وَمَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ فَلْيَرُدَّ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ. فَيَجْتَمِعُ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ سِتَّةُ أَقْوَالٍ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: مَنْ فَسَّرَ السَّامَ بِالْمَوْتِ فَلَا يُبْعِدْ ثُبُوتَ الْوَاوِ وَمَنْ فَسَّرَهَا بِالسَّآمَةِ فَإِسْقَاطُهَا هُوَ الْوَجْهُ. قُلْتُ: بَلِ الرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ ثَابِتَةٌ وَهِيَ تُرَجِّحُ التَّفْسِيرَ بِالْمَوْتِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيطِ الثِّقَةِ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ بِأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِلْمُسْلِمِ ابْتِدَاءُ الْكَافِرِ بِالسَّلَامِ، حَكَاهُ الْبَاجِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: لِأَنَّهُ بَيَّنَ حُكْمَ الرَّدِّ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الِابْتِدَاءِ، كَذَا قَالَ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ: لَوِ ابْتَدَأَ شَخْصًا بِالسَّلَامِ وَهُوَ يَظُنُّهُ مُسْلِمًا فَبَانَ كَافِرًا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْتَرِدُّ مِنْهُ سَلَامَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لِأَنَّ الِاسْتِرْدَادَ حِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِكَوْنِهِ قَصَدَ السَّلَامَ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ فَائِدَةَ وَهُوَ إِعْلَامُ الْكَافِرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ، قُلْتُ: وَيَتَأَكَّدُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُخْشَى إِنْكَارُهُ لِذَلِكَ أَوِ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ إِذَا كَانَ الَّذِي سَلَّمَ مِمَّنْ يقْتَدَي بِهِ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّدَّ خَاصٌّ بِالْكُفَّارِ فَلَا يُجْزِئُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَقِيلَ: إِنْ أَجَابَ بِالْوَاوِ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: التَّحْقِيقُ أَنَّهُ كَافٍ فِي حُصُولِ مَعْنَى السَّلَامِ لَا فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾؛ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الَّذِي بِغَيْرِ وَاوٍ، وَأَمَّا الَّذِي بِالْوَاوِ فَقَدْ وَرَدَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، مِنْهَا فِي الطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ وَرَحْمَتُ اللَّهِ. وَلَهُ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ سَلْمَانَ: أَتَى رَجُلٌ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ. قُلْتُ: لَكِنْ لَمَّا اشْتُهِرَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ لِلرَّدِّ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ يَنْبَغِي تَرْكُ جَوَابِ الْمُسْلِمِ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَةً فِي أَصْلِ الرَّدِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٣ - بَاب مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ مَنْ يُحْذَرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِيَسْتَبِينَ أَمْرُهُ
٦٢٥٩ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: حَدَّثَنِي حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ - وَكُلُّنَا فَارِسٌ - فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: قُلْنَا: أَيْنَ الْكِتَابُ الَّذِي مَعَكِ؟ قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَأَنَخْنَا بِهَا فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا، قَالَ صَاحِبَايَ: مَا نَرَى كِتَابًا. قَالَ: قُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْتُ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَأُجَرِّدَنَّكِ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ مِنِّي أَهْوَتْ بِيَدِهَا إِلَى حُجْزَتِهَا - وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ - فَأَخْرَجَتْ الْكِتَابَ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ يَا حَاطِبُ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا بِي إِلَّا أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا غَيَّرْتُ وَلَا بَدَّلْتُ، أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ هُنَاكَ إِلَّا وَلَهُ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، قَالَ: صَدَقَ، فَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا عُمَرُ
٦٢٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ) بضم الموحدة وسكون الهاء، التَّيميُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ) عبد الله الأوديُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بضم العين وفتح الموحدة، ختنُ أبي عبد الرَّحمن السُّلميِّ (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ) بضم السين وفتح اللام (عَنْ عَلِيٍّ ﵁) أنَّه (قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ وَأَبَا مَرْثَدٍ) بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة (الغَنَوِيَّ) بفتح الغين المعجمة والنون وكسر الواو، وسبق في «الجهاد» بدل قوله هنا: أبا مرثدٍ والمقداد (١) [خ¦٣٠٠٧] ولا منافاةَ لاحتمالِ اجتماعهما؛ إذ التَّخصيصُ بالذِّكر لا ينفِي الغيرَ (وَكُلُّنَا فَارِسٌ فَقَالَ: انْطَلِقُوا) بكسر اللام (حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ) بمعجمتين بينهما ألف، موضعٌ بين مكَّة والمدينة (فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ المُشْرِكِينَ) اسمها سارة (مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى المُشْرِكِينَ) أي (٢) إلى ناسٍ (٣) من المشركين ممَّن بمكَّة، كما في رواية «سورة الممتحنة» [خ¦٤٨٩٠] (قَالَ) عليٌّ ﵁: (فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ. قَالَ: قُلْنَا) لها: (أَيْنَ الكِتَابُ الَّذِي مَعَكِ؟ قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَأَنَخْنَا بِهَا) جملها (فَابْتَغَيْنَا) فطلبنَا الكتاب (فِي رَحْلِهَا) بالحاء المهملة، في مَتاعها (فَمَا وَجَدْنَا شَيْئًا، قَالَ صَاحِبَايَ) الزُّبير وأبو مرثدٍ: (مَا نَرَى كِتَابًا. قَالَ) عليٌّ: (قُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْتُ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالَّذِي يُحْلَفُ (٤) بِهِ لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ) بضم الفوقية وكسر الراء والجيم وتشديد النون (أَوْ لأُجَرِّدَنَّكِ) من ثيابك (قَالَ) عليٌّ ﵁: (فَلَمَّا رَأَتِ الجِدَّ مِنِّي) بكسر الجيم
وتشديد المهملة (أَهْوَتْ بِيَدِهَا إِلَى حُجْزَتِهَا) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم بعدها زاي، معقِد إزارها (وَهْيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتِ الكِتَابَ).
فإن قلتَ: سبق في «باب الجاسوس» من «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠٠٧] أنَّها أخرجته من عِقَاصها، أي: شعرها، وهنا قال: من حُجزتها. أُجيب بأنَّه ربَّما كان في الحجزة أوَّلًا فأخرجتْه وأخفتْه (١) في العقاصِ فأخرج منها ثانيًا أو بالعكس.
(قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ) لحاطبٍ: (مَا حَمَلَكَ يَا حَاطِبُ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَا بِي إِلَّا أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللهِ وَرَسُولِهِ (٢)) بكسر الهمزة وتشديد اللام، على الاستئناف (٣)، وللكُشميهنيِّ: «أن لا» بفتح الهمزة (وَمَا غَيَّرْتُ) ديني، يريد أنَّه لم يرتدَّ عن الإسلام (٤) (وَلَا بَدَّلْتُ) بتشديد المهملة (أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَ القَوْمِ يَدٌ) منَّةٌ ونعمةٌ (يَدْفَعُ اللهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي) الَّذي بمكَّة (وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ) أحدٌ له (هُنَاكَ) أهلٌ أو مالٌ (إِلَّا وَلَهُ مَنْ يَدْفَعُ اللهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ. قَالَ) ﷺ: (صَدَقَ فَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ) بالنصب والفاء أوله، وللكُشميهنيِّ: «أضرب» بإسقاط الفاء والجزم (قَالَ) عليٌّ ﵁: (فَقَالَ) ﷺ: (يَا عُمَرُ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ) الَّذين شاهدوا وقعتَها (فَقَالَ) مخاطبًا لهم خطاب تكريمٍ: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الجَنَّةُ) بالمغفرةِ في الآخرة، وإلَّا فلو توجَّه على أحدٍ منهم حدٌّ أو حقٌّ استُوفي (٥) منه في الدُّنيا (قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ، وَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) وقولُ عمر ﵁ مع قوله ﷺ: «لا تقولوا له إلَّا خيرًا» يحملُ على أنَّه لم يسمعْ ذلك، أو كان قوله قبل قولِ النَّبيِّ ﷺ قاله السَّفاقسيُّ، ويحتملُ أن يكون عمر لشدَّته في أمرِ الله حملَ النَّهي على ظاهرهِ من (٦) منع القول السَّيِّئِ له، ولم ير ذلك مانعًا من إقامةِ ما وجب عليه من العقوبةِ للذَّنب الَّذي ارتكبَه، فبيَّن ﷺ