«كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٤٤

الحديث رقم ٦٤٤٤ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة…

«كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا شَيْئًا أَرْصُِدُهُ لِدَيْنٍ، إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ مَشَى فَقَالَ: إِنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمُ الْأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ

⦗٩٥⦘

وَقَلِيلٌ مَا هُمْ. ثُمَّ قَالَ لِي: مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ. ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى، فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لِلنَّبِيِّ ، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ: لِي لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ. فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ.»

سند حديث: ٦٤٤٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ…

٦٤٤٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة…

معنى الحديث: يخبر أبو ذر رضي الله عنه- أنه كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حَرَّةٍ ذات حجارة سود بالمدينة، فاستقبلهم أُحُدٌ الجبل المعروف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يسرني، أي: لا يفرحني، أن عندي مثل أُحُدٍ هذا ذهبًا فيمر علي ثلاثة أيام وعندي منه شيء، ولا دينار واحد، إلا شيئًا أرصده لدين، فلو كنتُ أملك من المال مقدار جبل أحدٍ من الذهب الخالص لأنفقته كله في سبيل الله، ولم أبق منه إلا الشيء الذي أحتاج إليه في قضاء الحقوق، وتسديد الديون التي علي، وما زاد على ذلك ، فإنه لا يسرني أن يمضي علي ثلاثة أيام وعندي منه شيء.
وهذا يدل على أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من أزهد الناس في الدنيا؛ لأنه لا يريد أن يجمع المال إلا شيئًا يرصده لدين، وقد توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لأهله.
ولو كانت الدنيا محبوبة إلى الله عز وجل ما حرم منها نبيه صلى الله عليه وسلم ، فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالمًا ومتعلمًا، وما يكون في طاعة الله عز وجل .
ثم قال: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة" يعني: المكثرون من الدنيا هم المقلون من الأعمال الصالحة يوم القيامة؛ لأن الغالب على من كثر ماله في الدنيا الاستغناء والتكبر والإعراض عن طاعة الله؛ لأن الدنيا تلهيه، فيكون مكثرًا في الدنيا مقلًّا في الآخرة.
وقوله: "إلا من قال بالمال هكذا وهكذا وهكذا" يعني صرف المال في سبيل الله عز وجل ، ثم قال: "وقليل ما هم" والمعنى أن من ينفق ماله في سبيل الله قليلٌ.
ثم قال: (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة وإن زنى وإن سرق) وهذا لا يعني أن الزنى والسرقة سهلة، بل هي صعبة، ولهذا استعظمها أبو ذر وقال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: (وإن زنى وإن سرق).
وذلك لأن من مات على الإيمان وعليه معاص من كبائر الذنوب؛ فإن الله يقول: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، قد يعفو الله عنه ولا يعاقبه، وقد يعاقبه، ولكن إن عاقبه فمآله إلى الجنة؛ لأن كل من كان لا يشرك بالله ولم يأت شيئًا مكفرًا؛ فإن مآله إلى الجنة، أما من أتى مكفرًا ومات عليه، فهذا مخلد في النار وعمله حابط؛ لأن المنافقين كانوا يقولون للرسول -عليه الصلاة والسلام-: (نشهد إنك لرسول الله)، وكانوا يذكرون الله ولكن لا يذكرون الله إلا قليلاً ويصلون ولكن (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) ومع ذلك فهم في الدرك الأسفل من النار.
فدل على الزهد في الدنيا، وأن الإنسان لا ينبغي أن يعلق نفسه بها، وأن تكون الدنيا بيده لا بقلبه، حتى يقبل بقلبه على الله عز وجل ؛ فإن هذا هو كمال الزهد، وليس المعنى أنك لا تأخذ شيئًا من الدنيا؛ بل خذ من الدنيا ما يحل لك، ولا تنس نصيبك منها، ولكن اجعلها في يدك ولا تجعلها في قلبك، وهذا هو المهم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تواضع النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه وعدم ترفعه على أحد منهم.
  • حسن أدب أبي ذر -رضي الله عنه- مع رسول الله -صلى عليه وسلم-، وشدة حرصه على سلامته من كل مكروه.
  • جواز حفظ المال لصاحب دين غائب أو لأجل وفاء دين مؤجل حين يحل، وأن وفاء الدين مقدم على صدقة التطوع.
  • وجوب الاهتمام بالدين، والحرص على قضائه والمسارعة إلى تسديده وتقديمه على الإنفاق والصدقة في سبيل الله، لأن تسديد الديون أولى.
  • حث أصحاب الأموال على الإنفاق في سبيل الله؛ لأن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة.
  • لا يكره وجود المال مادام صاحبه ينفق منه في سبيل الله.
  • استجابة الصحابة -رضي الله عنهم- لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعدم مخالفته.
  • جواز الأخذ بالقرائن، وهذا ظاهر في قول أبي ذر: فسمعت صوتًا ارتفع، فتخوفت أن يكون أحد عرض للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم إخباره الرسول بذلك وسكوته ـصلى الله عليه وسلم-.
  • صحة المراجعة في العلم بما تقرر عند الطالب في مقابلة ما يسمعه مما يخالف ذلك لأنه تقرر عند أبي ذر من الآيات والآثار الواردة في وعيد أهل الكبائر بالنار وبالعذاب فلما سمع أن من مات لا يشرك دخل الجنة استفهم عن ذلك بقوله: وإن زنى وإن سرق؛ واقتصر على هاتين الكبيرتين؛ لأنهما كالمثالين فيما يتعلق بحق الله وحق العباد.
  • لا ينبغي الإلحاح في المراجعة، ومن فعل ذلك جاز للشيخ زجره بما يليق به كزجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر، كما في بعض الروايات بقوله: "وعلى رغم أنف أبي ذر".

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

شُعْبَةَ بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ لَأُمِنَ فِيهِ التَّدْلِيسُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُحَدِّثُ عَنْ شُيُوخِهِ إِلَّا بِمَا لَا تَدْلِيسَ فِيهِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَإِنَّهُ زَادَ فِيهِ بَيْنَ الْأَعْمَشِ، وَزَيْدِ بْنِ وَهْبٍ رَجُلًا مُبْهَمًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمُصَرِّحَةُ أَنَّهُ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ.

وَقَدِ اعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا السَّنَدِ بِهَذَا، فَأَشَارَ إِلَى رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَةَ شُعْبَةَ هَذِهِ نَظِيرُ رِوَايَتِهِ فَقَالَ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ قِصَّةُ الْمُقِلِّينَ وَالْمُكْثِرِينَ، إِنَّمَا فِيهِ قِصَّةُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا قَالَ: وَالْعَجَبُ مِنَ الْبُخَارِيِّ كَيْفَ أَطْلَقَ ذَلِكَ ثُمَّ سَاقَهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ: أَنَّ جِبْرِيلَ بَشَّرَنِي أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ. قِيلَ لِسُلَيْمَانَ؛ يَعْنِي الْأَعْمَشَ إِنَّمَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: إِنَّمَا سَمِعْتُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ.

ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَبِلَالٍ وَالْأَعْمَشِ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ سَمِعُوا زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، زَادَ فِيهِ رَاوِيًا وَهُوَ بِلَالٌ، وَهُوَ ابْنُ مِرْدَاسٍ الْفَزَارِيُّ، شَيْخٌ كُوفِيٌّ، أَخْرَجَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ صَدُوقٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ كَرِوَايَةِ النَّضْرِ لَيْسَ فِيهِ بِلَالٌ، وَقَدْ تَبِعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَلَى اعْتِرَاضِهِ الْمَذْكُورِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ مُغْلَطَايْ وَمَنْ بَعْدَهُ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَاضِحٌ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ أَصْلُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي الْأَصْلِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، فَيَجُوزُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِذَا أُرِيدَ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا؛ أَيْ بِأَصْلِ الْحَدِيثِ لَا خُصُوصِ اللَّفْظِ الْمُسَاقِ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الثَّلَاثَةِ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا بِنَحْوِهِ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ، وَالنُّعْمَانُ الْغِفَارِيُّ، وَسَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، وَسُوَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَرِوَايَاتُهُمْ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّمَنِّي مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ.

وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. الثَّانِي: حَدِيثُ الْمُكْثِرِينَ وَالْمُقِلِّينَ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا الْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، وَالنُّعْمَانُ الْغِفَارِيُّ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا.

الثَّالِثُ حَدِيثُ: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي اللِّبَاسِ، وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَفِيهِ أَيْضًا فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ قَالَ: عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَلِذَلِكَ قَالَ الْأَعْمَشُ، لِزَيْدٍ: مَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْهُ، قُلْتُ لِزَيْدٍ: بَلَغَنِي أَنَّهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَأَفَادَتْ رِوَايَةُ شُعْبَةَ أَنَّ حَبِيبًا، وَعَبْدَ الْعَزِيزِ وَافَقَا الْأَعْمَشَ عَلَى أَنَّهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ لَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَقَالَ: عَنْ عِيسَى بْنِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طريقِهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِلَفْظِ: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ فَكَرَّرَهَا ثَلَاثًا، وَفِي الثَّالِثَةِ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَأَذْكُرُ بَقِيَّةَ طُرُقِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ فَقَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلَانِ صَحِيحَيْنِ قُلْتُ: وَفِي حَدِيثِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ مَا لَيْسَ

فِي الْآخَرِ.

١٤ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : مَا يسرني أَنَّ عندي مِثْلَ أُحُدٍ هذا ذَهَبًا

٦٤٤٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ أَبُو

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) البُوْرَانيُّ -بضم الموحدة وسكون الواو وفتح الراء بعد الألف نون- البجليُّ، أبو علي الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سلَّام -بتشديد اللام- ابن سُلَيم (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجهنيِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ) جندبُ ابن جنادة الغفاريُّ : (كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ فِي حَرَّةِ المَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا) بفتح اللام (أُحُدٌ) الجبلُ المعروف (فَقَالَ) : (يَا أَبَا ذَرٍّ. قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلتُ»: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ) بالتَّشديد، ليلةٌ (ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ) الواو للحال (إِلَّا شَيْئًا) استثناء من دينار، ولأبي ذرٍّ: «شيءٌ» بالرفع (أَُرْصُِدُهُ) بفتح الهمزة وضم الصاد، أو بضم الهمزة وكسر الصاد، أعدّهُ أو أحفظهُ (لِدَيْنٍ) بفتح الدال المهملة، صاحبه غير حاضرٍ فيأخذه إذا حضرَ، أو لوفاء دينٍ مُؤجَّلٍ إذا حلَّ وفيته، وللحَمُّويي والمُستملي: «لدَيني» (إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ) استثناءٌ بعد استثناء، فيفيدُ الإثبات فيؤخذُ منه أنَّ نفي محبَّة المال مقيَّدةٌ (١) بعدم الإنفاق، فيلزم محبَّة وجودهِ مع الإنفاق، فما دامَ الإنفاقُ مستمرًّا لا يكره وجودُ المال، وإذا انتفَى الإنفاقُ ثبتتْ كراهيةُ وجود المال، ولا يلزمُ كراهية حصول شيءٍ آخر، ولو كان قَدْر أُحدٍ أو (٢) أكثر مع استمرار الإنفاق. قاله في «الفتح». وقوله: «أقول به» أي: أصرفه وأُنفقه (فِي عِبَادِ اللهِ) ﷿ (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) بالتَّكرار ثلاثًا

صفةٌ لمصدرٍ محذوف، أي: أشارَ إشارةً مثل هذه الإشارة (عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) اقتصرَ على هذه الثَّلاثة، وحُمل على المبالغة؛ لأنَّ العطيَّة لمن بين يديهِ هي (١) الأصل، وفي الجزء الثَّالث من «البشرانيات» من رواية أحمد بنِ ملاعب، عن عمر بنِ حفص بنِ غياث، عن أبيه: «إلَّا أن أقول به هكذا وهكذا وهكذا وهكذا (٢)» وأرانا (٣) بيده، فكرَّر لفظ «هكذا» أربعًا، فعمَّ الجهات الأربع (ثُمَّ مَشَى فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ قال» (إِنَّ الأَكْثَرِينَ) مالًا (هُمُ الأَقَلُّونَ) ثوابًا (يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا مَنْ قَالَ) صرف المال في مصرفهِ (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ) وقيل: المرادُ بالأخير: الوصيَّة (٤)، وقيل: ليس قيدًا فيه، بل قد يقصدُ الصَّحيحُ الإخفاءَ، فيدفع لمن وراءهُ مالًا يعطي به من هو أمامَه (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) «ما» زائدةٌ مؤكِّدة للقلَّة، أو موصوفةٌ، ولفظ: «قليلٌ» هو الخبر، و «هم» مبتدأ، أو (٥) قُدّم الخبر للمبالغةِ في الاختصاصِ (ثُمَّ قَالَ) : (لِي) الزم (مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ) تأكيدٌ (حَتَّى آتِيَكَ) غايةٌ للزوم المكانِ المذكور (ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى) غابَ شخصهُ الشَّريف عنِّي (فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ) ولأبي ذرٍّ: «أن يكون أحدٌ عرض» (لِلنَّبِيِّ ) بسوءٍ (فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي (٦): لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ. فَلَمْ أَبْرَحْ) من مكانِي (حَتَّى أَتَانِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ) عليك (فَذَكَرْتُ لَهُ) ذلك (فَقَالَ) (وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول الله (قَالَ: ذَاكَ) الَّذي سمعتَهُ يخاطبني هو

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَإِن الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الأَصْل قد اشْتَمَل على ثَلَاثَة أَشْيَاء فَيجوز إِطْلَاق الحَدِيث على كل وَاحِد من الثَّلَاثَة إِذا أفرد، فَقَوْل البُخَارِيّ: بِهَذَا أَي: بِأَصْل الحَدِيث لَا خُصُوص اللَّفْظ المساق انْتهى.

قلت: الِاعْتِرَاض باقٍ على مَا لَا يخفى لِأَن الْإِطْلَاق فِي مَوضِع التَّقْيِيد غير جَائِز. وَقَوله: بِهَذَا، أَي: بِأَصْل الحَدِيث ... إِلَى آخِره غير سديد لِأَن الْإِشَارَة بِلَفْظ: هَذَا، تكون للحاضر، والحاضر هُوَ اللَّفْظ المساق، وَالْمرَاد من ثَلَاثَة أَشْيَاء ثَلَاثَة أَحَادِيث. الأول: قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا يسرني أَن عِنْدِي مثل أحد هَذَا ذَهَبا. الثَّانِي: حَدِيث: (المكثرين والمقلين) وَالثَّالِث: حَدِيث: (من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة) .

قَالَ أبُو عَبْدِ الله: حَدِيث أبي صالحٍ عنْ أبي الدَّرْداءِ مُرْسَلٌ لَا يَصحُّ، إِنَّمَا أرَدْنا لِلْمَعْرِفَةِ، والصَّحِيحُ حَدِيثُ أبي ذَرٍّ، قِيلَ لأبي عَبْدِ الله: حَدِيثُ عَطاءِ بنِ يَسار عنْ أبي الدَّرْداءِ؟ قَالَ: مُرْسَلٌ أيْضاً لَا يَصِحُّ والصَّحيحُ حَديثُ أبي ذرٍّ. وَقَالَ: اضْرِبُوا عَلى حَدِيثِ أبي الدَّرْدَاءِ هاذا، إِذا ماتَ قَالَ: لَا إلاهَ إلَاّ الله، عِنْدَ المَوْتِ.

هَذَا: أَعنِي، قَالَ أَبُو عبد الله ... إِلَى آخِره لَا يُوجد فِي كثير من النّسخ. وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ. قَوْله: (حَدِيث أبي صَالح) هُوَ ذكْوَان الزيات عَن أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك مُرْسل لَا يَصح، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : فِيهِ نظر من حَيْثُ إِن النَّسَائِيّ رَوَاهُ بِسَنَد صَحِيح على شَرط أبي الْحجَّاج الْقشيرِي، فَقَالَ: حَدثنِي قُتَيْبَة عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن الْحسن بن عبيد الله عَن زيد بن وهب وَعَن عَمْرو بن هِشَام عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن إِسْحَاق عَن عِيسَى بن مَالك عَن زيد، عَن أبي الدَّرْدَاء، قَوْله: (إِنَّمَا أردنَا للمعرفة) أَي: لنعرف أَنه قد روى عَنهُ لَا لِأَنَّهُ يحْتَج بِهِ قَوْله: (قيل لأبي عبد الله هُوَ البُخَارِيّ أَيْضا. قَوْله: حَدِيث عَطاء بن يسَار ضد الْيَمين عَن أبي الدَّرْدَاء، قَالَ: مُرْسل أَي: هُوَ مُرْسل أَيْضا لَا يَصح. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : فِيهِ نظر أَيْضا، لِأَن الطَّبَرَانِيّ قد أخرجه بِإِسْنَاد جيد: حَدثنَا يحيى بن أَيُّوب العلاف حَدثنَا سعيد بن أبي مَرْيَم حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي حَرْمَلَة عَن عَطاء بن يسَار، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الدَّرْدَاء أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... فَذكره قَوْله: هَذَا، أَي: هَذَا الَّذِي رُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء، وَهُوَ قَوْله: (من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) فِي حق من قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، عِنْد الْمَوْت.

٤١ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أُحِبُّ أنَّ لِي مِثْلَ أُحدٍ ذَهَباً)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا أحب أَن لي مثل أحد ذَهَبا) وَفِي بعض النّسخ: مَا أحب أَن لي أحدا ذَهَبا. وَفِي بَعْضهَا: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا يسرني أَن عِنْدِي مثل أحد هَذَا ذَهَبا، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافق للفظ حَدِيث الْبَاب.

٤٤٤٦ - حدّثنا الحَسَنُ بن الرَّبِيعِ حدّثنا أبُو الأحْوَصِ عنِ الأعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ أَبُو ذُرٍّ: كُنْتُ أمْشِي مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَرَّةِ المَدِينَةِ، فاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ فَقَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ {) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُول الله} قَالَ: (مَا يَسُرُّنِي أنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هاذا ذَهَباً تَمْضِي عَلَيَّ ثالِثَةٌ وعِنْدِي مِنْه دِينارٌ إلَاّ شَيْئاً أرْصُدُهُ لِدَيْنِ، إلَاّ أنْ أقُولَ بِهِ فِي عِبادِ الله هاكَذا وهاكَذَا وهاكَذا) عنْ يَمِينِهِ وعنْ شِمِالِهِ ومِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ مَشَى فَقَالَ: (إنَّ الأكْثَرِينَ هُمُ الأقَلُّونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلَاّ مَنْ قَالَ هاكَذَا وهاكَذَا وهاكَذَا) عنْ يَمِينِهِ وعنْ شِمِالِهِ ومِنْ خَلْفِهِ، (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) ، ثُمَّ قَالَ لِي: (مَكانَكَ لَا تَبْرَحْ حتَّى آتِيَكَ) ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَواراى. فَسَمِعْتُ صَوْتاً قَدِ ارْتَفَعَ فَتَخَوَّفْتُ أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ للنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأرَدْتُ أنْ آتِيَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي: (لَا تَبْرَحْ حتَّى آتِيكَ) فَلَمْ أبْرَحْ حتَّى أتانِي. قُلْتُ: يَا رسولَ الله! لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتاً تَخَوَّفْتُ، فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ: (وَهَلْ

سَمِعْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: (ذَاكَ جِبْرِيلُ أتانِي فَقَالَ: مَنْ ماتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئاً دَخَلَ الجَنَّةَ. قُلْتُ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ)

مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ: (مَا يسرني أَن عِنْدِي مثل أحد ذَهَبا) ظَاهِرَة. وَفِي غير هَذَا اللَّفْظ أَيْضا التطابق مَوْجُود من حَيْثُ الْمَعْنى.

وَالْحسن بن الرّبيع بِفَتْح الرَّاء هُوَ أَبُو عَليّ البوراني بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء وبالنون، وَقَالَ الرشاطي: ينْسب إِلَى البواري وَهِي حصر من قصب وَكَانَ لَهُ غلْمَان يصنعونها، وَأَبُو الْأَحْوَص هُوَ سَلام بِالتَّشْدِيدِ ابْن سليم، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان.

والْحَدِيث قد رُوِيَ بِزِيَادَة ونقصان عَن أبي ذرٍ كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب السَّابِق.

قَوْله: (فَاسْتقْبلنَا) بِفَتْح اللَّام و: أحد، بِالرَّفْع فَاعله وَفِي رِوَايَة حَفْص بن غياث: فَاسْتقْبلنَا أحدا بِسُكُون اللَّام وَنصب أحدا، على أَنه مفعول. قَوْله: (مَا يسرني) من سره إِذا فرحه وَالسُّرُور خلاف الْحزن. قَوْله: (أَن عِنْدِي مثل أحد هَذَا ذَهَبا) . قَوْله: (ثَالِثَة) أَي: لَيْلَة ثَالِثَة. قيل: قيد بِالثلَاثِ لِأَنَّهُ لَا يتهيأ تَفْرِيق قدر أحد من الذَّهَب فِي أقل مِنْهَا غَالِبا.

قلت: يُعَكر عَلَيْهِ رِوَايَة حَفْص بن غياث: مَا أحب أَن لي أحدا ذَهَبا يَأْتِي على يَوْم وَلَيْلَة أَو ثَلَاث عِنْدِي مِنْهُ دِينَار. قَالَ بَعضهم: وَالْأولَى أَن يُقَال: الثَّلَاث أقْصَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي تَفْرِقَة مثل ذَلِك، والواحدة أقل مَا يُمكن.

قلت: ذكر الْيَوْم أَو الثَّلَاث لَيْسَ بِقَيْد، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَة عَن سرعَة التَّفْرِيق من غير تَأْخِير وَلَا إبْقَاء شَيْء مِنْهُ. وَفِيه أَيْضا مُبَالغَة لقَوْله: (وَعِنْدِي) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (إلَاّ شَيْئا) اسْتثِْنَاء من دِينَار. قَوْله: (أرصده) بِضَم الْهمزَة أَي أعده وأحفظه، وَعَن الْكسَائي والأصمعي، أرصدت لَهُ أَعدَدْت لَهُ ورصدته ترقبته، وَهَذِه الْجُمْلَة أَعنِي: أرصده، فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: (شَيْئا) ثمَّ إرصاد الْعين أَعم من أَن يكون لصَاحب دين غَائِب حَتَّى يحضر فَيَأْخذهُ، أَو لأجل وَفَاء دين مُؤَجل حَتَّى يحل فيوفى. قَوْله: (لدين) ويروى لديني، بياء الْإِضَافَة. قَوْله: (إلَاّ أَن أَقُول بِهِ) اسْتثِْنَاء بعد اسْتثِْنَاء، قَالَ الْكرْمَانِي، إلَاّ أَن أَقُول اسْتثِْنَاء من فَاعل يسرني أَي: إلَاّ أَن أصرفه، وَقد ذكرنَا غير مرّة أَن الْعَرَب تسْتَعْمل لفظ القَوْل فِي معانٍ كَثِيرَة. قَوْله: (فِي عباد الله) أَي: بَين عباد الله. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فادخلي فِي عبَادي} (الْفجْر: ٩٢) أَي: بَين عبَادي. قَوْله: (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات وَأَشَارَ بهَا بِيَدِهِ، ثمَّ بَين ذَلِك بقوله: (عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله وَمن خَلفه) وَهَذَا على سَبِيل الْمُبَالغَة، لِأَن الأَصْل فِي الْعَطِيَّة أَن تكون لمن بَين يَدَيْهِ وَهَذِه جِهَة رَابِعَة من الْجِهَات الْأَرْبَع. وَلم يذكر هَهُنَا، وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة أَحْمد بن ملاعب عَن عمر بن حَفْص بن غياث عَن أَبِيه بِلَفْظ: إلَاّ أَن أَقُول بِهِ فِي عباد الله هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وأرانا بِيَدِهِ وَذكر فِيهِ الْجِهَات الْأَرْبَع. وَأخرجه أَبُو نعيم من طَرِيق سهل بن بَحر عَن عمر بن حَفْص فاقتصر على ثِنْتَيْنِ. قَوْله: (ثمَّ مَشى) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (إِن الْأَكْثَرين هم الأقلون) ويروى ألَا إِن الْأَكْثَرين هم المقلون، وَقد مَضَت رِوَايَة أُخْرَى، إِن المكثرين هم المقلون، وَفِي رِوَايَة أَحْمد إِن المكثرين هم الأقلون. قَوْله: (إِلَّا من قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) وَفِي رِوَايَة ابْن شهَاب. إلَاّ من قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا. قَوْله: (وَقَلِيل مَا هم) كلمة: مَا، زَائِدَة مُؤَكدَة للقلة، وهم، مُبْتَدأ، وَقَلِيل، مقدما خَبره. قَوْله: (مَكَانك) بِالنّصب أَي: إلزم مَكَانك. قَوْله: (لَا تَبْرَح حَتَّى آتبك) تَأْكِيد لما قبله، وَفِي رِوَايَة حَفْص: لَا تَبْرَح يَا أَبَا ذَر حَتَّى أرجع. قَوْله: (ثمَّ انْطلق فِي سَواد اللَّيْل) فِيهِ إِشْعَار بِأَن الْقَمَر قد غَابَ. قَوْله: (حَتَّى توارى) أَي: حَتَّى غَابَ عَن بَصرِي. قَوْله: (فَسمِعت صَوتا) وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: لفظا وصوتاً. قَوْله قد عرض بهم الْعين وروى فتخوفت أَن يكون أحد عرض للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي لَهُ سوء قَوْله وَإِن زنى وَإِن سرق تعرض وَقع فِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن رفيع.

قلت: يَا جِبْرَائِيل وَإِن سرق وَإِن زنى؟ قَالَ: نعم، وكررها مرَّتَيْنِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي ثَلَاثًا.

٥٤٤٦ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ شَبِيبٍ حدّثنا أبي عنْ يُونُسَ.

وَقَالَ الليْثُ: حدّثني يُونُسُ عَن ابْن شهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بن عُتْبَةَ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ: قَالَ رسولُ الله صلى الله

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

شُعْبَةَ بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ لَأُمِنَ فِيهِ التَّدْلِيسُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُحَدِّثُ عَنْ شُيُوخِهِ إِلَّا بِمَا لَا تَدْلِيسَ فِيهِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَإِنَّهُ زَادَ فِيهِ بَيْنَ الْأَعْمَشِ، وَزَيْدِ بْنِ وَهْبٍ رَجُلًا مُبْهَمًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمُصَرِّحَةُ أَنَّهُ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ.

وَقَدِ اعْتَرَضَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا السَّنَدِ بِهَذَا، فَأَشَارَ إِلَى رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَةَ شُعْبَةَ هَذِهِ نَظِيرُ رِوَايَتِهِ فَقَالَ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ قِصَّةُ الْمُقِلِّينَ وَالْمُكْثِرِينَ، إِنَّمَا فِيهِ قِصَّةُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا قَالَ: وَالْعَجَبُ مِنَ الْبُخَارِيِّ كَيْفَ أَطْلَقَ ذَلِكَ ثُمَّ سَاقَهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ: أَنَّ جِبْرِيلَ بَشَّرَنِي أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ. قِيلَ لِسُلَيْمَانَ؛ يَعْنِي الْأَعْمَشَ إِنَّمَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَقَالَ: إِنَّمَا سَمِعْتُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ.

ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَبِلَالٍ وَالْأَعْمَشِ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ سَمِعُوا زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، زَادَ فِيهِ رَاوِيًا وَهُوَ بِلَالٌ، وَهُوَ ابْنُ مِرْدَاسٍ الْفَزَارِيُّ، شَيْخٌ كُوفِيٌّ، أَخْرَجَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ صَدُوقٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ كَرِوَايَةِ النَّضْرِ لَيْسَ فِيهِ بِلَالٌ، وَقَدْ تَبِعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَلَى اعْتِرَاضِهِ الْمَذْكُورِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ مُغْلَطَايْ وَمَنْ بَعْدَهُ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَاضِحٌ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ أَصْلُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي الْأَصْلِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، فَيَجُوزُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِذَا أُرِيدَ بِقَوْلِ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا؛ أَيْ بِأَصْلِ الْحَدِيثِ لَا خُصُوصِ اللَّفْظِ الْمُسَاقِ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الثَّلَاثَةِ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا بِنَحْوِهِ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَتَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ، وَالنُّعْمَانُ الْغِفَارِيُّ، وَسَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، وَسُوَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَرِوَايَاتُهُمْ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ فِي آخِرِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّمَنِّي مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ.

وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كَمَا سَأُبَيِّنُهُ. الثَّانِي: حَدِيثُ الْمُكْثِرِينَ وَالْمُقِلِّينَ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا الْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، وَالنُّعْمَانُ الْغِفَارِيُّ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا.

الثَّالِثُ حَدِيثُ: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي اللِّبَاسِ، وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَفِيهِ أَيْضًا فَائِدَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ قَالَ: عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَلِذَلِكَ قَالَ الْأَعْمَشُ، لِزَيْدٍ: مَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْهُ، قُلْتُ لِزَيْدٍ: بَلَغَنِي أَنَّهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَأَفَادَتْ رِوَايَةُ شُعْبَةَ أَنَّ حَبِيبًا، وَعَبْدَ الْعَزِيزِ وَافَقَا الْأَعْمَشَ عَلَى أَنَّهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ لَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَقَالَ: عَنْ عِيسَى بْنِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طريقِهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِلَفْظِ: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ فَكَرَّرَهَا ثَلَاثًا، وَفِي الثَّالِثَةِ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَأَذْكُرُ بَقِيَّةَ طُرُقِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ فَقَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلَانِ صَحِيحَيْنِ قُلْتُ: وَفِي حَدِيثِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ مَا لَيْسَ

فِي الْآخَرِ.

١٤ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : مَا يسرني أَنَّ عندي مِثْلَ أُحُدٍ هذا ذَهَبًا

٦٤٤٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ أَبُو

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٤٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) البُوْرَانيُّ -بضم الموحدة وسكون الواو وفتح الراء بعد الألف نون- البجليُّ، أبو علي الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) سلَّام -بتشديد اللام- ابن سُلَيم (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الجهنيِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ) جندبُ ابن جنادة الغفاريُّ : (كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ فِي حَرَّةِ المَدِينَةِ فَاسْتَقْبَلَنَا) بفتح اللام (أُحُدٌ) الجبلُ المعروف (فَقَالَ) : (يَا أَبَا ذَرٍّ. قُلْتُ) ولأبي ذرٍّ: «فقلتُ»: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ) بالتَّشديد، ليلةٌ (ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ) الواو للحال (إِلَّا شَيْئًا) استثناء من دينار، ولأبي ذرٍّ: «شيءٌ» بالرفع (أَُرْصُِدُهُ) بفتح الهمزة وضم الصاد، أو بضم الهمزة وكسر الصاد، أعدّهُ أو أحفظهُ (لِدَيْنٍ) بفتح الدال المهملة، صاحبه غير حاضرٍ فيأخذه إذا حضرَ، أو لوفاء دينٍ مُؤجَّلٍ إذا حلَّ وفيته، وللحَمُّويي والمُستملي: «لدَيني» (إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ) استثناءٌ بعد استثناء، فيفيدُ الإثبات فيؤخذُ منه أنَّ نفي محبَّة المال مقيَّدةٌ (١) بعدم الإنفاق، فيلزم محبَّة وجودهِ مع الإنفاق، فما دامَ الإنفاقُ مستمرًّا لا يكره وجودُ المال، وإذا انتفَى الإنفاقُ ثبتتْ كراهيةُ وجود المال، ولا يلزمُ كراهية حصول شيءٍ آخر، ولو كان قَدْر أُحدٍ أو (٢) أكثر مع استمرار الإنفاق. قاله في «الفتح». وقوله: «أقول به» أي: أصرفه وأُنفقه (فِي عِبَادِ اللهِ) ﷿ (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) بالتَّكرار ثلاثًا

صفةٌ لمصدرٍ محذوف، أي: أشارَ إشارةً مثل هذه الإشارة (عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) اقتصرَ على هذه الثَّلاثة، وحُمل على المبالغة؛ لأنَّ العطيَّة لمن بين يديهِ هي (١) الأصل، وفي الجزء الثَّالث من «البشرانيات» من رواية أحمد بنِ ملاعب، عن عمر بنِ حفص بنِ غياث، عن أبيه: «إلَّا أن أقول به هكذا وهكذا وهكذا وهكذا (٢)» وأرانا (٣) بيده، فكرَّر لفظ «هكذا» أربعًا، فعمَّ الجهات الأربع (ثُمَّ مَشَى فَقَالَ) ولأبي ذرٍّ: «ثمَّ قال» (إِنَّ الأَكْثَرِينَ) مالًا (هُمُ الأَقَلُّونَ) ثوابًا (يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا مَنْ قَالَ) صرف المال في مصرفهِ (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ) وقيل: المرادُ بالأخير: الوصيَّة (٤)، وقيل: ليس قيدًا فيه، بل قد يقصدُ الصَّحيحُ الإخفاءَ، فيدفع لمن وراءهُ مالًا يعطي به من هو أمامَه (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) «ما» زائدةٌ مؤكِّدة للقلَّة، أو موصوفةٌ، ولفظ: «قليلٌ» هو الخبر، و «هم» مبتدأ، أو (٥) قُدّم الخبر للمبالغةِ في الاختصاصِ (ثُمَّ قَالَ) : (لِي) الزم (مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ) تأكيدٌ (حَتَّى آتِيَكَ) غايةٌ للزوم المكانِ المذكور (ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى) غابَ شخصهُ الشَّريف عنِّي (فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ) ولأبي ذرٍّ: «أن يكون أحدٌ عرض» (لِلنَّبِيِّ ) بسوءٍ (فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي (٦): لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ. فَلَمْ أَبْرَحْ) من مكانِي (حَتَّى أَتَانِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ) عليك (فَذَكَرْتُ لَهُ) ذلك (فَقَالَ) (وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ) يا رسول الله (قَالَ: ذَاكَ) الَّذي سمعتَهُ يخاطبني هو

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فَإِن الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الأَصْل قد اشْتَمَل على ثَلَاثَة أَشْيَاء فَيجوز إِطْلَاق الحَدِيث على كل وَاحِد من الثَّلَاثَة إِذا أفرد، فَقَوْل البُخَارِيّ: بِهَذَا أَي: بِأَصْل الحَدِيث لَا خُصُوص اللَّفْظ المساق انْتهى.

قلت: الِاعْتِرَاض باقٍ على مَا لَا يخفى لِأَن الْإِطْلَاق فِي مَوضِع التَّقْيِيد غير جَائِز. وَقَوله: بِهَذَا، أَي: بِأَصْل الحَدِيث ... إِلَى آخِره غير سديد لِأَن الْإِشَارَة بِلَفْظ: هَذَا، تكون للحاضر، والحاضر هُوَ اللَّفْظ المساق، وَالْمرَاد من ثَلَاثَة أَشْيَاء ثَلَاثَة أَحَادِيث. الأول: قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا يسرني أَن عِنْدِي مثل أحد هَذَا ذَهَبا. الثَّانِي: حَدِيث: (المكثرين والمقلين) وَالثَّالِث: حَدِيث: (من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة) .

قَالَ أبُو عَبْدِ الله: حَدِيث أبي صالحٍ عنْ أبي الدَّرْداءِ مُرْسَلٌ لَا يَصحُّ، إِنَّمَا أرَدْنا لِلْمَعْرِفَةِ، والصَّحِيحُ حَدِيثُ أبي ذَرٍّ، قِيلَ لأبي عَبْدِ الله: حَدِيثُ عَطاءِ بنِ يَسار عنْ أبي الدَّرْداءِ؟ قَالَ: مُرْسَلٌ أيْضاً لَا يَصِحُّ والصَّحيحُ حَديثُ أبي ذرٍّ. وَقَالَ: اضْرِبُوا عَلى حَدِيثِ أبي الدَّرْدَاءِ هاذا، إِذا ماتَ قَالَ: لَا إلاهَ إلَاّ الله، عِنْدَ المَوْتِ.

هَذَا: أَعنِي، قَالَ أَبُو عبد الله ... إِلَى آخِره لَا يُوجد فِي كثير من النّسخ. وَأَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ. قَوْله: (حَدِيث أبي صَالح) هُوَ ذكْوَان الزيات عَن أبي الدَّرْدَاء عُوَيْمِر بن مَالك مُرْسل لَا يَصح، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : فِيهِ نظر من حَيْثُ إِن النَّسَائِيّ رَوَاهُ بِسَنَد صَحِيح على شَرط أبي الْحجَّاج الْقشيرِي، فَقَالَ: حَدثنِي قُتَيْبَة عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن الْحسن بن عبيد الله عَن زيد بن وهب وَعَن عَمْرو بن هِشَام عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن إِسْحَاق عَن عِيسَى بن مَالك عَن زيد، عَن أبي الدَّرْدَاء، قَوْله: (إِنَّمَا أردنَا للمعرفة) أَي: لنعرف أَنه قد روى عَنهُ لَا لِأَنَّهُ يحْتَج بِهِ قَوْله: (قيل لأبي عبد الله هُوَ البُخَارِيّ أَيْضا. قَوْله: حَدِيث عَطاء بن يسَار ضد الْيَمين عَن أبي الدَّرْدَاء، قَالَ: مُرْسل أَي: هُوَ مُرْسل أَيْضا لَا يَصح. قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : فِيهِ نظر أَيْضا، لِأَن الطَّبَرَانِيّ قد أخرجه بِإِسْنَاد جيد: حَدثنَا يحيى بن أَيُّوب العلاف حَدثنَا سعيد بن أبي مَرْيَم حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي حَرْمَلَة عَن عَطاء بن يسَار، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الدَّرْدَاء أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... فَذكره قَوْله: هَذَا، أَي: هَذَا الَّذِي رُوِيَ عَن أبي الدَّرْدَاء، وَهُوَ قَوْله: (من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) فِي حق من قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله، عِنْد الْمَوْت.

٤١ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أُحِبُّ أنَّ لِي مِثْلَ أُحدٍ ذَهَباً)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا أحب أَن لي مثل أحد ذَهَبا) وَفِي بعض النّسخ: مَا أحب أَن لي أحدا ذَهَبا. وَفِي بَعْضهَا: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا يسرني أَن عِنْدِي مثل أحد هَذَا ذَهَبا، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافق للفظ حَدِيث الْبَاب.

٤٤٤٦ - حدّثنا الحَسَنُ بن الرَّبِيعِ حدّثنا أبُو الأحْوَصِ عنِ الأعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ أَبُو ذُرٍّ: كُنْتُ أمْشِي مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَرَّةِ المَدِينَةِ، فاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ فَقَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ {) قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُول الله} قَالَ: (مَا يَسُرُّنِي أنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هاذا ذَهَباً تَمْضِي عَلَيَّ ثالِثَةٌ وعِنْدِي مِنْه دِينارٌ إلَاّ شَيْئاً أرْصُدُهُ لِدَيْنِ، إلَاّ أنْ أقُولَ بِهِ فِي عِبادِ الله هاكَذا وهاكَذَا وهاكَذا) عنْ يَمِينِهِ وعنْ شِمِالِهِ ومِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ مَشَى فَقَالَ: (إنَّ الأكْثَرِينَ هُمُ الأقَلُّونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلَاّ مَنْ قَالَ هاكَذَا وهاكَذَا وهاكَذَا) عنْ يَمِينِهِ وعنْ شِمِالِهِ ومِنْ خَلْفِهِ، (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) ، ثُمَّ قَالَ لِي: (مَكانَكَ لَا تَبْرَحْ حتَّى آتِيَكَ) ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَواراى. فَسَمِعْتُ صَوْتاً قَدِ ارْتَفَعَ فَتَخَوَّفْتُ أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ للنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأرَدْتُ أنْ آتِيَهُ فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي: (لَا تَبْرَحْ حتَّى آتِيكَ) فَلَمْ أبْرَحْ حتَّى أتانِي. قُلْتُ: يَا رسولَ الله! لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتاً تَخَوَّفْتُ، فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ: (وَهَلْ

سَمِعْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: (ذَاكَ جِبْرِيلُ أتانِي فَقَالَ: مَنْ ماتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّه شَيْئاً دَخَلَ الجَنَّةَ. قُلْتُ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ)

مطابقته للتَّرْجَمَة الَّتِي هِيَ: (مَا يسرني أَن عِنْدِي مثل أحد ذَهَبا) ظَاهِرَة. وَفِي غير هَذَا اللَّفْظ أَيْضا التطابق مَوْجُود من حَيْثُ الْمَعْنى.

وَالْحسن بن الرّبيع بِفَتْح الرَّاء هُوَ أَبُو عَليّ البوراني بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّاء وبالنون، وَقَالَ الرشاطي: ينْسب إِلَى البواري وَهِي حصر من قصب وَكَانَ لَهُ غلْمَان يصنعونها، وَأَبُو الْأَحْوَص هُوَ سَلام بِالتَّشْدِيدِ ابْن سليم، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان.

والْحَدِيث قد رُوِيَ بِزِيَادَة ونقصان عَن أبي ذرٍ كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب السَّابِق.

قَوْله: (فَاسْتقْبلنَا) بِفَتْح اللَّام و: أحد، بِالرَّفْع فَاعله وَفِي رِوَايَة حَفْص بن غياث: فَاسْتقْبلنَا أحدا بِسُكُون اللَّام وَنصب أحدا، على أَنه مفعول. قَوْله: (مَا يسرني) من سره إِذا فرحه وَالسُّرُور خلاف الْحزن. قَوْله: (أَن عِنْدِي مثل أحد هَذَا ذَهَبا) . قَوْله: (ثَالِثَة) أَي: لَيْلَة ثَالِثَة. قيل: قيد بِالثلَاثِ لِأَنَّهُ لَا يتهيأ تَفْرِيق قدر أحد من الذَّهَب فِي أقل مِنْهَا غَالِبا.

قلت: يُعَكر عَلَيْهِ رِوَايَة حَفْص بن غياث: مَا أحب أَن لي أحدا ذَهَبا يَأْتِي على يَوْم وَلَيْلَة أَو ثَلَاث عِنْدِي مِنْهُ دِينَار. قَالَ بَعضهم: وَالْأولَى أَن يُقَال: الثَّلَاث أقْصَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي تَفْرِقَة مثل ذَلِك، والواحدة أقل مَا يُمكن.

قلت: ذكر الْيَوْم أَو الثَّلَاث لَيْسَ بِقَيْد، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَة عَن سرعَة التَّفْرِيق من غير تَأْخِير وَلَا إبْقَاء شَيْء مِنْهُ. وَفِيه أَيْضا مُبَالغَة لقَوْله: (وَعِنْدِي) الْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (إلَاّ شَيْئا) اسْتثِْنَاء من دِينَار. قَوْله: (أرصده) بِضَم الْهمزَة أَي أعده وأحفظه، وَعَن الْكسَائي والأصمعي، أرصدت لَهُ أَعدَدْت لَهُ ورصدته ترقبته، وَهَذِه الْجُمْلَة أَعنِي: أرصده، فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: (شَيْئا) ثمَّ إرصاد الْعين أَعم من أَن يكون لصَاحب دين غَائِب حَتَّى يحضر فَيَأْخذهُ، أَو لأجل وَفَاء دين مُؤَجل حَتَّى يحل فيوفى. قَوْله: (لدين) ويروى لديني، بياء الْإِضَافَة. قَوْله: (إلَاّ أَن أَقُول بِهِ) اسْتثِْنَاء بعد اسْتثِْنَاء، قَالَ الْكرْمَانِي، إلَاّ أَن أَقُول اسْتثِْنَاء من فَاعل يسرني أَي: إلَاّ أَن أصرفه، وَقد ذكرنَا غير مرّة أَن الْعَرَب تسْتَعْمل لفظ القَوْل فِي معانٍ كَثِيرَة. قَوْله: (فِي عباد الله) أَي: بَين عباد الله. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فادخلي فِي عبَادي} (الْفجْر: ٩٢) أَي: بَين عبَادي. قَوْله: (هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات وَأَشَارَ بهَا بِيَدِهِ، ثمَّ بَين ذَلِك بقوله: (عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله وَمن خَلفه) وَهَذَا على سَبِيل الْمُبَالغَة، لِأَن الأَصْل فِي الْعَطِيَّة أَن تكون لمن بَين يَدَيْهِ وَهَذِه جِهَة رَابِعَة من الْجِهَات الْأَرْبَع. وَلم يذكر هَهُنَا، وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة أَحْمد بن ملاعب عَن عمر بن حَفْص بن غياث عَن أَبِيه بِلَفْظ: إلَاّ أَن أَقُول بِهِ فِي عباد الله هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وأرانا بِيَدِهِ وَذكر فِيهِ الْجِهَات الْأَرْبَع. وَأخرجه أَبُو نعيم من طَرِيق سهل بن بَحر عَن عمر بن حَفْص فاقتصر على ثِنْتَيْنِ. قَوْله: (ثمَّ مَشى) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (إِن الْأَكْثَرين هم الأقلون) ويروى ألَا إِن الْأَكْثَرين هم المقلون، وَقد مَضَت رِوَايَة أُخْرَى، إِن المكثرين هم المقلون، وَفِي رِوَايَة أَحْمد إِن المكثرين هم الأقلون. قَوْله: (إِلَّا من قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) وَفِي رِوَايَة ابْن شهَاب. إلَاّ من قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا. قَوْله: (وَقَلِيل مَا هم) كلمة: مَا، زَائِدَة مُؤَكدَة للقلة، وهم، مُبْتَدأ، وَقَلِيل، مقدما خَبره. قَوْله: (مَكَانك) بِالنّصب أَي: إلزم مَكَانك. قَوْله: (لَا تَبْرَح حَتَّى آتبك) تَأْكِيد لما قبله، وَفِي رِوَايَة حَفْص: لَا تَبْرَح يَا أَبَا ذَر حَتَّى أرجع. قَوْله: (ثمَّ انْطلق فِي سَواد اللَّيْل) فِيهِ إِشْعَار بِأَن الْقَمَر قد غَابَ. قَوْله: (حَتَّى توارى) أَي: حَتَّى غَابَ عَن بَصرِي. قَوْله: (فَسمِعت صَوتا) وَفِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة: لفظا وصوتاً. قَوْله قد عرض بهم الْعين وروى فتخوفت أَن يكون أحد عرض للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي لَهُ سوء قَوْله وَإِن زنى وَإِن سرق تعرض وَقع فِي رِوَايَة عبد الْعَزِيز بن رفيع.

قلت: يَا جِبْرَائِيل وَإِن سرق وَإِن زنى؟ قَالَ: نعم، وكررها مرَّتَيْنِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي ثَلَاثًا.

٥٤٤٦ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ شَبِيبٍ حدّثنا أبي عنْ يُونُسَ.

وَقَالَ الليْثُ: حدّثني يُونُسُ عَن ابْن شهابٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بن عُتْبَةَ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ: قَالَ رسولُ الله صلى الله

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.3 / 29.5
الإضاءة 69%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر