«إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٢

الحديث رقم ٦٢ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٢ في صحيح البخاري

«إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ».

بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعِلْمِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾

الْقِرَاءَةُ وَالْعَرْضُ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَرَأَى الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةً، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ لِلنَّبِيِّ : آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ . أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُونَ: أَشْهَدَنَا فُلَانٌ، وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ، وَيُقْرَأُ عَلَى الْمُقْرِئِ فَيَقُولُ الْقَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلَانٌ.

٦٢ (م ١) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ

⦗٢٣⦘

بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ.

وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرَبْرِيُّ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي، قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ : الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ.

إسناد حديث رقم ٦٢ من صحيح البخاري

٦٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُؤْمِنِ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وهو يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْبَزَّارِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَوَقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَصْلَ دِينِ الْمُسْلِمِ ثَابِتٌ، وَأَنَّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الْعُلُومِ وَالْخَيْرِ قُوتٌ لِلْأَرْوَاحِ مُسْتَطَابٌ، وَأَنَّهُ لَا يَزَالُ مَسْتُورًا بِدِينِهِ، وَأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِكُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ حَيًّا وَمَيِّتًا، انْتَهَى.

وَقَالَ غَيْرُهُ: وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ فَرْعِ الْمُؤْمِنِ فِي السَّمَاءِ رَفْعُ عَمَلِهِ وَقَبُولُهُ، وَرَوَى الْبَزَّارُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مِثْلُ الْمُؤْمِنِ مِثْلُ النَّخْلَةِ، مَا أَتَاكَ مِنْهَا نَفَعَكَ هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَقَدْ أَفْصَحَ بِالْمَقْصُودِ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ. وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَوْقِعَ التَّشْبِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالنَّخْلَةِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ النَّخْلَةِ إِذَا قُطِعَ رَأْسُهَا مَاتَتْ، أَوْ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ حَتَّى تُلَقَّحَ، أَوْ لِأَنَّهَا تَمُوتُ إِذَا غَرِقَتْ، أَوْ لِأَنَّ لِطَلْعِهَا رَائِحَةَ مَنِيِّ الْآدَمِيِّ، أَوْ لِأَنَّهَا تَعْشَقُ، أَوْ لِأَنَّهَا تَشْرَبُ مِنْ أَعْلَاهَا، فَكُلُّهَا أَوْجُهٌ ضَعِيفَةٌ ; لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنَ الْمُشَابِهَاتِ مُشْتَرِكٌ فِي الْآدَمِيِّينَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِ، وَأَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا خُلِقَتْ مِنْ فَضْلَةِ طِينِ آدَمَ فَإِنَّ الْحَدِيثَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِيهِ ضَرْبٌ الْأَمْثَالِ وَالْأَشْبَاهِ لِزِيَادَةِ الْإِفْهَامِ، وَتَصْوِيرُ الْمَعَانِي لِتَرْسَخَ فِي الذِّهْنِ، وَلِتَحْدِيدِ الْفِكْرِ فِي النَّظَرِ فِي حُكْمِ الْحَادِثَةِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَظِيرَهُ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الْجَمَادَاتِ وَلَا يُعَادِلُهُ. وَفِيهِ تَوْقِيرُ الْكَبِيرِ، وَتَقْدِيمُ الصَّغِيرِ أَبَاهُ فِي الْقَوْلِ، وَأَنَّهُ لَا يُبَادِرُهُ بِمَا فَهِمَهُ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ الصَّوَابُ. وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِمَ الْكَبِيرَ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْضُ مَا يُدْرِكُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ مَوَاهِبُ، وَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ الْخَوَاطِرَ الَّتِي تَقَعُ فِي الْقَلْبِ مِنْ مَحَبَّةِ الثَّنَاءِ عَلَى أَعْمَالِ الْخَيْرِ لَا يَقْدَحُ فِيهَا إِذَا كَانَ أَصْلُهَا لِلَّهِ، وَذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ تَمَنِّي عُمَرَ الْمَذْكُورِ، وَوَجْهُ تَمَنِّي عُمَرَ مَا طُبِعَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ مِنْ مَحَبَّةِ الْخَيْرِ لِنَفْسِهِ وَلِوَلَدِهِ، وَلِتَظْهَرَ فَضِيلَةُ الْوَلَدِ فِي الْفَهْمِ مِنْ صِغَرِهِ، وَلِيَزْدَادَ مِنَ النَّبِيِّ حُظْوَةً، وَلَعَلَّهُ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَدْعُوَ لَهُ إِذْ ذَاكَ بِالزِّيَادَةِ فِي الْفَهْمِ. وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَقَارَةِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ قَابَلَ فَهْمَ ابْنَهُ لِمَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ بِحُمْرِ النَّعَمِ مَعَ عِظَمِ مِقْدَارِهَا وَغَلَاءِ ثَمَنِهَا.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ بِهَذَا السِّيَاقِ إِلَّا ابْنُ عُمَرَ وَحْدَهُ، وَلَمَّا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثٍ مُخْتَصَرٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ أَوْرَدَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ لَفْظُهُ: مِثْلُ الْمُؤْمِنِ مِثْلُ النَّخْلَةِ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَرَأَ: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ عَاشِرَ عَشَرَةٍ، فَاسْتَفَدْنَا مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مِنْهُمْ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ إِنْ كَانَا سَمِعَا مَا رَوَيَاهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. وَاللَّهُ تعالى أَعْلَمُ.

٥ - بَاب طَرْحِ الْإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ

٦٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، ثم قالوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يا رسول الله؟ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ طَرْحِ الْإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ بِلَفْظٍ قَرِيبٍ مِنْ لَفْظِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٥) هذا (بابُ طَرْحِ) بالجرِّ للإضافة، أي: إلقاء (الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ) أي: ليمتحن الذي عندهم (مِنَ العِلْمِ).

٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء، أبو الهيثم القَطَوانيُّ؛ بفتح القاف والطَّاء نسبةً لموضعٍ بالكوفة، البجليُّ (١) مولاهم الكوفيُّ، تُكلِّم فيه، وقال ابن عَدِيٍّ: لا بأسَ به، المُتوفَّى في المُحرَّم سنة ثلاث عشْرة ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ، أبو محمَّدٍ التَّيميُّ القرشيُّ المدنيُّ الفقيه المشهور، وكان بربريًّا حسن الهيئة، وتُوفِّي سنة اثنتين وسبعين ومئةٍ في خلافة هارون الرَّشيد، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (عَنِ النَّبِيِّ ) أنه (قَالَ: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً) زاد المؤلِّف في «باب الفهم في العلم» قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فقال: كنَّا عند النَّبيِّ ، فأُتِيَ بجُمَّارةٍ، فقال: «إنَّ من الشَّجر شجرةً» [خ¦٧٢] (لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مِثْلُ) بكسر الأوَّل وسكون الثَّاني، وبفتحهما على ما مرَّ، أي: شبه (المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي) كذا في هذه (٢) الرِّواية بغير فاءٍ على الأصل (مَا هِيَ؟ قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي) أي: ذهبت أفكارهم إليها دون النَّخلة، وسقطت

لفظة «قال» من الرِّواية الأولى (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر : (فَوَقَعَ فِي نَفْسِي) وفي الرِّواية السَّابقة: «ووقع في نفسي» (أَنَّهَا النَّخْلَةُ) وفي «صحيح أبي عوانة»: قال: فظننت (١) أنَّها النَّخلة من أجل الجُمَّار الذي أُتي به، زاد في رواية أبي ذرٍّ عنِ (٢) المُستملي وأبي الوقت والأَصيليِّ: «فاستحييت» قال في رواية مجاهدٍ عند المؤلِّف في «باب الفهم في العلم» [خ¦٧٢]: «فأردت أن أقول: هي النَّخلة، فإذا أنا أصغر القوم»، وعنده في «الأطعمة» [خ¦٥٤٤٤]: «فإذا أنا عاشر عشرة أنا أَحْدَثُهم»، وفي رواية نافعٍ [خ¦٤٦٩٨]: «ورأيت أبا بكرٍ وعمر لا يتكلَّمان، فكرهت أن أتكلَّم» (ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا) المُرَاد منه: الطَّلب والسُّؤال (مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ) ولابن عساكر: «حدِّثنا يا رسول الله، قال: هي النَّخلة»، وللأَصيليِّ: «ثمَّ قالوا: حدِّثنا يا رسول الله» ووجه الشَّبه بين النَّخلة والمسلم: من جهة عدم سقوط الورق، كما رواه (٣) الحارث بن أبي أسامة في هذا الحديث، كما ذكره السُّهيليُّ في «التَّعريف»، وقال: زاد زيادةً تساوي رحلةً، ولفظه: عن ابن عمر قال: كنَّا عند رسول الله ذات يومٍ، فقال: «إنَّ مثل المؤمن كمثل شجرةٍ لا يسقط لها أُبْلُمَةٌ، أتدرون ما هي؟» قالوا: لا. قال: «هي النَّخلة، لا يسقط لها أُنْمُلَة، ولا يسقط لمؤمنٍ دعوةٌ» فبيَّن وجه الشَّبه (٤)، قال ابن حجرٍ: وعند المؤلِّف في «الأطعمة» من حديث ابن عمر: «بينما نحن عند النَّبيِّ إذ أُتي بجُمَّارةٍ، فقال: إن من الشَّجر لما بركته كبركة

المسلم» [خ¦٥٤٤٤] وهذا أعمُّ من الذي قبله، وبركة النَّخلة موجودةٌ في جميع أجزائها، تستمرُّ في جميع أحوالها، فمن (١) حين تطلع إلى حين تيبس تُؤكَل أنواعًا، ثمَّ يُنتفَع بجميع أجزائها، حتَّى النَّوى في علف الدَّوابِّ، واللِّيف في الحبال، وغير ذلك ممَّا لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامَّةٌ في جميع الأحوال، ونفعه مستمرٌّ له ولغيره، وأمَّا من قال: إنَّ وجه الشَّبه كون النَّخلة خُلِقت من فضل طينة آدم فلم يثبت الحديث بذلك، النَّخلة لا يسقط ورقها، والمؤمن لا يتغيَّر إيمانه بخلاف أهوية أهل الباطل (٢).

وفائدة إعادته لهذا الحديث: اختلاف السَّند المُؤذِن بتعدُّد (٣) مشايخه، واتِّساع روايته (٤)، مع استفادة الحكم المترتِّب عليه، المقتضي لدقَّة نظره في تصرُّفه في تراجم أبوابه، والله الموفِّق والمعين.

(٦) (بابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]) أي: سلِ الله تعالى زيادة العلم، وهذا ساقطٌ في رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبوي ذَرٍّ والوقت، والباب التَّالي له (٥) ساقطٌ عند الأَصيليِّ وأبي ذرٍّ وابن عساكر (٦).

(بابٌ: القِرَاءَةُ وَالعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ) وفي نسخةٍ: «القراءة والعرض على المحدِّث» بحذف «الباب» أي (١): بأن يقرأ عليه الطَّالب من حفظه أو كتابٍ، أو يسمعه عليه بقراءة غيره من كتابٍ أو حفظٍ، والمحدِّث حافظٌ للمقروء أو غير حافظٍ، لكن مع تتبُّع أصله بنفسه أو ثقةٍ ضابطٍ غيره، واحتُرِز به عن عرض المُناوَلَة؛ وهو العاري عن القراءة، وصورته أن يعرض الطَّالب مرويَّ شيخه اليقظ العارف عليه، فيتأمَّله الشَّيخ ثمَّ يعيده إليه (٢) ويأذن له في روايته عنه (وَرَأَى الحَسَنُ) البصريُّ (وَ) سفيان (الثَّورِيُّ وَمَالِكٌ) أي: ابن أنسٍ إمام الأئمَّة (القِرَاءَةَ) على المحدِّث (جَائِزَةً) في صحَّة النَّقل عنه؛ خلافًا لأبي عاصمٍ النَّبيل، وعبد الرَّحمن بن سلامٍ الجُمَحِيِّ، ووكيعٍ، والمُعتمَد الأوَّل، بل صرَّح القاضي عياضٌ بعدم الخلاف في صحَّة الرِّواية بها، وقد كان الإمام مالكٌ يأبى أشدَّ الإباء على المخالف، ويقول: كيف لا يجزيك هذا في الحديث

ويجزيك في القرآنِ، والقرآنُ أعظم؟! وقال بعض أصحابه: صحبته سبع عشرة سنةً، فما رأيته قرأ «المُوطَّأ» على أحدٍ، بل يقرؤون عليه، وفي رواية غير الأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: (قَالَ أَبُو عَبدِ اللهِ) أي: المؤلِّف (١) (سَمِعتُ أَبَا عَاصِمٍ يَذْكُرُ عَن سُفْيانَ الثَّورِيِّ وَمَالكٍ) الإمام (٢) (أَنَّهُما كانا يَرَيانِ القِراءَةَ والسَّماعَ جائِزًا) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «جائزةً» أي: القراءة؛ لأنَّ السَّماع لا نزاعَ فيه، ولغير أبي ذَرٍّ: (حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ مُوسَى عن سُفْيانَ قالَ: إذا قُرِئَ عَلَى المُحَدِّثِ فَلا بأسَ أَنْ يَقُولَ: حدَّثني) -بالإفراد- (وَسمعتُ) (٣).

(وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ) هو الحميديُّ شيخ المؤلِّف، أو أبو سعيدٍ الحدَّاد، كما في «المعرفة» للبيهقيِّ من طريق ابن خزيمة (فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ) أي: في صحَّة النَّقل عنه (بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ) بكسر الضَّاد المُعجَمَة، و «ثعلبة»: بالمُثلَّثة ثمَّ المُهمَلَة وبعد اللَّام مُوحَّدةٌ، زاد في رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «أنَّه» وسقطت لغيرهما كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (٤) (قَالَ لِلنَّبِيِّ : آللهُ) بهمزة الاستفهام مرفوعٌ مبتدأٌ، خبره قوله: (أَمَرَكَ أَنْ) أي: بأن (تُصَلِّيَ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وفي فرع «اليونينيَّة» كهي (٥): «أن نصلِّي» بنون الجمع (الصَّلَوَاتِ؟) وفي رواية أبوي الوقت وذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «الصَّلاة» بالإفراد (قَالَ) : (نَعَمْ) أمرنا أن نصلِّيَ، قال الحميديُّ: (فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ) وفي رواية الأَصيليِّ كما في الفرع: «فهذه قراءةٌ على العالِم» (أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَأَجَازُوهُ) أي: قبلوه من ضِمَامٍ، وليس في الرِّواية الآتية [خ¦٦٣] من حديث أنسٍ في قصَّته أنَّه أخبر قومه بذلك. نعم؛ رُوِيَ ذلك

من طريقٍ أخرى (١) عند أحمد من حديث ابن عبَّاسٍ قال: بعث بنو سعد بن بكرٍ ضمامَ بن ثعلبة … الحديثَ، وفيه: أنَّ ضِمَامًا قال لقومه عندما رجع إليهم: إنَّ الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجلٌ ولا امرأةٌ إلَّا مسلمًا.

(وَاحْتَجَّ مَالِكٌ) الإمام (بِالصَّكِّ) بفتح المُهمَلَة وتشديد الكاف: الكتاب، فارسيٌّ مُعرَّبٌ، يُكتَب فيه إقرار المقرِّ (يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول (فَيَقُولُونَ) أي: الشَّاهدون لا القوم؛ لأنَّ المُرَاد منهم من يعطي الصَّكَّ، وهم المقرُّون بالدُّيون أو غيرها، فلا يصحُّ لهم أن يقولوا (٢): (أَشْهَدَنَا فُلَانٌ وَيُقْرَأُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيَّا للمفعول (٣) (ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ) أي: والحال أنَّ ذلك بصيغة القراءة لا بصيغة الإقرار (٤) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت (٥): «وإنَّما ذلك قراءة عليهم» فتسوغ الشَّهادة عليهم بقولهم: «نعم» بعد قراءة المكتوب عليهم مع عدم تلفُّظهم بما هو مكتوبٌ، قال ابن بطَّالٍ: وهذه حجَّةٌ قاطعةٌ لأنَّ الإشهاد أقوى حالات الإخبار (وَيُقْرَأُ) بضمِّ أوَّله أيضًا (عَلَى المُقْرِئِ) المعلِّم للقرآن (فَيَقُولُ القَارِئُ) عليه: (أَقْرَأَنِي فُلَانٌ) روى الخطيب البغداديُّ في «كفايته» من طريق ابن وهبٍ قال: سمعت مالكًا وقد سُئِل عنِ الكتب التي تُعرَض: أيقول الرَّجل: حدَّثني؟ قال: نعم، كذلك القرآن، أليس الرَّجل يقرأ على الرَّجل فيقول: أقرأني فلانٌ؟ فكذلك إذا قرأ على العالم؛ صحَّ أن يرويَ عنه. انتهى.

وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ) بفتح الحاء؛ ابن عمران (الوَاسِطِيُّ) قاضيه، المُتوفَّى سنة تسعٍ

وثمانين ومئةٍ، وليس له في «البخاريِّ» غير هذا (عَنْ عَوْفٍ) بفتح العين آخره فاءٌ (١) هو ابن أبي جميلة الأعرابيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه (قَالَ: لَا بَأْسَ) في صحَّة النَّقل عن المحدِّث (بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ) أي: الشَّيخ. وبه قال المؤلِّف: «حدَّثنا عبيد الله» (٢) زاد في غير (٣) رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر (٤) ما هو ثابتٌ في فرع «اليونينيَّة» لا (٥) في أصلها إلَّا في الهامش، وفوقه (هـ س ط) (٦)، (وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفَِرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ قَالَ (٧): حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا (ابْنُ مُوسَى) بن باذام العبسيُّ، بالمُهمَلَتين (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه (قَالَ: إِذَا قُرِئَ) بضمِّ القاف وكسر الرَّاء، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «إذا قرأت» وفي رواية أبي الوقت: «إذا قرأ» (عَلَى المُحَدِّثِ فَلَا بَأْسَ) على القارئ (أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي) كما جاز أن يقول: «أخبرني» (قَالَ) أي: المؤلِّف: (وَسَمِعْتُ) وفي رواية ابن عساكر (٨): «قال أبو عبد الله: سمعت» بغير واوٍ (أَبَا عَاصِمٍ) هو الضَّحَّاك بن مخلدٍ الشَّيبانيُّ البصريُّ النَّبِيْل؛ بفتح النُّون وكسر المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، المُتوفَّى في ذي الحجَّة سنة اثنتي عشْرةَ ومئتين (يَقُولُ: عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (وَ) عن (سُفْيَانَ) الثَّوريِّ: (القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ) في صحَّة النَّقل وجواز الرِّواية. نعم؛ استحبَّ مالكٌ القراءة على الشَّيخ، وروى عنه الدَّارقطنيُّ: أنَّها أَثْبَتُ من قراءة العالِم، والجمهور على أنَّ قراءة الشَّيخ أرجح من قراءة الطَّالب عليه، وذهب آخرون إلى أنَّهما سواءٌ، كما تقدَّم من (٩)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُؤْمِنِ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وهو يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ الْبَزَّارِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَوَقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَصْلَ دِينِ الْمُسْلِمِ ثَابِتٌ، وَأَنَّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الْعُلُومِ وَالْخَيْرِ قُوتٌ لِلْأَرْوَاحِ مُسْتَطَابٌ، وَأَنَّهُ لَا يَزَالُ مَسْتُورًا بِدِينِهِ، وَأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِكُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ حَيًّا وَمَيِّتًا، انْتَهَى.

وَقَالَ غَيْرُهُ: وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ فَرْعِ الْمُؤْمِنِ فِي السَّمَاءِ رَفْعُ عَمَلِهِ وَقَبُولُهُ، وَرَوَى الْبَزَّارُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مِثْلُ الْمُؤْمِنِ مِثْلُ النَّخْلَةِ، مَا أَتَاكَ مِنْهَا نَفَعَكَ هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَقَدْ أَفْصَحَ بِالْمَقْصُودِ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ. وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَوْقِعَ التَّشْبِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالنَّخْلَةِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِ النَّخْلَةِ إِذَا قُطِعَ رَأْسُهَا مَاتَتْ، أَوْ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ حَتَّى تُلَقَّحَ، أَوْ لِأَنَّهَا تَمُوتُ إِذَا غَرِقَتْ، أَوْ لِأَنَّ لِطَلْعِهَا رَائِحَةَ مَنِيِّ الْآدَمِيِّ، أَوْ لِأَنَّهَا تَعْشَقُ، أَوْ لِأَنَّهَا تَشْرَبُ مِنْ أَعْلَاهَا، فَكُلُّهَا أَوْجُهٌ ضَعِيفَةٌ ; لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنَ الْمُشَابِهَاتِ مُشْتَرِكٌ فِي الْآدَمِيِّينَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِ، وَأَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا خُلِقَتْ مِنْ فَضْلَةِ طِينِ آدَمَ فَإِنَّ الْحَدِيثَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِيهِ ضَرْبٌ الْأَمْثَالِ وَالْأَشْبَاهِ لِزِيَادَةِ الْإِفْهَامِ، وَتَصْوِيرُ الْمَعَانِي لِتَرْسَخَ فِي الذِّهْنِ، وَلِتَحْدِيدِ الْفِكْرِ فِي النَّظَرِ فِي حُكْمِ الْحَادِثَةِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَظِيرَهُ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الْجَمَادَاتِ وَلَا يُعَادِلُهُ. وَفِيهِ تَوْقِيرُ الْكَبِيرِ، وَتَقْدِيمُ الصَّغِيرِ أَبَاهُ فِي الْقَوْلِ، وَأَنَّهُ لَا يُبَادِرُهُ بِمَا فَهِمَهُ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ الصَّوَابُ. وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِمَ الْكَبِيرَ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْضُ مَا يُدْرِكُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ مَوَاهِبُ، وَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ الْخَوَاطِرَ الَّتِي تَقَعُ فِي الْقَلْبِ مِنْ مَحَبَّةِ الثَّنَاءِ عَلَى أَعْمَالِ الْخَيْرِ لَا يَقْدَحُ فِيهَا إِذَا كَانَ أَصْلُهَا لِلَّهِ، وَذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ تَمَنِّي عُمَرَ الْمَذْكُورِ، وَوَجْهُ تَمَنِّي عُمَرَ مَا طُبِعَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ مِنْ مَحَبَّةِ الْخَيْرِ لِنَفْسِهِ وَلِوَلَدِهِ، وَلِتَظْهَرَ فَضِيلَةُ الْوَلَدِ فِي الْفَهْمِ مِنْ صِغَرِهِ، وَلِيَزْدَادَ مِنَ النَّبِيِّ حُظْوَةً، وَلَعَلَّهُ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَدْعُوَ لَهُ إِذْ ذَاكَ بِالزِّيَادَةِ فِي الْفَهْمِ. وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى حَقَارَةِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ قَابَلَ فَهْمَ ابْنَهُ لِمَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ بِحُمْرِ النَّعَمِ مَعَ عِظَمِ مِقْدَارِهَا وَغَلَاءِ ثَمَنِهَا.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ بِهَذَا السِّيَاقِ إِلَّا ابْنُ عُمَرَ وَحْدَهُ، وَلَمَّا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثٍ مُخْتَصَرٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ أَوْرَدَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ لَفْظُهُ: مِثْلُ الْمُؤْمِنِ مِثْلُ النَّخْلَةِ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَرَأَ: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ عَاشِرَ عَشَرَةٍ، فَاسْتَفَدْنَا مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مِنْهُمْ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ إِنْ كَانَا سَمِعَا مَا رَوَيَاهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. وَاللَّهُ تعالى أَعْلَمُ.

٥ - بَاب طَرْحِ الْإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ

٦٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، ثم قالوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يا رسول الله؟ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ طَرْحِ الْإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورَ بِلَفْظٍ قَرِيبٍ مِنْ لَفْظِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٥) هذا (بابُ طَرْحِ) بالجرِّ للإضافة، أي: إلقاء (الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ) أي: ليمتحن الذي عندهم (مِنَ العِلْمِ).

٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء، أبو الهيثم القَطَوانيُّ؛ بفتح القاف والطَّاء نسبةً لموضعٍ بالكوفة، البجليُّ (١) مولاهم الكوفيُّ، تُكلِّم فيه، وقال ابن عَدِيٍّ: لا بأسَ به، المُتوفَّى في المُحرَّم سنة ثلاث عشْرة ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ، أبو محمَّدٍ التَّيميُّ القرشيُّ المدنيُّ الفقيه المشهور، وكان بربريًّا حسن الهيئة، وتُوفِّي سنة اثنتين وسبعين ومئةٍ في خلافة هارون الرَّشيد، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (عَنِ النَّبِيِّ ) أنه (قَالَ: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً) زاد المؤلِّف في «باب الفهم في العلم» قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فقال: كنَّا عند النَّبيِّ ، فأُتِيَ بجُمَّارةٍ، فقال: «إنَّ من الشَّجر شجرةً» [خ¦٧٢] (لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مِثْلُ) بكسر الأوَّل وسكون الثَّاني، وبفتحهما على ما مرَّ، أي: شبه (المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي) كذا في هذه (٢) الرِّواية بغير فاءٍ على الأصل (مَا هِيَ؟ قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي) أي: ذهبت أفكارهم إليها دون النَّخلة، وسقطت

لفظة «قال» من الرِّواية الأولى (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر : (فَوَقَعَ فِي نَفْسِي) وفي الرِّواية السَّابقة: «ووقع في نفسي» (أَنَّهَا النَّخْلَةُ) وفي «صحيح أبي عوانة»: قال: فظننت (١) أنَّها النَّخلة من أجل الجُمَّار الذي أُتي به، زاد في رواية أبي ذرٍّ عنِ (٢) المُستملي وأبي الوقت والأَصيليِّ: «فاستحييت» قال في رواية مجاهدٍ عند المؤلِّف في «باب الفهم في العلم» [خ¦٧٢]: «فأردت أن أقول: هي النَّخلة، فإذا أنا أصغر القوم»، وعنده في «الأطعمة» [خ¦٥٤٤٤]: «فإذا أنا عاشر عشرة أنا أَحْدَثُهم»، وفي رواية نافعٍ [خ¦٤٦٩٨]: «ورأيت أبا بكرٍ وعمر لا يتكلَّمان، فكرهت أن أتكلَّم» (ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا) المُرَاد منه: الطَّلب والسُّؤال (مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هِيَ النَّخْلَةُ) ولابن عساكر: «حدِّثنا يا رسول الله، قال: هي النَّخلة»، وللأَصيليِّ: «ثمَّ قالوا: حدِّثنا يا رسول الله» ووجه الشَّبه بين النَّخلة والمسلم: من جهة عدم سقوط الورق، كما رواه (٣) الحارث بن أبي أسامة في هذا الحديث، كما ذكره السُّهيليُّ في «التَّعريف»، وقال: زاد زيادةً تساوي رحلةً، ولفظه: عن ابن عمر قال: كنَّا عند رسول الله ذات يومٍ، فقال: «إنَّ مثل المؤمن كمثل شجرةٍ لا يسقط لها أُبْلُمَةٌ، أتدرون ما هي؟» قالوا: لا. قال: «هي النَّخلة، لا يسقط لها أُنْمُلَة، ولا يسقط لمؤمنٍ دعوةٌ» فبيَّن وجه الشَّبه (٤)، قال ابن حجرٍ: وعند المؤلِّف في «الأطعمة» من حديث ابن عمر: «بينما نحن عند النَّبيِّ إذ أُتي بجُمَّارةٍ، فقال: إن من الشَّجر لما بركته كبركة

المسلم» [خ¦٥٤٤٤] وهذا أعمُّ من الذي قبله، وبركة النَّخلة موجودةٌ في جميع أجزائها، تستمرُّ في جميع أحوالها، فمن (١) حين تطلع إلى حين تيبس تُؤكَل أنواعًا، ثمَّ يُنتفَع بجميع أجزائها، حتَّى النَّوى في علف الدَّوابِّ، واللِّيف في الحبال، وغير ذلك ممَّا لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامَّةٌ في جميع الأحوال، ونفعه مستمرٌّ له ولغيره، وأمَّا من قال: إنَّ وجه الشَّبه كون النَّخلة خُلِقت من فضل طينة آدم فلم يثبت الحديث بذلك، النَّخلة لا يسقط ورقها، والمؤمن لا يتغيَّر إيمانه بخلاف أهوية أهل الباطل (٢).

وفائدة إعادته لهذا الحديث: اختلاف السَّند المُؤذِن بتعدُّد (٣) مشايخه، واتِّساع روايته (٤)، مع استفادة الحكم المترتِّب عليه، المقتضي لدقَّة نظره في تصرُّفه في تراجم أبوابه، والله الموفِّق والمعين.

(٦) (بابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]) أي: سلِ الله تعالى زيادة العلم، وهذا ساقطٌ في رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبوي ذَرٍّ والوقت، والباب التَّالي له (٥) ساقطٌ عند الأَصيليِّ وأبي ذرٍّ وابن عساكر (٦).

(بابٌ: القِرَاءَةُ وَالعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ) وفي نسخةٍ: «القراءة والعرض على المحدِّث» بحذف «الباب» أي (١): بأن يقرأ عليه الطَّالب من حفظه أو كتابٍ، أو يسمعه عليه بقراءة غيره من كتابٍ أو حفظٍ، والمحدِّث حافظٌ للمقروء أو غير حافظٍ، لكن مع تتبُّع أصله بنفسه أو ثقةٍ ضابطٍ غيره، واحتُرِز به عن عرض المُناوَلَة؛ وهو العاري عن القراءة، وصورته أن يعرض الطَّالب مرويَّ شيخه اليقظ العارف عليه، فيتأمَّله الشَّيخ ثمَّ يعيده إليه (٢) ويأذن له في روايته عنه (وَرَأَى الحَسَنُ) البصريُّ (وَ) سفيان (الثَّورِيُّ وَمَالِكٌ) أي: ابن أنسٍ إمام الأئمَّة (القِرَاءَةَ) على المحدِّث (جَائِزَةً) في صحَّة النَّقل عنه؛ خلافًا لأبي عاصمٍ النَّبيل، وعبد الرَّحمن بن سلامٍ الجُمَحِيِّ، ووكيعٍ، والمُعتمَد الأوَّل، بل صرَّح القاضي عياضٌ بعدم الخلاف في صحَّة الرِّواية بها، وقد كان الإمام مالكٌ يأبى أشدَّ الإباء على المخالف، ويقول: كيف لا يجزيك هذا في الحديث

ويجزيك في القرآنِ، والقرآنُ أعظم؟! وقال بعض أصحابه: صحبته سبع عشرة سنةً، فما رأيته قرأ «المُوطَّأ» على أحدٍ، بل يقرؤون عليه، وفي رواية غير الأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: (قَالَ أَبُو عَبدِ اللهِ) أي: المؤلِّف (١) (سَمِعتُ أَبَا عَاصِمٍ يَذْكُرُ عَن سُفْيانَ الثَّورِيِّ وَمَالكٍ) الإمام (٢) (أَنَّهُما كانا يَرَيانِ القِراءَةَ والسَّماعَ جائِزًا) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «جائزةً» أي: القراءة؛ لأنَّ السَّماع لا نزاعَ فيه، ولغير أبي ذَرٍّ: (حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ مُوسَى عن سُفْيانَ قالَ: إذا قُرِئَ عَلَى المُحَدِّثِ فَلا بأسَ أَنْ يَقُولَ: حدَّثني) -بالإفراد- (وَسمعتُ) (٣).

(وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ) هو الحميديُّ شيخ المؤلِّف، أو أبو سعيدٍ الحدَّاد، كما في «المعرفة» للبيهقيِّ من طريق ابن خزيمة (فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ) أي: في صحَّة النَّقل عنه (بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ) بكسر الضَّاد المُعجَمَة، و «ثعلبة»: بالمُثلَّثة ثمَّ المُهمَلَة وبعد اللَّام مُوحَّدةٌ، زاد في رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «أنَّه» وسقطت لغيرهما كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (٤) (قَالَ لِلنَّبِيِّ : آللهُ) بهمزة الاستفهام مرفوعٌ مبتدأٌ، خبره قوله: (أَمَرَكَ أَنْ) أي: بأن (تُصَلِّيَ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة، وفي فرع «اليونينيَّة» كهي (٥): «أن نصلِّي» بنون الجمع (الصَّلَوَاتِ؟) وفي رواية أبوي الوقت وذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «الصَّلاة» بالإفراد (قَالَ) : (نَعَمْ) أمرنا أن نصلِّيَ، قال الحميديُّ: (فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ) وفي رواية الأَصيليِّ كما في الفرع: «فهذه قراءةٌ على العالِم» (أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَأَجَازُوهُ) أي: قبلوه من ضِمَامٍ، وليس في الرِّواية الآتية [خ¦٦٣] من حديث أنسٍ في قصَّته أنَّه أخبر قومه بذلك. نعم؛ رُوِيَ ذلك

من طريقٍ أخرى (١) عند أحمد من حديث ابن عبَّاسٍ قال: بعث بنو سعد بن بكرٍ ضمامَ بن ثعلبة … الحديثَ، وفيه: أنَّ ضِمَامًا قال لقومه عندما رجع إليهم: إنَّ الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجلٌ ولا امرأةٌ إلَّا مسلمًا.

(وَاحْتَجَّ مَالِكٌ) الإمام (بِالصَّكِّ) بفتح المُهمَلَة وتشديد الكاف: الكتاب، فارسيٌّ مُعرَّبٌ، يُكتَب فيه إقرار المقرِّ (يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول (فَيَقُولُونَ) أي: الشَّاهدون لا القوم؛ لأنَّ المُرَاد منهم من يعطي الصَّكَّ، وهم المقرُّون بالدُّيون أو غيرها، فلا يصحُّ لهم أن يقولوا (٢): (أَشْهَدَنَا فُلَانٌ وَيُقْرَأُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيَّا للمفعول (٣) (ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ) أي: والحال أنَّ ذلك بصيغة القراءة لا بصيغة الإقرار (٤) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت (٥): «وإنَّما ذلك قراءة عليهم» فتسوغ الشَّهادة عليهم بقولهم: «نعم» بعد قراءة المكتوب عليهم مع عدم تلفُّظهم بما هو مكتوبٌ، قال ابن بطَّالٍ: وهذه حجَّةٌ قاطعةٌ لأنَّ الإشهاد أقوى حالات الإخبار (وَيُقْرَأُ) بضمِّ أوَّله أيضًا (عَلَى المُقْرِئِ) المعلِّم للقرآن (فَيَقُولُ القَارِئُ) عليه: (أَقْرَأَنِي فُلَانٌ) روى الخطيب البغداديُّ في «كفايته» من طريق ابن وهبٍ قال: سمعت مالكًا وقد سُئِل عنِ الكتب التي تُعرَض: أيقول الرَّجل: حدَّثني؟ قال: نعم، كذلك القرآن، أليس الرَّجل يقرأ على الرَّجل فيقول: أقرأني فلانٌ؟ فكذلك إذا قرأ على العالم؛ صحَّ أن يرويَ عنه. انتهى.

وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) بتخفيف اللَّام، البيكنديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ) بفتح الحاء؛ ابن عمران (الوَاسِطِيُّ) قاضيه، المُتوفَّى سنة تسعٍ

وثمانين ومئةٍ، وليس له في «البخاريِّ» غير هذا (عَنْ عَوْفٍ) بفتح العين آخره فاءٌ (١) هو ابن أبي جميلة الأعرابيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ أنَّه (قَالَ: لَا بَأْسَ) في صحَّة النَّقل عن المحدِّث (بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ) أي: الشَّيخ. وبه قال المؤلِّف: «حدَّثنا عبيد الله» (٢) زاد في غير (٣) رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر (٤) ما هو ثابتٌ في فرع «اليونينيَّة» لا (٥) في أصلها إلَّا في الهامش، وفوقه (هـ س ط) (٦)، (وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفَِرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ قَالَ (٧): حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا (ابْنُ مُوسَى) بن باذام العبسيُّ، بالمُهمَلَتين (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ أنَّه (قَالَ: إِذَا قُرِئَ) بضمِّ القاف وكسر الرَّاء، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «إذا قرأت» وفي رواية أبي الوقت: «إذا قرأ» (عَلَى المُحَدِّثِ فَلَا بَأْسَ) على القارئ (أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي) كما جاز أن يقول: «أخبرني» (قَالَ) أي: المؤلِّف: (وَسَمِعْتُ) وفي رواية ابن عساكر (٨): «قال أبو عبد الله: سمعت» بغير واوٍ (أَبَا عَاصِمٍ) هو الضَّحَّاك بن مخلدٍ الشَّيبانيُّ البصريُّ النَّبِيْل؛ بفتح النُّون وكسر المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، المُتوفَّى في ذي الحجَّة سنة اثنتي عشْرةَ ومئتين (يَقُولُ: عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (وَ) عن (سُفْيَانَ) الثَّوريِّ: (القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ) في صحَّة النَّقل وجواز الرِّواية. نعم؛ استحبَّ مالكٌ القراءة على الشَّيخ، وروى عنه الدَّارقطنيُّ: أنَّها أَثْبَتُ من قراءة العالِم، والجمهور على أنَّ قراءة الشَّيخ أرجح من قراءة الطَّالب عليه، وذهب آخرون إلى أنَّهما سواءٌ، كما تقدَّم من (٩)

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده