«خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٤٣

الحديث رقم ٦٤٤٣ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المكثرون هم المقلون.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٤٤٣ في صحيح البخاري

«خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ، فَرَآنِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، تَعَالَهْ. قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا. قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هَا هُنَا. قَالَ: فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ، فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ. قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ، فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُقْبِلٌ وَهْوَ يَقُولُ: وَإِنْ سَرَقَ، وَإِنْ زَنَى. قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا، قَالَ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ ، عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى، قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ» قَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ: وَحَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَالْأَعْمَشُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ، إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ: اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا، إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عِنْدَ الْمَوْتِ.

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا

إسناد حديث رقم ٦٤٤٣ من صحيح البخاري

٦٤٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٤٤٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ، وسقط «ابن سعيد» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضم الراء وفتح الفاء بعدها تحتية ساكنة فعين مهملة، الأسديِّ المكيِّ ثمَّ الكوفيِّ، من صغار التَّابعين (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) أبي سليمان الهَمْدانيِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة الغفاريِّ () أنَّه (قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللهِ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَلَيْسَ) سقط لأبي ذرٍّ «الواو» من «وليس» (مَعَهُ إِنْسَانٌ) هو تأكيدٌ لقوله: «وحده» (قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ. قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ القَمَرِ) أي: في المكان الَّذي ليس للقمر فيه ضوءٌ ليختفيَ شخصُهُ، وإنَّما مشى خلفَه؛ لاحتمال أن يطرأَ له حاجةٌ فيكون قريبًا منه (فَالتَفَتَ) (فَرَآنِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟) كأنَّه رأى شخصه ولم يتميَّز له (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «أنا» (أَبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ) بكسر الفاء ممدودًا (قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، تَعَالَهْ) بهاء السكت، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تعال» بإسقاطها (قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ) (سَاعَةً فَقَالَ: إِنَّ المُكْثِرِينَ) من

المالِ (هُمُ المُقِلُّونَ) من الأجرِ (يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ خَيْرًا) مالًا (فَنَفَحَ) بالفاء المخففة بعدها حاء مهملة (فِيهِ) أي: أعطَى (يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ) في المال (١) (خَيْرًا. قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَمَشَيْتُ مَعَهُ) (سَاعَةً فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هَهُنَا، قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَأَجْلَسَنِي) (فِي قَاعٍ) أرضٍ سهلةٍ مطمئنَّةٍ انفرجت عنها الجبال (حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هَهُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ. قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَانْطَلَقَ) (فِي الحَرَّةِ) بالحاء المهملة المفتوحة والراء المشددة، أرضٌ ذات حجارةٍ سودٍ (حَتَّى لَا أَرَاهُ) بفتح الهمزة (فَلَبِثَ) بكسر الموحدة (عَنِّي فَأَطَالَ اللَُّبْثَ) بفتح اللام وضمها (ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ) (وَهْوَ مُقْبِلٌ) بكسر الموحدة والواو للحال كهي في قوله (٢): (وَهْوَ يَقُولُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى. قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَلَمَّا جَاءَ) (لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ) بالهمز (مَنْ تُكَلِّمُ) بضم الفوقية وكسر اللام: أنت، أو بفتحهما (٣) وكذا الميم، أي: من تَكَلَّم معك (فِي جَانِبِ الحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يردُّ» (إِلَيْكَ شَيْئًا؟ قَالَ) : (ذَلِكَ) باللَّام، ولأبي ذرٍّ: «ذاك» بإسقاطها، أي: الَّذي سمعته (جِبْرِيلُ عَرَضَ) أي: ظهرَ (لِي فِي جَانِبِ الحَرَّةِ، قَالَ) لي: (بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ) منهم (لَا يُشْرِكُ بِاللهِ) ﷿ (شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) جواب الشَّرط (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلتُ»: (يَا جِبْرِيلُ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟) دخل الجنَّة (قَالَ) جبريل: (نَعَمْ) أي: كان مصيره إلى الجنَّة، وإن ناله عقوبة (قَالَ) : (قُلْتُ): يا جبريل، وسقط لأبي ذرٍّ «قال: قلت» (وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ) جبريل: (نَعَمْ. قُلتُ): يا جبريل (وَإِنْ سَرَقَ وإن زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ) كذا لأبي ذرٍّ (٤) بتكرير: «وإنْ سرقَ وإنْ زَنى» مرَّتين، وللمُستملي ثلاثًا، وزاد بعد الثَّالثة (٥): «وإن شربَ الخمر».

والحديثُ سبق بزيادةٍ ونقصانٍ في «الاستقراضِ» [خ¦٢٣٨٨] و «الاستئذانِ» [خ¦٦٢٦٨]، وأخرجهُ مسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».

(قَالَ النَّضْرُ) بنُ شُمَيل: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (وَحَدَّثَنَا) وسقط الواو لأبي ذرٍّ (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَالأَعْمَشُ) سليمان (وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ) قالوا: (حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا) الحديث، فصرَّح الثَّلاثة بالتَّحديث عن زيدِ بنِ وهب، فأُمِنَ تدليسُ الأوَّلين على أنَّه لو رُوي من رواية شعبة بغيرِ تصريحٍ لأُمِنَ فيه من التَّدليس؛ لأنَّه كان لا يُحدِّث عن شيوخهِ إلَّا بما لا تدليسَ فيه، ولأبي ذرٍّ: «عن زيد بنِ وهب» وقوله: «بهذا» أي: الحديث المذكور، واعترضهُ الإسماعيليُّ بأنَّه ليس في حديث شعبة قصَّة المكثرين والمقلِّين، وإنَّما فيه قصَّةُ من مات لا يشركُ بالله شيئًا.

وأُجيب بأنَّه واضحٌ على طريقةِ (١) أهل الحديث؛ لأنَّ مُراده أصل الحديث، فإنَّ الحديث المذكور في الأصلِ مشتملٌ (٢) على ثلاثة أشياء: «ما يسرُّني أنَّ لي أُحدًا ذهبًا»، وحديث المكثرين والمقلِّين، «ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة» فيجوز إطلاقُ الحديث على كلِّ واحدٍ من الثَّلاثة إذا أُفرد، فقول البخاريِّ: «بهذا» أي: بأصلِ الحديث لا خصوص اللَّفظ المسوق (٣). وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الإطلاق في موضع التَّقييد غير جائزٍ، وقوله: «بهذا» أي: بأصل الحديث، غيرُ سديدٍ؛ لأنَّ الإشارةَ بلفظ: «هذا» تكون للحاضرِ، والحاضرُ هو اللَّفظ المسوق.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله تعالى: (حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عويمر بن مالك (مُرْسَلٌ، لَا يَصِحُّ، إِنَّمَا أَرَدْنَا) ذكرهُ (لِلْمَعْرِفَةِ) بحاله (وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ) قال صاحب «التَّلويح»: فيه نظرٌ؛ فإنَّ النَّسائيَّ أخرجه بسندٍ صحيحٍ على شرط مسلمٍ (قِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ) البخاريِّ: (حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) أي: المرويُّ عند النَّسائيِّ من رواية محمَّد بن أبي حرملةَ، عن عطاء بنِ يسار (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) بلفظ: «أنَّه سمع النَّبيَّ وهو يقصُّ على المنبر يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] فقلتُ: وإنْ زنى وإنْ سرق

يا رسول الله؟ فقال: وَإنْ زنَى وإِنْ سَرَقَ، فأعدتُ فأعاد، فقال في الثَّالثة: قال: نعم، وإن رغمَ أنفُ أبي الدَّرداء».

(قَالَ) أبو عبد الله البخاريُّ: هو (مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ) لأنَّه من المسانيد (وَقَالَ) أي: البخاريُّ: (اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ) لأنَّه من المراسيل. قال الحافظ ابن حجرٍ: قد وقع التَّصريح بسماعِ عطاء بن يسار له من أبي الدَّرداء في روايةِ ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»، والطَّبرانيِّ في «معجمه»، والبيهقيِّ في «شُعَبه»، قال البيهقيُّ: حديثُ أبي الدَّرداء هذا غيرُ حديث أبي ذرٍّ، وإن كان فيه بعض معناه (هَذَا) الحديث المرويُّ عن أبي الدَّرداء (إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عِنْدَ المَوْتِ) مات الميِّت من باب المجاز باعتبار ما يؤول، فإنَّ الميِّت لا يموت بل الحيُّ هو الَّذي يموت، وقد سقطَ قوله «قال (١) أبو عبد الله: حديث أبي صالح» إلى آخر قوله: «إذا مات قال: لا إله إلا الله، عند الموت» لأبي ذرٍّ كأكثرِ الأصولِ، وذكره الحافظ ابن حجرٍ عقبَ الحديث الأوَّل من الباب اللَّاحق. قال: وثبتَ ذلك في نسخة الصَّغانيِّ.

(١٤) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ لي أُحدًا» (ذَهَبًا) وفي «فتح الباري»: «باب قول النَّبيِّ : ما يسرُّني أنَّ عندي مثل أُحدٍ هذا ذهبًا» وقال: لم أرَ لفظ هذا في رواية الأكثر، لكنَّه ثابتٌ في لفظ الخبر الأوَّل.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ، وسقط «ابن سعيد» لأبي ذرٍّ، قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ) بضم الراء وفتح الفاء بعدها تحتية ساكنة فعين مهملة، الأسديِّ المكيِّ ثمَّ الكوفيِّ، من صغار التَّابعين (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) أبي سليمان الهَمْدانيِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة الغفاريِّ () أنَّه (قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللهِ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَلَيْسَ) سقط لأبي ذرٍّ «الواو» من «وليس» (مَعَهُ إِنْسَانٌ) هو تأكيدٌ لقوله: «وحده» (قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ. قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ القَمَرِ) أي: في المكان الَّذي ليس للقمر فيه ضوءٌ ليختفيَ شخصُهُ، وإنَّما مشى خلفَه؛ لاحتمال أن يطرأَ له حاجةٌ فيكون قريبًا منه (فَالتَفَتَ) (فَرَآنِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟) كأنَّه رأى شخصه ولم يتميَّز له (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «أنا» (أَبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ) بكسر الفاء ممدودًا (قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، تَعَالَهْ) بهاء السكت، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «تعال» بإسقاطها (قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ) (سَاعَةً فَقَالَ: إِنَّ المُكْثِرِينَ) من

المالِ (هُمُ المُقِلُّونَ) من الأجرِ (يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ خَيْرًا) مالًا (فَنَفَحَ) بالفاء المخففة بعدها حاء مهملة (فِيهِ) أي: أعطَى (يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ) في المال (١) (خَيْرًا. قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَمَشَيْتُ مَعَهُ) (سَاعَةً فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هَهُنَا، قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَأَجْلَسَنِي) (فِي قَاعٍ) أرضٍ سهلةٍ مطمئنَّةٍ انفرجت عنها الجبال (حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي: اجْلِسْ هَهُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ. قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَانْطَلَقَ) (فِي الحَرَّةِ) بالحاء المهملة المفتوحة والراء المشددة، أرضٌ ذات حجارةٍ سودٍ (حَتَّى لَا أَرَاهُ) بفتح الهمزة (فَلَبِثَ) بكسر الموحدة (عَنِّي فَأَطَالَ اللَُّبْثَ) بفتح اللام وضمها (ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ) (وَهْوَ مُقْبِلٌ) بكسر الموحدة والواو للحال كهي في قوله (٢): (وَهْوَ يَقُولُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى. قَالَ) أبو ذرٍّ: (فَلَمَّا جَاءَ) (لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ) بالهمز (مَنْ تُكَلِّمُ) بضم الفوقية وكسر اللام: أنت، أو بفتحهما (٣) وكذا الميم، أي: من تَكَلَّم معك (فِي جَانِبِ الحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «يردُّ» (إِلَيْكَ شَيْئًا؟ قَالَ) : (ذَلِكَ) باللَّام، ولأبي ذرٍّ: «ذاك» بإسقاطها، أي: الَّذي سمعته (جِبْرِيلُ عَرَضَ) أي: ظهرَ (لِي فِي جَانِبِ الحَرَّةِ، قَالَ) لي: (بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ) منهم (لَا يُشْرِكُ بِاللهِ) ﷿ (شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) جواب الشَّرط (قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلتُ»: (يَا جِبْرِيلُ، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟) دخل الجنَّة (قَالَ) جبريل: (نَعَمْ) أي: كان مصيره إلى الجنَّة، وإن ناله عقوبة (قَالَ) : (قُلْتُ): يا جبريل، وسقط لأبي ذرٍّ «قال: قلت» (وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ) جبريل: (نَعَمْ. قُلتُ): يا جبريل (وَإِنْ سَرَقَ وإن زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ) كذا لأبي ذرٍّ (٤) بتكرير: «وإنْ سرقَ وإنْ زَنى» مرَّتين، وللمُستملي ثلاثًا، وزاد بعد الثَّالثة (٥): «وإن شربَ الخمر».

والحديثُ سبق بزيادةٍ ونقصانٍ في «الاستقراضِ» [خ¦٢٣٨٨] و «الاستئذانِ» [خ¦٦٢٦٨]، وأخرجهُ مسلمٌ في «الزَّكاة»، والتِّرمذيُّ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».

(قَالَ النَّضْرُ) بنُ شُمَيل: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (وَحَدَّثَنَا) وسقط الواو لأبي ذرٍّ (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَالأَعْمَشُ) سليمان (وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ) قالوا: (حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا) الحديث، فصرَّح الثَّلاثة بالتَّحديث عن زيدِ بنِ وهب، فأُمِنَ تدليسُ الأوَّلين على أنَّه لو رُوي من رواية شعبة بغيرِ تصريحٍ لأُمِنَ فيه من التَّدليس؛ لأنَّه كان لا يُحدِّث عن شيوخهِ إلَّا بما لا تدليسَ فيه، ولأبي ذرٍّ: «عن زيد بنِ وهب» وقوله: «بهذا» أي: الحديث المذكور، واعترضهُ الإسماعيليُّ بأنَّه ليس في حديث شعبة قصَّة المكثرين والمقلِّين، وإنَّما فيه قصَّةُ من مات لا يشركُ بالله شيئًا.

وأُجيب بأنَّه واضحٌ على طريقةِ (١) أهل الحديث؛ لأنَّ مُراده أصل الحديث، فإنَّ الحديث المذكور في الأصلِ مشتملٌ (٢) على ثلاثة أشياء: «ما يسرُّني أنَّ لي أُحدًا ذهبًا»، وحديث المكثرين والمقلِّين، «ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة» فيجوز إطلاقُ الحديث على كلِّ واحدٍ من الثَّلاثة إذا أُفرد، فقول البخاريِّ: «بهذا» أي: بأصلِ الحديث لا خصوص اللَّفظ المسوق (٣). وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الإطلاق في موضع التَّقييد غير جائزٍ، وقوله: «بهذا» أي: بأصل الحديث، غيرُ سديدٍ؛ لأنَّ الإشارةَ بلفظ: «هذا» تكون للحاضرِ، والحاضرُ هو اللَّفظ المسوق.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله تعالى: (حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عويمر بن مالك (مُرْسَلٌ، لَا يَصِحُّ، إِنَّمَا أَرَدْنَا) ذكرهُ (لِلْمَعْرِفَةِ) بحاله (وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ) قال صاحب «التَّلويح»: فيه نظرٌ؛ فإنَّ النَّسائيَّ أخرجه بسندٍ صحيحٍ على شرط مسلمٍ (قِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ) البخاريِّ: (حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) أي: المرويُّ عند النَّسائيِّ من رواية محمَّد بن أبي حرملةَ، عن عطاء بنِ يسار (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) بلفظ: «أنَّه سمع النَّبيَّ وهو يقصُّ على المنبر يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] فقلتُ: وإنْ زنى وإنْ سرق

يا رسول الله؟ فقال: وَإنْ زنَى وإِنْ سَرَقَ، فأعدتُ فأعاد، فقال في الثَّالثة: قال: نعم، وإن رغمَ أنفُ أبي الدَّرداء».

(قَالَ) أبو عبد الله البخاريُّ: هو (مُرْسَلٌ أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ) لأنَّه من المسانيد (وَقَالَ) أي: البخاريُّ: (اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ) لأنَّه من المراسيل. قال الحافظ ابن حجرٍ: قد وقع التَّصريح بسماعِ عطاء بن يسار له من أبي الدَّرداء في روايةِ ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره»، والطَّبرانيِّ في «معجمه»، والبيهقيِّ في «شُعَبه»، قال البيهقيُّ: حديثُ أبي الدَّرداء هذا غيرُ حديث أبي ذرٍّ، وإن كان فيه بعض معناه (هَذَا) الحديث المرويُّ عن أبي الدَّرداء (إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، عِنْدَ المَوْتِ) مات الميِّت من باب المجاز باعتبار ما يؤول، فإنَّ الميِّت لا يموت بل الحيُّ هو الَّذي يموت، وقد سقطَ قوله «قال (١) أبو عبد الله: حديث أبي صالح» إلى آخر قوله: «إذا مات قال: لا إله إلا الله، عند الموت» لأبي ذرٍّ كأكثرِ الأصولِ، وذكره الحافظ ابن حجرٍ عقبَ الحديث الأوَّل من الباب اللَّاحق. قال: وثبتَ ذلك في نسخة الصَّغانيِّ.

(١٤) (باب قَوْلِ النَّبِيِّ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ لي أُحدًا» (ذَهَبًا) وفي «فتح الباري»: «باب قول النَّبيِّ : ما يسرُّني أنَّ عندي مثل أُحدٍ هذا ذهبًا» وقال: لم أرَ لفظ هذا في رواية الأكثر، لكنَّه ثابتٌ في لفظ الخبر الأوَّل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله