«مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٤٣

الحديث رقم ٦٢٤٣ من كتاب «كتاب الاستئذان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب زنا الجوارح دون الفرج.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٢٤٣ في صحيح البخاري

«مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ : إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ.»

بَابُ التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِئْذَانِ ثَلَاثًا

إسناد حديث البخاري رقم ٦٢٤٣

٦٢٤٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٢٤٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٢٤٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ: فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تتَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ.

[الحديث ٦٢٤٣ - طرفه في ٦٦١٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ زِنَا الْجَوَارِحِ دُونَ الْفَرْجِ): أَيْ أَنَّ الزِّنَا لَا يَخْتَصُّ إِطْلَاقُهُ بِالْفَرْجِ، بَلْ يُطْلَقُ عَلَى مَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْ نَظَرٍ وَغَيْرِهِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حِكْمَةِ النَّهْيِ عَنْ رُؤْيَةِ مَا فِي الْبَيْتِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِتَظْهَرَ مُنَاسَبَتُهُ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَفِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَكَذَا اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ فَسَاقَهُ مَرْفُوعًا بِتَمَامِهِ، وَكَذَا صَنَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ، وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ سِيَاقَهُمَا سَوَاءٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ مُوسَى، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ وَلَفْظُهُ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ اللَّمَمِ، فَقَالَ: لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ مَوْقُوفًا.

فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ رِوَايَةَ سُفْيَانَ مَوْقُوفَةٌ وَرِوَايَةَ مَعْمَرٍ مَرْفُوعَةٌ، وَمَحْمُودٌ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ وَعَلَّقَهُ فِيهِ لِوَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ بَيْنَ طَاوُسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ؛ فَكَأَنَّ طَاوُسًا سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْقَدَرِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: سمي النَّظَرُ وَالنُّطْقُ زِنًا لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الزِّنَا الْحَقِيقِيِّ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اسْتَدَلَّ أَشْهَبُ بِقَوْلِهِ: وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ عَلَى أَنَّ الْقَاذِفَ إِذَا قَالَ: زَنَتْ يَدُكَ، لَا يُحَدُّ. وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ: يُحَدُّ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَاحْتَجَّ لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ الْأَفْعَالَ تُضَافُ لِلْأَيْدِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ وَلَيْسَ الْمُرَادُ فِي الْآيَتَيْنِ جِنَايَةَ الْأَيْدِي فَقَطْ بَلْ جَمِيعُ الْجِنَايَاتِ اتِّفَاقًا، فَكَأَنَّهُ إِذَا قَالَ: زَنَتْ يَدُكَ، وَصَفَ ذَاتَهُ بِالزِّنَا لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَتَبَعَّضُ، اهـ. وَفِي التَّعْلِيلِ الْأَخِيرِ نَظَرٌ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا.

١٣ - بَاب التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِئْذَانِ ثَلَاثًا

٦٢٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا.

٦٢٤٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ "عَنْ أَبِي

سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ فَقَالَ اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ قُلْتُ اسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ وَقال رسول الله : "إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ" فَقَالَ وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلاَّ أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَكُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ ذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ بِهَذَا"

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِئْذَانِ ثَلَاثًا) أَيْ سَوَاءٌ اجْتَمَعَا أَوِ انْفَرَدَا، وَحَدِيثُ أَنَسٍ شَاهِدٌ لِلْأَوَّلِ، وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى شَاهِدٌ لِلثَّانِي، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَاخْتُلِفَ هَلِ السَّلَامُ شَرْطٌ فِي الِاسْتِئْذَانِ أَوْ لَا؟ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: صُورَةُ الِاسْتِئْذَانِ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ أَنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى التَّسْلِيمِ، كَذَا قَالَ، وَسَيَأْتِي مَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ فِي بَابِ إِذَا قَالَ مَنْ ذَا؟ فَقَالَ: أَنَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ الصَّمَدِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابِ مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا، فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَقَدَّمَ هُنَا السَّلَامَ عَلَى الْكَلَامِ وَهُنَاكَ بِالْعَكْسِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ، وَقَوْلُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: إِنَّ السَّلَامَ إِنَّمَا يُشْرَعُ تَكْرَارُهُ إِذَا اقْتَرَنَ بِالِاسْتِئْذَانِ، وَالتَّعَقُّبِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ السَّلَامَ وَحْدَهُ قَدْ يُشْرَعُ تَكْرَارُهُ إِذَا كَانَ الْجَمْعُ كَثِيرًا وَلَمْ يَسْمَعْ بَعْضُهُمْ وَقَصَدَ الِاسْتِيعَابَ، وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَنَسٍ، وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فَتُسَنُّ الْإِعَادَةُ فَيُعِيدُ مَرَّةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثَّالِثَةِ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذِهِ الصِّيغَةُ تَقْتَضِي الْعُمُومَ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ الْخُصُوصُ وَهُوَ غَالِبُ أَحْوَالِهِ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْكَرْمَانِيِّ مِثْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَانَ بِمُجَرَّدِهَا لَا تَقْتَضِي مُدَاوَمَةً وَلَا تَكْثِيرًا، لَكِنْ ذِكْرُ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ بَعْدَهَا يُشْعِرُ بِالتَّكْرَارِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ سَلَّمَ ثَلَاثًا فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ، فَعَنْ مَالِكٍ لَهُ أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَزِيدُ اتِّبَاعًا لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ هَلْ يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ؟ فَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: نَعَمْ. وَقِيلَ: إِذَا كَانَ الِاسْتِئْذَانُ بِلَفْظِ السَّلَامِ لَمْ يَزِدْ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ لَفْظِ السَّلَامِ زَادَ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ مُصَغَّرٌ، وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي وَاللَّهِ يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، وَشَيْخُهُ بُسْرٌ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الْمُعَلَّقَةِ.

قَوْلُهُ: (كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ سُفْيَانَ بِسَنَدِهِ هَذَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ. وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: إِنِّي لَفِي حَلْقَةٍ فِيهَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.

قَوْلُهُ: (إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ) فِي رِوَايَةِ عَمْرٍو النَّاقِدِ: فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا أَوْ مَذْعُورًا، وَزَادَ: قُلْنَا مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ فَأَتَيْتُ بَابَهُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِهِ ثَلَاثًا فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ. وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَمْ

يُؤْذَنْ لَهُ وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَزِعَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ؟ ائْذَنُوا لَهُ. قِيلَ: إِنَّهُ رَجَعَ، وَفِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ بُسْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ أَمْسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، ثُمَّ جِئْتُ الْيَوْمَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي جِئْتُ أَمْسِ فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا ثُمَّ انْصَرَفْتُ، قَالَ قَدْ سَمِعْنَاكَ وَنَحْنُ حِينَئِذٍ عَلَى شُغْلٍ، فَلَوْ مَا اسْتَأْذَنْتَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَكَ؟ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ كَمَا سَمِعْتُ.

وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ أَبَا مُوسَى أَتَى بَابَ عُمَرَ فَاسْتَأْذَنَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ فَقَالَ عُمَرُ: ثِنْتَانِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ فَقَالَ عُمَرُ: ثَلَاثٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَاتَّبَعَهُ فَرَدَّهُ.

وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا أَبُو مُوسَى، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَشْعَرِيُّ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ عَلَيَّ، وَظَاهِرُ هَذَيْنِ السِّيَاقَيْنِ التَّغَايُرُ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى عُمَرَ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَفِي الثَّانِي أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ: فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الشُّغْلِ الَّذِي كَانَ فِيهِ تَذَكَّرَهُ فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ بِرُجُوعِهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَجِدْهُ الرَّسُولُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَجَاءَ هُوَ إِلَى عُمَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اشْتَدَّ عَلَيْكَ أَنْ تَحْتَبِسَ عَلَى بَابِي؟ أَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ كَذَلِكَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْتَبِسُوا عَلَى بَابِكَ، فَقُلْتُ: بَلِ اسْتَأْذَنْتُ. إِلَخْ، وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ أَرَادَ تَأْدِيبَهُ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَبِسُ عَلَى النَّاسِ فِي حَالِ إِمْرَتِهِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْكُوفَةِ، مَعَ مَا كَانَ عُمَرُ فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى: فَقَالَ عُمَرُ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قُلْتُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ حَفِظْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (فَقَالَ وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بَيِّنَةً) زَادَ مُسْلِمٌ: وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ، وَفِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ: فَوَاللَّهِ لَأُوجِعَنَّ ظَهْرَكَ وَبَطْنَكَ أَوْ لَتَأْتِيَنِّي بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ لَتَأْتِيَنِّي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ: وَإِلَّا جَعَلْتُكَ عِظَةً.

قَوْلُهُ: (أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ فَسَأَلَهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ؟ قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، فَقُلْتُ: أَتَاكُمْ أَخُوكُمْ وَقَدْ أُفْزِعَ فَتَضْحَكُونَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ أُبَيٌّ) هُوَ ابْنُ كَعْبٍ وَهُوَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (لَا يَقُومُ مَعِي إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ) فِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ: فَوَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَحْدَثُنَا سِنًّا، قُمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ ذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ فَشَهِدْتُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ: فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: انْطَلِقْ وَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ، وَفِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ ابْنِ الْأَشَجِّ: فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ هَذَا، وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى أَنَّ الَّذِي شَهِدَ لِأَبِي مُوسَى عِنْدَ عُمَرَ، أَبُو سَعِيدٍ، إِلَّا مَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ فَإِنَّ فِيهِ: فَقَامَ مَعِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَوْ أَبُو مَسْعُودٍ إِلَى عُمَرَ، هَكَذَا بِالشَّكِّ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: فَقَالَ عُمَرُ: إِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً فَلَنْ تَجِدُوهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ بِالْعَشِيِّ وَجَدَهُ قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى مَا تَقُولُ، أَقَدْ وَجَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، قَالَ: عَدْلٌ. قَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ - وَفِي لَفْظٍ لَهُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ - مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ ذَلِكَ

يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَلَا تَكُون عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَنَا سَمِعْتُ شَيْئًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَثبتَ.

هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَطَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى فِيهِ ضَعْفٌ، وَرِوَايَةُ الْأَكْثَرِ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ مَحْفُوظَةً، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ جَاءَ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ أَبُو سَعِيدٍ. وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ زِيَادَةٌ مُفِيدَةٌ، وَهِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَوْ أَبَا مَسْعُودٍ قَالَ لِعُمَرَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ يَوْمًا وَهُوَ يُرِيدُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ حَتَّى أَتَاهُ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ الثَّانِيَةَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ الثَّالِثَةَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: قَضَيْنَا مَا عَلَيْنَا، ثُمَّ رَجَعَ، فَأَذِنَ لَهُ سَعْدٌ. الْحَدِيثَ، فَثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْ فِعْلِهِ.

وَقِصَّةُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ هَذِهِ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مُطَوَّلَةً بِمَعْنَاهُ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَوْ غَيْرِهِ كَذَا فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، عَنْ أَنَسٍ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ طَارِقٍ مَوْلَاةِ سَعْدٍ، وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ . وَحَكَى قِصَّةَ أَبِي مُوسَى عَنْهُ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ الثِّقَةِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى بِالْحَدِيثِ مُخْتَصَرًا دُونَ الْقِصَّةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرٍ بِطُولِهِ، وَصَرَّحَ فِي رِوَايَتِهِ بِسَمَاعِ أَبِي سَعِيدٍ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَهُ: فَقَالَ أَبُو مُوسَى: إِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَلْيَقُمْ مَعِي، فَقَالُوا لِأَبِي سَعِيدٍ: قُمْ مَعَهُ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: رَوَى أَبُو سَعِيدٍ حَدِيثَ الِاسْتِئْذَانِ عَنْ أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَشْهَدُ لَهُ عِنْدَ عُمَرَ فَأَدَّى إِلَى عُمَرَ مَا قَالَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ، وَكَأَنَّهُ نَسِيَ أَسْمَاءَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى وَحْدَهُ لِكَوْنِهِ صَاحِبَ الْقِصَّةِ.

وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ بِأَنَّ النَّبِيَّ قَالَهُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رَدِّ مَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَمَدُ فِي التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَهِيَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مَالِكٌ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَكَى قِصَّةَ أَبِي مُوسَى عَنْهُ بَعْدَ وُقُوعِهَا بِدَهْرٍ طَوِيلٍ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ رَوَوْهَا عَنْهُ لَمْ يُدْرِكُوهَا، وَمِنْ جُمْلَةِ قِصَّةِ أَبِي مُوسَى الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ، فَكَأَنَّ الرَّاوِيَ لَمَّا اخْتَصَرَهَا وَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَرْفُوعِ خَرَّجَ مِنْهَا أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَغَفَلَ عَمَّا فِي آخِرِهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَرْفُوعَ عَنِ النَّبِيِّ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَهَذَا مِنْ آفَاتِ الِاخْتِصَارِ، فَيَنْبَغِي لِمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَفَقَّدَ مِثْلَ هَذَا وَإِلَّا وَقَعَ فِي الْخَطَأِ، وَهُوَ كَحَذْفِ مَا لِلْمَتْنِ بِهِ تَعَلُّقٌ، وَتَخْتَلِفُ الدَّلَالَةُ بِحَذْفِهِ.

وَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ لَهُمَا هُوَ مِنَ النَّقَلَةِ لِاخْتِلَاطِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ قِصَّةِ أَبِي مُوسَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّنْ وَافَقَ أَبَا مُوسَى عَلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ: إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ هُوَ سُفْيَانُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ بُسْرٍ لَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَكَذَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ عِنْدِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِنْكَارَ عُمَرَ عَلَى أَبِي مُوسَى حَدِيثَهُ الْمَذْكُورَ مَعَ كَوْنِهِ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ مَعَ النَّبِيِّ ، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّوِيلِ فِي هَجْرِ النَّبِيِّ نِسَاءَهُ فِي الْمَشْرُبَةِ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ عُمَرَ اسْتَأْذَنَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَلَمَّا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ رَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْإِذْنُ،

وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِعِلْمِهِ، أَوْ لَعَلَّهُ نَسِيَ مَا كَانَ وَقَعَ لَهُ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: شَغَلَنِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ.

قُلْتُ: وَالصُّورَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لِعُمَرَ لَيْسَتْ مُطَابِقَةً لِمَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى، بَلِ اسْتَأْذَنَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ فَلَمَّا رَجَعَ فِي الثَّالِثَةِ اسْتُدْعِيَ فَأُذِنَ لَهُ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ الَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ فِيمَا قُلْتُهُ، وَقَدِ اسْتَوْفَيْتُ طُرُقَهُ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا ادَّعَاهُ.

وَتَعَلَّقَ بِقِصَّةِ عُمَرَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ قَبِلَ خَبَرَ أَبِي سَعِيدٍ الْمُطَابِقَ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنِ ادَّعَى أَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ بِمُفْرَدِهِ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَيْهِ غَيْرُهُ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ قَائِلِهِ وَجَهْلٌ بِمَذْهَبِ عُمَرَ، فَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأَبِي مُوسَى: أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ لَا يَتَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ . قُلْتُ: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ أَبَا مُوسَى. فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِي آخِرِهِ: فَقَالَ عُمَرُ، لِأَبِي مُوسَى: أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ .

وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا آنِفًا: فَقَالَ عُمَرُ، لِأَبِي مُوسَى: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ لَأَمِينًا عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَ وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ حِينَ قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، لِعُمَرَ: لَا تَكُنْ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَيُؤْخَذُ مِنْهُ التَّثَبُّتُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ لِمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ السَّهْوِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ قَبِلَ عُمَرُ خَبَرَ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ بِمُفْرَدِهِ فِي تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا وَأَخْذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ كَانَ يَسْتَثْبِتُ إِذَا وَقَعَ لَهُ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَضَرَ عِنْدَهُ مَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ فَخَشِيَ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَخْتَلِقُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عِنْدَ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ طَلَبًا لِلْمَخْرَجِ مِمَّا يَدْخُلُ فِيهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْمَخْرَجِ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَعْرِفْ أَبَا مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ قَوْلٌ خَرَجَ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ مِنْ قَائِلِهِ وَلَا تَدَبُّرٍ، فَإِنَّ مَنْزِلَةَ أَبِي مُوسَى عِنْدَ عُمَرَ مَشْهُورَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اخْتُلِفَ فِي طَلَبِ عُمَرَ مِنْ أَبِي مُوسَى الْبَيِّنَةَ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ فَذَكَرَهَا، وَغَالِبُهَا مُتَدَاخِلٌ، وَلَا تَزِيدُ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ. وَاسْتُدِلَّ بِالْخَبَرِ الْمَرْفُوعِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الِاسْتِئْذَانِ عَلَى الثَّلَاثِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا لَمْ يُسْمَعْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ. وَرَوَى سَحْنُونٌ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ إِلَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقِيلَ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالرُّجُوعِ بَعْدَ الثَّلَاثِ لِلْإِبَاحَةِ وَالتَّخْفِيفِ عَنِ الْمُسْتَأْذِنِ، فَمَنِ اسْتَأْذَنَ أَكْثَرَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ قَالَ: الِاسْتِئْذَانُ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ كَذَا قَالَ، وَلَا يَتَعَيَّنُ هَذَا اللَّفْظُ. وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ كَانَ بِلَفْظِ الِاسْتِئْذَانِ لَا يُعِيدُ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظٍ آخَرَ أَعَادَ، قَالَ: وَالْأَصَحُّ لَا يُعِيدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ فِي ذَلِكَ.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَسَلَّمْتُ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي ثُمَّ سَلَّمْتُ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَتَنَحَّيْتُ نَاحِيَةً فَخَرَجَ عَلَيَّ غُلَامٌ فَقَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ، فَقَالَ لِي أَبُو سَعِيدٍ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ زِدْتَ - يَعْنِي عَلَى الثَّلَاثِ - لَمْ يُؤْذَنْ لَكَ. وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ الثَّلَاثِ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: الْأُولَى إِعْلَامٌ، وَالثَّانِيَةُ مُؤَامَرَةٌ وَالثَّالِثَةُ عَزْمَةٌ، إِمَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ يُرَدَّ.

قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ صَنِيعِ أَبِي مُوسَى حَيْثُ ذَكَرَ اسْمَهُ أَوَّلًا وَكُنْيَتَهُ ثَانِيًا وَنِسْبَتَهُ ثَالِثًا، أَنَّ الْأُولَى هِيَ الْأَصْلُ، وَالثَّانِيَةَ إِذَا جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْتَبَسَ عَلَى مَنِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، وَالثَّالِثَةَ إِذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(يَخْتِلُ الرَّجُلَ) بفتح أوله (١) وسكون (٢) الخاء المعجمة وكسر الفوقية بعدها لام، يأتيه من حيث لا يشعرُ (لِيَطْعُنَهُ) بضم العين في عينه وهو غافلٌ.

والحديثُ أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الدِّيات» [خ¦٦٩٠٠]، ومسلمٌ في «الاستئذان»، وأبو داود في «الأدب».

(١٢) (بابُ زِنَا الجَوَارِحِ) كاللِّسان والعين (دُونَ الفَرْجِ).

٦٢٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كَيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ) وسقط لفظ «قال» لأبي ذرٍّ (لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ) بفتح اللام المشددة والميم الأولى، أي: بالصَّغائر كالنَّظرة والقُبلة واللَّمسة والغمزة، وأصل اللَّمم ما قلَّ وصغُر، وقيل: أن يلمَّ بشيءٍ من غير أن يركبه (٣) يقال: ألمَّ بكذا، أي (٤): قاربهُ ولم يخالطهُ، وقال سعيدُ بن المسيَّب: ما لمَّ (٥) على القلب، أي: خطرَ، واقتصرَ البخاريُّ من هذا الحديث من طريق سفيان على هذا القدرِ موقوفًا على أبي هُريرة، ثمَّ عطف عليه رواية معمرٍ، عن ابنِ طاوس فساقهُ

مرفوعًا بتمامه، فقال: (١) (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وسقطتِ الواو لغير أبي ذرٍّ (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلان قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ، أنَّه (٢) (قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من قولِ أبي هُريرة» (عَنِ النَّبِيِّ : إِنَّ اللهَ كَتَبَ) قدَّر (عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ) بالحاء المهملة والظاء المعجمة، نصيبهُ ممَّا قُدِّر عليه (مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ) بفتح الميم والحاء المهملة واللام المخففة، لا حيلةَ له في التَّخلُّص من إدراك ما كُتب عليه ولا بدَّ له منه (فَزِنَا العَيْنِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «العينين» (النَّظَرُ) بشهوةٍ (وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ) بالميم، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «النُّطق» أي: فيما يستلذُّ به من محادثةِ ما لا يحلُّ له، وفي حديث أبي الضُّحى عن ابن مسعودٍ -عند ابن جريرٍ- قال: «زنا العينين النَّظر، وزنا الشَّفتين التَّقبيل، وزنا اليدين البطشُ، وزنا الرِّجلين المشي» (وَالنَّفْسُ تَمَنَّى) بحذف إحدى التاءين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «تتمنَّى» بإثباتها (وَتَشْتَهِي) قال ابن بطَّالٍ: سُمِّي النَّظر والنُّطق زنًا؛ لأنَّه يدعو إلى الزِّنا الحقيقيِّ، ولذا (٣) قال: (وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «أو يكذِّبه» واستدلَّ به مَن قال: إنَّه إذا قال الرَّجل: زنت يدك أو رجلك أنَّه لا يكون قذفًا فلا حدَّ، وبه قال أشهبُ من أئمة المالكيَّة. وفي «الرَّوضة»: إذا قال: زنت يدك أو عينك أو رجلك، فكنايةٌ على المذهب. وقال ابن القاسم: يُحدُّ، ووُجِّه بأنَّ الأفعال من فاعلِها تضافُ إلى الأيدي، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فكأنَّه إذا قال: زنت يدك وصف ذاته بالزِّنا؛ لأنَّ الزِّنا لا يتبعَّض. وقال في «الكواكب»: فإن قلت: التَّصديق والتَّكذيب من صفاتِ الأخبار، فما مَعناهما (٤) هنا؟ وأجاب: بأنَّه لَمَّا كان التَّصديق هو الحكم بمطابقةِ الخبر للواقع، والتَّكذيب الحكم بعدمِها، فكأنَّه هو المُوْقِع أو الوَاقِع فهو تشبيهٌ، أو لمَّا كان الإيقاع مُستلزمًا للحُكم بها (٥) عادة فهو كنايةٌ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦٢٤٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ: فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تتَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ.

[الحديث ٦٢٤٣ - طرفه في ٦٦١٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ زِنَا الْجَوَارِحِ دُونَ الْفَرْجِ): أَيْ أَنَّ الزِّنَا لَا يَخْتَصُّ إِطْلَاقُهُ بِالْفَرْجِ، بَلْ يُطْلَقُ عَلَى مَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْ نَظَرٍ وَغَيْرِهِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حِكْمَةِ النَّهْيِ عَنْ رُؤْيَةِ مَا فِي الْبَيْتِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِتَظْهَرَ مُنَاسَبَتُهُ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَفِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَكَذَا اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ فَسَاقَهُ مَرْفُوعًا بِتَمَامِهِ، وَكَذَا صَنَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ، وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ سِيَاقَهُمَا سَوَاءٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ مُوسَى، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ وَلَفْظُهُ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ اللَّمَمِ، فَقَالَ: لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ مَوْقُوفًا.

فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ رِوَايَةَ سُفْيَانَ مَوْقُوفَةٌ وَرِوَايَةَ مَعْمَرٍ مَرْفُوعَةٌ، وَمَحْمُودٌ شَيْخُهُ فِيهِ هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ وَعَلَّقَهُ فِيهِ لِوَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ بَيْنَ طَاوُسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ؛ فَكَأَنَّ طَاوُسًا سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْقَدَرِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: سمي النَّظَرُ وَالنُّطْقُ زِنًا لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الزِّنَا الْحَقِيقِيِّ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: اسْتَدَلَّ أَشْهَبُ بِقَوْلِهِ: وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ عَلَى أَنَّ الْقَاذِفَ إِذَا قَالَ: زَنَتْ يَدُكَ، لَا يُحَدُّ. وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ: يُحَدُّ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ، وَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، وَاحْتَجَّ لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ الْأَفْعَالَ تُضَافُ لِلْأَيْدِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ وَلَيْسَ الْمُرَادُ فِي الْآيَتَيْنِ جِنَايَةَ الْأَيْدِي فَقَطْ بَلْ جَمِيعُ الْجِنَايَاتِ اتِّفَاقًا، فَكَأَنَّهُ إِذَا قَالَ: زَنَتْ يَدُكَ، وَصَفَ ذَاتَهُ بِالزِّنَا لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَتَبَعَّضُ، اهـ. وَفِي التَّعْلِيلِ الْأَخِيرِ نَظَرٌ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا.

١٣ - بَاب التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِئْذَانِ ثَلَاثًا

٦٢٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا.

٦٢٤٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ "عَنْ أَبِي

سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ فَقَالَ اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ قُلْتُ اسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ وَقال رسول الله : "إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ" فَقَالَ وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلاَّ أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَكُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ ذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ بِهَذَا"

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِئْذَانِ ثَلَاثًا) أَيْ سَوَاءٌ اجْتَمَعَا أَوِ انْفَرَدَا، وَحَدِيثُ أَنَسٍ شَاهِدٌ لِلْأَوَّلِ، وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى شَاهِدٌ لِلثَّانِي، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَاخْتُلِفَ هَلِ السَّلَامُ شَرْطٌ فِي الِاسْتِئْذَانِ أَوْ لَا؟ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: صُورَةُ الِاسْتِئْذَانِ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ أَنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى التَّسْلِيمِ، كَذَا قَالَ، وَسَيَأْتِي مَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ فِي بَابِ إِذَا قَالَ مَنْ ذَا؟ فَقَالَ: أَنَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ الصَّمَدِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَابِ مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا، فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَقَدَّمَ هُنَا السَّلَامَ عَلَى الْكَلَامِ وَهُنَاكَ بِالْعَكْسِ وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ، وَقَوْلُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: إِنَّ السَّلَامَ إِنَّمَا يُشْرَعُ تَكْرَارُهُ إِذَا اقْتَرَنَ بِالِاسْتِئْذَانِ، وَالتَّعَقُّبِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ السَّلَامَ وَحْدَهُ قَدْ يُشْرَعُ تَكْرَارُهُ إِذَا كَانَ الْجَمْعُ كَثِيرًا وَلَمْ يَسْمَعْ بَعْضُهُمْ وَقَصَدَ الِاسْتِيعَابَ، وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَنَسٍ، وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فَتُسَنُّ الْإِعَادَةُ فَيُعِيدُ مَرَّةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثَّالِثَةِ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذِهِ الصِّيغَةُ تَقْتَضِي الْعُمُومَ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ الْخُصُوصُ وَهُوَ غَالِبُ أَحْوَالِهِ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْكَرْمَانِيِّ مِثْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَكَانَ بِمُجَرَّدِهَا لَا تَقْتَضِي مُدَاوَمَةً وَلَا تَكْثِيرًا، لَكِنْ ذِكْرُ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ بَعْدَهَا يُشْعِرُ بِالتَّكْرَارِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ سَلَّمَ ثَلَاثًا فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ، فَعَنْ مَالِكٍ لَهُ أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَزِيدُ اتِّبَاعًا لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ هَلْ يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ؟ فَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: نَعَمْ. وَقِيلَ: إِذَا كَانَ الِاسْتِئْذَانُ بِلَفْظِ السَّلَامِ لَمْ يَزِدْ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ لَفْظِ السَّلَامِ زَادَ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ مُصَغَّرٌ، وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي وَاللَّهِ يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، وَشَيْخُهُ بُسْرٌ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الْمُعَلَّقَةِ.

قَوْلُهُ: (كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ سُفْيَانَ بِسَنَدِهِ هَذَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا بِالْمَدِينَةِ. وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ: إِنِّي لَفِي حَلْقَةٍ فِيهَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.

قَوْلُهُ: (إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ) فِي رِوَايَةِ عَمْرٍو النَّاقِدِ: فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا أَوْ مَذْعُورًا، وَزَادَ: قُلْنَا مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ فَأَتَيْتُ بَابَهُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِهِ ثَلَاثًا فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ. وَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَمْ

يُؤْذَنْ لَهُ وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَزِعَ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ؟ ائْذَنُوا لَهُ. قِيلَ: إِنَّهُ رَجَعَ، وَفِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ بُسْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ أَمْسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، ثُمَّ جِئْتُ الْيَوْمَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي جِئْتُ أَمْسِ فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا ثُمَّ انْصَرَفْتُ، قَالَ قَدْ سَمِعْنَاكَ وَنَحْنُ حِينَئِذٍ عَلَى شُغْلٍ، فَلَوْ مَا اسْتَأْذَنْتَ حَتَّى يُؤْذَنَ لَكَ؟ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ كَمَا سَمِعْتُ.

وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ أَبَا مُوسَى أَتَى بَابَ عُمَرَ فَاسْتَأْذَنَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ فَقَالَ عُمَرُ: ثِنْتَانِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ فَقَالَ عُمَرُ: ثَلَاثٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَاتَّبَعَهُ فَرَدَّهُ.

وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا أَبُو مُوسَى، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَشْعَرِيُّ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ عَلَيَّ، وَظَاهِرُ هَذَيْنِ السِّيَاقَيْنِ التَّغَايُرُ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى عُمَرَ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَفِي الثَّانِي أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ: فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ عُمَرَ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الشُّغْلِ الَّذِي كَانَ فِيهِ تَذَكَّرَهُ فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ بِرُجُوعِهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَجِدْهُ الرَّسُولُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَجَاءَ هُوَ إِلَى عُمَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: اسْتَأْذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اشْتَدَّ عَلَيْكَ أَنْ تَحْتَبِسَ عَلَى بَابِي؟ أَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ كَذَلِكَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْتَبِسُوا عَلَى بَابِكَ، فَقُلْتُ: بَلِ اسْتَأْذَنْتُ. إِلَخْ، وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ أَرَادَ تَأْدِيبَهُ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَبِسُ عَلَى النَّاسِ فِي حَالِ إِمْرَتِهِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْكُوفَةِ، مَعَ مَا كَانَ عُمَرُ فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى: فَقَالَ عُمَرُ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قُلْتُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ حَفِظْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ .

قَوْلُهُ: (فَقَالَ وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بَيِّنَةً) زَادَ مُسْلِمٌ: وَإِلَّا أَوْجَعْتُكَ، وَفِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ: فَوَاللَّهِ لَأُوجِعَنَّ ظَهْرَكَ وَبَطْنَكَ أَوْ لَتَأْتِيَنِّي بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هَذَا، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ لَتَأْتِيَنِّي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ: وَإِلَّا جَعَلْتُكَ عِظَةً.

قَوْلُهُ: (أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ فَسَأَلَهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ؟ قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، فَقُلْتُ: أَتَاكُمْ أَخُوكُمْ وَقَدْ أُفْزِعَ فَتَضْحَكُونَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ أُبَيٌّ) هُوَ ابْنُ كَعْبٍ وَهُوَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (لَا يَقُومُ مَعِي إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ) فِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ: فَوَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَحْدَثُنَا سِنًّا، قُمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ ذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَقُمْتُ مَعَهُ فَذَهَبْتُ إِلَى عُمَرَ فَشَهِدْتُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ: فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: انْطَلِقْ وَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ، وَفِي رِوَايَةِ بُكَيْرِ ابْنِ الْأَشَجِّ: فَقُمْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ هَذَا، وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى أَنَّ الَّذِي شَهِدَ لِأَبِي مُوسَى عِنْدَ عُمَرَ، أَبُو سَعِيدٍ، إِلَّا مَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ فَإِنَّ فِيهِ: فَقَامَ مَعِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَوْ أَبُو مَسْعُودٍ إِلَى عُمَرَ، هَكَذَا بِالشَّكِّ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: فَقَالَ عُمَرُ: إِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً فَلَنْ تَجِدُوهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ بِالْعَشِيِّ وَجَدَهُ قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى مَا تَقُولُ، أَقَدْ وَجَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، قَالَ: عَدْلٌ. قَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيْلِ - وَفِي لَفْظٍ لَهُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ - مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ ذَلِكَ

يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَلَا تَكُون عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَنَا سَمِعْتُ شَيْئًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَثبتَ.

هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ، وَطَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى فِيهِ ضَعْفٌ، وَرِوَايَةُ الْأَكْثَرِ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ مَحْفُوظَةً، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ جَاءَ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ أَبُو سَعِيدٍ. وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ زِيَادَةٌ مُفِيدَةٌ، وَهِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَوْ أَبَا مَسْعُودٍ قَالَ لِعُمَرَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ يَوْمًا وَهُوَ يُرِيدُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ حَتَّى أَتَاهُ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ الثَّانِيَةَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ الثَّالِثَةَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: قَضَيْنَا مَا عَلَيْنَا، ثُمَّ رَجَعَ، فَأَذِنَ لَهُ سَعْدٌ. الْحَدِيثَ، فَثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْ فِعْلِهِ.

وَقِصَّةُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ هَذِهِ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مُطَوَّلَةً بِمَعْنَاهُ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَوْ غَيْرِهِ كَذَا فِيهِ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، عَنْ أَنَسٍ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ طَارِقٍ مَوْلَاةِ سَعْدٍ، وَاتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَلَى أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ . وَحَكَى قِصَّةَ أَبِي مُوسَى عَنْهُ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ الثِّقَةِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى بِالْحَدِيثِ مُخْتَصَرًا دُونَ الْقِصَّةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرٍ بِطُولِهِ، وَصَرَّحَ فِي رِوَايَتِهِ بِسَمَاعِ أَبِي سَعِيدٍ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَهُ: فَقَالَ أَبُو مُوسَى: إِنْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَلْيَقُمْ مَعِي، فَقَالُوا لِأَبِي سَعِيدٍ: قُمْ مَعَهُ. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: رَوَى أَبُو سَعِيدٍ حَدِيثَ الِاسْتِئْذَانِ عَنْ أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَشْهَدُ لَهُ عِنْدَ عُمَرَ فَأَدَّى إِلَى عُمَرَ مَا قَالَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ، وَكَأَنَّهُ نَسِيَ أَسْمَاءَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَدَّثَ بِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى وَحْدَهُ لِكَوْنِهِ صَاحِبَ الْقِصَّةِ.

وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ بِأَنَّ النَّبِيَّ قَالَهُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رَدِّ مَا قَالَ الدَّاوُدِيُّ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَمَدُ فِي التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَهِيَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مَالِكٌ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَكَى قِصَّةَ أَبِي مُوسَى عَنْهُ بَعْدَ وُقُوعِهَا بِدَهْرٍ طَوِيلٍ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ رَوَوْهَا عَنْهُ لَمْ يُدْرِكُوهَا، وَمِنْ جُمْلَةِ قِصَّةِ أَبِي مُوسَى الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ، فَكَأَنَّ الرَّاوِيَ لَمَّا اخْتَصَرَهَا وَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَرْفُوعِ خَرَّجَ مِنْهَا أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَغَفَلَ عَمَّا فِي آخِرِهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَرْفُوعَ عَنِ النَّبِيِّ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَهَذَا مِنْ آفَاتِ الِاخْتِصَارِ، فَيَنْبَغِي لِمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَفَقَّدَ مِثْلَ هَذَا وَإِلَّا وَقَعَ فِي الْخَطَأِ، وَهُوَ كَحَذْفِ مَا لِلْمَتْنِ بِهِ تَعَلُّقٌ، وَتَخْتَلِفُ الدَّلَالَةُ بِحَذْفِهِ.

وَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ لَهُمَا هُوَ مِنَ النَّقَلَةِ لِاخْتِلَاطِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ قِصَّةِ أَبِي مُوسَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّنْ وَافَقَ أَبَا مُوسَى عَلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ: إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ هُوَ سُفْيَانُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ، وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ بُسْرٍ لَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَكَذَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ عِنْدِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِنْكَارَ عُمَرَ عَلَى أَبِي مُوسَى حَدِيثَهُ الْمَذْكُورَ مَعَ كَوْنِهِ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ مَعَ النَّبِيِّ ، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّوِيلِ فِي هَجْرِ النَّبِيِّ نِسَاءَهُ فِي الْمَشْرُبَةِ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ عُمَرَ اسْتَأْذَنَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَلَمَّا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ رَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْإِذْنُ،

وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِعِلْمِهِ، أَوْ لَعَلَّهُ نَسِيَ مَا كَانَ وَقَعَ لَهُ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: شَغَلَنِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ.

قُلْتُ: وَالصُّورَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لِعُمَرَ لَيْسَتْ مُطَابِقَةً لِمَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى، بَلِ اسْتَأْذَنَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ فَلَمَّا رَجَعَ فِي الثَّالِثَةِ اسْتُدْعِيَ فَأُذِنَ لَهُ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ الَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ فِيمَا قُلْتُهُ، وَقَدِ اسْتَوْفَيْتُ طُرُقَهُ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي أَوَاخِرِ النِّكَاحِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا ادَّعَاهُ.

وَتَعَلَّقَ بِقِصَّةِ عُمَرَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ قَبِلَ خَبَرَ أَبِي سَعِيدٍ الْمُطَابِقَ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنِ ادَّعَى أَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ بِمُفْرَدِهِ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَنْضَمَّ إِلَيْهِ غَيْرُهُ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ قَائِلِهِ وَجَهْلٌ بِمَذْهَبِ عُمَرَ، فَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأَبِي مُوسَى: أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ لَا يَتَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ . قُلْتُ: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ أَبَا مُوسَى. فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِي آخِرِهِ: فَقَالَ عُمَرُ، لِأَبِي مُوسَى: أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ .

وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا آنِفًا: فَقَالَ عُمَرُ، لِأَبِي مُوسَى: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ لَأَمِينًا عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَ وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ حِينَ قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، لِعُمَرَ: لَا تَكُنْ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فَيُؤْخَذُ مِنْهُ التَّثَبُّتُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ لِمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ السَّهْوِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ قَبِلَ عُمَرُ خَبَرَ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ بِمُفْرَدِهِ فِي تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا وَأَخْذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ كَانَ يَسْتَثْبِتُ إِذَا وَقَعَ لَهُ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَضَرَ عِنْدَهُ مَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ فَخَشِيَ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَخْتَلِقُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عِنْدَ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ طَلَبًا لِلْمَخْرَجِ مِمَّا يَدْخُلُ فِيهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْمَخْرَجِ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَعْرِفْ أَبَا مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ قَوْلٌ خَرَجَ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ مِنْ قَائِلِهِ وَلَا تَدَبُّرٍ، فَإِنَّ مَنْزِلَةَ أَبِي مُوسَى عِنْدَ عُمَرَ مَشْهُورَةٌ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اخْتُلِفَ فِي طَلَبِ عُمَرَ مِنْ أَبِي مُوسَى الْبَيِّنَةَ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ فَذَكَرَهَا، وَغَالِبُهَا مُتَدَاخِلٌ، وَلَا تَزِيدُ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ. وَاسْتُدِلَّ بِالْخَبَرِ الْمَرْفُوعِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الِاسْتِئْذَانِ عَلَى الثَّلَاثِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا لَمْ يُسْمَعْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ. وَرَوَى سَحْنُونٌ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّلَاثِ إِلَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقِيلَ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالرُّجُوعِ بَعْدَ الثَّلَاثِ لِلْإِبَاحَةِ وَالتَّخْفِيفِ عَنِ الْمُسْتَأْذِنِ، فَمَنِ اسْتَأْذَنَ أَكْثَرَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ قَالَ: الِاسْتِئْذَانُ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ كَذَا قَالَ، وَلَا يَتَعَيَّنُ هَذَا اللَّفْظُ. وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنْ كَانَ بِلَفْظِ الِاسْتِئْذَانِ لَا يُعِيدُ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظٍ آخَرَ أَعَادَ، قَالَ: وَالْأَصَحُّ لَا يُعِيدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ فِي ذَلِكَ.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَسَلَّمْتُ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي ثُمَّ سَلَّمْتُ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَتَنَحَّيْتُ نَاحِيَةً فَخَرَجَ عَلَيَّ غُلَامٌ فَقَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلْتُ، فَقَالَ لِي أَبُو سَعِيدٍ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ زِدْتَ - يَعْنِي عَلَى الثَّلَاثِ - لَمْ يُؤْذَنْ لَكَ. وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ الثَّلَاثِ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: الْأُولَى إِعْلَامٌ، وَالثَّانِيَةُ مُؤَامَرَةٌ وَالثَّالِثَةُ عَزْمَةٌ، إِمَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ يُرَدَّ.

قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ صَنِيعِ أَبِي مُوسَى حَيْثُ ذَكَرَ اسْمَهُ أَوَّلًا وَكُنْيَتَهُ ثَانِيًا وَنِسْبَتَهُ ثَالِثًا، أَنَّ الْأُولَى هِيَ الْأَصْلُ، وَالثَّانِيَةَ إِذَا جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْتَبَسَ عَلَى مَنِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، وَالثَّالِثَةَ إِذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(يَخْتِلُ الرَّجُلَ) بفتح أوله (١) وسكون (٢) الخاء المعجمة وكسر الفوقية بعدها لام، يأتيه من حيث لا يشعرُ (لِيَطْعُنَهُ) بضم العين في عينه وهو غافلٌ.

والحديثُ أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الدِّيات» [خ¦٦٩٠٠]، ومسلمٌ في «الاستئذان»، وأبو داود في «الأدب».

(١٢) (بابُ زِنَا الجَوَارِحِ) كاللِّسان والعين (دُونَ الفَرْجِ).

٦٢٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كَيسان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ) وسقط لفظ «قال» لأبي ذرٍّ (لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ) بفتح اللام المشددة والميم الأولى، أي: بالصَّغائر كالنَّظرة والقُبلة واللَّمسة والغمزة، وأصل اللَّمم ما قلَّ وصغُر، وقيل: أن يلمَّ بشيءٍ من غير أن يركبه (٣) يقال: ألمَّ بكذا، أي (٤): قاربهُ ولم يخالطهُ، وقال سعيدُ بن المسيَّب: ما لمَّ (٥) على القلب، أي: خطرَ، واقتصرَ البخاريُّ من هذا الحديث من طريق سفيان على هذا القدرِ موقوفًا على أبي هُريرة، ثمَّ عطف عليه رواية معمرٍ، عن ابنِ طاوس فساقهُ

مرفوعًا بتمامه، فقال: (١) (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، وسقطتِ الواو لغير أبي ذرٍّ (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلان قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشدٍ (عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ) عبد الله (عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ، أنَّه (٢) (قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «من قولِ أبي هُريرة» (عَنِ النَّبِيِّ : إِنَّ اللهَ كَتَبَ) قدَّر (عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ) بالحاء المهملة والظاء المعجمة، نصيبهُ ممَّا قُدِّر عليه (مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ) بفتح الميم والحاء المهملة واللام المخففة، لا حيلةَ له في التَّخلُّص من إدراك ما كُتب عليه ولا بدَّ له منه (فَزِنَا العَيْنِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «العينين» (النَّظَرُ) بشهوةٍ (وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ) بالميم، ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «النُّطق» أي: فيما يستلذُّ به من محادثةِ ما لا يحلُّ له، وفي حديث أبي الضُّحى عن ابن مسعودٍ -عند ابن جريرٍ- قال: «زنا العينين النَّظر، وزنا الشَّفتين التَّقبيل، وزنا اليدين البطشُ، وزنا الرِّجلين المشي» (وَالنَّفْسُ تَمَنَّى) بحذف إحدى التاءين، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «تتمنَّى» بإثباتها (وَتَشْتَهِي) قال ابن بطَّالٍ: سُمِّي النَّظر والنُّطق زنًا؛ لأنَّه يدعو إلى الزِّنا الحقيقيِّ، ولذا (٣) قال: (وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكشميهنيِّ: «أو يكذِّبه» واستدلَّ به مَن قال: إنَّه إذا قال الرَّجل: زنت يدك أو رجلك أنَّه لا يكون قذفًا فلا حدَّ، وبه قال أشهبُ من أئمة المالكيَّة. وفي «الرَّوضة»: إذا قال: زنت يدك أو عينك أو رجلك، فكنايةٌ على المذهب. وقال ابن القاسم: يُحدُّ، ووُجِّه بأنَّ الأفعال من فاعلِها تضافُ إلى الأيدي، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فكأنَّه إذا قال: زنت يدك وصف ذاته بالزِّنا؛ لأنَّ الزِّنا لا يتبعَّض. وقال في «الكواكب»: فإن قلت: التَّصديق والتَّكذيب من صفاتِ الأخبار، فما مَعناهما (٤) هنا؟ وأجاب: بأنَّه لَمَّا كان التَّصديق هو الحكم بمطابقةِ الخبر للواقع، والتَّكذيب الحكم بعدمِها، فكأنَّه هو المُوْقِع أو الوَاقِع فهو تشبيهٌ، أو لمَّا كان الإيقاع مُستلزمًا للحُكم بها (٥) عادة فهو كنايةٌ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده