«أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤١٩

الحديث رقم ٦٤١٩ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٤١٩ في صحيح البخاري

«أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً» تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ وَابْنُ عَجْلَانَ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ.

إسناد حديث رقم ٦٤١٩ من صحيح البخاري

٦٤١٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ فَقَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٤١٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ فَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا الْإِنْسَانُ إِلَى النُّقْطَةِ الدَّاخِلَةِ، وَبِقَوْلِهِ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ إِلَى الْمُرَبَّعِ، وَبِقَوْلِهِ وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ إِلَى الْخَطِّ الْمُسْتَطِيلِ الْمُنْفَرِدِ، وَبِقَوْلِهِ: وَهَذِهِ إِلَى الْخُطُوطِ وَهِيَ مَذْكُورَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ انْحِصَارُهَا فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ بَعْدَهُ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الْأَقْرَبُ فَإِنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى الْخَطِّ الْمُحِيطِ بِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي يُحِيطُ بِهِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَارِجِ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ خُطُطًا بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْأُولَى لِلْأَكْثَرِ وَيَجُوزُ فَتْحُ الطَّاءِ، وَقَوْلُهُ هَذَا إِنْسَانٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ هَذَا الْخَطُّ هُوَ الْإِنْسَانُ عَلَى التَّمْثِيلِ.

قَوْلُهُ (وَهَذِهِ الْخُطُطُ) بِالضَّمِّ فِيهِمَا أَيْضًا وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ وَهَذِهِ الْخُطُوطُ.

قَوْلُهُ (الْأَعْرَاضُ) جَمْعُ عَرَضٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا فِي الْخَيْرِ وَفِي الشَّرِّ، وَالْعَرْضُ بِالسُّكُونِ ضِدُّ الطَّوِيلِ وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَابِلُ النَّقْدَيْنِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ (نَهَشَهُ) بِالنُّونِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَصَابَهُ وَاسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الْإِشَارَاتُ الْأَرْبَعُ مَعَ أَنَّ الْخُطُوطَ ثَلَاثَةٌ فَقَطْ وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ لِلْخَطِّ الدَّاخِلِ اعْتِبَارَيْنِ فَالْمِقْدَارُ الدَّاخِلُ مِنْهُ هُوَ الْإِنْسَانُ وَالْخَارِجُ أَمَلُهُ وَالْمُرَادُ بِالْأَعْرَاضِ الْآفَاتُ الْعَارِضَةُ لَهُ فَإِنْ سَلِمَ مِنْ هَذَا لَمْ يَسْلَمْ مِنْ هَذَا وَإِنْ سَلِمَ مِنَ الْجَمِيعِ وَلَمْ تُصِبْهُ آفَةٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ فَقْدِ مَالٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بَغَتَهُ الْأَجَلُ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِالْأَجَلِ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى الْحَضِّ عَلَى قِصَرِ الْأَمَلِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِبَغْتَةِ الْأَجَلِ. وَعَبَّرَ بِالنَّهْشِ وَهُوَ لَدْغُ ذَاتِ السُّمِّ مُبَالَغَةً فِي الْإِصَابَةِ وَالْإِهْلَاكِ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَلَامٍ عَنْهُ.

قَوْلُهُ (هَمَّامٌ) هُوَ ابْنُ يَحْيَى، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ.

قَوْلُهُ (عَنْ إِسْحَاقَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي أَنَسٍ لِأُمِّهِ.

قَوْلُهُ (خُطُوطًا) قَدْ فُسِّرَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ (فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ يَأْمُلُ وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الزُّهْدِ مِنْ وَجْهٍ عَنْ إِسْحَاقَ سِيَاقُ الْمَتْنِ أَتَمُّ مِنْهُ، وَلَفْظُهُ خَطَّ خُطُوطًا وَخَطَّ خَطًّا نَاحِيَةً ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ هَذَا مَثَلُ ابْنِ آدَمَ وَمَثَلُ التَّمَنِّي، وَذَلِكَ الْخَطُّ الْأَمَلُ، بَيْنَمَا يَأْمُلُ إِذْ جَاءَهُ الْمَوْتُ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْخُطُوطَ ثُمَّ اقْتَصَرَ فِي التَّفْصِيلِ عَلَى اثْنَيْنِ اخْتِصَارًا، وَالثَّالِثُ الْإِنْسَانُ، وَالرَّابِعُ الْآفَاتُ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ، وَوَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ قَفَاهُ ثُمَّ بَسَطَهَا فَقَالَ: وَثَمَّ أَمَلُهُ، وَثَمَّ أَجَلُهُ، إِنَّ أَجَلَهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ أَمَلِهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ إِنَّ النَّبِيَّ غَرَزَ عُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ غَرَزَ إِلَى جَنْبِهِ آخَرَ ثُمَّ غَرْزَ الثَّالِثَ فَأَبْعَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ وَهَذَا أَمَلُهُ. وَالْأَحَادِيثُ مُتَوَافِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَجَلَ أَقْرَبُ مِنَ الْأَمَلِ.

٥ - بَاب مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ؛ لِقَوْلِهِ تعالى ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾.

٦٤١٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً.

تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ وَابْنُ عَجْلَانَ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

مَرْدويه: سبعون (١) سنةً، فالإنسانُ لا يزالُ في ازديادٍ إلى كمال السِّتِّين، ثمَّ يشرعُ بعد ذلك في النَّقص والهرمِ.

إِذَا بَلَغَ الفَتَى سِتِّينَ عَامًا … فَقَدْ ذَهَبَ المَسَرَّةُ وَالهَنَاءُ

ولمَّا كان هذا هو العمر الَّذي (٢) يُعذِر الله إلى عبادهِ به (٣) ويزيحُ عنه العلل، كان هذا (٤) هو الغالبَ على أعمار هذه الأمَّة، فعند أبي يَعلى من طريق إبراهيم بنِ الفضل، عن سعيد، عن أبي هُريرة: «مُعتركُ المنايا ما بين ستِّين وسبعين» لكنَّ إبراهيم بن الفضل ضعيف، وفي حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: «أعمارُ أمَّتِي ما بينَ السِّتِّين إلى السَّبعين، وأقلُّهُم من يجوزُ ذلكَ» رواه التِّرمذيُّ في «الزُّهد» (﴿وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]) زاد أبو ذرٍّ: «يعني: الشَّيب» وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ وغيره. وقال السُّدي (٥) وعبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم: المُراد به رسولُ الله وهو الصَّحيح عن قتادةَ، فيكون احتجَّ عليهم بالعمر والرُّسل.

٦٤١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة والهاء المشددة المفتوحة، ابن حسام أبو ظَفَر الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) بضم العين وفتح العين، ابن عطاء بن مقدَّم المقدَّميُّ البصريُّ (عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة (الغِفَارِيِّ) بكسر الغين المعجمة، نسبة إلى غفار، وعمرُ بن عليٍّ مدلِّس، وقد رواهُ عن معنٍ بالعنعنةِ، لكن أخرج الحديث أحمد عن (٦) عبد الرَّزَّاق، عن معمر، عن

رجلٍ من بني غفار، عن سعيد، فصرَّح فيه بالسَّماع (١)، والمُبهم هو معن بن محمَّدٍ الغفاريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) ذكوان (المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، نسبة إلى مقبرةٍ بالمدينة كان يسكن عندها، وسقط «المقبريُّ» لأبي ذرٍّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ) كذا لأبي ذرٍّ ولغيره: «فقال» بفاء قبل القاف: (أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ) أي: أطالَ حياتهُ (حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً) أي: لم يُبْقِ فيه موضِعًا للاعتذارِ حيث أمهلهُ إلى طول هذه المدَّة ولم يعتذر. يقال: أعذرَ الرَّجلُ إذا بلغَ أقصى الغاية في العذرِ. وقال التُّوربشتيُّ: ومنه قولهم: أَعذر من أَنذر، أي: أتى بالعذرِ وأظهره، وهو مجازٌ عن القول، فإنَّ العذرَ لا يتوجَّه على الله، وإنَّما يتوجه له على العبيدِ، وحقيقةُ المعنى فيه أنَّ الله لم يتركْ له شيئًا في الاعتذارِ يتمسَّك به، قال ابنُ بطَّال: إنَّما كانت السِّتُّون حدًّا؛ لأنَّها قريبةٌ من مُعترك المنايا، وهي سنُّ الإنابةِ والخشوع وترقُّب المنيَّة، فهذا إعذارٌ بعد إعذارٍ لطفًا من الله تعالى بعباده حتَّى (٢) نقلَهم من حالةِ الجهلِ إلى حالة العلمِ ثمَّ أعذرَ إليهم، فلم يعاقبهُم إلَّا بعد الحججِ الواضحةِ وإن كانوا فُطروا على حبِّ الدُّنيا وطول الأملِ، لكنَّهم أُمروا بمجاهدةِ النَّفس في ذلك؛ ليمتثلوا ما أُمروا به من الطَّاعة، وينزجروا عما نُهوا عنه من المعصية.

وقال بعض الحكماء: الأسنان أربعةٌ: سنُّ الطُّفوليَّة، ثمَّ الشَّباب، ثمَّ الكُهولة، ثمَّ الشَّيخوخة، وهي آخر الأسنان، وغالب ما يكون بين السِّتِّين إلى السَّبعين، فحينئذٍ يظهرُ ضعفُ القوَّة بالنَّقص والانحطاط، فينبغِي له الإقبالُ على الآخرةِ بالكلِّيَّة؛ لاستحالةِ أن يرجعَ إلى الحالةِ الأولى من النَّشاط والقوَّة.

قلتُ: ورأيتُ لأبي الفرج ابن الجوزيِّ الحافظ جزءًا لطيفًا سمَّاه «تنبيه الغَمْر بمواسم العمر» ذكرَ فيه أنَّها خمسةٌ: الأوَّل من وقت الولادةِ إلى زمن البلوغِ، والثَّاني إلى نهاية شبابه خمسٍ وثلاثين، والثَّالث إلى تمام الخمسين وهو الكهولة. قال: وقد يقال له: كهلٌ لِمَا قبل

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ فَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا الْإِنْسَانُ إِلَى النُّقْطَةِ الدَّاخِلَةِ، وَبِقَوْلِهِ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ إِلَى الْمُرَبَّعِ، وَبِقَوْلِهِ وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ إِلَى الْخَطِّ الْمُسْتَطِيلِ الْمُنْفَرِدِ، وَبِقَوْلِهِ: وَهَذِهِ إِلَى الْخُطُوطِ وَهِيَ مَذْكُورَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ انْحِصَارُهَا فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ بَعْدَهُ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الْأَقْرَبُ فَإِنَّهُ أَشَارَ بِهِ إِلَى الْخَطِّ الْمُحِيطِ بِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي يُحِيطُ بِهِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَارِجِ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ خُطُطًا بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْأُولَى لِلْأَكْثَرِ وَيَجُوزُ فَتْحُ الطَّاءِ، وَقَوْلُهُ هَذَا إِنْسَانٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ هَذَا الْخَطُّ هُوَ الْإِنْسَانُ عَلَى التَّمْثِيلِ.

قَوْلُهُ (وَهَذِهِ الْخُطُطُ) بِالضَّمِّ فِيهِمَا أَيْضًا وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ وَهَذِهِ الْخُطُوطُ.

قَوْلُهُ (الْأَعْرَاضُ) جَمْعُ عَرَضٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا فِي الْخَيْرِ وَفِي الشَّرِّ، وَالْعَرْضُ بِالسُّكُونِ ضِدُّ الطَّوِيلِ وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَابِلُ النَّقْدَيْنِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ (نَهَشَهُ) بِالنُّونِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَصَابَهُ وَاسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الْإِشَارَاتُ الْأَرْبَعُ مَعَ أَنَّ الْخُطُوطَ ثَلَاثَةٌ فَقَطْ وَأَجَابَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّ لِلْخَطِّ الدَّاخِلِ اعْتِبَارَيْنِ فَالْمِقْدَارُ الدَّاخِلُ مِنْهُ هُوَ الْإِنْسَانُ وَالْخَارِجُ أَمَلُهُ وَالْمُرَادُ بِالْأَعْرَاضِ الْآفَاتُ الْعَارِضَةُ لَهُ فَإِنْ سَلِمَ مِنْ هَذَا لَمْ يَسْلَمْ مِنْ هَذَا وَإِنْ سَلِمَ مِنَ الْجَمِيعِ وَلَمْ تُصِبْهُ آفَةٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ فَقْدِ مَالٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بَغَتَهُ الْأَجَلُ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِالْأَجَلِ. وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى الْحَضِّ عَلَى قِصَرِ الْأَمَلِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِبَغْتَةِ الْأَجَلِ. وَعَبَّرَ بِالنَّهْشِ وَهُوَ لَدْغُ ذَاتِ السُّمِّ مُبَالَغَةً فِي الْإِصَابَةِ وَالْإِهْلَاكِ.

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَلَامٍ عَنْهُ.

قَوْلُهُ (هَمَّامٌ) هُوَ ابْنُ يَحْيَى، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ.

قَوْلُهُ (عَنْ إِسْحَاقَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي أَنَسٍ لِأُمِّهِ.

قَوْلُهُ (خُطُوطًا) قَدْ فُسِّرَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ (فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ يَأْمُلُ وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الزُّهْدِ مِنْ وَجْهٍ عَنْ إِسْحَاقَ سِيَاقُ الْمَتْنِ أَتَمُّ مِنْهُ، وَلَفْظُهُ خَطَّ خُطُوطًا وَخَطَّ خَطًّا نَاحِيَةً ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ هَذَا مَثَلُ ابْنِ آدَمَ وَمَثَلُ التَّمَنِّي، وَذَلِكَ الْخَطُّ الْأَمَلُ، بَيْنَمَا يَأْمُلُ إِذْ جَاءَهُ الْمَوْتُ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْخُطُوطَ ثُمَّ اقْتَصَرَ فِي التَّفْصِيلِ عَلَى اثْنَيْنِ اخْتِصَارًا، وَالثَّالِثُ الْإِنْسَانُ، وَالرَّابِعُ الْآفَاتُ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ، وَوَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ قَفَاهُ ثُمَّ بَسَطَهَا فَقَالَ: وَثَمَّ أَمَلُهُ، وَثَمَّ أَجَلُهُ، إِنَّ أَجَلَهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ أَمَلِهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ إِنَّ النَّبِيَّ غَرَزَ عُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ غَرَزَ إِلَى جَنْبِهِ آخَرَ ثُمَّ غَرْزَ الثَّالِثَ فَأَبْعَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ وَهَذَا أَمَلُهُ. وَالْأَحَادِيثُ مُتَوَافِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَجَلَ أَقْرَبُ مِنَ الْأَمَلِ.

٥ - بَاب مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ؛ لِقَوْلِهِ تعالى ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾.

٦٤١٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً.

تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ وَابْنُ عَجْلَانَ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

مَرْدويه: سبعون (١) سنةً، فالإنسانُ لا يزالُ في ازديادٍ إلى كمال السِّتِّين، ثمَّ يشرعُ بعد ذلك في النَّقص والهرمِ.

إِذَا بَلَغَ الفَتَى سِتِّينَ عَامًا … فَقَدْ ذَهَبَ المَسَرَّةُ وَالهَنَاءُ

ولمَّا كان هذا هو العمر الَّذي (٢) يُعذِر الله إلى عبادهِ به (٣) ويزيحُ عنه العلل، كان هذا (٤) هو الغالبَ على أعمار هذه الأمَّة، فعند أبي يَعلى من طريق إبراهيم بنِ الفضل، عن سعيد، عن أبي هُريرة: «مُعتركُ المنايا ما بين ستِّين وسبعين» لكنَّ إبراهيم بن الفضل ضعيف، وفي حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: «أعمارُ أمَّتِي ما بينَ السِّتِّين إلى السَّبعين، وأقلُّهُم من يجوزُ ذلكَ» رواه التِّرمذيُّ في «الزُّهد» (﴿وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]) زاد أبو ذرٍّ: «يعني: الشَّيب» وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ وغيره. وقال السُّدي (٥) وعبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم: المُراد به رسولُ الله وهو الصَّحيح عن قتادةَ، فيكون احتجَّ عليهم بالعمر والرُّسل.

٦٤١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ بالجمع (عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة والهاء المشددة المفتوحة، ابن حسام أبو ظَفَر الأزديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ) بضم العين وفتح العين، ابن عطاء بن مقدَّم المقدَّميُّ البصريُّ (عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بفتح الميم وسكون العين المهملة (الغِفَارِيِّ) بكسر الغين المعجمة، نسبة إلى غفار، وعمرُ بن عليٍّ مدلِّس، وقد رواهُ عن معنٍ بالعنعنةِ، لكن أخرج الحديث أحمد عن (٦) عبد الرَّزَّاق، عن معمر، عن

رجلٍ من بني غفار، عن سعيد، فصرَّح فيه بالسَّماع (١)، والمُبهم هو معن بن محمَّدٍ الغفاريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) ذكوان (المَقْبُرِيِّ) بضم الموحدة، نسبة إلى مقبرةٍ بالمدينة كان يسكن عندها، وسقط «المقبريُّ» لأبي ذرٍّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ) كذا لأبي ذرٍّ ولغيره: «فقال» بفاء قبل القاف: (أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ) أي: أطالَ حياتهُ (حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً) أي: لم يُبْقِ فيه موضِعًا للاعتذارِ حيث أمهلهُ إلى طول هذه المدَّة ولم يعتذر. يقال: أعذرَ الرَّجلُ إذا بلغَ أقصى الغاية في العذرِ. وقال التُّوربشتيُّ: ومنه قولهم: أَعذر من أَنذر، أي: أتى بالعذرِ وأظهره، وهو مجازٌ عن القول، فإنَّ العذرَ لا يتوجَّه على الله، وإنَّما يتوجه له على العبيدِ، وحقيقةُ المعنى فيه أنَّ الله لم يتركْ له شيئًا في الاعتذارِ يتمسَّك به، قال ابنُ بطَّال: إنَّما كانت السِّتُّون حدًّا؛ لأنَّها قريبةٌ من مُعترك المنايا، وهي سنُّ الإنابةِ والخشوع وترقُّب المنيَّة، فهذا إعذارٌ بعد إعذارٍ لطفًا من الله تعالى بعباده حتَّى (٢) نقلَهم من حالةِ الجهلِ إلى حالة العلمِ ثمَّ أعذرَ إليهم، فلم يعاقبهُم إلَّا بعد الحججِ الواضحةِ وإن كانوا فُطروا على حبِّ الدُّنيا وطول الأملِ، لكنَّهم أُمروا بمجاهدةِ النَّفس في ذلك؛ ليمتثلوا ما أُمروا به من الطَّاعة، وينزجروا عما نُهوا عنه من المعصية.

وقال بعض الحكماء: الأسنان أربعةٌ: سنُّ الطُّفوليَّة، ثمَّ الشَّباب، ثمَّ الكُهولة، ثمَّ الشَّيخوخة، وهي آخر الأسنان، وغالب ما يكون بين السِّتِّين إلى السَّبعين، فحينئذٍ يظهرُ ضعفُ القوَّة بالنَّقص والانحطاط، فينبغِي له الإقبالُ على الآخرةِ بالكلِّيَّة؛ لاستحالةِ أن يرجعَ إلى الحالةِ الأولى من النَّشاط والقوَّة.

قلتُ: ورأيتُ لأبي الفرج ابن الجوزيِّ الحافظ جزءًا لطيفًا سمَّاه «تنبيه الغَمْر بمواسم العمر» ذكرَ فيه أنَّها خمسةٌ: الأوَّل من وقت الولادةِ إلى زمن البلوغِ، والثَّاني إلى نهاية شبابه خمسٍ وثلاثين، والثَّالث إلى تمام الخمسين وهو الكهولة. قال: وقد يقال له: كهلٌ لِمَا قبل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله