«أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٢

الحديث رقم ٦٣٢ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة وجمع.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٣٢ في صحيح البخاري

«أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ». فَأَخْبَرَنَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ، أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ.

إسناد حديث رقم ٦٣٢ من صحيح البخاري

٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٣٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اسْتِحْبَابَ الْإِعَادَةِ لَا وُجُوبَهَا.

قَوْلُهُ: (وَالْإِقَامَةِ) بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْأَذَانِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي كُلِّ حَالٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ) لَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِيهِ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ وَأَقامَ لَمَّا جَمَعَ النَّبِيُّ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ.

قَوْلُهُ: (وَجَمْعٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ هِيَ مُزْدَلِفَةُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَفْعَلُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ) هُوَ بِالْخَفْضِ أَيْضًا.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي الْمَوَاقِيتِ، وَفِيهِ الْبَيَانُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ هُوَ بِلَالٌ، وَأَنَّهُ أَذَّنَ وَأَقَامَ، فَيُطَابِقُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ.

قوله (حدثنا محمد بن يوسف) هو الفريابي، وبذلك صرح أبو نعيم في المستخرج وسفيان هو الثوري، وقد روى البخاري عن محمد بن يوسف أيضا عن سفيان بن عيينه، لكنه محمد بن يوسف البيكندي وليست له رواية عن الثوري، وإذا روى عن ابن عيينه بينه، وقد قدمنا ذلك.

قَوْلُهُ (أَتَى رَجُلَانِ) هُمَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ رَوِاي الْحَدِيثِ وَرَفِيقُهُ، وَسَيَأْتِي فِي (بَابِ سَفَرِ الِاثْنَيْنِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ بِلَفْظِ انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ تَسْمِيَةَ صَاحِبِهِ.

قوله فأذنا قال أبو الحسن بن القصار: أراد به الفضل، وإلا فأذان الواحد يجزئ، وكأنه فهم منه: أنه أمرهما أن يؤذنا جميعا، كما هو ظاهر اللفظ، فإن أراد أنهما يؤذنان معا، فليس ذلك بمراد، وقد قدمنا النقل عن السلف بخلافه. وإن أراد: أن كلا منهما على حدة، ففيه نظر، فإن أذان الواحد يكفي الجماعة، نعم، يستحب لكل أحد إجابة المؤذن، فالأولى حمل الأمر على أن أحدهما يؤذن والآخر يجيب، وقد تقدم له توجيه آخر في الباب الذي قبله، وأن الحامل على صرفه عن ظاهره قوله فيه: فليؤذن لكم أحدكم. وللطبراني من طريق حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء في هذا الحديث: إذا كنت مع صاحبك فأذن وأقم، وليؤمكما أكبركما. واستروح القرطبي، فحمل اختلاف ألفاظ الحديث على تعدد القصة، وهو بعيد، وقال الكرماني: قد يطلق الأمر بالتثنية، وبالجمع، والمراد واحد، كقوله: يا حرسي اضربا عنقه، وقوله: قتله بنو تميم، مع أن القاتل والضارب واحد.

قوله: ثم أقيما فيه حجة لمن قال باستحباب إجابة المؤذن بالإقامة إن حمل الأمر على ما مضى، وإلا فالذي يؤذن هو الذي يقيم.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ فَذَكَرَ حَدِيثَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ مُطَوَّلًا نَحْوَ مَا مَضَى فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي بَابِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَعَلَى ذِكْرِهِ هُنَاكَ اقْتَصَرَ بَاقِي الرُّوَاةِ.

٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ، أَوْ الْمَطِيرَةِ، فِي السَّفَرِ.

[الحديث ٦٣٢ - طرفه في: ٦٦٦]

٦٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِالْأَبْطَحِ، فَجَاءَهُ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَرَجَ بِلَالٌ بِالْعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا

بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ بِالأَبْطَحِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ"

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ.

قَوْلُهُ: (بِضَجْنَانَ) هُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْجِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ عَلَى وَزْنِ فَعْلَانَ، غَيْرُ مَصْرُوفٍ، قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ وَغَيْرُهُ: هُوَ جَبَلٌ بِنَاحِيَةِ مَكَّةَ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى فِي ذَيْلِ الْغَرِيبَيْنَ: هُوَ مَوْضِعٌ أَوْ جَبَلٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَمَنْ تَبِعَهُ: هُوَ جَبَلٌ عَلَى بَرِيدٍ مِنْ مَكَّةَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ وَادِي مُرَيْسِعَةٍ أَمْيَالٌ. انْتَهَى. وَهَذَا الْقَدْرُ أَكْثَرُ مِنْ بَرِيدَيْنِ. وَضَبْطُهُ بِالْأَمْيَالِ يَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ اعْتِنَاءٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ مِمَّنْ شَاهَدَ تِلْكَ الْأَمَاكِنَ وَاعْتَنَى بِهَا، خِلَافُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يَرَهَا أَصْلًا. وَيُؤَيِّدُهُ مَا حَكَاهُ أَبُو عَبِيدٍ الْبَكْرِيُّ، قَالَ: وَبَيْنَ قُدَيْدٍ وَضَجْنَانَ يَوْمٌ. قَالَ مَعْبَدٌ الْخُزَاعِيُّ:

قَدْ جَعَلْتُ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي … وَمَاءَ ضَجْنَانَ لَهَا ضُحَى الْغَدِ

قَوْلُهُ: (وَأَخْبَرَنَا) أَيِ ابْنُ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِهِ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ كَانَ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَذَانِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَمَّا ذَكَرَ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ يَقُولُ فِي آخِرِ نِدَائِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي آخِرِهِ قُبَيْلَ الْفَرَاغِ مِنْهُ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. انْتَهَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُقَالُ بَدَلًا مِنَ الْحَيْعَلَةِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ مَعْنَى حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ هَلُمُّوا إِلَيْهَا، وَمَعْنَى الصَّلَاةَ فِي الرِّحَالِ: تَأَخَّرُوا عَنِ الْمَجِيءِ، وَلَا يُنَاسِبُ إِيرَادَ اللَّفْظَيْنِ مَعًا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا نَقِيضُ الْآخَرِ. اهـ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ رُخْصَةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَرَخَّصَ، وَمَعْنَى هَلُمُّوا إِلَى الصَّلَاةِ نَدْبٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْفَضِيلَةَ وَلَوْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي سَفَرٍ، فَمُطِرْنَا، فَقَالَ: لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ.

قَوْلُهُ: (فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ، وَإِسْنَادُ الْمَطَرِ إِلَيْهَا مَجَازٌ، وَلَا يُقَالُ إِنَّهَا بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ - أَيْ مَمْطُورٌ فِيهَا - لِوُجُودِ الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ مَطِيرَةٍ، إِذْ لَا يَصِحُّ مَمْطُورَةٌ فِيهَا. اهـ. مُلَخَّصًا. وَقَوْلُهُ: (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ، وَفِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ أَوْ ذَاتُ رِيحٍ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ عُذْرٌ فِي التَّأَخُّرِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الرِّيحَ عُذْرٌ فِي اللَّيْلِ فَقَطْ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ الثَّلَاثَةِ بِاللَّيْلِ، لَكِنْ فِي السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَالْغَدَاةِ الْقَرَّةِ، وَفِيهَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُمْ مُطِرُوا يَوْمًا، فَرَخَّصَ لَهُمْ. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ التَّرَخُّصَ بِعُذْرِ الرِّيحِ فِي النَّهَارِ صَرِيحًا، لَكِنَّ الْقِيَامَ يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَجْهًا.

قَوْلُهُ: (فِي السَّفَرِ) ظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ، وَرِوَايَةُ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ الْآتِيَةُ فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مُطْلَقَةٌ، وَبِهَا أَخَذَ الْجُمْهُورُ، لَكِنَّ قَاعِدَةَ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ تَقْتَضِي أَن يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُسَافِرِ مُطْلَقًا، وَيُلْحَقُ بِهِ مَنْ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ مَشَقَّةٌ فِي الْحَضَرِ دُونَ مَنْ لَا تَلْحَقُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ بِالْأَبْطَحِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ أَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ وَبِذَلِكَ جَزَمَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ، وَقَدْ تَرَدَّدَ الْكَلَابَاذِيُّ هَلْ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ أَوِ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَرَجَّحَ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ.

قَوْلُهُ: (فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَرَجَ بِلَالٌ) اخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأربعة: «حدَّثنا» (يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين فيهما (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ) بضادٍ معجمةٍ مفتوحةٍ وجيمٍ ساكنةٍ ونونين بينهما ألفٌ، على وزن «فعلان» غير منصرفٍ: جبيلٌ (١) على بريدٍ من مكَّة (ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عمر: (صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا) أي: ابن عمر، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وأخبرنا» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «أنَّ النَّبيَّ» ( كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ) عطفًا على «يؤذِّنُ» (عَلَى إِثْرِهِ) بكسر الهمزة وسكون المُثلَّثة، وبفتحهما، بعد فراغ الأذان، وفي حديث مسلمٍ: يقول في آخر أذانه: (أَلَا) بتخفيف اللَّام مع فتح الهمزة (صَلُّوا فِي الرِّحَالِ) بالحاء المهملة جمع «رَحْلٍ» (فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ) «فعيلةٌ» بمعنى «فاعلةٍ» وإسناد المطر إليها مجازٌ، وليست بمعنى «مفعولةٍ» أي: ممطورٌ فيها؛ لوجود الهاء في قوله: «مطيرةٍ» إذ لا يصحُّ ممطورةٌ فيها، وليست «أو» للشَّكِّ بل للتَّنويع، وفيه: أنَّ كلَّ واحدٍ من البرد والمطر عذرٌ بانفراده، لكن في روايةٍ: «كان يأمر المؤذِّن إذا كانت ليلةٌ باردةٌ ذات مطرٍ يقول: ألا صلُّوا في الرِّحال»، فلم يقل: في سفرٍ، وفي بعض طرق الحديث عند أبي داود: نادى منادي رسول الله في المدينة في اللَّيلة المطيرة والغداة القرَّة، فصرَّح بأنَّ ذلك في

المدينة ليس في سفرٍ، فيحتمل أن يُقال: لمَّا كان السَّفر لا يتأكَّد (١) فيه الجماعة، ويشقُّ الاجتماع لأجلها اكتفى فيه بأحدهما بخلاف الحضر، فإنَّ المشقَّة فيه أخفُّ، والجماعة فيه آكدُ، وظاهره التَّخصيص باللَّيل فقط دون النَّهار، وإليه ذهب الأصحاب في الرِّيح فقط دون المطر والبرد، فقالوا في المطر والبرد: إنَّ كلًّا منهما عذرٌ في اللَّيل والنَّهار، وفي الرِّيح العاصفة: عذرٌ في اللَّيل فقط، جزم به الرَّافعيُّ والنَّوويُّ. فإن قلت: في حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق في «باب الكلام في الأذان» [خ¦٦١٦]: «فلمَّا بلغ المؤذِّن: حيَّ على الصَّلاة فأمره أن يناديَ: الصَّلاة في الرِّحال»، وهو يقتضي أنَّ ذلك يُقال بدلًا من (٢) الحيعلة، وظاهر الحديث هنا أنَّه بعد الفراغ من الأذان، فما الجمع بينهما؟ أُجيب بجواز الأمرين، كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ في «الأمِّ» لأمره بكلٍّ منهما، ويكون المراد من قوله: «الصَّلاة في الرِّحال» الرُّخصة لمن أرادها، و «هلمُّوا إلى الصَّلاة» النَّدب لمن أراد استكمال الفضيلة، ولو تحمَّل المشقَّة. وفي حديث جابرٍ المرويِّ في «مسلمٍ» ما يؤيِّد ذلك، ولفظه: خرجنا مع رسول الله في سفرٍ فمُطِرنا، فقال: «ليصلِّ من شاء منكم في رحله» وقد تبيَّن بقوله: «من شاء» أنَّ أمره بقوله: «ألا صلُّوا في الرِّحال» ليس أمر عزيمةٍ حتَّى لا يشرِّع لهم الخروج إلى الجماعة، وإنَّما هو راجعٌ إلى مشيئتهم، فمن شاء صلَّى في رحله، ومن شاء خرج إلى الجماعة (٣).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

اسْتِحْبَابَ الْإِعَادَةِ لَا وُجُوبَهَا.

قَوْلُهُ: (وَالْإِقَامَةِ) بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْأَذَانِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي كُلِّ حَالٍ.

قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ) لَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِيهِ أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ وَأَقامَ لَمَّا جَمَعَ النَّبِيُّ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ.

قَوْلُهُ: (وَجَمْعٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ هِيَ مُزْدَلِفَةُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَفِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَفْعَلُهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ الْمُؤَذِّنِ) هُوَ بِالْخَفْضِ أَيْضًا.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي الْمَوَاقِيتِ، وَفِيهِ الْبَيَانُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ هُوَ بِلَالٌ، وَأَنَّهُ أَذَّنَ وَأَقَامَ، فَيُطَابِقُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ.

قوله (حدثنا محمد بن يوسف) هو الفريابي، وبذلك صرح أبو نعيم في المستخرج وسفيان هو الثوري، وقد روى البخاري عن محمد بن يوسف أيضا عن سفيان بن عيينه، لكنه محمد بن يوسف البيكندي وليست له رواية عن الثوري، وإذا روى عن ابن عيينه بينه، وقد قدمنا ذلك.

قَوْلُهُ (أَتَى رَجُلَانِ) هُمَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ رَوِاي الْحَدِيثِ وَرَفِيقُهُ، وَسَيَأْتِي فِي (بَابِ سَفَرِ الِاثْنَيْنِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ بِلَفْظِ انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ تَسْمِيَةَ صَاحِبِهِ.

قوله فأذنا قال أبو الحسن بن القصار: أراد به الفضل، وإلا فأذان الواحد يجزئ، وكأنه فهم منه: أنه أمرهما أن يؤذنا جميعا، كما هو ظاهر اللفظ، فإن أراد أنهما يؤذنان معا، فليس ذلك بمراد، وقد قدمنا النقل عن السلف بخلافه. وإن أراد: أن كلا منهما على حدة، ففيه نظر، فإن أذان الواحد يكفي الجماعة، نعم، يستحب لكل أحد إجابة المؤذن، فالأولى حمل الأمر على أن أحدهما يؤذن والآخر يجيب، وقد تقدم له توجيه آخر في الباب الذي قبله، وأن الحامل على صرفه عن ظاهره قوله فيه: فليؤذن لكم أحدكم. وللطبراني من طريق حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء في هذا الحديث: إذا كنت مع صاحبك فأذن وأقم، وليؤمكما أكبركما. واستروح القرطبي، فحمل اختلاف ألفاظ الحديث على تعدد القصة، وهو بعيد، وقال الكرماني: قد يطلق الأمر بالتثنية، وبالجمع، والمراد واحد، كقوله: يا حرسي اضربا عنقه، وقوله: قتله بنو تميم، مع أن القاتل والضارب واحد.

قوله: ثم أقيما فيه حجة لمن قال باستحباب إجابة المؤذن بالإقامة إن حمل الأمر على ما مضى، وإلا فالذي يؤذن هو الذي يقيم.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ فَذَكَرَ حَدِيثَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ مُطَوَّلًا نَحْوَ مَا مَضَى فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي بَابِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَعَلَى ذِكْرِهِ هُنَاكَ اقْتَصَرَ بَاقِي الرُّوَاةِ.

٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ، أَوْ الْمَطِيرَةِ، فِي السَّفَرِ.

[الحديث ٦٣٢ - طرفه في: ٦٦٦]

٦٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِالْأَبْطَحِ، فَجَاءَهُ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَرَجَ بِلَالٌ بِالْعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا

بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ بِالأَبْطَحِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ"

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ.

قَوْلُهُ: (بِضَجْنَانَ) هُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْجِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ عَلَى وَزْنِ فَعْلَانَ، غَيْرُ مَصْرُوفٍ، قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ وَغَيْرُهُ: هُوَ جَبَلٌ بِنَاحِيَةِ مَكَّةَ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى فِي ذَيْلِ الْغَرِيبَيْنَ: هُوَ مَوْضِعٌ أَوْ جَبَلٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَمَنْ تَبِعَهُ: هُوَ جَبَلٌ عَلَى بَرِيدٍ مِنْ مَكَّةَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ وَادِي مُرَيْسِعَةٍ أَمْيَالٌ. انْتَهَى. وَهَذَا الْقَدْرُ أَكْثَرُ مِنْ بَرِيدَيْنِ. وَضَبْطُهُ بِالْأَمْيَالِ يَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ اعْتِنَاءٍ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ مِمَّنْ شَاهَدَ تِلْكَ الْأَمَاكِنَ وَاعْتَنَى بِهَا، خِلَافُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يَرَهَا أَصْلًا. وَيُؤَيِّدُهُ مَا حَكَاهُ أَبُو عَبِيدٍ الْبَكْرِيُّ، قَالَ: وَبَيْنَ قُدَيْدٍ وَضَجْنَانَ يَوْمٌ. قَالَ مَعْبَدٌ الْخُزَاعِيُّ:

قَدْ جَعَلْتُ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي … وَمَاءَ ضَجْنَانَ لَهَا ضُحَى الْغَدِ

قَوْلُهُ: (وَأَخْبَرَنَا) أَيِ ابْنُ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِهِ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ كَانَ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَذَانِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَمَّا ذَكَرَ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ يَقُولُ فِي آخِرِ نِدَائِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِي آخِرِهِ قُبَيْلَ الْفَرَاغِ مِنْهُ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. انْتَهَى. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُقَالُ بَدَلًا مِنَ الْحَيْعَلَةِ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ مَعْنَى حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ هَلُمُّوا إِلَيْهَا، وَمَعْنَى الصَّلَاةَ فِي الرِّحَالِ: تَأَخَّرُوا عَنِ الْمَجِيءِ، وَلَا يُنَاسِبُ إِيرَادَ اللَّفْظَيْنِ مَعًا، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا نَقِيضُ الْآخَرِ. اهـ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ رُخْصَةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَرَخَّصَ، وَمَعْنَى هَلُمُّوا إِلَى الصَّلَاةِ نَدْبٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْفَضِيلَةَ وَلَوْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي سَفَرٍ، فَمُطِرْنَا، فَقَالَ: لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ.

قَوْلُهُ: (فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ، وَإِسْنَادُ الْمَطَرِ إِلَيْهَا مَجَازٌ، وَلَا يُقَالُ إِنَّهَا بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ - أَيْ مَمْطُورٌ فِيهَا - لِوُجُودِ الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ مَطِيرَةٍ، إِذْ لَا يَصِحُّ مَمْطُورَةٌ فِيهَا. اهـ. مُلَخَّصًا. وَقَوْلُهُ: (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ، وَفِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ أَوْ ذَاتُ رِيحٍ وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ عُذْرٌ فِي التَّأَخُّرِ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الرِّيحَ عُذْرٌ فِي اللَّيْلِ فَقَطْ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ الثَّلَاثَةِ بِاللَّيْلِ، لَكِنْ فِي السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَالْغَدَاةِ الْقَرَّةِ، وَفِيهَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُمْ مُطِرُوا يَوْمًا، فَرَخَّصَ لَهُمْ. وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ التَّرَخُّصَ بِعُذْرِ الرِّيحِ فِي النَّهَارِ صَرِيحًا، لَكِنَّ الْقِيَامَ يَقْتَضِي إِلْحَاقَهُ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَجْهًا.

قَوْلُهُ: (فِي السَّفَرِ) ظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ، وَرِوَايَةُ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ الْآتِيَةُ فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مُطْلَقَةٌ، وَبِهَا أَخَذَ الْجُمْهُورُ، لَكِنَّ قَاعِدَةَ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ تَقْتَضِي أَن يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُسَافِرِ مُطْلَقًا، وَيُلْحَقُ بِهِ مَنْ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ مَشَقَّةٌ فِي الْحَضَرِ دُونَ مَنْ لَا تَلْحَقُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ بِالْأَبْطَحِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ أَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ وَبِذَلِكَ جَزَمَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ، وَقَدْ تَرَدَّدَ الْكَلَابَاذِيُّ هَلْ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ أَوِ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَرَجَّحَ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ.

قَوْلُهُ: (فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَرَجَ بِلَالٌ) اخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٣٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأربعة: «حدَّثنا» (يَحْيَى) القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بضمِّ العين فيهما (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ) بضادٍ معجمةٍ مفتوحةٍ وجيمٍ ساكنةٍ ونونين بينهما ألفٌ، على وزن «فعلان» غير منصرفٍ: جبيلٌ (١) على بريدٍ من مكَّة (ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عمر: (صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا) أي: ابن عمر، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وأخبرنا» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ: «أنَّ النَّبيَّ» ( كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ) عطفًا على «يؤذِّنُ» (عَلَى إِثْرِهِ) بكسر الهمزة وسكون المُثلَّثة، وبفتحهما، بعد فراغ الأذان، وفي حديث مسلمٍ: يقول في آخر أذانه: (أَلَا) بتخفيف اللَّام مع فتح الهمزة (صَلُّوا فِي الرِّحَالِ) بالحاء المهملة جمع «رَحْلٍ» (فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ) «فعيلةٌ» بمعنى «فاعلةٍ» وإسناد المطر إليها مجازٌ، وليست بمعنى «مفعولةٍ» أي: ممطورٌ فيها؛ لوجود الهاء في قوله: «مطيرةٍ» إذ لا يصحُّ ممطورةٌ فيها، وليست «أو» للشَّكِّ بل للتَّنويع، وفيه: أنَّ كلَّ واحدٍ من البرد والمطر عذرٌ بانفراده، لكن في روايةٍ: «كان يأمر المؤذِّن إذا كانت ليلةٌ باردةٌ ذات مطرٍ يقول: ألا صلُّوا في الرِّحال»، فلم يقل: في سفرٍ، وفي بعض طرق الحديث عند أبي داود: نادى منادي رسول الله في المدينة في اللَّيلة المطيرة والغداة القرَّة، فصرَّح بأنَّ ذلك في

المدينة ليس في سفرٍ، فيحتمل أن يُقال: لمَّا كان السَّفر لا يتأكَّد (١) فيه الجماعة، ويشقُّ الاجتماع لأجلها اكتفى فيه بأحدهما بخلاف الحضر، فإنَّ المشقَّة فيه أخفُّ، والجماعة فيه آكدُ، وظاهره التَّخصيص باللَّيل فقط دون النَّهار، وإليه ذهب الأصحاب في الرِّيح فقط دون المطر والبرد، فقالوا في المطر والبرد: إنَّ كلًّا منهما عذرٌ في اللَّيل والنَّهار، وفي الرِّيح العاصفة: عذرٌ في اللَّيل فقط، جزم به الرَّافعيُّ والنَّوويُّ. فإن قلت: في حديث ابن عبَّاسٍ السَّابق في «باب الكلام في الأذان» [خ¦٦١٦]: «فلمَّا بلغ المؤذِّن: حيَّ على الصَّلاة فأمره أن يناديَ: الصَّلاة في الرِّحال»، وهو يقتضي أنَّ ذلك يُقال بدلًا من (٢) الحيعلة، وظاهر الحديث هنا أنَّه بعد الفراغ من الأذان، فما الجمع بينهما؟ أُجيب بجواز الأمرين، كما نصَّ عليه الشَّافعيُّ في «الأمِّ» لأمره بكلٍّ منهما، ويكون المراد من قوله: «الصَّلاة في الرِّحال» الرُّخصة لمن أرادها، و «هلمُّوا إلى الصَّلاة» النَّدب لمن أراد استكمال الفضيلة، ولو تحمَّل المشقَّة. وفي حديث جابرٍ المرويِّ في «مسلمٍ» ما يؤيِّد ذلك، ولفظه: خرجنا مع رسول الله في سفرٍ فمُطِرنا، فقال: «ليصلِّ من شاء منكم في رحله» وقد تبيَّن بقوله: «من شاء» أنَّ أمره بقوله: «ألا صلُّوا في الرِّحال» ليس أمر عزيمةٍ حتَّى لا يشرِّع لهم الخروج إلى الجماعة، وإنَّما هو راجعٌ إلى مشيئتهم، فمن شاء صلَّى في رحله، ومن شاء خرج إلى الجماعة (٣).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده