«كُنَّا نَرَى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٤٠

الحديث رقم ٦٤٤٠ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما يتقى من فتنة المال.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٤٤٠ في صحيح البخاري

«كُنَّا نَرَى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾»

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَقَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قَالَ عُمَرُ اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ لَنَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ

إسناد حديث رقم ٦٤٤٠ من صحيح البخاري

٦٤٤٠ - وَقَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيدِ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيٍّ قَالَ:

شرح حديث ٦٤٤٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المالِ. قال: وموقع قوله: «ويتوبُ الله على من تابَ» موقع الرُّجوع، يعني: إنَّ ذلك لعسير صعب، ولكن يسيرٌ على من يسَّره الله عليه، فحقيقٌ أن لا يكون هذا من كلامِ البشرِ بل هو من كلامِ خالقِ القوى والقدر. انتهى.

وفي الحديث ذمُّ الحرصِ والشَّره، ولذا آثرَ أكثر السَّلف التَّقلُّل (١) من الدُّنيا والقناعة والرِّضا باليسيرِ.

قال البخاريُّ بالسَّند السَّابق إليه:

٦٤٤٠ - (وَقَالَ لَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ، وهذا ظاهره الوصلُ وليس للتَّعليق، وإن قيل: إنَّه للإجازةِ، أو للمُناولةِ (٢) أو للمذاكرة؛ لأنَّ في ذلك حُكم الموصول. نعم، الَّذي يظهرُ بالاستقراء من صنيع المؤلِّف أنَّه لا يأتي بهذه الصِّيغة إلَّا إذا كان المتن ليس على شرطهِ في أصلِ موضوعِ كتابه، كأنْ يكون ظاهره الوقف، أو في السَّند من ليس على شرطهِ في الاحتجاج، قاله في «الفتح».

(حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بفتحتين (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية، ابن كعبٍ الأنصاريِّ ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَرَى) بفتح النون، أي: نعتقدُ، ولأبي ذرٍّ: «نُرى» بضمِّها، أي: نظنُّ (هَذَا) الحديث: «لو كانَ لابنِ آدمَ واديان من مالٍ لتمنَّى واديًا ثالثًا» كما عند الإسماعيليِّ (مِنَ القُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) السُّورة الَّتي هي بمعنى الحديثِ فيما تضمَّنه من ذمِّ الحرصِ على الاستكثارِ من جمعِ المال، والتَّقريع بالموت الَّذي يقطع ذلك، ولا بدَّ لكلِّ أحدٍ منه، فلمَّا نزلت هذه السُّورة وتضمَّنت معنى ذلك مع الزِّيادة عليه علموا أنَّ الحديثَ من كلامه وأنَّه ليس قرآنًا، وقيل: إنَّه كان قرآنًا، فلمَّا نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ نُسخت تلاوتهُ دون حكمه ومعناه.

(١١) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : هَذَا المَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) التَّاء للمبالغة أو باعتبار أنواع المال أو صفة لمحذوفٍ كالبقلةِ.

(وَقَالَ اللهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقوله» (تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾) المُزيِّن هو الله تعالى عند الجمهور للابتلاءِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١) [الكهف: ٧] وعن الحسن: الشَّيطان، وقد يجمعُ بين القولين بأنَّ نسبة ذلك إلى الله تعالى؛ لأنَّه هو الفاعلُ حقيقةً فهو الَّذي أوجد الدُّنيا وما فيها، وجعل القلوب مائلةً إليها، وإلى ذلك أشار بالتَّزيين؛ ليَدْخُلَ فيه حديثُ النَّفس ووسوسةُ الشَّيطان، فنسبة ذلك إليه تعالى باعتبار الخلقِ والتَّقدير (٢)، وإلى الشَّيطان باعتبار ما أقدرهُ الله تعالى عليه من التَّسلُّط على الآدميِّ (٣) بالوسوسةِ النَّاشئ عنها حديث النَّفس، وقرأ مجاهدٌ: (زيَّنَ للنَّاس) مبنيًّا للفاعل (حبَّ) مفعول به، والفاعل ضمير الله تعالى لتقدُّم (٤) ذكره الشَّريف في قوله: ﴿وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء﴾ [آل عمران: ١٣] أو ضمير الشَّيطان أُضْمر وإن لم يجرِ له ذكرٌ؛ لأنَّه أصلُ ذلك، فذِكْرُ هذه الأشياءِ مُؤذِنٌ (٥) بذِكْرِه، وأضاف المصدرَ لمفعولهِ في ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ وهي جمع: شهْوة -بسكون العين-، فحرِّكت في الجمعِ، ولا يجوزُ التَّسكين إلَّا في ضرورةٍ، كقوله:

وَحُمِّلْتُ زَفْرَاتِ الضُّحَى فَأَطَقْتُهَا … وَمَا لِي بِزَفْرَاتِ العَشِيِّ يَدَانِ

بتسكين الفاء، والشَّهوة مصدرٌ يراد به اسم المفعول، أي: المُشتهيات، فهو من باب رجلٌ عدْلٌ، حيث جُعِلَتْ نفسَ المصدر مبالغةً، والشَّهوة ميلُ النَّفس إلى الشَّيء، فجعل الأعيان الَّتي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مُشْتهاةً، وكأنَّه أرادَ تخسيسها (١) بتسميتهَا شهوات؛ إذ الشَّهوة مُسْترذلة عند الحكماءِ مذمومٌ من اتَّبعها شاهدٌ على نفسهِ بالبهيميَّة، فكأنَّ المقصود من ذكرِ هذا اللَّفظ التَّنفير عنها، ولفظ «النَّاس» عامٌّ دخله حرف التَّعريف فيفيدُ (٢) الاستغراق، فظاهرُ اللَّفظ يقتضي أنَّ هذا المعنى حاصلٌ لجميع النَّاس، والعقل أيضًا يدلُّ عليه؛ لأنَّ كلَّ ما كان لذيذًا ونافعًا فهو محبوبٌ ومطلوبٌ لذاتهِ، والمنافعُ قسمان: جسمانيٌّ وروحانيٌّ، فالجسمانيُّ حاصلٌ لكلِّ أحدٍ في أوَّل الأمر، فلا جرمَ كان الغالب على الخلقِ هو الميل الشَّديد إلى اللَّذات الجسمانيَّة (﴿مِنَ النِّسَاء﴾) والإماءُ داخلةٌ فيها (﴿وَالْبَنِينَ﴾) جمع ابن، وقد يقعُ في غير هذا الموضع على الذُّكور والإناث، وهنا أُريد الذُّكور؛ لأنَّهم المشتهون في الطِّباع والمُعَدُّون في الدِّفاع، وقدَّم النِّساء لأنَّ الالتذاذ بهنَّ أكثرُ، والاستئناس بهنَّ أتمُّ، والفتنة بهنَّ أشدُّ، ولله تعالى في إيجاد حبِّ الزَّوجة والولد في قلب الإنسان حكمةٌ بالغةٌ لولا هذا الحبُّ لَمَا حصل التَّوالد والتَّناسل (﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾) جمع: قِنطار، وهو المالُ الكثيرُ، أو سبعون ألف دينارٍ، أو سبعة آلاف دينارٍ، أو مئة وعشرون رطلًا، أو مئة رطلٍ، أو ألفٌ ومئتا أوقية (﴿الْمُقَنطَرَةِ﴾) مفعللة من القنطارِ، وهو للتَّأكيد كقولهم: ألوفٌ مؤلَّفة، ودراهم مدرهمةٌ. وقال قتادة: الكثير بعضها فوق بعضٍ. وقال: وقيل: المدفونة (﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾) وإنَّما كانا محبوبين لأنَّهما ثمنُ الأشياء فمالكهما كالمالكِ لجميعِ الأشياء (﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾) المعلمة أو (٣) المرعيَّة من أَسَامَ الدَّابَّةَ وسوَّمها (﴿وَالأَنْعَامِ﴾) جمع: نَعَم، وهي الإبلُ والبقر والغنم (﴿وَالْحَرْثِ﴾) مصدرٌ واقعٌ موقع المفعول به، فلذلك وُحِّد (٤) ولم يُجمع كما جُمعت أخواته (﴿ذَلِكَ﴾) المذكورُ (﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]) يتمتَّع به في الدُّنيا، وقد تضمَّنت هذه الآيةُ الكريمةُ أنواعًا من الفصاحة والبلاغة منها: الإتيانُ بها مجملةً،

ومنها: جعله لها نفس الشَّهوات مبالغة في التَّنفير عنها كما مرَّ، ومنها: البداءةُ بالأهمِّ؛ فذكر أوَّلًا النِّساء؛ لأنهنَّ أكثر امتزاجًا ومخالطةً بالإنسان، وهُنَّ حبائل الشَّيطان، وقيل: فيهنَّ فتنتان، وفي البنين فتنةٌ واحدةٌ؛ لأنهُنَّ يقطعنَ الأرحام والصِّلات بين الأهل غالبًا، وهُنَّ السَّبب في جمع المال من حرامٍ وحلالٍ غالبًا (١)، والأولاد (٢) يُجمع لأجلهم المال فلذلك ثنَّى بهم، ولأنَّهم فروع منهُنَّ، وثمراتٌ نشأت عنهنَّ، وفي كلامِهم: المرء مفتونٌ بولده، وقُدِّمت على الأموال؛ لأنَّها أحبُّ إلى المرءِ (٣) من ماله، وأمَّا تقديمُ المال على الولدِ في بعضِ المواضع فإنَّما ذلك في سياق امتنانٍ وإنعامٍ أو نصرةٍ ومعاونةٍ؛ لأنَّ الرِّجال تستمال بالأموالِ، ثمَّ ذكر تمام اللَّذَّة وهو المركوب البهيُّ من بين سائر الحيواناتِ، ثمَّ أتى بما يحصل به ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] كما تشهدُ به الآية الأُخرى، ثمَّ ذكر ما به قوامهم وحياة بُنْيَتهم وهو الزَّرع والثِّمار، ومنها الإتيان بلفظٍ يُشعر بشدَّة حبِّ هذه الأشياء بقوله: ﴿زُيِّنَ﴾ والزِّينة محبوبةٌ في الطِّباع، ومنها التَّجنيس في ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ﴾ ومنها الجمع بين ما يشبه المطابقةَ في قوله: ﴿الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ لأنَّهما صارا متقابلين في غالبِ العُرف، وغير ذلك، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ … » إلى آخره.

(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقَالَ» (عُمَرُ) بن الخطَّاب في الآية المذكورة: (اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ) بإثبات الضَّمير، ولأبي ذرٍّ: «بما زيَّنتَ» (لَنَا) في آية ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثمَّ لمّا رأى أنَّ فتنةَ المال مُسلَّطةٌ على من فتحَه الله عليه لتزيينِ الله تعالى له، دَعا الله تعالى بقولهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ) لأنَّ من أخذَ المال من حقِّه ووضعه في حقِّه فقد سَلِم من فتنتهِ.

وهذا الأثر وصله الدَّارقطنيُّ في «غرائب مالك» من طريقِ إسماعيلَ بنِ أبي أُويس، عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ هو الأنصاريُّ: «أنَّ عمر بن الخطَّاب أُتي بمالٍ من الشَّرق يقال له: نفل كسرى، فأُمِر به فصُبَّ وغُطِّيَ، ثمَّ دعا النَّاس فاجتمعوا، ثمَّ أمر به فكُشف عنه، فإذا حليٌّ كثيرٌ وجوهرٌ ومتاعٌ، فبكى عمر وحمد الله ﷿ فقالوا له: ما يبكيكَ يا أمير المؤمنين هذه غنائمُ غَنِمَها الله لنا، ونزعَها من أهلها؟ فقال: ما فتحَ اللهُ من هذا على قومٍ إلَّا سفكوا دِماءهم

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المالِ. قال: وموقع قوله: «ويتوبُ الله على من تابَ» موقع الرُّجوع، يعني: إنَّ ذلك لعسير صعب، ولكن يسيرٌ على من يسَّره الله عليه، فحقيقٌ أن لا يكون هذا من كلامِ البشرِ بل هو من كلامِ خالقِ القوى والقدر. انتهى.

وفي الحديث ذمُّ الحرصِ والشَّره، ولذا آثرَ أكثر السَّلف التَّقلُّل (١) من الدُّنيا والقناعة والرِّضا باليسيرِ.

قال البخاريُّ بالسَّند السَّابق إليه:

٦٤٤٠ - (وَقَالَ لَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ، وهذا ظاهره الوصلُ وليس للتَّعليق، وإن قيل: إنَّه للإجازةِ، أو للمُناولةِ (٢) أو للمذاكرة؛ لأنَّ في ذلك حُكم الموصول. نعم، الَّذي يظهرُ بالاستقراء من صنيع المؤلِّف أنَّه لا يأتي بهذه الصِّيغة إلَّا إذا كان المتن ليس على شرطهِ في أصلِ موضوعِ كتابه، كأنْ يكون ظاهره الوقف، أو في السَّند من ليس على شرطهِ في الاحتجاج، قاله في «الفتح».

(حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بفتحتين (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيٍّ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية، ابن كعبٍ الأنصاريِّ ، أنَّه (قَالَ: كُنَّا نَرَى) بفتح النون، أي: نعتقدُ، ولأبي ذرٍّ: «نُرى» بضمِّها، أي: نظنُّ (هَذَا) الحديث: «لو كانَ لابنِ آدمَ واديان من مالٍ لتمنَّى واديًا ثالثًا» كما عند الإسماعيليِّ (مِنَ القُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) السُّورة الَّتي هي بمعنى الحديثِ فيما تضمَّنه من ذمِّ الحرصِ على الاستكثارِ من جمعِ المال، والتَّقريع بالموت الَّذي يقطع ذلك، ولا بدَّ لكلِّ أحدٍ منه، فلمَّا نزلت هذه السُّورة وتضمَّنت معنى ذلك مع الزِّيادة عليه علموا أنَّ الحديثَ من كلامه وأنَّه ليس قرآنًا، وقيل: إنَّه كان قرآنًا، فلمَّا نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ نُسخت تلاوتهُ دون حكمه ومعناه.

(١١) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : هَذَا المَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) التَّاء للمبالغة أو باعتبار أنواع المال أو صفة لمحذوفٍ كالبقلةِ.

(وَقَالَ اللهُ) ولأبي ذرٍّ: «وقوله» (تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾) المُزيِّن هو الله تعالى عند الجمهور للابتلاءِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١) [الكهف: ٧] وعن الحسن: الشَّيطان، وقد يجمعُ بين القولين بأنَّ نسبة ذلك إلى الله تعالى؛ لأنَّه هو الفاعلُ حقيقةً فهو الَّذي أوجد الدُّنيا وما فيها، وجعل القلوب مائلةً إليها، وإلى ذلك أشار بالتَّزيين؛ ليَدْخُلَ فيه حديثُ النَّفس ووسوسةُ الشَّيطان، فنسبة ذلك إليه تعالى باعتبار الخلقِ والتَّقدير (٢)، وإلى الشَّيطان باعتبار ما أقدرهُ الله تعالى عليه من التَّسلُّط على الآدميِّ (٣) بالوسوسةِ النَّاشئ عنها حديث النَّفس، وقرأ مجاهدٌ: (زيَّنَ للنَّاس) مبنيًّا للفاعل (حبَّ) مفعول به، والفاعل ضمير الله تعالى لتقدُّم (٤) ذكره الشَّريف في قوله: ﴿وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء﴾ [آل عمران: ١٣] أو ضمير الشَّيطان أُضْمر وإن لم يجرِ له ذكرٌ؛ لأنَّه أصلُ ذلك، فذِكْرُ هذه الأشياءِ مُؤذِنٌ (٥) بذِكْرِه، وأضاف المصدرَ لمفعولهِ في ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ وهي جمع: شهْوة -بسكون العين-، فحرِّكت في الجمعِ، ولا يجوزُ التَّسكين إلَّا في ضرورةٍ، كقوله:

وَحُمِّلْتُ زَفْرَاتِ الضُّحَى فَأَطَقْتُهَا … وَمَا لِي بِزَفْرَاتِ العَشِيِّ يَدَانِ

بتسكين الفاء، والشَّهوة مصدرٌ يراد به اسم المفعول، أي: المُشتهيات، فهو من باب رجلٌ عدْلٌ، حيث جُعِلَتْ نفسَ المصدر مبالغةً، والشَّهوة ميلُ النَّفس إلى الشَّيء، فجعل الأعيان الَّتي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مُشْتهاةً، وكأنَّه أرادَ تخسيسها (١) بتسميتهَا شهوات؛ إذ الشَّهوة مُسْترذلة عند الحكماءِ مذمومٌ من اتَّبعها شاهدٌ على نفسهِ بالبهيميَّة، فكأنَّ المقصود من ذكرِ هذا اللَّفظ التَّنفير عنها، ولفظ «النَّاس» عامٌّ دخله حرف التَّعريف فيفيدُ (٢) الاستغراق، فظاهرُ اللَّفظ يقتضي أنَّ هذا المعنى حاصلٌ لجميع النَّاس، والعقل أيضًا يدلُّ عليه؛ لأنَّ كلَّ ما كان لذيذًا ونافعًا فهو محبوبٌ ومطلوبٌ لذاتهِ، والمنافعُ قسمان: جسمانيٌّ وروحانيٌّ، فالجسمانيُّ حاصلٌ لكلِّ أحدٍ في أوَّل الأمر، فلا جرمَ كان الغالب على الخلقِ هو الميل الشَّديد إلى اللَّذات الجسمانيَّة (﴿مِنَ النِّسَاء﴾) والإماءُ داخلةٌ فيها (﴿وَالْبَنِينَ﴾) جمع ابن، وقد يقعُ في غير هذا الموضع على الذُّكور والإناث، وهنا أُريد الذُّكور؛ لأنَّهم المشتهون في الطِّباع والمُعَدُّون في الدِّفاع، وقدَّم النِّساء لأنَّ الالتذاذ بهنَّ أكثرُ، والاستئناس بهنَّ أتمُّ، والفتنة بهنَّ أشدُّ، ولله تعالى في إيجاد حبِّ الزَّوجة والولد في قلب الإنسان حكمةٌ بالغةٌ لولا هذا الحبُّ لَمَا حصل التَّوالد والتَّناسل (﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾) جمع: قِنطار، وهو المالُ الكثيرُ، أو سبعون ألف دينارٍ، أو سبعة آلاف دينارٍ، أو مئة وعشرون رطلًا، أو مئة رطلٍ، أو ألفٌ ومئتا أوقية (﴿الْمُقَنطَرَةِ﴾) مفعللة من القنطارِ، وهو للتَّأكيد كقولهم: ألوفٌ مؤلَّفة، ودراهم مدرهمةٌ. وقال قتادة: الكثير بعضها فوق بعضٍ. وقال: وقيل: المدفونة (﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾) وإنَّما كانا محبوبين لأنَّهما ثمنُ الأشياء فمالكهما كالمالكِ لجميعِ الأشياء (﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾) المعلمة أو (٣) المرعيَّة من أَسَامَ الدَّابَّةَ وسوَّمها (﴿وَالأَنْعَامِ﴾) جمع: نَعَم، وهي الإبلُ والبقر والغنم (﴿وَالْحَرْثِ﴾) مصدرٌ واقعٌ موقع المفعول به، فلذلك وُحِّد (٤) ولم يُجمع كما جُمعت أخواته (﴿ذَلِكَ﴾) المذكورُ (﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]) يتمتَّع به في الدُّنيا، وقد تضمَّنت هذه الآيةُ الكريمةُ أنواعًا من الفصاحة والبلاغة منها: الإتيانُ بها مجملةً،

ومنها: جعله لها نفس الشَّهوات مبالغة في التَّنفير عنها كما مرَّ، ومنها: البداءةُ بالأهمِّ؛ فذكر أوَّلًا النِّساء؛ لأنهنَّ أكثر امتزاجًا ومخالطةً بالإنسان، وهُنَّ حبائل الشَّيطان، وقيل: فيهنَّ فتنتان، وفي البنين فتنةٌ واحدةٌ؛ لأنهُنَّ يقطعنَ الأرحام والصِّلات بين الأهل غالبًا، وهُنَّ السَّبب في جمع المال من حرامٍ وحلالٍ غالبًا (١)، والأولاد (٢) يُجمع لأجلهم المال فلذلك ثنَّى بهم، ولأنَّهم فروع منهُنَّ، وثمراتٌ نشأت عنهنَّ، وفي كلامِهم: المرء مفتونٌ بولده، وقُدِّمت على الأموال؛ لأنَّها أحبُّ إلى المرءِ (٣) من ماله، وأمَّا تقديمُ المال على الولدِ في بعضِ المواضع فإنَّما ذلك في سياق امتنانٍ وإنعامٍ أو نصرةٍ ومعاونةٍ؛ لأنَّ الرِّجال تستمال بالأموالِ، ثمَّ ذكر تمام اللَّذَّة وهو المركوب البهيُّ من بين سائر الحيواناتِ، ثمَّ أتى بما يحصل به ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] كما تشهدُ به الآية الأُخرى، ثمَّ ذكر ما به قوامهم وحياة بُنْيَتهم وهو الزَّرع والثِّمار، ومنها الإتيان بلفظٍ يُشعر بشدَّة حبِّ هذه الأشياء بقوله: ﴿زُيِّنَ﴾ والزِّينة محبوبةٌ في الطِّباع، ومنها التَّجنيس في ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ﴾ ومنها الجمع بين ما يشبه المطابقةَ في قوله: ﴿الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ لأنَّهما صارا متقابلين في غالبِ العُرف، وغير ذلك، وسقط لأبي ذرٍّ قوله «﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ … » إلى آخره.

(قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «وقَالَ» (عُمَرُ) بن الخطَّاب في الآية المذكورة: (اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ) بإثبات الضَّمير، ولأبي ذرٍّ: «بما زيَّنتَ» (لَنَا) في آية ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] ثمَّ لمّا رأى أنَّ فتنةَ المال مُسلَّطةٌ على من فتحَه الله عليه لتزيينِ الله تعالى له، دَعا الله تعالى بقولهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ) لأنَّ من أخذَ المال من حقِّه ووضعه في حقِّه فقد سَلِم من فتنتهِ.

وهذا الأثر وصله الدَّارقطنيُّ في «غرائب مالك» من طريقِ إسماعيلَ بنِ أبي أُويس، عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ هو الأنصاريُّ: «أنَّ عمر بن الخطَّاب أُتي بمالٍ من الشَّرق يقال له: نفل كسرى، فأُمِر به فصُبَّ وغُطِّيَ، ثمَّ دعا النَّاس فاجتمعوا، ثمَّ أمر به فكُشف عنه، فإذا حليٌّ كثيرٌ وجوهرٌ ومتاعٌ، فبكى عمر وحمد الله ﷿ فقالوا له: ما يبكيكَ يا أمير المؤمنين هذه غنائمُ غَنِمَها الله لنا، ونزعَها من أهلها؟ فقال: ما فتحَ اللهُ من هذا على قومٍ إلَّا سفكوا دِماءهم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله