الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤١١
الحديث رقم ٦٤١١ من كتاب «كتاب الدعوات» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الموعظة ساعة بعد ساعة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗٨٨⦘
عَلَيْنَا فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أَخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ، وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.»
﷽
بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّقَاقِ وَأَنْ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ
٦٤١١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَلْبٍ فَأَمَّا مَنْ أَوَّلَهُ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي غَايَةِ الْمَشَقَّةِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْفَضْلَ وَاسِعٌ.
٦٩ - بَاب الْمَوْعِظَةِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ
٦٤١١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، قَالَ: كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللَّهِ إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قلت: أَلَا تَجْلِسُ، قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ وَإِلَّا جِئْتُ أَنَا فَجَلَسْتُ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِهِ، فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
قَوْلُهُ (بَابُ الْمَوْعِظَةِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ) مُنَاسَبَةُ هَذَا الْبَابِ لِكِتَابِ الدَّعَوَاتِ أَنَّ الْمَوْعِظَةَ يُخَالِطُهَا غَالِبًا التَّذْكِيرُ بِاللَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الذِّكْرَ مِنْ جُمْلَةِ الدُّعَاءِ وَخَتَمَ بِهِ أَبْوَابَ الدَّعَوَاتِ الَّتِي عَقَّبَهَا بِكِتَابِ الرِّقَاقِ لِأَخْذِهِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا شَوْبًا.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي شَقِيقٌ) هُوَ أَبُو وَائِلٍ وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَقَدْ ذَكَرْتُ هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِسَمَاعِ الْأَعْمَشِ لَهُ مِنْ أَبِي وَائِلٍ.
قَوْلُهُ (كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ (إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ بَابِ عَبْدِ اللَّهِ نَنْتَظِرُهُ فَمَرَّ بِنَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ. قُلْتُ: وَهُوَ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ عَابِدٌ، ذَكَرَ الْعِجْلِيُّ أَنَّهُ مِنْ طَبَقَةِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّهُ قُتِلَ غَازِيًا بِفَارِسَ كَأَنَّهُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا أَحْفَظُ لَهُ رِوَايَةً وَهُوَ نَخَعِيٌّ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى ابْنِ التِّينِ فِي حِكَايَتِهِ أَنَّهُ عَبْسِيٌّ بِالْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ (قُلْتُ: أَلَا تَجْلِسُ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَقُلْنَا: أَعْلِمْهُ بِمَكَانِنَا فَدَخَلَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (أَمَا إِنِّي) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ (أُخْبَر) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ جَوَابُ قَوْلِهِمْ وَدِدْنَا أَنَّكَ لَوْ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ وَأَنَّهُ كَانَ يُذَكِّرُهُمْ كُلَّ خَمِيسٍ. وَزَادَ فِيهِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَمَلَّكُمْ.
قَوْلُهُ (كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ) تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ وَبَيَانُ مَعْنَاهُ وَقَوْلُ مَنْ حَدَّثَ بِهِ بِالنُّونِ بَدَلَ اللَّامِ مِنْ يَتَخَوَّلُنَا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي الْأَوْقَاتِ فِي تَعْلِيمِهِمْ وَوَعْظِهِمْ وَلَا يَفْعَلُهُ كُلَّ يَوْمٍ خَشْيَةَ الْمَلَلِ وَالتَّخَوُّلُ التَّعَهُّدُ، وَقِيلَ: إِنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَتَفَقَّدُ أَحْوَالَهُمُ الَّتِي يَحْصُلُ لَهُمْ فِيهَا النَّشَاطُ لِلْمَوْعِظَةِ فَيَعِظُهُمْ فِيهَا وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَمَلُّوا حَكَى ذَلِكَ الطِّيبِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ فِي الصِّحَاحِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ.
قَوْلُهُ (فِي الْأَيَّامِ) يَعْنِي فَيُذَكِّرُهُمْ أَيَّامًا وَيَتْرُكُهُمْ أَيَّامًا، فَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً. قَوْلُهُ (كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) أَيْ أَنْ تَقَعَ مِنَّا السَّآمَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَأَنَّ السَّآمَةَ ضُمِّنَتْ مَعْنَى الْمَشَقَّةِ فَعُدِّيَتْ بِعَلَى، وَفِيهِ رِفْقُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ وَحُسْنُ التَّوَصُّلِ إِلَى تَعْلِيمِهِمْ وَتَفْهِيمِهِمْ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ بِنَشَاطٍ لَا عَنْ ضَجَرٍ وَلَا مَلَلٍ وَيُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ التَّعْلِيمَ بِالتَّدْرِيجِ أَخَفُّ مُؤْنَةً وَأَدْعَى إ لَى الثَّبَاتِ مِنْ أَخْذِهِ بِالْكَدِّ وَالْمُغَالَبَةِ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ لِمُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَمُحَافَظَتِهِ عَلَى ذَلِكَ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
العابدين أنَّه سألَ اللهَ أن يُعلِّمه الاسم الأعظم فعلَّمه في النَّوم، وقيل: هو مخفيٌّ في الأسماء الحسنى، وقيل -وهو الرَّابع عشر-: كلمة التَّوحيد، نقله القاضي عياض. انتهى. ملخَّصًا من «الفتح» وبالله التَّوفيق.
(٦٩) (بابُ المَوْعِظَةِ ساعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ) خوفَ السَّآمة.
٦٤١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة (قَالَ: كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ ﵁ (إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) العبسيُّ الكوفيُّ التَّابعيُّ، وليس له في «الصَّحيحين» ذكرٌ إلَّا في هذا الموضع (فَقُلْنَا) له: (أَلَا) بالتَّخفيف (تَجْلِسُ) يا يزيدُ (قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَدْخُلُ) منزلَ ابن مسعودٍ (فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ (١) صَاحِبَكُمْ) عبد الله بن مسعودٍ (وَإِلَّا) أي: وإنْ لم أُخرجه (جِئْتُ أَنَا فَجَلَسْتُ) معكم، وفي مسلمٍ من طريق أبي معاوية عن الأعمشِ عن شقيق: «فقلنا: أعلمْه بمكاننا، فدخلَ عليه» (فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ (وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِهِ) بيدِ يزيد (فَقَامَ عَلَيْنَا، فَقَالَ) جوابًا لقولهم: «وددنا أنَّك لو ذكَّرتنا كلَّ يومٍ» كما مرَّ في «العلم» [خ¦٦٨] (أَمَا) بالتَّخفيف (إِنِّي أَخْبَرُ) بفتح الهمزة والموحدة (بِمَكَانِكُمْ وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ) للموعظةِ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا) بالخاء المعجمة، يتعهَّدُنا (بِالمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ) يعني: يذكِّرنا أيَّامًا، ويتركنا أيَّامًا (كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) أي: أن تقع منا
السَّآمةُ رفقًا منه ﷺ بنا، وحسنًا في التَّوصل إلى تعليمنا؛ لنأخذ عنه بنشاطٍ، فإنَّ التَّعليم بالتَّدريج أدعى إلى الثَّبات، وضمَّن «السَّآمة» معنى المشقَّة فعدَّاها بـ «على»، والله الموفِّق.
هذا آخرُ «كتاب الدُّعاء» فرغَ منه مؤلِّفه أحمد (١) القسطلانيُّ بعد صلاة العشاء في اللَّيلة المسفر صباحها عن يوم الأربعاء الثَّامن والعشرين (٢) من (٣) جمادى الآخرة سنة أربع عشرة (٤) وتسع مئةٍ، أعانه الله على إتمامهِ، ونفع به، والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم.
((٨١)) (١) (كِتَابُ الرِّقَاقِ) بكسر الراء وبالقافين بينهما ألف، جمع: رَقيق، وهو الَّذي فيه رقَّة وهي الرَّحمة ضدُّ الغِلْظة. قال في «الكواكب»: أي: كتابُ الكلمات المرقِّقة للقلوب، ويُقال لِلْكثيرِ (٢) الحياء: رقَّ وجهُه، أي: استحيَا. وقال الرَّاغب: متى كانت الرِّقَّة في جسمٍ فضدُّها الصَّفاقة، كثوبٍ صفيقٍ وثوبٍ رقيقٍ، ومتى كانت في نفس فضدُّها القسوة، كرقيق القلب وقاسيه، وعبَّر جماعةٌ منهم النَّسائيُّ في «سننه الكبرى» بقولهم: كتاب الرَّقائق، وكذا في نسخةٍ معتمدةٍ من رواية النَّسفيِّ عن البخاريِّ، والمعنى واحدٌ، وسُمِّيت أحاديثُ الباب بذلك؛ لأنَّ فيها من الوعظِ والتَّنبيه ما يجعلُ القلب رقيقًا ويُحْدِث فيه الرِّقَّة. (الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ، وَلَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ) كذا لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي، وسقط عندهُ عن الكُشميهنيِّ والمُستملي «الصِّحَّة والفراغ» ولأبي الوقت كما في «الفتح»: «باب لا عيشَ إلَّا عيش الآخرة» ولكريمة عن الكُشميهنيِّ: «ما جاء في الرِّقاق، وأنَّ لا عيش إلَّا عيش الآخرة». وزاد في الفرع كأصله: «باب ما جاءَ في الرِّقاق، وأن لا عيش إلَّا عيشُ الآخرة» وفيهما أيضًا: «باب لا عيش إلَّا عيش الآخرة». (بسم الله الرحمن الرحيم) وفي «الفتح» كـ «اليونينية» تقديمُ البسملةِ على الكتاب (٣).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَلْبٍ فَأَمَّا مَنْ أَوَّلَهُ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي غَايَةِ الْمَشَقَّةِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْفَضْلَ وَاسِعٌ.
٦٩ - بَاب الْمَوْعِظَةِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ
٦٤١١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، قَالَ: كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللَّهِ إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قلت: أَلَا تَجْلِسُ، قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ وَإِلَّا جِئْتُ أَنَا فَجَلَسْتُ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِهِ، فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
قَوْلُهُ (بَابُ الْمَوْعِظَةِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ) مُنَاسَبَةُ هَذَا الْبَابِ لِكِتَابِ الدَّعَوَاتِ أَنَّ الْمَوْعِظَةَ يُخَالِطُهَا غَالِبًا التَّذْكِيرُ بِاللَّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الذِّكْرَ مِنْ جُمْلَةِ الدُّعَاءِ وَخَتَمَ بِهِ أَبْوَابَ الدَّعَوَاتِ الَّتِي عَقَّبَهَا بِكِتَابِ الرِّقَاقِ لِأَخْذِهِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا شَوْبًا.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنِي شَقِيقٌ) هُوَ أَبُو وَائِلٍ وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَقَدْ ذَكَرْتُ هُنَاكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِسَمَاعِ الْأَعْمَشِ لَهُ مِنْ أَبِي وَائِلٍ.
قَوْلُهُ (كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللَّهِ) يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ (إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ بَابِ عَبْدِ اللَّهِ نَنْتَظِرُهُ فَمَرَّ بِنَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ. قُلْتُ: وَهُوَ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ عَابِدٌ، ذَكَرَ الْعِجْلِيُّ أَنَّهُ مِنْ طَبَقَةِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّهُ قُتِلَ غَازِيًا بِفَارِسَ كَأَنَّهُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا أَحْفَظُ لَهُ رِوَايَةً وَهُوَ نَخَعِيٌّ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى ابْنِ التِّينِ فِي حِكَايَتِهِ أَنَّهُ عَبْسِيٌّ بِالْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ (قُلْتُ: أَلَا تَجْلِسُ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ) فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَقُلْنَا: أَعْلِمْهُ بِمَكَانِنَا فَدَخَلَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (أَمَا إِنِّي) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ (أُخْبَر) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ جَوَابُ قَوْلِهِمْ وَدِدْنَا أَنَّكَ لَوْ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ وَأَنَّهُ كَانَ يُذَكِّرُهُمْ كُلَّ خَمِيسٍ. وَزَادَ فِيهِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَمَلَّكُمْ.
قَوْلُهُ (كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ) تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ وَبَيَانُ مَعْنَاهُ وَقَوْلُ مَنْ حَدَّثَ بِهِ بِالنُّونِ بَدَلَ اللَّامِ مِنْ يَتَخَوَّلُنَا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي الْأَوْقَاتِ فِي تَعْلِيمِهِمْ وَوَعْظِهِمْ وَلَا يَفْعَلُهُ كُلَّ يَوْمٍ خَشْيَةَ الْمَلَلِ وَالتَّخَوُّلُ التَّعَهُّدُ، وَقِيلَ: إِنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَتَفَقَّدُ أَحْوَالَهُمُ الَّتِي يَحْصُلُ لَهُمْ فِيهَا النَّشَاطُ لِلْمَوْعِظَةِ فَيَعِظُهُمْ فِيهَا وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَمَلُّوا حَكَى ذَلِكَ الطِّيبِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَلَكِنَّ الرِّوَايَةَ فِي الصِّحَاحِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ.
قَوْلُهُ (فِي الْأَيَّامِ) يَعْنِي فَيُذَكِّرُهُمْ أَيَّامًا وَيَتْرُكُهُمْ أَيَّامًا، فَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً. قَوْلُهُ (كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) أَيْ أَنْ تَقَعَ مِنَّا السَّآمَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَأَنَّ السَّآمَةَ ضُمِّنَتْ مَعْنَى الْمَشَقَّةِ فَعُدِّيَتْ بِعَلَى، وَفِيهِ رِفْقُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ وَحُسْنُ التَّوَصُّلِ إِلَى تَعْلِيمِهِمْ وَتَفْهِيمِهِمْ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ بِنَشَاطٍ لَا عَنْ ضَجَرٍ وَلَا مَلَلٍ وَيُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ التَّعْلِيمَ بِالتَّدْرِيجِ أَخَفُّ مُؤْنَةً وَأَدْعَى إ لَى الثَّبَاتِ مِنْ أَخْذِهِ بِالْكَدِّ وَالْمُغَالَبَةِ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِابْنِ مَسْعُودٍ لِمُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَمُحَافَظَتِهِ عَلَى ذَلِكَ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
العابدين أنَّه سألَ اللهَ أن يُعلِّمه الاسم الأعظم فعلَّمه في النَّوم، وقيل: هو مخفيٌّ في الأسماء الحسنى، وقيل -وهو الرَّابع عشر-: كلمة التَّوحيد، نقله القاضي عياض. انتهى. ملخَّصًا من «الفتح» وبالله التَّوفيق.
(٦٩) (بابُ المَوْعِظَةِ ساعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ) خوفَ السَّآمة.
٦٤١١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بنُ مهران (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة (قَالَ: كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللهِ) يعني: ابنَ مسعودٍ ﵁ (إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) العبسيُّ الكوفيُّ التَّابعيُّ، وليس له في «الصَّحيحين» ذكرٌ إلَّا في هذا الموضع (فَقُلْنَا) له: (أَلَا) بالتَّخفيف (تَجْلِسُ) يا يزيدُ (قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَدْخُلُ) منزلَ ابن مسعودٍ (فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ (١) صَاحِبَكُمْ) عبد الله بن مسعودٍ (وَإِلَّا) أي: وإنْ لم أُخرجه (جِئْتُ أَنَا فَجَلَسْتُ) معكم، وفي مسلمٍ من طريق أبي معاوية عن الأعمشِ عن شقيق: «فقلنا: أعلمْه بمكاننا، فدخلَ عليه» (فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ (وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِهِ) بيدِ يزيد (فَقَامَ عَلَيْنَا، فَقَالَ) جوابًا لقولهم: «وددنا أنَّك لو ذكَّرتنا كلَّ يومٍ» كما مرَّ في «العلم» [خ¦٦٨] (أَمَا) بالتَّخفيف (إِنِّي أَخْبَرُ) بفتح الهمزة والموحدة (بِمَكَانِكُمْ وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ) للموعظةِ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا) بالخاء المعجمة، يتعهَّدُنا (بِالمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ) يعني: يذكِّرنا أيَّامًا، ويتركنا أيَّامًا (كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا) أي: أن تقع منا
السَّآمةُ رفقًا منه ﷺ بنا، وحسنًا في التَّوصل إلى تعليمنا؛ لنأخذ عنه بنشاطٍ، فإنَّ التَّعليم بالتَّدريج أدعى إلى الثَّبات، وضمَّن «السَّآمة» معنى المشقَّة فعدَّاها بـ «على»، والله الموفِّق.
هذا آخرُ «كتاب الدُّعاء» فرغَ منه مؤلِّفه أحمد (١) القسطلانيُّ بعد صلاة العشاء في اللَّيلة المسفر صباحها عن يوم الأربعاء الثَّامن والعشرين (٢) من (٣) جمادى الآخرة سنة أربع عشرة (٤) وتسع مئةٍ، أعانه الله على إتمامهِ، ونفع به، والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم.
((٨١)) (١) (كِتَابُ الرِّقَاقِ) بكسر الراء وبالقافين بينهما ألف، جمع: رَقيق، وهو الَّذي فيه رقَّة وهي الرَّحمة ضدُّ الغِلْظة. قال في «الكواكب»: أي: كتابُ الكلمات المرقِّقة للقلوب، ويُقال لِلْكثيرِ (٢) الحياء: رقَّ وجهُه، أي: استحيَا. وقال الرَّاغب: متى كانت الرِّقَّة في جسمٍ فضدُّها الصَّفاقة، كثوبٍ صفيقٍ وثوبٍ رقيقٍ، ومتى كانت في نفس فضدُّها القسوة، كرقيق القلب وقاسيه، وعبَّر جماعةٌ منهم النَّسائيُّ في «سننه الكبرى» بقولهم: كتاب الرَّقائق، وكذا في نسخةٍ معتمدةٍ من رواية النَّسفيِّ عن البخاريِّ، والمعنى واحدٌ، وسُمِّيت أحاديثُ الباب بذلك؛ لأنَّ فيها من الوعظِ والتَّنبيه ما يجعلُ القلب رقيقًا ويُحْدِث فيه الرِّقَّة. (الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ، وَلَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ) كذا لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي، وسقط عندهُ عن الكُشميهنيِّ والمُستملي «الصِّحَّة والفراغ» ولأبي الوقت كما في «الفتح»: «باب لا عيشَ إلَّا عيش الآخرة» ولكريمة عن الكُشميهنيِّ: «ما جاء في الرِّقاق، وأنَّ لا عيش إلَّا عيش الآخرة». وزاد في الفرع كأصله: «باب ما جاءَ في الرِّقاق، وأن لا عيش إلَّا عيشُ الآخرة» وفيهما أيضًا: «باب لا عيش إلَّا عيش الآخرة». (بسم الله الرحمن الرحيم) وفي «الفتح» كـ «اليونينية» تقديمُ البسملةِ على الكتاب (٣).