«مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ،⦗١٠٥⦘وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ.»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٤٩٩

الحديث رقم ٦٤٩٩ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الرياء والسمعة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٤٩٩ في صحيح البخاري

«مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ،

⦗١٠٥⦘

وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ.»

بَابُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ

إسناد حديث رقم ٦٤٩٩ من صحيح البخاري

٦٤٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ غَيْرَهُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٤٩٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالْيَسِيرِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وسَنَدُهُ مَعْدُودٌ فِي أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ.

قَوْلُهُ: إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً. فَعَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ وَبِغَيْرِ تَكَادُ فَالْمَعْنَى لَا تَجِدُ فِي مِائَةِ إِبِلٍ رَاحِلَةً تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ، لِأَنَّ الَّذِي يَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَطِيئًا سَهْلَ الِانْقِيَادِ، وَكَذَا لَا تَجِدُ فِي مِائَةٍ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَصْلُحُ لِلصُّحْبَةِ بِأَنْ يُعَاوِنَ رَفِيقَهُ وَيُلِينَ جَانِبَهُ، وَالرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ لَا تَكَادُ أَوْلَى لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الْمَعْنَى وَمُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْأَوَّلِ يَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ، وَيُحْمَلُ النَّفْيُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَعَلَى أَنَّ النَّادِرَ لَا حُكْمَ لَهُ.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْعَرَبُ تَقُولُ لِلْمِائَةِ مِنَ الْإِبِلِ إِبِلٌ. يَقُولُونَ: لِفُلَانٍ إِبِلٌ أَيْ مِائَةُ بَعِيرٍ، وَلِفُلَانٍ إِبِلَانِ أَيْ مِائَتَانِ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا فَالرِّوَايَةُ الَّتِي بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: مِائَةٌ تَفْسِيرًا لِقولِهِ إِبِلٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ كَإِبِلٍ أَيْ كَمِائَةِ بَعِيرٍ، وَلَمَّا كَانَ مُجَرَّدُ لَفْظِ إِبِلٍ لَيْسَ مَشْهُورَ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْمِائَةِ ذَكَرَ الْمِائَةَ تَوْضِيحًا وَرَفْعًا لِلْإِلْبَاسِ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَاللَّامُ لِلْجِنْسِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْإِبِلُ اسْمُ مِائَةِ بَعِيرٍ، فَقَوْلُهُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ الْمُرَادُ بِهِ عَشَرَةُ آلَافٍ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ كَالْمِائَةِ الْمِائَةِ انْتَهَى.

وَالَّذِي يَظْهَرُ عَلَى تَسْلِيمِ قَوْلِهِ لَا يَلْزَمُ مَا قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ عَشَرَةُ آلَافٍ ; بَلِ الْمِائَةُ الثَّانِيَةُ لِلتَّأْكِيدِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّاسَ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ سَوَاءٌ لَا فَضْلَ فِيهَا لِشَرِيفٍ عَلَى مَشْرُوفٍ، وَلَا لِرَفِيعٍ عَلَى وَضِيعٍ، كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا رَاحِلَةٌ وَهِيَ الَّتِي تُرَحَّلُ لِتُرْكَبَ، وَالرَّاحِلَةُ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ أَيْ كُلُّهَا حَمُولَةٌ تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ وَلَا تَصْلُحُ لِلرَّحْلِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا. وَالثَّانِي أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أَهْلُ نَقْصٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الْفَضْلِ فَعَدَدُهُمْ قَلِيلٌ جِدًّا، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِلِ الْحَمُولَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

قُلْتُ: وَأَوْرَدَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي تَسْوِيَةِ الْقَاضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ أَخْذًا بِالتَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّ الرَّاحِلَةَ هِيَ النَّجِيبَةُ الْمُخْتَارَةُ مِنَ الْإِبِلِ لِلرُّكُوبِ، فَإِذَا كَانَتْ فِي إِبِلٍ عُرِفَتْ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاسَ فِي النَّسَبِ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ الَّتِي لَا رَاحِلَةَ فِيهَا فَهِيَ مُسْتَوِيَةٌ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الرَّاحِلَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ الذَّكَرُ النَّجِيبُ وَالْأُنْثَى النَّجِيبَةُ، وَالْهَاءُ فِي الرَّاحِلَةِ لِلْمُبَالَغَةِ. قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ غَلَطٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الزَّاهِدَ فِي الدُّنْيَا الْكَامِلَ فِيهِ الرَّاغِبَ فِي الْآخِرَةِ قَلِيلٌ كَقِلَّةِ الرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِلِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا أَجْوَدُ، وَأَجْوَدُ مِنْهُمَا قَوْلُ آخَرِينَ: إِنَّ الْمَرْضِيَّ الْأَحْوَالِ مِنَ النَّاسِ الْكَامِلَ الْأَوْصَافِ قَلِيلٌ.

قُلْتُ: هُوَ الثَّانِي، إِلَّا أَنَّهُ خَصَّصَهُ بِالزَّاهِدِ، وَالْأَوْلَى تَعْمِيمُهُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الَّذِي يُنَاسِبُ التَّمْثِيلَ أَنَّ الرَّجُلَ الْجَوَادَ الَّذِي يَحْمِلُ أَثْقَالَ النَّاسِ وَالْحُمَالَاتِ عَنْهُمْ وَيَكْشِفُ كُرَبَهُمْ عَزِيزُ الْوُجُودِ كَالرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِلِ الْكَثِيرَةِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاسَ كَثِيرٌ وَالْمَرْضِيَّ مِنْهُمْ قَلِيلٌ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَوْمَأ الْبُخَارِيُّ بِإِدْخَالِهِ فِي بَابِ رَفْعِ الْأَمَانَةِ لِأَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ فَالِاخْتِيَارُ عَدَمُ مُعَاشَرَتِهِ.

وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ فِي الْحَدِيثِ مَنْ يَأْتِي بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ حَيْثُ يَصِيرُونَ يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ. وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ هَذَا عَنْ مُغْلَطَايْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ كَلَامُهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْزُهُ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّخْصِيصِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَفَّارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٦ - بَاب الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ

٦٤٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ح. وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،

عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ غَيْرَهُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ : مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ.

[الحديث ٦٤٩٩ - طرفه في: ٧١٥٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ) الرِّيَاءُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمَدِّ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ إِظْهَارُ الْعِبَادَةِ لِقَصْدِ رُؤْيَةِ النَّاسِ لَهَا فَيَحْمَدُوا صَاحِبَهَا، وَالسُّمْعَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ سَمِعَ، وَالْمُرَادُ بِهَا نَحْوُ مَا فِي الرِّيَاءِ، لَكِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِحَاسَّةِ السَّمْعِ، وَالرِّيَاءُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الْمَعْنَى طَلَبُ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بِأَنْ يُرِيَهِمُ الْخِصَالَ الْمَحْمُودَةَ، وَالْمُرَائِي هُوَ الْعَامِلُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الرِّيَاءُ أَنْ يَعْمَلَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَالسُّمْعَةُ أَنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ لِلَّهِ ثُمَّ يُحَدِّثَ بِهِ النَّاسَ.

قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ. وَسُفْيَانُ فِي الطَّرِيقَيْنِ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَالسَّنَدُ الثَّانِي أَعْلَى مِنَ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِهِ مَعَ عُلُوِّهُ، لِأَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَزَايَا وَهِيَ جَلَالَةُ الْقَطَّانِ وَمَا وَقَعَ فِي سِيَاقِهِ مِنْ تَصْرِيحِ سُفْيَانَ بِالتَّحْدِيثِ، وَنِسْبَةُ سَلَمَةَ شَيْخِ الثَّوْرِيِّ وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ بِالتَّصْغِيرِ ابْنِ حُصَيْنٍ الْحَضْرَمِيِّ، وَالسَّنَدُ الثَّانِي كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.

قَوْلُهُ: وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ غَيْرَهُ. وَثَبَتَ كَذَلِكَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ، وَقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ حَدِيثًا مُسْنَدًا إِلَى النَّبِيِّ إِلَّا مِنْ جُنْدُبٍ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُرَادُهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ حِينَئِذٍ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ.

قُلْتُ: احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ عَمَّنْ كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ مَوْجُودًا إِذْ ذَاكَ بِغَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ جُنْدَبٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ جُنْدَبًا كَانَ بِالْكُوفَةِ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَكَانَ بِهَا فِي حَيَاةِ جُنْدَبٍ، أَبُو جُحَيْفَةَ السَّوَائِيُّ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ جُنْدَبٍ بِسِتِّ سِنِينَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ جُنْدَبٍ بِعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَدْ رَوَى سَلَمَةُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمَا وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَا مِنْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنَ الصَّحَابَةِ بِغَيْرِ الْكُوفَةِ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنْ جُنْدَبٍ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنِ النَّبِيِّ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (مَنْ سَمَّعَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ الثَّقِيلَةِ وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا، وَقَوْلُهُ وَمَنْ يُرَائِي بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَالْمَدِّ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا، وَقَدْ ثَبَتَتِ الْيَاءُ فِي آخِرِ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَمَّا الْأُولَى فَلِلْإِشْبَاعِ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَكَذَلِكَ، أَوِ التَّقْدِيرُ فَإِنَّهُ يُرَائِي بِهِ اللَّهَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائي يُرَائي اللَّهُ بِهِ. وَلِابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ تَطَاوَلَ تَعَاظُمًا خَفَضَهُ اللَّهُ، وَمَنْ تَوَاضَعَ تَخَشُّعًا رَفَعَهُ اللَّهُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ (١) من سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ جَابِرٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: وَمَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِسَانَيْنِ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا عَلَى غَيْرِ إِخْلَاصٍ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَيَسْمَعُوهُ، جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُشَهِّرَهُ اللَّهُ وَيَفْضَحَهُ وَيُظْهِرَ مَا كَانَ يُبْطِنُهُ.

وَقِيلَ: مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الْجَاهَ وَالْمَنْزِلَةَ عِنْدَ النَّاسِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُهُ حَدِيثًا عِنْدَ النَّاسِ الَّذِينَ أَرَادَ نَيْلَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُمْ، وَلَا ثَوَابَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَمَعْنَى يُرَائِي يُطْلِعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ لَا لِوَجْهِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

للنَّاس ليحمدوه، والمرائي العابدُ، والمراءى له هو النَّاس، والمراءى به هو الخصال الحميدة، والرِّياء هو قصد إظهار ذلك (وَالسُّمْعَةِ) بضم السين المهملة وسكون الميم، وهو: التَّنويه بالعمل ليسمعه النَّاس، فمتعلَّق الرِّياء البصرُ، والسُّمعة السَّمعُ.

٦٤٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) بضم الكاف وفتح الهاء، ابن يحيى الحضرميُّ من علماء الكوفة. قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ سَلَمَةَ) بن كُهيلٍ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَُبًا) بضم الجيم وسكون النون وضم المهملة وفتحها، ابن عبد الله البجليَّ (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ) قال سلمة بن كُهيلٍ: (وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا) من الصَّحابة (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ غَيْرَهُ) غير جندبٍ، أو مراده -كما قال الكِرمانيُّ-: ولم يبقَ من الصَّحابة حينئذٍ غيره في ذلك المكان، لكن تعقَّبه في «الفتح» بأنَّه كان بالكوفةِ حينئذٍ أبو جُحيفةَ السَّوائيُّ وعبد الله بن أبي أوفى، وقد (١) روى سلمة عن كلٍّ منهما، فتعيَّن (٢) أن يكون مراده أنَّه لم يسمع منهما، ولا من أحدِهما، ولا من غيرهما ممَّن كان موجودًا من الصَّحابة بغير الكوفة بعد أن سَمِعَ من جندبٍ الحديث المذكور عن النَّبيِّ

شيئًا (فَدَنَوْتُ) قربت (مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ : مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ) بفتح المهملة والميم المشددة فيهما. قال الحافظ المنذريُّ، أي: مَن أظهر عمله للنَّاس رياءً أظهرَ الله نيَّته الفاسدة في عملهِ يوم القيامة وفضحَه على رؤوسِ الأشهادِ. وقال في «المصابيح»: هو على (١) المُجازاة من جنسِ العمل، أي: مَن شهَّر عمله سمَّعه الله ثوابه ولم يُعطه إيَّاه، وقيل: مَن أسمع النَّاسَ عملَه سمَّعهم الله إيَّاه، وكان ذلك حظَّه من الثَّواب، وقال غيره: أي: مَن قصد بعملهِ الجاهَ والمنزلةَ عند النَّاس ولم يُرِدْ به وجه الله، فإنَّ الله يجعله حديثًا عند النَّاس الَّذين (٢) أراد نيلَ المنزلة عندهم ولا ثوابَ له في الآخرة (وَ) كذلك (مَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ) بضم التَّحتية وكسر الهمزة بعدها تحتية للإشباع فيهما، فلا يظفرُ من ريائه إلَّا بفضيحتهِ وإظهار ما كان يُبطنه (٣) من سوءِ الطَّويَّة، نعوذ بالله (٤) من ذلك، ولابن المبارك في «الزُّهد» من حديثِ ابن مسعودٍ: «مَن سمَّع سمَّع الله به، ومَن رايا رايا الله به، ومَن تطاولَ تعاظمًا (٥) خفضه الله، ومَن تواضعَ تخشُّعًا (٦) رفعه الله»، وفي حديث جابرٍ عند الطَّبرانيِّ من طريق محمَّد بن جُحادة، عن سلمةَ بن كهيلٍ في آخر هذا الحديث: «ومَن كان ذا لِسانين في الدُّنيا جعل الله له لِسانين من نار يوم القيامة». ولْيُعْلَم أنَّ الرِّياء يكون بالبدن كإطراقهِ رأسه ليُرى أنَّه مُتخشِّعٌ، والهيئة كإبقاء أثرِ السُّجود، والثِّياب كلبسه خَشِنَهَا وقصيرهَا (٧) جدًّا، والقول كالوعظِ وحفظِ علوم الجدلِ،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِالْيَسِيرِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وسَنَدُهُ مَعْدُودٌ فِي أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ.

قَوْلُهُ: إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا يَجِدُ الرَّجُلُ فِيهَا رَاحِلَةً. فَعَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ وَبِغَيْرِ تَكَادُ فَالْمَعْنَى لَا تَجِدُ فِي مِائَةِ إِبِلٍ رَاحِلَةً تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ، لِأَنَّ الَّذِي يَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَطِيئًا سَهْلَ الِانْقِيَادِ، وَكَذَا لَا تَجِدُ فِي مِائَةٍ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَصْلُحُ لِلصُّحْبَةِ بِأَنْ يُعَاوِنَ رَفِيقَهُ وَيُلِينَ جَانِبَهُ، وَالرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ لَا تَكَادُ أَوْلَى لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الْمَعْنَى وَمُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْأَوَّلِ يَرْجِعُ إِلَى ذَلِكَ، وَيُحْمَلُ النَّفْيُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَعَلَى أَنَّ النَّادِرَ لَا حُكْمَ لَهُ.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْعَرَبُ تَقُولُ لِلْمِائَةِ مِنَ الْإِبِلِ إِبِلٌ. يَقُولُونَ: لِفُلَانٍ إِبِلٌ أَيْ مِائَةُ بَعِيرٍ، وَلِفُلَانٍ إِبِلَانِ أَيْ مِائَتَانِ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا فَالرِّوَايَةُ الَّتِي بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: مِائَةٌ تَفْسِيرًا لِقولِهِ إِبِلٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ كَإِبِلٍ أَيْ كَمِائَةِ بَعِيرٍ، وَلَمَّا كَانَ مُجَرَّدُ لَفْظِ إِبِلٍ لَيْسَ مَشْهُورَ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْمِائَةِ ذَكَرَ الْمِائَةَ تَوْضِيحًا وَرَفْعًا لِلْإِلْبَاسِ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَاللَّامُ لِلْجِنْسِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْإِبِلُ اسْمُ مِائَةِ بَعِيرٍ، فَقَوْلُهُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ الْمُرَادُ بِهِ عَشَرَةُ آلَافٍ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ كَالْمِائَةِ الْمِائَةِ انْتَهَى.

وَالَّذِي يَظْهَرُ عَلَى تَسْلِيمِ قَوْلِهِ لَا يَلْزَمُ مَا قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ عَشَرَةُ آلَافٍ ; بَلِ الْمِائَةُ الثَّانِيَةُ لِلتَّأْكِيدِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّاسَ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ سَوَاءٌ لَا فَضْلَ فِيهَا لِشَرِيفٍ عَلَى مَشْرُوفٍ، وَلَا لِرَفِيعٍ عَلَى وَضِيعٍ، كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا رَاحِلَةٌ وَهِيَ الَّتِي تُرَحَّلُ لِتُرْكَبَ، وَالرَّاحِلَةُ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ أَيْ كُلُّهَا حَمُولَةٌ تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ وَلَا تَصْلُحُ لِلرَّحْلِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا. وَالثَّانِي أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أَهْلُ نَقْصٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الْفَضْلِ فَعَدَدُهُمْ قَلِيلٌ جِدًّا، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِلِ الْحَمُولَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

قُلْتُ: وَأَوْرَدَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي تَسْوِيَةِ الْقَاضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ أَخْذًا بِالتَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ، وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّ الرَّاحِلَةَ هِيَ النَّجِيبَةُ الْمُخْتَارَةُ مِنَ الْإِبِلِ لِلرُّكُوبِ، فَإِذَا كَانَتْ فِي إِبِلٍ عُرِفَتْ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاسَ فِي النَّسَبِ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ الَّتِي لَا رَاحِلَةَ فِيهَا فَهِيَ مُسْتَوِيَةٌ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الرَّاحِلَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ الذَّكَرُ النَّجِيبُ وَالْأُنْثَى النَّجِيبَةُ، وَالْهَاءُ فِي الرَّاحِلَةِ لِلْمُبَالَغَةِ. قَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ غَلَطٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الزَّاهِدَ فِي الدُّنْيَا الْكَامِلَ فِيهِ الرَّاغِبَ فِي الْآخِرَةِ قَلِيلٌ كَقِلَّةِ الرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِلِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا أَجْوَدُ، وَأَجْوَدُ مِنْهُمَا قَوْلُ آخَرِينَ: إِنَّ الْمَرْضِيَّ الْأَحْوَالِ مِنَ النَّاسِ الْكَامِلَ الْأَوْصَافِ قَلِيلٌ.

قُلْتُ: هُوَ الثَّانِي، إِلَّا أَنَّهُ خَصَّصَهُ بِالزَّاهِدِ، وَالْأَوْلَى تَعْمِيمُهُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الَّذِي يُنَاسِبُ التَّمْثِيلَ أَنَّ الرَّجُلَ الْجَوَادَ الَّذِي يَحْمِلُ أَثْقَالَ النَّاسِ وَالْحُمَالَاتِ عَنْهُمْ وَيَكْشِفُ كُرَبَهُمْ عَزِيزُ الْوُجُودِ كَالرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِلِ الْكَثِيرَةِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّاسَ كَثِيرٌ وَالْمَرْضِيَّ مِنْهُمْ قَلِيلٌ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَوْمَأ الْبُخَارِيُّ بِإِدْخَالِهِ فِي بَابِ رَفْعِ الْأَمَانَةِ لِأَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ فَالِاخْتِيَارُ عَدَمُ مُعَاشَرَتِهِ.

وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ فِي الْحَدِيثِ مَنْ يَأْتِي بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ حَيْثُ يَصِيرُونَ يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ. وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ هَذَا عَنْ مُغْلَطَايْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ كَلَامُهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْزُهُ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّخْصِيصِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرَادَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَفَّارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٦ - بَاب الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ

٦٤٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ح. وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،

عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ غَيْرَهُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ : مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ.

[الحديث ٦٤٩٩ - طرفه في: ٧١٥٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ) الرِّيَاءُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمَدِّ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ إِظْهَارُ الْعِبَادَةِ لِقَصْدِ رُؤْيَةِ النَّاسِ لَهَا فَيَحْمَدُوا صَاحِبَهَا، وَالسُّمْعَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ سَمِعَ، وَالْمُرَادُ بِهَا نَحْوُ مَا فِي الرِّيَاءِ، لَكِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِحَاسَّةِ السَّمْعِ، وَالرِّيَاءُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الْمَعْنَى طَلَبُ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بِأَنْ يُرِيَهِمُ الْخِصَالَ الْمَحْمُودَةَ، وَالْمُرَائِي هُوَ الْعَامِلُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الرِّيَاءُ أَنْ يَعْمَلَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَالسُّمْعَةُ أَنْ يُخْفِيَ عَمَلَهُ لِلَّهِ ثُمَّ يُحَدِّثَ بِهِ النَّاسَ.

قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ. وَسُفْيَانُ فِي الطَّرِيقَيْنِ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَالسَّنَدُ الثَّانِي أَعْلَى مِنَ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِهِ مَعَ عُلُوِّهُ، لِأَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَزَايَا وَهِيَ جَلَالَةُ الْقَطَّانِ وَمَا وَقَعَ فِي سِيَاقِهِ مِنْ تَصْرِيحِ سُفْيَانَ بِالتَّحْدِيثِ، وَنِسْبَةُ سَلَمَةَ شَيْخِ الثَّوْرِيِّ وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ بِالتَّصْغِيرِ ابْنِ حُصَيْنٍ الْحَضْرَمِيِّ، وَالسَّنَدُ الثَّانِي كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.

قَوْلُهُ: وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ غَيْرَهُ. وَثَبَتَ كَذَلِكَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ، وَقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ حَدِيثًا مُسْنَدًا إِلَى النَّبِيِّ إِلَّا مِنْ جُنْدُبٍ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ الصَّحَابِيُّ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُرَادُهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ حِينَئِذٍ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ.

قُلْتُ: احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ عَمَّنْ كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ مَوْجُودًا إِذْ ذَاكَ بِغَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ جُنْدَبٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ جُنْدَبًا كَانَ بِالْكُوفَةِ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَكَانَ بِهَا فِي حَيَاةِ جُنْدَبٍ، أَبُو جُحَيْفَةَ السَّوَائِيُّ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ جُنْدَبٍ بِسِتِّ سِنِينَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ جُنْدَبٍ بِعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَدْ رَوَى سَلَمَةُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمَا وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَا مِنْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنَ الصَّحَابَةِ بِغَيْرِ الْكُوفَةِ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنْ جُنْدَبٍ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنِ النَّبِيِّ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (مَنْ سَمَّعَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ الثَّقِيلَةِ وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا، وَقَوْلُهُ وَمَنْ يُرَائِي بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَالْمَدِّ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا، وَقَدْ ثَبَتَتِ الْيَاءُ فِي آخِرِ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَمَّا الْأُولَى فَلِلْإِشْبَاعِ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَكَذَلِكَ، أَوِ التَّقْدِيرُ فَإِنَّهُ يُرَائِي بِهِ اللَّهَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائي يُرَائي اللَّهُ بِهِ. وَلِابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ تَطَاوَلَ تَعَاظُمًا خَفَضَهُ اللَّهُ، وَمَنْ تَوَاضَعَ تَخَشُّعًا رَفَعَهُ اللَّهُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ (١) من سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ جَابِرٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ: وَمَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِسَانَيْنِ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا عَلَى غَيْرِ إِخْلَاصٍ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَيَسْمَعُوهُ، جُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُشَهِّرَهُ اللَّهُ وَيَفْضَحَهُ وَيُظْهِرَ مَا كَانَ يُبْطِنُهُ.

وَقِيلَ: مَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الْجَاهَ وَالْمَنْزِلَةَ عِنْدَ النَّاسِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُهُ حَدِيثًا عِنْدَ النَّاسِ الَّذِينَ أَرَادَ نَيْلَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُمْ، وَلَا ثَوَابَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَمَعْنَى يُرَائِي يُطْلِعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ لَا لِوَجْهِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

للنَّاس ليحمدوه، والمرائي العابدُ، والمراءى له هو النَّاس، والمراءى به هو الخصال الحميدة، والرِّياء هو قصد إظهار ذلك (وَالسُّمْعَةِ) بضم السين المهملة وسكون الميم، وهو: التَّنويه بالعمل ليسمعه النَّاس، فمتعلَّق الرِّياء البصرُ، والسُّمعة السَّمعُ.

٦٤٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أنَّه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) بضم الكاف وفتح الهاء، ابن يحيى الحضرميُّ من علماء الكوفة. قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ سَلَمَةَ) بن كُهيلٍ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَُبًا) بضم الجيم وسكون النون وضم المهملة وفتحها، ابن عبد الله البجليَّ (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ) قال سلمة بن كُهيلٍ: (وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا) من الصَّحابة (يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ غَيْرَهُ) غير جندبٍ، أو مراده -كما قال الكِرمانيُّ-: ولم يبقَ من الصَّحابة حينئذٍ غيره في ذلك المكان، لكن تعقَّبه في «الفتح» بأنَّه كان بالكوفةِ حينئذٍ أبو جُحيفةَ السَّوائيُّ وعبد الله بن أبي أوفى، وقد (١) روى سلمة عن كلٍّ منهما، فتعيَّن (٢) أن يكون مراده أنَّه لم يسمع منهما، ولا من أحدِهما، ولا من غيرهما ممَّن كان موجودًا من الصَّحابة بغير الكوفة بعد أن سَمِعَ من جندبٍ الحديث المذكور عن النَّبيِّ

شيئًا (فَدَنَوْتُ) قربت (مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ : مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ) بفتح المهملة والميم المشددة فيهما. قال الحافظ المنذريُّ، أي: مَن أظهر عمله للنَّاس رياءً أظهرَ الله نيَّته الفاسدة في عملهِ يوم القيامة وفضحَه على رؤوسِ الأشهادِ. وقال في «المصابيح»: هو على (١) المُجازاة من جنسِ العمل، أي: مَن شهَّر عمله سمَّعه الله ثوابه ولم يُعطه إيَّاه، وقيل: مَن أسمع النَّاسَ عملَه سمَّعهم الله إيَّاه، وكان ذلك حظَّه من الثَّواب، وقال غيره: أي: مَن قصد بعملهِ الجاهَ والمنزلةَ عند النَّاس ولم يُرِدْ به وجه الله، فإنَّ الله يجعله حديثًا عند النَّاس الَّذين (٢) أراد نيلَ المنزلة عندهم ولا ثوابَ له في الآخرة (وَ) كذلك (مَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ) بضم التَّحتية وكسر الهمزة بعدها تحتية للإشباع فيهما، فلا يظفرُ من ريائه إلَّا بفضيحتهِ وإظهار ما كان يُبطنه (٣) من سوءِ الطَّويَّة، نعوذ بالله (٤) من ذلك، ولابن المبارك في «الزُّهد» من حديثِ ابن مسعودٍ: «مَن سمَّع سمَّع الله به، ومَن رايا رايا الله به، ومَن تطاولَ تعاظمًا (٥) خفضه الله، ومَن تواضعَ تخشُّعًا (٦) رفعه الله»، وفي حديث جابرٍ عند الطَّبرانيِّ من طريق محمَّد بن جُحادة، عن سلمةَ بن كهيلٍ في آخر هذا الحديث: «ومَن كان ذا لِسانين في الدُّنيا جعل الله له لِسانين من نار يوم القيامة». ولْيُعْلَم أنَّ الرِّياء يكون بالبدن كإطراقهِ رأسه ليُرى أنَّه مُتخشِّعٌ، والهيئة كإبقاء أثرِ السُّجود، والثِّياب كلبسه خَشِنَهَا وقصيرهَا (٧) جدًّا، والقول كالوعظِ وحفظِ علوم الجدلِ،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله