لَهُ أَنْ لا يَكُونَ فِي حَالٍ مَنْ يَشْمَتُ بِهِ، أَوْ أَنَّهُ إِذَا حَمِدَ اللَّهَ أَدْخَلَ عَلَى الشَّيْطَانِ مَا يَسُوؤُهُ فَشَمِتَ هُوَ بِالشَّيْطَانِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الشَّوَامِتِ جَمْعُ شَامِتَةٍ وَهِيَ الْقَائِمَةُ، يُقَالُ: لَا تَرَكَ اللَّهُ لَهُ شَامِتَةً؛ أَيْ قَائِمَةً. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: تَكَلَّمَ أَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى اشْتِقَاقِ اللَّفْظَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ بَدِيعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَاطِسَ يَنْحَلُّ كُلُّ عُضْو فِي رَأْسِهِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الْعُنُقِ وَنَحْوِهِ، فَكَأَنَّهُ إِذَا قِيلَ رَحِمَكَ اللَّهُ كَانَ مَعْنَاهُ أَعْطَاهُ اللَّهُ رَحْمَةً يَرْجِعُ بِهَا بِذَلِكَ العضو إِلَى حَالِهِ قَبْلَ الْعُطَاسِ وَيُقِيمُ عَلَى حَالِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ، فَإِنْ كَانَ التَّسْمِيتُ بِالْمُهْمَلَةِ فَمَعْنَاهُ رَجَعَ كُلُّ

عُضْوٍ إِلَى سَمْتِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِالْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهُ صَانَ اللَّهُ شَوَامِتَهُ أَيْ قَوَائِمُهُ الَّتِي بِهَا قِوَامُ بَدَنِهِ عَنْ خُرُوجِهَا عَنِ الِاعْتِدَالِ.

قَالَ: وَشَوَامِتُ كُلِّ شَيْءٍ قَوَائِمُهُ الَّتِي بِهَا قِوَامُهُ ; فَقِوَامُ الدَّابَّةِ بِسَلَامَةِ قَوَائِمِهَا الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا إِذَا سَلِمَتْ، وَقِوَامُ الْآدَمِيِّ بِسَلَامَةِ قَوَائِمِهِ الَّتِي بِهَا قِوَامُهُ وَهِيَ رَأْسُهُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ عُنُقٍ وَصَدْرٍ اهـ مُلَخَّصًا.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لَهُ) السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ هُوَ الْعَاطِسُ الَّذِي لَمْ يَحْمَدْ، وَقَعَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِلَفْظِ: فَسَأَلَهُ الشَّرِيفُ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابَيْنِ بِلَفْظِ: فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَمَّتَّ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي وَهَذَا قَدْ يُعَكِّرُ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ الشَّرِيفَ الْمَذْكُورَ هُوَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَإِنَّهُ كَانَ كَافِرًا وَمَاتَ عَلَى كُفْرِهِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يُخَاطِبَ النَّبِيَّ بِقَوْلِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهَا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ بَلْ بِاعْتِبَارِ مَا يُخَاطِبُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ لِعَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الْمَذْكُورِ، فَفِي الصَّحَابَةِ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ الْأَسْلَمِيُّ لَهُ ذِكْرٌ فِي الصَّحَابَةِ وَحَدِيثٌ رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيُّ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَفِي الصَّحَابَةِ أَيْضًا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ الْأَزْدِيُّ ذَكَرَهُ وَثِيمَةُ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ وَوَرَدَ لَهُ مَرْثِيَةٌ فِي النَّبِيِّ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَامِرٌ الْمَشْهُورُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدَ هَذَيْنِ، ثُمَّ رَاجَعْتُ مُعْجَمَ الطَّبَرَانِيِّ فَوَجَدْتُ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الدَّلَالَةَ الظَّاهِرَةَ عَلَى أَنَّهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ الْفَارِسُ الْمَشْهُورُ، وَكَانَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ كَلَامٌ، ثُمَّ عَطَسَ ابْنُ أَخِيهِ فَحَمِدَ فَشَمَّتَهُ النَّبِيُّ ثُمَّ عَطَسَ

عَامِرٌ فَلَمْ يَحْمَدْ فَلَمْ يُشَمِّتْهُ، فَسَأَلَهُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قِصَّةُ غَزْوَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ وَكَانَ هُوَ السَّبَبُ فِيهَا، وَمَاتَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بَعْدَ ذَلِكَ كَافِرًا فِي قِصَّةٍ لَهُ مَشْهُورَةٍ فِي مَوْتِهِ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَهَذَا لَمْ يَحْمَدْ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّ هَذَا ذَكَرَ اللَّهَ فَذَكَرْتُهُ، وَأَنْتَ نَسِيتَ اللَّهَ فَنَسِيتُكَ، وَقَدْ تقَدَّمُ أَنَّ النِّسْيَانَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ التَّرْكُ. قَالَ الْحَلِيمِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ أَنَّ الْعُطَاسَ يَدْفَعُ الْأَذَى مِنَ الدِّمَاغِ الَّذِي فِيهِ قُوَّةُ الْفِكْرِ، وَمِنْهُ مَنْشَأُ الْأَعْصَابِ الَّتِي هِيَ مَعْدِنُ الْحِسِّ وَبِسَلَامَتِهِ تَسْلَمُ الْأَعْضَاءُ، فَيَظْهَرُ بِهَذَا أَنَّهَا نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ فَنَاسَبَ أَنْ تُقَابَلَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِقْرَارِ لِلَّهِ بِالْخَلْقِ وَالْقُدْرَةِ وَإِضَافَةِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ لَا إِلَى الطَّبَائِعِ اهـ. وَهَذَا بَعْضُ مَا ادَّعَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ التَّشْمِيتَ إِنَّمَا يُشْرَعُ لِمَنْ حَمِدَ اللَّهَ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَفِيهِ جَوَازُ السُّؤَالِ عَنْ عِلَّةِ الْحُكْمِ وَبَيَانِهَا لِلسَّائِلِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةٌ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَاطِسَ إِذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ لَا يُلَقَّنِ الْحَمْدَ لِيَحْمَدَ فَيُشَمَّتَ، كَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ ثَالِثِ بَابٍ.

وَمِنْ آدَابِ الْعَاطِسِ أَنْ يَخْفِضَ بِالْعَطْسِ صَوْتَهُ وَيَرْفَعَهُ بِالْحَمْدِ، وَأَنْ يُغَطِّي وَجْهَهُ لِئَلَّا يَبْدُوَ مِنْ فِيهِ أَوْ أَنْفِهِ مَا يُؤْذِي جَلِيسَهُ، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْحِكْمَةُ فِي خَفْضِ الصَّوْتِ بِالْعُطَاسِ أَنَّ فِي رَفْعِهِ إِزْعَاجًا لِلْأَعْضَاءِ، وَفِي تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ أَنَّهُ لَوْ بَدَرَ مِنْهُ شَيْءٌ آذَى جَلِيسَهُ، وَلَوْ لَوَى عُنُقَهُ صِيَانَةً لِجَلِيسِهِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ الِالْتِوَاءِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَخَفَضَ صَوْتَهُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِنَحْوِهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَمِنْ فَوَائِدِ التَّشْمِيتِ تَحْصِيلُ الْمَوَدَّةِ وَالتَّأْلِيفُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَأْدِيبُ الْعَاطِسِ بِكَسْرِ النَّفْسِ عَنِ الْكِبْرِ، وَالْحَمْلِ عَلَى التَّوَاضُعِ، لِمَا فِي ذِكْرِ الرَّحْمَةِ مِنَ الْإِشْعَارِ بِالذَّنْبِ الَّذِي لَا يَعْرَى عَنْهُ أَكْثَرُ الْمُكَلَّفِينَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

زَوْجِ النَّبِيِّ مَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ) لم يسمَّيا (فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ثُمَّ نَفَذَا) بفتح النون والفاء والذال المعجمة، مضيا (فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ : عَلَى رِسْلِكُمَا) بكسر الراء وسكون السين المهملة، هينتكما (إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ. قَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ) أي: تنزَّه الله أن يكون رسولهُ متَّهمًا بما لا ينبغِي، أو كنايةً عن تعجُّبهما من هذا القولِ المذكور بقرينة قولهِ (وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا) بضم الموحدة، أي: عظُم وشقَّ (مَا قَالَ) وسقط لغير أبي ذرٍّ قوله: «ما قال» (قَالَ) : (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي) بالجيم والراء (مِنِ ابْنِ آدَمَ) ولأبي ذرٍّ: «يبلغُ من الإنسان» (مَبْلَغَ الدَّمِ) أي: كمبلغ الدَّم، ووجه التَّشبيه كما في «الكواكب» عدمُ المفارقة، وكمال الاتِّصال (وَإِنِّي خَشِيتُ) عليكما (أَنْ يَقْذِفَ) الشَّيطان (فِي قُلُوبِكُمَا) شيئًا تهلكان بسببهِ، وأشار المصنِّف بسياق ما ذكره هنا إلى الرَّدِّ (١) على من منعَ استعمال ذلك عند التَّعجُّب، وقد وردتْ أحاديث كثيرةٌ صحيحةٌ في قولهِ: سبحان الله عند التَّعجُّب، وقد وقع حديث صفيَّة هذا مؤخرًا في رواية غير أبي ذرٍّ آخر هذا الحديث كما تَرى، والله أعلم.

وقد سبق في «الاعتكاف» في «باب هل يخرج المعتكف لحوائجه» [خ¦٢٠٣٥] وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٨١] وفي «الخُمس» [خ¦٣١٠١].

(١٢٢) (بابُ) بيان (النَّهْيِ عَنِ الخَذْفِ) بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين وبالفاء، وهو رميُ الحصى بالأصابعِ.

٦٢٢٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ) بضم العين وسكون القاف في الأول، وضم الصاد المهملة وسكون الهاء في الثاني (الأَزْدِيَّ) بفتح الهمزة وسكون الزاي والدال مهملة، نسبةً إلى أزدِ بن

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.3 / 29.5
الإضاءة 12%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله