«رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَلْقِيًا وَاضِعًا إِحْدَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢٨٧

الحديث رقم ٦٢٨٧ من كتاب «كتاب الاستئذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الاستلقاء.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٢٨٧ في صحيح البخاري

«رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَلْقِيًا وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى.»

بَابٌ: لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

إسناد حديث رقم ٦٢٨٧ من صحيح البخاري

٦٢٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٢٨٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَمْشِي، لَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ، قَالَ: مَرْحَبًا بِابْنَتِي، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَإِذَا هِيَ تَضْحَكُ، فَقُلْتُ لَهَا: أَنَا مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ بِالسِّرِّ مِنْ بَيْنِنَا، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ سَأَلْتُهَا عَمَّا سَارَّكِ، قَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ سِرَّهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ، قُلْتُ لَهَا: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنْ الْحَقِّ لَمَّا أَخْبَرْتِنِي، قَالَتْ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ، فَأَخْبَرَتْنِي قَالَتْ: أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدْ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، قَالَ: يَا فَاطِمَةُ، أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

قَوْلُهُ: بَابُ مَنْ نَاجَى بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ وَلَمْ يُخْبِرْ بِسِرِّ صَاحِبِهِ، فَإِذَا مَاتَ أَخْبَرَ بِهِ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ إِذْ بَكَتْ لَمَّا سَارَّهَا النَّبِيُّ ثُمَّ ضَحِكَتْ لَمَّا سَارَّهَا ثَانِيًا، فَسَأَلَتْهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ، وَفِيهِ: أَنَّهَا أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ، وَفِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُسَارَرَةُ الْوَاحِدِ مَعَ الْوَاحِدِ بِحَضْرَةِ الْجَمَاعَةِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يُخَافُ مِنْ تَرْكِ الْوَاحِدِ لَا يُخَافُ مِنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، قُلْتُ: وَسَيَأْتِي إِيضَاحُ هَذَا بَعْدَ بَابٍ، قَالَ وَفِيهِ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِفْشَاءُ السِّرِّ إِذَا كَانَتْ فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى المسر ; لِأَنَّ فَاطِمَةَ لَوْ أَخْبَرَتْهُنَّ لَحَزِنَّ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، وَكَذَا لَوْ أَخْبَرَتْهُنَّ أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ لَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ، وَاشْتَدَّ حُزْنُهُنَّ، فَلَمَّا أَمِنَتْ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِنَّ أَخْبَرَتْ بِهِ.

قُلْتُ: أَمَّا الشِّقُّ الْأَوَّلُ فَحَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ فِيهِ جَوَازُ إِفْشَاءِ السِّرِّ إِذَا زَالَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِفْشَائِهِ مِنَ الْمَضَرَّةِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي السِّرِّ الْكِتْمَانُ وَإِلَّا فَمَا فَائِدَتُهُ؟ وَأَمَّا الشِّقُّ الثَّانِي، فَالْعِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَاتَتْ قَبْلَهُنَّ كُلِّهِنَّ، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا؟ ثُمَّ جَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَ فِي النُّسْخَةِ سَقَمٌ، وَأَنَّ الصَّوَابَ فَلَمَّا أَمِنَتْ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي عُلِّلَ بِهِ لَمْ يَنْزِلْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ بَلْ لَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ لَاسْتَمَرَّ حُزْنُهُنَّ عَلَى مَا فَاتَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ جَوَازُ الْعَزْمِ بِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ إِذَا قَالَ أَعْزِمُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَحْنَثْ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ، وَإِنْ قَالَ: أَعْزِمُ بِاللَّهِ أَنْ تَفْعَلَ فَلَمْ يَفْعَلْ حَنِثَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَمِينٌ. انْتَهَى. وَالَّذِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ يَرْجِعُ إِلَى قَصْدِ الْحَالِفِ، فَإِنْ قَصَدَ يَمِينَ نَفْسِهِ فَيَمِينٌ، وَإِنْ قَصَدَ يَمِينَ الْمُخَاطَبِ أَوِ الشَّفَاعَةَ أَوْ أَطْلَقَ فَلَا.

٤٤ - بَاب الِاسْتِلْقَاءِ

٦٢٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَلْقِيًا وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(قُلْتُ لَهَا: عَزَمْتُ) أقسمتُ (عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الحَقِّ) والباء في «بما لي» للقسم (لَمَّا) بفتح اللام وتشديد الميم، مصحَّحًا على كلٍّ منهما في الفرع كأصلهِ بمعنى ألا (أَخْبَرْتِنِي) وهي لغةٌ مشهورةٌ في هُذيلٍ، تقول: أقسمت عليك لما فعلت كذا (١)، أي: ألا فعلت، قاله الأخفش، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أخبرتيني» بإثبات التَّحتية بعد الفوقية (قَالَتْ) فاطمة : (أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ) أخبرك. قالت عائشة: (فَأَخْبَرَتْنِي، قَالَتْ) فاطمةُ (٢): (أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الأَمْرِ الأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ) هذا (العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَرَى) بفتح الهمزة (الأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ) بكسر الكاف (قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ) بكسر الفوقية (فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي) عدم صبرِي (سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، قَالَ: يَا فَاطِمَةُ أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «المؤمنات» (-أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ-).

(٤٤) (بابُ) جواز (الاِسْتِلْقَاءِ) وهو الاضطجاعُ على القفا، ووضع (٣) الظَّهر على الأرض سواءٌ كان معه نومٌ أو (٤) لا.

٦٢٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ) بفتح العين والموحدة المشددة، المازنيُّ الأنصاريُّ (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيدٍ الأنصاريِّ ، أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ فِي المَسْجِدِ) حال كونهِ (مُسْتَلْقِيًا) على قفاهُ، حال كونه (وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى) فيه -كما قال الخطابيُّ-: أنَّ النَّهي الوارد -في مسلمٍ- عن ذلك منسوخٌ،

أو محمولٌ على أنَّه حيث يخشى أن تبدو العورة، والجوازُ حيث يُؤمن ذلك، ورجَّح الثَّاني إذ النَّسخ لا يثبتُ بالاحتمال، وعلى هذا فيُجمعُ بينهما بما ذُكر، وجزمَ به البغويُّ والبيهقيُّ وغيرهما، والظَّاهر أنَّ فعله كان لبيان الجواز وكان في وقت الاستراحةِ لا عند مجتمعِ النَّاس لِما عُرف من عادتهِ من الجلوس بينهم بالوقار التَّامِّ. وعند البيهقيِّ عن محمَّد ابن نوفل: أنَّه رأى أسامة بن زيدٍ في مسجدِ رسولِ الله مضطجعًا إحدى رجليهِ على الأخرى.

والحديثُ سبق في «أبواب المساجد» [خ¦٤٧٥] وفي آخر (١) «اللِّباس» [خ¦٥٩٦٩]، وأخرجه مسلمٌ في «اللِّباس» أيضًا وأبو داود والتِّرمذيُّ.

(٤٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ) إلَّا بإذنه، وسقط «باب» لأبي ذرٍّ (وَقَوْلُهُ (٢) تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «وقال ﷿»: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾) بألسنتهم وهو خطابٌ للمنافقين، والظَّاهر أنَّه خطابٌ للمؤمنين (﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾) أي: إذا تناجيتم فلا تشبَّهوا باليهود والمنافقين في تناجيهم بالشَّرِّ، وهو من التَّجوُّز (٣) بلفظ المراد عن الإرادة المعنى: إذا (٤) أردتُم التَّناجي، ومنه: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] أي: إذا أراد قضاءَ أمرٍ، ومنه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] معناه: وإن أردتَ الحُكم فاحكمْ بينهم بالقسط، وفيه مجازٌ من وجهين: أحدُهما: التَّعبير بالحكم عن الإرادة، والثَّاني: التَّعبير بالماضي عن المستقبلِ (﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ﴾) بأداء الفرائضِ والطَّاعات (﴿وَالتَّقْوَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَمْشِي، لَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ، قَالَ: مَرْحَبًا بِابْنَتِي، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَإِذَا هِيَ تَضْحَكُ، فَقُلْتُ لَهَا: أَنَا مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ بِالسِّرِّ مِنْ بَيْنِنَا، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ سَأَلْتُهَا عَمَّا سَارَّكِ، قَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ سِرَّهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ، قُلْتُ لَهَا: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنْ الْحَقِّ لَمَّا أَخْبَرْتِنِي، قَالَتْ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ، فَأَخْبَرَتْنِي قَالَتْ: أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدْ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، قَالَ: يَا فَاطِمَةُ، أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

قَوْلُهُ: بَابُ مَنْ نَاجَى بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ وَلَمْ يُخْبِرْ بِسِرِّ صَاحِبِهِ، فَإِذَا مَاتَ أَخْبَرَ بِهِ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ إِذْ بَكَتْ لَمَّا سَارَّهَا النَّبِيُّ ثُمَّ ضَحِكَتْ لَمَّا سَارَّهَا ثَانِيًا، فَسَأَلَتْهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ، وَفِيهِ: أَنَّهَا أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْمَنَاقِبِ، وَفِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُسَارَرَةُ الْوَاحِدِ مَعَ الْوَاحِدِ بِحَضْرَةِ الْجَمَاعَةِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يُخَافُ مِنْ تَرْكِ الْوَاحِدِ لَا يُخَافُ مِنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، قُلْتُ: وَسَيَأْتِي إِيضَاحُ هَذَا بَعْدَ بَابٍ، قَالَ وَفِيهِ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِفْشَاءُ السِّرِّ إِذَا كَانَتْ فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى المسر ; لِأَنَّ فَاطِمَةَ لَوْ أَخْبَرَتْهُنَّ لَحَزِنَّ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، وَكَذَا لَوْ أَخْبَرَتْهُنَّ أَنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ لَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ، وَاشْتَدَّ حُزْنُهُنَّ، فَلَمَّا أَمِنَتْ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِنَّ أَخْبَرَتْ بِهِ.

قُلْتُ: أَمَّا الشِّقُّ الْأَوَّلُ فَحَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ فِيهِ جَوَازُ إِفْشَاءِ السِّرِّ إِذَا زَالَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إِفْشَائِهِ مِنَ الْمَضَرَّةِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي السِّرِّ الْكِتْمَانُ وَإِلَّا فَمَا فَائِدَتُهُ؟ وَأَمَّا الشِّقُّ الثَّانِي، فَالْعِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَاتَتْ قَبْلَهُنَّ كُلِّهِنَّ، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا؟ ثُمَّ جَوَّزْتُ أَنْ يَكُونَ فِي النُّسْخَةِ سَقَمٌ، وَأَنَّ الصَّوَابَ فَلَمَّا أَمِنَتْ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي عُلِّلَ بِهِ لَمْ يَنْزِلْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ بَلْ لَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ لَاسْتَمَرَّ حُزْنُهُنَّ عَلَى مَا فَاتَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ جَوَازُ الْعَزْمِ بِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ إِذَا قَالَ أَعْزِمُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ فَلَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَحْنَثْ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ، وَإِنْ قَالَ: أَعْزِمُ بِاللَّهِ أَنْ تَفْعَلَ فَلَمْ يَفْعَلْ حَنِثَ؛ لِأَنَّ هَذَا يَمِينٌ. انْتَهَى. وَالَّذِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ يَرْجِعُ إِلَى قَصْدِ الْحَالِفِ، فَإِنْ قَصَدَ يَمِينَ نَفْسِهِ فَيَمِينٌ، وَإِنْ قَصَدَ يَمِينَ الْمُخَاطَبِ أَوِ الشَّفَاعَةَ أَوْ أَطْلَقَ فَلَا.

٤٤ - بَاب الِاسْتِلْقَاءِ

٦٢٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَلْقِيًا وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(قُلْتُ لَهَا: عَزَمْتُ) أقسمتُ (عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الحَقِّ) والباء في «بما لي» للقسم (لَمَّا) بفتح اللام وتشديد الميم، مصحَّحًا على كلٍّ منهما في الفرع كأصلهِ بمعنى ألا (أَخْبَرْتِنِي) وهي لغةٌ مشهورةٌ في هُذيلٍ، تقول: أقسمت عليك لما فعلت كذا (١)، أي: ألا فعلت، قاله الأخفش، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أخبرتيني» بإثبات التَّحتية بعد الفوقية (قَالَتْ) فاطمة : (أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ) أخبرك. قالت عائشة: (فَأَخْبَرَتْنِي، قَالَتْ) فاطمةُ (٢): (أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الأَمْرِ الأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ) هذا (العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَرَى) بفتح الهمزة (الأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ) بكسر الكاف (قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ) بكسر الفوقية (فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي) عدم صبرِي (سَارَّنِي الثَّانِيَةَ، قَالَ: يَا فَاطِمَةُ أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «المؤمنات» (-أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ-).

(٤٤) (بابُ) جواز (الاِسْتِلْقَاءِ) وهو الاضطجاعُ على القفا، ووضع (٣) الظَّهر على الأرض سواءٌ كان معه نومٌ أو (٤) لا.

٦٢٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيينة قال: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابنِ شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ) بفتح العين والموحدة المشددة، المازنيُّ الأنصاريُّ (عَنْ عَمِّهِ) عبد الله بن زيدٍ الأنصاريِّ ، أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ فِي المَسْجِدِ) حال كونهِ (مُسْتَلْقِيًا) على قفاهُ، حال كونه (وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى) فيه -كما قال الخطابيُّ-: أنَّ النَّهي الوارد -في مسلمٍ- عن ذلك منسوخٌ،

أو محمولٌ على أنَّه حيث يخشى أن تبدو العورة، والجوازُ حيث يُؤمن ذلك، ورجَّح الثَّاني إذ النَّسخ لا يثبتُ بالاحتمال، وعلى هذا فيُجمعُ بينهما بما ذُكر، وجزمَ به البغويُّ والبيهقيُّ وغيرهما، والظَّاهر أنَّ فعله كان لبيان الجواز وكان في وقت الاستراحةِ لا عند مجتمعِ النَّاس لِما عُرف من عادتهِ من الجلوس بينهم بالوقار التَّامِّ. وعند البيهقيِّ عن محمَّد ابن نوفل: أنَّه رأى أسامة بن زيدٍ في مسجدِ رسولِ الله مضطجعًا إحدى رجليهِ على الأخرى.

والحديثُ سبق في «أبواب المساجد» [خ¦٤٧٥] وفي آخر (١) «اللِّباس» [خ¦٥٩٦٩]، وأخرجه مسلمٌ في «اللِّباس» أيضًا وأبو داود والتِّرمذيُّ.

(٤٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ) إلَّا بإذنه، وسقط «باب» لأبي ذرٍّ (وَقَوْلُهُ (٢) تَعَالَى) ولأبي ذرٍّ: «وقال ﷿»: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾) بألسنتهم وهو خطابٌ للمنافقين، والظَّاهر أنَّه خطابٌ للمؤمنين (﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾) أي: إذا تناجيتم فلا تشبَّهوا باليهود والمنافقين في تناجيهم بالشَّرِّ، وهو من التَّجوُّز (٣) بلفظ المراد عن الإرادة المعنى: إذا (٤) أردتُم التَّناجي، ومنه: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧] أي: إذا أراد قضاءَ أمرٍ، ومنه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢] معناه: وإن أردتَ الحُكم فاحكمْ بينهم بالقسط، وفيه مجازٌ من وجهين: أحدُهما: التَّعبير بالحكم عن الإرادة، والثَّاني: التَّعبير بالماضي عن المستقبلِ (﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ﴾) بأداء الفرائضِ والطَّاعات (﴿وَالتَّقْوَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ:

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.8 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
لا إله إلا الله