«إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٩٠

الحديث رقم ٦٤٩٠ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لينظر إلى من هو أسفل منه ولا ينظر إلى من هو فوقه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٤٩٠ في صحيح البخاري

«إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ،

⦗١٠٣⦘

فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ.»

بَابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسَيِّئَةٍ

إسناد حديث رقم ٦٤٩٠ من صحيح البخاري

٦٤٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٤٩٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَفِي الْأَدَبِ.

قَوْلُهُ: أَصْدَقُ بَيْتٍ أَطْلَقَ الْبَيْتَ عَلَى بَعْضِهِ مَجَازًا، فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ نِصْفُهُ وَهُوَ الْمِصْرَاعُ الْأَوَّلُ الْمُسَمَّى عَرُوضَ الْبَيْتِ، وَأَمَّا نِصْفُهُ الثَّانِي وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالضَّرْبِ فَهُوَ

وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ فَأَشَارَ بِأَوَّلِ الْبَيْتِ إِلَى بَقِيَّتِهِ وَالْمُرَادُ كُلُّهُ، وَعَكْسُهُ مَا مَضَى فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ بِلَفْظِ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْقَصِيدَةُ وَقَدْ أَطْلَقَهَا وَأَرَادَ الْبَيْتَ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَوْرَدَهُ فِيهَا أَيْضًا بِلَفْظِ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

وَذَكَرْتُ هُنَاكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ، وَبَحَثَ السُّهَيْلِيُّ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرْتُ أَيْضًا مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ فِيمَا جَرَى لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ مَعَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ نَاظِمِ هَذَا الْبَيْتِ حَيْثُ قَالَ لَهُ لَمَّا أَنْشَدَ الْمِصْرَاعَ الْأَوَّلَ: صَدَقْتَ، وَلَمَّا أَنْشَدَ الْمِصْرَاعَ الثَّانِيَ: كَذَبْتَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ، وَذَكَرْتُ تَوْجِيهَ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ صَدَّقَ بِأَنَّ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ فَقَدْ صَدَّقَ بِبُطْلَانِ مَا سِوَاهُ، فَيَدْخُلُ نَعِيمُ الْجَنَّةِ، بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاطِلِ هُنَا الْهَالِكُ، وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ جَائِزٌ عَلَيْهِ الْفِنَاءُ، وَإِنْ خُلِقَ فِيهِ الْبَقَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ كَنَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ هُنَا: قَوْلُهُ: مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ لَفْظٌ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مَا قَرُبَ مِنَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِبَاطِلٍ، وَأَمَّا أُمُورُ الدُّنْيَا الَّتِي لَا تَئُولُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَهِيَ الْبَاطِلُ، انْتَهَى وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى.

(تَنْبِيهٌ): مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ الثَّانِي لِلتَّرْجَمَةِ خَفِيَّةٌ، وَكَأَنَّ التَّرْجَمَةَ لَمَّا تَضَمَّنَتْ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الطَّاعَةِ وَلَوْ قَلَّتْ وَالزَّجْرِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ قَلَّتْ فَيُفْهَمُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُخَالِفُهُ لِرَغْبَةٍ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَكُلُّ مَا فِي الدُّنْيَا بَاطِلٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ الثَّانِي، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُؤْثِرَ الْفَانِيَ عَلَى الْبَاقِي.

٣٠ - بَاب لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ

٦٤٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ ممن فضل عليه.

قَوْلُهُ: بَابُ لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ هَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ.

قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ.

قَوْلُهُ: عَنِ الْأَعْرَجِ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ مَالِكٍ حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا، وَضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ قُتَيْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ.

قَوْلُهُ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيِ الصُّورَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْأَوْلَادُ وَالْأَتْبَاعُ وَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنَ الْغَرَائِبِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَالْخُلُقُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ.

قَوْلُهُ: فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا. وَيَجُوزُ فِي أَسْفَلَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ كَذَا ثَبَتَ فِي آخِرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأَطلقَ البيت وأرادَ به البعض، فإنَّ الَّذي ذكره هنا نصفه، وهو المصراع الأوَّل، أو المراد هو ومصراعه الآخر، وهو:

وكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَة زَائِلُ

وفي رواية شريكٍ -عند مسلمٍ-: «أشعرُ كلمةٍ تكلَّمت بها العرب».

ومطابقة الحديثِ للتَّرجمة من حيث إنَّ كلَّ شيءٍ (١) ما خلا الله في الدُّنيا الَّذي لا يؤولُ إلى طاعة الله، ولا يقرب منه، إذا كان باطلًا، يكون الاشتغالُ به مبعدًا من الجنَّة مع كونهَا أقرب إليه من شراك نعلهِ، والاشتغالُ بالأمورِ الَّتي هي داخلةٌ في أمرِ الله تعالى يكون مبعدًا من النَّار مع كونها أقرب إليه من شراكِ نعلِه، قاله في «عمدة القاري»، وقال: إنَّه من الفيض الإلهيِّ الَّذي وقع في خاطره.

وقال في «فتح الباري»: مناسبةُ الحديث الثَّاني للتَّرجمة خفيَّةٌ، وكأنَّ التَّرجمة لمَّا تضمَّنتْ ما في الحديثِ الأوَّل من التَّحريض على الطَّاعة ولو قَلَّتْ، والزَّجر عن المعصيةِ ولو قَلَّتْ، تضمَّنت (٢) أنَّ مَن خالف ذلك إنَّما يخالفه لرغبةٍ في أمرٍ من أمور الدُّنيا، وكلُّ ما في الدُّنيا باطلٌ، كما صرَّح به الحديث الثَّاني، فلا ينبغِي للعاقل أن يؤثرَ الفاني على الباقِي.

والحديث سبق في «أيَّام الجاهليَّة» [خ¦٣٨٤١].

(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لِيَنْظُرْ) أي: الإنسان (إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) من النَّاس في الدُّنيا (وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ) فيها؛ ليشكرَ الله على ما أنعمَ به (٣) عليهِ.

٦٤٩٠ - وبه (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأصبحيُّ (عَنْ

أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بنِ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنْ رَسُولِ اللهِ ) أنَّه (قَالَ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ) بضم الفاء وكسر الضاد المعجمة المشددة (فِي المَالِ وَالخَلْقِ) بفتح الخاء المعجمة، أي: الصُّورة، ويحتملُ أن يدخلَ فيه الأولاد والأتباع وكلُّ ما (١) يتعلَّق بزينةِ الحياة الدُّنيا. قال في «الفتح»: ورأيتُه في نسخةٍ معتمدةٍ من «الغرائب» للدَّارقطنيِّ: «والخُلُق» بضم المعجمة واللام (فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) فيهما، و «أسفل» بفتح اللام مصحَّحًا عليها في الفرع، ويجوزُ الرفع. وزاد مسلمٌ من طريق أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: «فهو أجدر أن لا تزدروا نعمةَ الله (٢) عليكم»، وفي حديث عبد (٣) الله ابن الشِّخِّير رفعه: «أقِلُّوا الدُّخولَ على الأغنيَاء، فإنَّهُ أحرَى أن لا تزدرُوا نعمةَ اللهِ عليكُم (٤)» رواه الحاكم، والازدراء: الاحتقارُ والانتقاص، ولا ريب أنَّ الشَّخص إذا نظر إلى مَن هو فوقه لم يأمنْ أن يؤثِّر ذلك فيه، فدواؤه أن يَنظر إلى مَن هو أسفلَ منه؛ ليكون ذلك داعيًا إلى الشُّكر.

وقال ابن بطَّال: لا يكون أحدٌ على حالةٍ سيِّئةٍ من الدُّنيا إلَّا يجدُ من أهلها مَن (٥) هو أسوأُ حالًا منه، فإذا تأمَّل ذلك علِمَ أنَّ نعمةَ الله وصلتْ إليه دون كثيرٍ ممَّن فضَّل الله عليه بذلك من غير إبرازِ حُبِّه، فيعظم (٦) اغتباطه بذلك. نعم يَنظر إلى مَن هو فوقه في الدِّين فيقتدِي به فيه، وفي نسخة عَمرو بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، رفعه: «خصلتان من كانتَا فيهِ كتبهُ اللهُ شاكرًا صابرًا: من نظرَ في دنياهُ إلى مَن هو دونهُ فحمدَ اللهَ عَلى ما فضَّلَهُ به عليهِ، ومَن نظرَ في دينِه إلى من هُو فوقَهُ فاقتدَى به».

(٣١) (بابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسَيِّئَةٍ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَفِي الْأَدَبِ.

قَوْلُهُ: أَصْدَقُ بَيْتٍ أَطْلَقَ الْبَيْتَ عَلَى بَعْضِهِ مَجَازًا، فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ نِصْفُهُ وَهُوَ الْمِصْرَاعُ الْأَوَّلُ الْمُسَمَّى عَرُوضَ الْبَيْتِ، وَأَمَّا نِصْفُهُ الثَّانِي وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالضَّرْبِ فَهُوَ

وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ فَأَشَارَ بِأَوَّلِ الْبَيْتِ إِلَى بَقِيَّتِهِ وَالْمُرَادُ كُلُّهُ، وَعَكْسُهُ مَا مَضَى فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ بِلَفْظِ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْقَصِيدَةُ وَقَدْ أَطْلَقَهَا وَأَرَادَ الْبَيْتَ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَوْرَدَهُ فِيهَا أَيْضًا بِلَفْظِ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

وَذَكَرْتُ هُنَاكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ شَرِيكٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ، وَبَحَثَ السُّهَيْلِيُّ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرْتُ أَيْضًا مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ فِيمَا جَرَى لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ مَعَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ نَاظِمِ هَذَا الْبَيْتِ حَيْثُ قَالَ لَهُ لَمَّا أَنْشَدَ الْمِصْرَاعَ الْأَوَّلَ: صَدَقْتَ، وَلَمَّا أَنْشَدَ الْمِصْرَاعَ الثَّانِيَ: كَذَبْتَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ، وَذَكَرْتُ تَوْجِيهَ كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ صَدَّقَ بِأَنَّ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ فَقَدْ صَدَّقَ بِبُطْلَانِ مَا سِوَاهُ، فَيَدْخُلُ نَعِيمُ الْجَنَّةِ، بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاطِلِ هُنَا الْهَالِكُ، وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ جَائِزٌ عَلَيْهِ الْفِنَاءُ، وَإِنْ خُلِقَ فِيهِ الْبَقَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ كَنَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ هُنَا: قَوْلُهُ: مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ لَفْظٌ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مَا قَرُبَ مِنَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِبَاطِلٍ، وَأَمَّا أُمُورُ الدُّنْيَا الَّتِي لَا تَئُولُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَهِيَ الْبَاطِلُ، انْتَهَى وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى.

(تَنْبِيهٌ): مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ الثَّانِي لِلتَّرْجَمَةِ خَفِيَّةٌ، وَكَأَنَّ التَّرْجَمَةَ لَمَّا تَضَمَّنَتْ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الطَّاعَةِ وَلَوْ قَلَّتْ وَالزَّجْرِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ قَلَّتْ فَيُفْهَمُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُخَالِفُهُ لِرَغْبَةٍ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَكُلُّ مَا فِي الدُّنْيَا بَاطِلٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ الثَّانِي، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُؤْثِرَ الْفَانِيَ عَلَى الْبَاقِي.

٣٠ - بَاب لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ

٦٤٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ ممن فضل عليه.

قَوْلُهُ: بَابُ لِيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ هَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ.

قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ.

قَوْلُهُ: عَنِ الْأَعْرَجِ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ مَالِكٍ حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا، وَضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنِ الْبُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ قُتَيْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ.

قَوْلُهُ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ بِالْفَاءِ وَالْمُعْجَمَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيِ الصُّورَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْأَوْلَادُ وَالْأَتْبَاعُ وَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِزِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنَ الْغَرَائِبِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ وَالْخُلُقُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ.

قَوْلُهُ: فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا. وَيَجُوزُ فِي أَسْفَلَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ كَذَا ثَبَتَ فِي آخِرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأَطلقَ البيت وأرادَ به البعض، فإنَّ الَّذي ذكره هنا نصفه، وهو المصراع الأوَّل، أو المراد هو ومصراعه الآخر، وهو:

وكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَة زَائِلُ

وفي رواية شريكٍ -عند مسلمٍ-: «أشعرُ كلمةٍ تكلَّمت بها العرب».

ومطابقة الحديثِ للتَّرجمة من حيث إنَّ كلَّ شيءٍ (١) ما خلا الله في الدُّنيا الَّذي لا يؤولُ إلى طاعة الله، ولا يقرب منه، إذا كان باطلًا، يكون الاشتغالُ به مبعدًا من الجنَّة مع كونهَا أقرب إليه من شراك نعلهِ، والاشتغالُ بالأمورِ الَّتي هي داخلةٌ في أمرِ الله تعالى يكون مبعدًا من النَّار مع كونها أقرب إليه من شراكِ نعلِه، قاله في «عمدة القاري»، وقال: إنَّه من الفيض الإلهيِّ الَّذي وقع في خاطره.

وقال في «فتح الباري»: مناسبةُ الحديث الثَّاني للتَّرجمة خفيَّةٌ، وكأنَّ التَّرجمة لمَّا تضمَّنتْ ما في الحديثِ الأوَّل من التَّحريض على الطَّاعة ولو قَلَّتْ، والزَّجر عن المعصيةِ ولو قَلَّتْ، تضمَّنت (٢) أنَّ مَن خالف ذلك إنَّما يخالفه لرغبةٍ في أمرٍ من أمور الدُّنيا، وكلُّ ما في الدُّنيا باطلٌ، كما صرَّح به الحديث الثَّاني، فلا ينبغِي للعاقل أن يؤثرَ الفاني على الباقِي.

والحديث سبق في «أيَّام الجاهليَّة» [خ¦٣٨٤١].

(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (لِيَنْظُرْ) أي: الإنسان (إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) من النَّاس في الدُّنيا (وَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ) فيها؛ ليشكرَ الله على ما أنعمَ به (٣) عليهِ.

٦٤٩٠ - وبه (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويس (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام الأصبحيُّ (عَنْ

أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بنِ ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمزٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنْ رَسُولِ اللهِ ) أنَّه (قَالَ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ) بضم الفاء وكسر الضاد المعجمة المشددة (فِي المَالِ وَالخَلْقِ) بفتح الخاء المعجمة، أي: الصُّورة، ويحتملُ أن يدخلَ فيه الأولاد والأتباع وكلُّ ما (١) يتعلَّق بزينةِ الحياة الدُّنيا. قال في «الفتح»: ورأيتُه في نسخةٍ معتمدةٍ من «الغرائب» للدَّارقطنيِّ: «والخُلُق» بضم المعجمة واللام (فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ) فيهما، و «أسفل» بفتح اللام مصحَّحًا عليها في الفرع، ويجوزُ الرفع. وزاد مسلمٌ من طريق أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: «فهو أجدر أن لا تزدروا نعمةَ الله (٢) عليكم»، وفي حديث عبد (٣) الله ابن الشِّخِّير رفعه: «أقِلُّوا الدُّخولَ على الأغنيَاء، فإنَّهُ أحرَى أن لا تزدرُوا نعمةَ اللهِ عليكُم (٤)» رواه الحاكم، والازدراء: الاحتقارُ والانتقاص، ولا ريب أنَّ الشَّخص إذا نظر إلى مَن هو فوقه لم يأمنْ أن يؤثِّر ذلك فيه، فدواؤه أن يَنظر إلى مَن هو أسفلَ منه؛ ليكون ذلك داعيًا إلى الشُّكر.

وقال ابن بطَّال: لا يكون أحدٌ على حالةٍ سيِّئةٍ من الدُّنيا إلَّا يجدُ من أهلها مَن (٥) هو أسوأُ حالًا منه، فإذا تأمَّل ذلك علِمَ أنَّ نعمةَ الله وصلتْ إليه دون كثيرٍ ممَّن فضَّل الله عليه بذلك من غير إبرازِ حُبِّه، فيعظم (٦) اغتباطه بذلك. نعم يَنظر إلى مَن هو فوقه في الدِّين فيقتدِي به فيه، وفي نسخة عَمرو بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، رفعه: «خصلتان من كانتَا فيهِ كتبهُ اللهُ شاكرًا صابرًا: من نظرَ في دنياهُ إلى مَن هو دونهُ فحمدَ اللهَ عَلى ما فضَّلَهُ به عليهِ، ومَن نظرَ في دينِه إلى من هُو فوقَهُ فاقتدَى به».

(٣١) (بابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ بِسَيِّئَةٍ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله