الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٣٦٢
الحديث رقم ٦٣٦٢ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التعوذ من الفتن.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٧٨⦘
لَكُمْ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى الرِّجَالَ يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَبِي؟ قَالَ: حُذَافَةُ ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا، نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا وَرَاءَ الْحَائِطِ» وَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.
٦٣٦٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁
بَلَغَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شيء، وهو أنهم أكثروا عليه المسألة، فغضب وخطب فقال:
عرضت علي الجنة والنار؛ فلم أر خيرًا أكثر مما رأيته اليوم في الجنة، ولا شرًّا أكثر مما رأيته اليوم في النار، ولو رأيتم ما رأيت، وعلمتم ما علمت مما رأيته اليوم وقبل اليوم لأشفقتم إشفاقًا بليغًا، ولقلَّ ضحككُم، وكثر بكاؤكم.
قال أنس رضي الله عنه:
فما أتى على أصحابه صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه، وغطّوا رءوسهم ولهم صوت فيه غنة يخرج من الأنف من شدة البكاء.
فقام عمر رضي الله عنه فقال:
رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا.
قال: فقام ذاك الرجل، فقال: من أبي؟
قال: «أَبُوكَ فُلَانٌ»، فَنَزَلَتْ:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}
[المائدة: 101].
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَقْيِيدُ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ لَيْسَ لِذَلِكَ بِأَهْلٍ، وَلَفْظُهُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ، أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً، يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِيهِ قِصَّةٌ لَأُمِّ سُلَيْمٍ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ) الْفَاءُ جَوَابُ الشَّرْطِ الْمَحْذُوفِ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: إِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَدْعُو ﷺ بِدَعْوَةٍ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ؟ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ عِنْدَكَ فِي بَاطِنِ أَمْرِهِ لَا عَلَى مَا يَظْهَرُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ وَجِنَايَتُهُ حِينَ دُعَائِي عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ مَنْ كَانَ بَاطِنُ أَمْرِهِ عِنْدَكَ أَنَّهُ مِمَّنْ تَرْضَى عَنْهُ، فَاجْعَلْ دَعْوَتِي عَلَيْهِ الَّتِي اقْتَضَاهَا مَا ظَهَرَ لِي مِنْ مُقْتَضَى حَالِهِ حِينَئِذٍ طَهُورًا وَزَكَاةً، قَالَ: وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ لَا إِحَالَةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالظَّوَاهِرِ، وَحِسَابُ النَّاسِ فِي الْبَوَاطِنِ عَلَى اللَّهِ، انْتَهَى. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَجْتَهِدُ فِي الْأَحْكَامِ وَيْحكُمْ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: كَانَ لَا يَحْكُمُ إِلَّا بِالْوَحْيِ فَلَا يَأْتِي مِنْهُ هَذَا الْجَوَابَ، ثُمَّ قَالَ الْمَازِرِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَإِنَّ هَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ وَقَعَتْ بِحُكْمِ سَوْرَةِ الْغَضَبِ، لَا أَنَّهَا عَلَى مُقْتَضَى الشَّرْعِ، فَيَعُودُ السُّؤَالُ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ دَعَوْتَهُ عَلَيْهِ أَوْ سَبَّهُ أَوْ جَلْدَهُ كَانَ مِمَّا خُيِّرَ بَيْنَ فِعْلِهِ لَهُ عُقُوبَةً لِلْجَانِي أَوْ تَرْكِهِ وَالزَّجْرُ لَهُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ، فَيَكُونُ الْغَضَبُ لِلَّهِ - تَعَالَى - بَعَثَهُ عَلَى لَعْنِهِ أَوْ جَلْدِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ خَارِجًا عَنْ شَرْعِهِ.
قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِشْفَاقِ وَتَعْلِيمِ أُمَّتِهِ الْخَوْفَ مِنْ تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ، فَكَأَنَّهُ أَظْهَرَ الْإِشْفَاقَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْغَضَبُ يَحْمِلُهُ عَلَى زِيَادَةٍ فِي عُقُوبَةِ الْجَانِي، لَوْلَا الْغَضَبُ مَا وَقَعَتْ، أَوْ إِشْفَاقًا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْغَضَبُ يَحْمِلُهُ عَلَى زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ فِي عُقُوبَةِ الْجَانِي، لَوْلَا الْغَضَبُ مَا زَادَتْ، وَيَكُونُ مِنَ الصَّغَائِرِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُهَا، أَوْ يَكُونُ الزَّجْرُ يَحْصُلُ بِدُونِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّعْنُ وَالسَّبُّ يَقَعُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ كَاللَّعْنَةِ الْوَاقِعَةِ رَغْبَةً إِلَى اللَّهِ وَطَلَبًا لِلِاسْتِجَابَةِ.
وَأَشَارَ عِيَاضٌ إِلَى تَرْجِيحِ هَذَا الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ سَبٍّ وَدُعَاءٍ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَلَا مَنَوِيٍّ، وَلَكِنْ جَرَى عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي دَعْمِ كَلَامِهَا، وَصِلَةِ خِطَابِهَا عِنْدَ الْحَرَجِ، وَالتَّأْكِيدِ لِلْعَتْبِ، لَا عَلَى نِيَّةِ وُقُوعِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ: عَقْرَى، حَلْقَى، وَتَرِبَتْ يَمِينُكَ، فَأَشْفَقَ مِنْ مُوَافَقَةِ أَمْثَالِهَا الْقَدَرَ، فَعَاهَدَ رَبَّهُ وَرَغِبَ إِلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ الْقَوْلَ رَحْمَةً وَقُرْبَةً، انْتَهَى.
وَهَذَا الِاحْتِمَالُ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: جَلَدْتُهُ فَإِنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَتَمَشَّى فِيهِ إِذْ لَا يَقَعُ الْجَلْدُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَقَدْ سَاقَ الْجَمِيعُ مَسَاقًا وَاحِدًا إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى الْجَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ فَيُتَّجَهُ، ثُمَّ أَبْدَى الْقَاضِي احْتِمَالًا آخَرَ فَقَالَ: كَانَ لَا يَقُولُ وَلَا يَفْعَلُ ﷺ فِي حَالِ غَضَبِهِ إِلَّا الْحَقَّ، لَكِنَّ غَضَبَهُ لِلَّهِ قَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى تَعْجِيلِ مُعَاقَبَةِ مُخَالِفِهِ، وَتَرْكِ الْإِغْضَاءِ وَالصَّفْحِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ: مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ، قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَيْ: مِنْ جِهَةِ تَعَيُّنِ التَّعْجِيلِ.
وَفِي الْحَدِيثِ كَمَالُ شَفَقَتِهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ، وَجَمِيلُ خَلْقِهِ، وَكَرَمُ ذَاتِهِ حَيْثُ قَصَدَ مُقَابَلَةَ مَا وَقَعَ مِنْهُ بِالْجَبْرِ وَالتَّكْرِيمِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقٍّ مُعَيَّنٍ، وَفِي زَمَنٍ وَاضِحٍ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْهُ بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ حَتَّى يَتَنَاوَلَ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَهُ ﷺ فَمَا أَظُنُّهُ يَشْمَلُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٥ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ الْفِتَنِ
٦٣٦٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٣٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارثِ بنِ سَخْبرة الحَوْضيُّ الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه قال: (سَأَلُوا) أي: الصَّحابة (رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «سُئِل» بضم السين مبنيًّا للمفعول «رسولُ الله» (ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ المَسْأَلَةَ) بحاء مهملة ساكنة وفتح الفاء وسكون الواو، ألحُّوا عليه فيها (فَغَضِبَ) ﵊ لتعنُّتهم وتكلُّفهم بما (١) لا حاجةَ لهم به (فَصَعِدَ) بكسر العين المهملة، رَقِيَ (المِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي) بحذف نون الوقاية (٢)، ولأبي ذرٍّ: «لا تَسْألونني» (اليَوْمَ عَنْ شَيْءٍ) من الغيبِ (٣) (إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ) قال أنسٌ: (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ) حاضرٍ من الصَّحابة (لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي) بألفٍ بعد لامٍ ففاء مشدَّدة مرفوعةٍ، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «لافًّا» بالنَّصب (٤)، أي: حال كونه لافًّا، وفي «تفسير المائدة» [خ¦٤٦٢١] من وجهٍ آخر: «لهم خَنِينٌ» وهو بالخاء المعجمة المفتوحة والنون المكسورة، صوتٌ مرتفعٌ من الأنف بالبكاءِ (فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى) بالحاء المهملة المفتوحة؛ أي (٥) خاصم (الرِّجَالَ يُدْعَى) بضم التحتية وسكون الدال وفتح العين المهملتين، يُنسب (لِغَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ) ﵊ له: أبوكَ (حُذَافَةُ) بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة المخففة وبعد الألف فاء، وعند أحمدَ عن أبي هُريرة: «فقال عبدُ الله بنُ حُذَافة: مَن
أبي يا رسولَ الله؟ فقال: حُذَافةُ بنُ قَيسٍ» وقيل: الرَّجلُ هو خارجةُ أخو عبد الله، والمعروف السَّابق (ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ لمَّا رأى (١) بوجههِ ﷺ من أثر الغضبِ (فَقَالَ) شفقةً على المسلمين: (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا) قال في «الكواكب»: أي رضينا بما عندنا من كتابِ الله وسنَّة نبيِّنا، واكتفينَا به عن السُّؤال (نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الفِتَنِ) جمع فتنةٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا رَأَيْتُ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ كَاليَوْمِ) يومًا مثل هذا اليوم (قَطُّ إِنَّهُ) بكسر الهمزة (صُوِّرَتْ) بضم المهملة وكسر الواو المشدَّدة (لِي الجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا) رؤيا عينٍ، صوِّرتا له ﷺ (وَرَاءَ الحَائِطِ) أي: حائط محرابهِ الشَّريف، كانطباع الصُّورة (٢) في المرآة، فرأى جميعَ ما فيهما. لا يُقال: الانطباع إنَّما يكون في الأجسام (٣) الصَّقيلة؛ لأنَّ ذلك شرطٌ عاديٌّ، فيجوزُ انخراقُ العادة خصوصًا له ﷺ.
(وَكَانَ قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيُّ (يَذْكُرُ عِنْدَ هَذَا الحَدِيثِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء﴾) قال الخليلُ وسيبويه وجُمهور البصريِّين: أصله: شيئاء، بهمزتين بينهما ألف، وهي فعلاء من لفظ شيءٍ، وهمزتها الثَّانية للتَّأنيث، ولذا لم تنصرفْ كحمراء، وهي مفردةٌ لفظًا، جمعٌ معنًى، ولمَّا استثقلت الهمزتان المجتمعتان قُدِّمت الأولى الَّتي هي لامٌ فجُعلت قبل الشين فصار وزنها لفعاء، والجملة الشَّرطية في قوله: (﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]) صفةٌ لـ ﴿أَشْيَاء﴾ في محلِّ جرٍّ، وكذا الشَّرطيَّة المعطوفة أيضًا.
والحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٨٩] وسبق مختصرًا في «كتاب العلم» [خ¦٩٣] وأخرجهُ مسلمٌ في «الفضائل».
(٣٦) (باب التَّعَوُّذِ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ) أي: قهرهم.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَقْيِيدُ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ لَيْسَ لِذَلِكَ بِأَهْلٍ، وَلَفْظُهُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ، أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً، يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِيهِ قِصَّةٌ لَأُمِّ سُلَيْمٍ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ) الْفَاءُ جَوَابُ الشَّرْطِ الْمَحْذُوفِ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: إِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَدْعُو ﷺ بِدَعْوَةٍ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ؟ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ عِنْدَكَ فِي بَاطِنِ أَمْرِهِ لَا عَلَى مَا يَظْهَرُ مِمَّا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ وَجِنَايَتُهُ حِينَ دُعَائِي عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ مَنْ كَانَ بَاطِنُ أَمْرِهِ عِنْدَكَ أَنَّهُ مِمَّنْ تَرْضَى عَنْهُ، فَاجْعَلْ دَعْوَتِي عَلَيْهِ الَّتِي اقْتَضَاهَا مَا ظَهَرَ لِي مِنْ مُقْتَضَى حَالِهِ حِينَئِذٍ طَهُورًا وَزَكَاةً، قَالَ: وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ لَا إِحَالَةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالظَّوَاهِرِ، وَحِسَابُ النَّاسِ فِي الْبَوَاطِنِ عَلَى اللَّهِ، انْتَهَى. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَجْتَهِدُ فِي الْأَحْكَامِ وَيْحكُمْ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: كَانَ لَا يَحْكُمُ إِلَّا بِالْوَحْيِ فَلَا يَأْتِي مِنْهُ هَذَا الْجَوَابَ، ثُمَّ قَالَ الْمَازِرِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَإِنَّ هَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ وَقَعَتْ بِحُكْمِ سَوْرَةِ الْغَضَبِ، لَا أَنَّهَا عَلَى مُقْتَضَى الشَّرْعِ، فَيَعُودُ السُّؤَالُ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ دَعَوْتَهُ عَلَيْهِ أَوْ سَبَّهُ أَوْ جَلْدَهُ كَانَ مِمَّا خُيِّرَ بَيْنَ فِعْلِهِ لَهُ عُقُوبَةً لِلْجَانِي أَوْ تَرْكِهِ وَالزَّجْرُ لَهُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ، فَيَكُونُ الْغَضَبُ لِلَّهِ - تَعَالَى - بَعَثَهُ عَلَى لَعْنِهِ أَوْ جَلْدِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ خَارِجًا عَنْ شَرْعِهِ.
قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِشْفَاقِ وَتَعْلِيمِ أُمَّتِهِ الْخَوْفَ مِنْ تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ، فَكَأَنَّهُ أَظْهَرَ الْإِشْفَاقَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْغَضَبُ يَحْمِلُهُ عَلَى زِيَادَةٍ فِي عُقُوبَةِ الْجَانِي، لَوْلَا الْغَضَبُ مَا وَقَعَتْ، أَوْ إِشْفَاقًا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْغَضَبُ يَحْمِلُهُ عَلَى زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ فِي عُقُوبَةِ الْجَانِي، لَوْلَا الْغَضَبُ مَا زَادَتْ، وَيَكُونُ مِنَ الصَّغَائِرِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُهَا، أَوْ يَكُونُ الزَّجْرُ يَحْصُلُ بِدُونِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّعْنُ وَالسَّبُّ يَقَعُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ كَاللَّعْنَةِ الْوَاقِعَةِ رَغْبَةً إِلَى اللَّهِ وَطَلَبًا لِلِاسْتِجَابَةِ.
وَأَشَارَ عِيَاضٌ إِلَى تَرْجِيحِ هَذَا الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ فَقَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ سَبٍّ وَدُعَاءٍ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَلَا مَنَوِيٍّ، وَلَكِنْ جَرَى عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي دَعْمِ كَلَامِهَا، وَصِلَةِ خِطَابِهَا عِنْدَ الْحَرَجِ، وَالتَّأْكِيدِ لِلْعَتْبِ، لَا عَلَى نِيَّةِ وُقُوعِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ: عَقْرَى، حَلْقَى، وَتَرِبَتْ يَمِينُكَ، فَأَشْفَقَ مِنْ مُوَافَقَةِ أَمْثَالِهَا الْقَدَرَ، فَعَاهَدَ رَبَّهُ وَرَغِبَ إِلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ الْقَوْلَ رَحْمَةً وَقُرْبَةً، انْتَهَى.
وَهَذَا الِاحْتِمَالُ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: جَلَدْتُهُ فَإِنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَتَمَشَّى فِيهِ إِذْ لَا يَقَعُ الْجَلْدُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَقَدْ سَاقَ الْجَمِيعُ مَسَاقًا وَاحِدًا إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى الْجَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ فَيُتَّجَهُ، ثُمَّ أَبْدَى الْقَاضِي احْتِمَالًا آخَرَ فَقَالَ: كَانَ لَا يَقُولُ وَلَا يَفْعَلُ ﷺ فِي حَالِ غَضَبِهِ إِلَّا الْحَقَّ، لَكِنَّ غَضَبَهُ لِلَّهِ قَدْ يَحْمِلُهُ عَلَى تَعْجِيلِ مُعَاقَبَةِ مُخَالِفِهِ، وَتَرْكِ الْإِغْضَاءِ وَالصَّفْحِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ: مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ، قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَيْ: مِنْ جِهَةِ تَعَيُّنِ التَّعْجِيلِ.
وَفِي الْحَدِيثِ كَمَالُ شَفَقَتِهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ، وَجَمِيلُ خَلْقِهِ، وَكَرَمُ ذَاتِهِ حَيْثُ قَصَدَ مُقَابَلَةَ مَا وَقَعَ مِنْهُ بِالْجَبْرِ وَالتَّكْرِيمِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقٍّ مُعَيَّنٍ، وَفِي زَمَنٍ وَاضِحٍ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْهُ بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ حَتَّى يَتَنَاوَلَ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَهُ ﷺ فَمَا أَظُنُّهُ يَشْمَلُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٣٥ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ الْفِتَنِ
٦٣٦٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٣٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بن الحارثِ بنِ سَخْبرة الحَوْضيُّ الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه قال: (سَأَلُوا) أي: الصَّحابة (رَسُولَ اللهِ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «سُئِل» بضم السين مبنيًّا للمفعول «رسولُ الله» (ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ المَسْأَلَةَ) بحاء مهملة ساكنة وفتح الفاء وسكون الواو، ألحُّوا عليه فيها (فَغَضِبَ) ﵊ لتعنُّتهم وتكلُّفهم بما (١) لا حاجةَ لهم به (فَصَعِدَ) بكسر العين المهملة، رَقِيَ (المِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي) بحذف نون الوقاية (٢)، ولأبي ذرٍّ: «لا تَسْألونني» (اليَوْمَ عَنْ شَيْءٍ) من الغيبِ (٣) (إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ) قال أنسٌ: (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ) حاضرٍ من الصَّحابة (لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي) بألفٍ بعد لامٍ ففاء مشدَّدة مرفوعةٍ، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «لافًّا» بالنَّصب (٤)، أي: حال كونه لافًّا، وفي «تفسير المائدة» [خ¦٤٦٢١] من وجهٍ آخر: «لهم خَنِينٌ» وهو بالخاء المعجمة المفتوحة والنون المكسورة، صوتٌ مرتفعٌ من الأنف بالبكاءِ (فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى) بالحاء المهملة المفتوحة؛ أي (٥) خاصم (الرِّجَالَ يُدْعَى) بضم التحتية وسكون الدال وفتح العين المهملتين، يُنسب (لِغَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ) ﵊ له: أبوكَ (حُذَافَةُ) بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة المخففة وبعد الألف فاء، وعند أحمدَ عن أبي هُريرة: «فقال عبدُ الله بنُ حُذَافة: مَن
أبي يا رسولَ الله؟ فقال: حُذَافةُ بنُ قَيسٍ» وقيل: الرَّجلُ هو خارجةُ أخو عبد الله، والمعروف السَّابق (ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ لمَّا رأى (١) بوجههِ ﷺ من أثر الغضبِ (فَقَالَ) شفقةً على المسلمين: (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا) قال في «الكواكب»: أي رضينا بما عندنا من كتابِ الله وسنَّة نبيِّنا، واكتفينَا به عن السُّؤال (نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الفِتَنِ) جمع فتنةٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا رَأَيْتُ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ كَاليَوْمِ) يومًا مثل هذا اليوم (قَطُّ إِنَّهُ) بكسر الهمزة (صُوِّرَتْ) بضم المهملة وكسر الواو المشدَّدة (لِي الجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا) رؤيا عينٍ، صوِّرتا له ﷺ (وَرَاءَ الحَائِطِ) أي: حائط محرابهِ الشَّريف، كانطباع الصُّورة (٢) في المرآة، فرأى جميعَ ما فيهما. لا يُقال: الانطباع إنَّما يكون في الأجسام (٣) الصَّقيلة؛ لأنَّ ذلك شرطٌ عاديٌّ، فيجوزُ انخراقُ العادة خصوصًا له ﷺ.
(وَكَانَ قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيُّ (يَذْكُرُ عِنْدَ هَذَا الحَدِيثِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء﴾) قال الخليلُ وسيبويه وجُمهور البصريِّين: أصله: شيئاء، بهمزتين بينهما ألف، وهي فعلاء من لفظ شيءٍ، وهمزتها الثَّانية للتَّأنيث، ولذا لم تنصرفْ كحمراء، وهي مفردةٌ لفظًا، جمعٌ معنًى، ولمَّا استثقلت الهمزتان المجتمعتان قُدِّمت الأولى الَّتي هي لامٌ فجُعلت قبل الشين فصار وزنها لفعاء، والجملة الشَّرطية في قوله: (﴿إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]) صفةٌ لـ ﴿أَشْيَاء﴾ في محلِّ جرٍّ، وكذا الشَّرطيَّة المعطوفة أيضًا.
والحديثُ أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٨٩] وسبق مختصرًا في «كتاب العلم» [خ¦٩٣] وأخرجهُ مسلمٌ في «الفضائل».
(٣٦) (باب التَّعَوُّذِ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ) أي: قهرهم.