الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٥٠٣
الحديث رقم ٦٥٠٣ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي بعثت أنا والساعة كهاتين.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٦٥٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ بِأَنَّهُ سَلِمَ مِنِ انْتِقَامِ اللَّهِ، فَقَدْ تَكُونُ مُصِيبَتُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِ كَالْمُصِيبَةِ فِي الدِّينِ مَثَلًا.
قَالَ: وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ الْفَرَائِضَ الظَّاهِرَةَ فِعْلًا كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَتَرْكًا كَالزِّنَا وَالْقَتْلِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالْبَاطِنَةِ كَالْعِلْمِ بِاللَّهِ وَالْحُبِّ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى أَفْعَالٍ وَتُرُوكٍ. قَالَ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ اطِّلَاعِ الْوَلِيِّ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ بِإِطْلَاعِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ دُخُولَ بَعْضِ أَتْبَاعِهِ مَعَهُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِصِدْقِ قَوْلِنَا مَا دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ الْيَوْمَ إِلَّا الْوَزِيرُ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ بَعْضُ خَدَمِهِ. قُلْتُ: الْوَصْفُ الْمُسْتَثْنَى لِلرَّسُولِ هُنَا إِنْ كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ رَسُولًا فَلَا مُشَارَكَةَ لِأَحَدٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ فِيهِ إِلَّا مِنْهُ، وَإِلَّا فَيَحْتَمِلُ مَا قَالَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى -
(تَنْبِيهٌ): أَشْكَلَ وَجْهُ دُخُولِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ التَّوَاضُعِ حَتَّى قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ التَّوَاضُعِ فِي شَيْءٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُنَاسِبُ إِدْخَالُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ مُجَاهَدَةُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ فَقَالَ: فَصْلٌ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الطَّاعَةِ وَمُلَازَمَةِ الْعُبُودِيَّةِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْبُخَارِيِّ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِغَايَةِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ. ثَانِيهَا ذَكَرَهُ أَيْضًا فَقَالَ: قِيلَ التَّرْجَمَةُ مُسْتَفَادَةٌ مِمَّا قَالَ كُنْتُ سَمْعَهُ وَمِنَ التَّرَدُّدِ.
قُلْتُ: وَيَخْرُجُ مِنْهُ جَوَابٌ ثَالِثٌ، وَيَظْهَرُ لِي رَابِعٌ، وَهُوَ أَنَّهَا تُسْتَفَادُ مِنْ لَازِمِ قَوْلِهِ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الزَّجْرَ عَنْ مُعَادَاةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَلْزِمِ لِمُوَالَاتِهِمْ، وَمُوَالَاةِ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ لَا تَتَأَتَّى إِلَّا بِغَايَةِ التَّوَاضُعِ، إِذْ مِنْهُمُ الْأَشْعَثُ الْأَغْبَرُ الَّذِي لَا يُؤْبَهُ لَهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَى التَّوَاضُعِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ، لَكِنْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى شَرْطِهِ، فَاسْتَغْنَى عَنْهَا بِحَدِيثَيِ الْبَابِ، مِنْهَا حَدِيثُ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ رَفَعَهُ: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُمَا. وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - إِلَّا رَفَعَهُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ. الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
٣٩ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ.
﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
٦٥٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كهاتين. وَيُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ فَيَمُدُّهِمَا.
٦٥٠٤ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ الجُعْفِيُّ -، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، وَأَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ.
٦٥٠٥ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ يَعْنِي إِصْبَعَيْنِ تَابَعَهُ إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ"
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ فِي إِعْرَابِ الْمُسْنَدِ: السَّاعَةَ بِالنَّصْبِ، وَالْوَاوُ فِيهِ بِمَعْنَى مَعَ قَالَ: وَلَوْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ لَفَسَدَ الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ بُعِثَتِ السَّاعَةُ، وَلَا هُوَ فِي مَوْضِعِ الْمَرْفُوعِ، لِأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ، وَأَجَازَ غَيْرُهُ الْوَجْهَيْنِ، بَلْ جَزَمَ عِيَاضٌ بِأَنَّ الرَّفْعَ أَحْسَنُ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ الْمَجْهُولِ فِي بُعِثْتُ. قَالَ: وَيَجُوزُ النَّصْبُ، وَذَكَرَ نَحْوَ تَوْجِيهِ أَبِي الْبَقَاءِ، وَزَادَ: أَوْ عَلَى ضَمِيرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَالُ، نَحْو فَانْتَظَرُوا، كَمَا قُدِّرَ فِي نَحْوِ جَاءَ الْبَرْدُ وَالطَّيَالِسَةُ فَاسْتَعِدُّوا.
قُلْتُ: وَالْجَوَابُ عَنِ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ أَبُو الْبَقَاءِ أَوَّلًا أَنْ يُضَمَّنَ بُعِثْتُ مَعْنًى يَجْمَعُ إِرْسَالَ الرَّسُولِ وَمَجِيءَ السَّاعَةِ، نَحْوُ جِئْتُ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهَا نُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ مُبَالَغَةً فِي تَحَقُّقِ مَجِيئِهَا، وَيُرَجِّحُ النَّصْبَ مَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ وَالنَّازِعَاتِ مِنْ هَذَا الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ: بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْوَاوَ لِلْمَعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾] الْآيَةَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ مَعْطُوفًا عَلَى الْحَدِيثِ بِغَيْرِ فَصْلٍ، وَهُوَ يُوهِمُ أَنْ تَكُونَ بَقِيَّتَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ التَّقْدِيرُ وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَلَمَّا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ إِدْخَالَ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَصِفَةِ الْقِيَامَةِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ اسْتَطْرَدَ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ الْمُشْتَمِلِ عَلَى ذِكْرِ الْمَوْتِ الدَّالِّ عَلَى فَنَاءِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ مِنْ لَطِيفِ تَرْتِيبِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: عَنْ سَهْلٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ زِيَادَةُ الْإِشَارَةِ.
قَوْلُهُ: عَنْ سَهْلٍ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، سَمِعْتُ مِنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ.
قَوْلُهُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ الْمُرَادُ بِالسَّاعَةِ هُنَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا قِطْعَةٌ مِنَ الزَّمَانِ، وَفِي عُرْفِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَثَبَتَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، وَقَدْ بَيَّنْتُ حَالَهُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَأَطْلَقْتُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى انْخِرَامِ قَرْنِ الصَّحَابَةِ. فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ السَّاعَةِ، فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ فَقَالَ: إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ. وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَأُطْلِقَتْ أَيْضًا عَلَى مَوْتِ الْإِنْسَانِ الْوَاحِدِ.
قَوْلُهُ: (كَهَاتَيْنِ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَلِغَيْرِهِ كَهَاتَيْنِ هَكَذَا وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ لَكِنْ بِلَفْظِ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ هَكَذَا، وَفِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ بِأُصْبُعَيْهِ هَكَذَا.
قَوْلُهُ: وَيُشِيرُ بِأصْبَعَيْهِ فَيَمُدُّهُمَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ وَقَرَنَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَيَعْقُوبَ بِالْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَجَمَعَ بَيْنَ أصْبَعَيْهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وَضَمَّ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ وَقَالَ: وَمَا مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ إِلَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِلَفْظِ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ، إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَفِي حَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ بُعِثْتُ فِي نَفْسِ السَّاعَةِ سَبَقَتهَا كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ لِهَذِهِ، لِأصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ. وَقَوْلُهُ: فِي نَفَسٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْقُرْبِ، أَيْ بُعِثْتُ عِنْدَ تَنَفُّسِهَا. وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي جَبِيرَةَ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ - الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي جَبِيرَةَ مَرْفُوعًا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ بِلَفْظٍ آخَرَ سَأُنَبِّهُ
عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (في حَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَبِي التَّيَّاحِ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَآخِرَهُ مُهْمَلَةٌ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، وَأَبَا التَّيَّاحِ يُحَدِّثَانِ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَنَسًا فَذَكَرَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ هَكَذَا وَقَرَنَ شُعْبَةُ الْمُسَبِّحَةَ وَالْوُسْطَى وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَمْزَةَ الضَّبِّيِّ، وَأَبِي التَّيَّاحِ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا عَلَى شُعْبَةَ، بَلْ كَانَ سَمِعَهُ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً عَنِ الْجَمِيعِ، وَتَارَةً عَنِ الْبَعْضِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، فَجَمَعَ الثَّلَاثَةَ، وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَزَادَ قَالَ شُعْبَةُ: وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ أَوْ قَالَهُ قَتَادَةُ أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ أَوْ قَالَهُ هُوَ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ. قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ يَعْنِي قَتَادَةَ كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى.
قُلْتُ: وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ أَنَسٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْبَدٍ وَهُوَ ابْنُ هِلَالٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ، نَعَمْ وَجَدْتُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مَرْفُوعَةً فِي حَدِيثِ أَبِي جَبِيرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ.
قَوْلُهُ: فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ.
قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ حَدَّثَنَا أَبُو حُصَيْنٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ أَوَّلَهُ، وَأَبُو صَالِحٍ هُوَ ذَكْوَانُ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: كَهَاتَيْنِ يَعْنِي أُصْبُعَيْنِ كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ هَنَّادٍ بِلَفْظِ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى بَدَلَ قَوْلِهِ: يَعْنِي أُصْبُعَيْنِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ هَنَّادٍ بِلَفْظِ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ يَعْنِي أُصْبُعَيْهِ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، عَنِ الدَّوْرِيِّ وَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ إِدْرَاجًا، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ ثَابِتَةٌ فِي الْمَرْفُوعِ لَكِنْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أُصْبُعَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَشَارَ بِالْمُسَبِّحَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَهُوَ يَقُولُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وفي رِوَايَةً لَهُ عَنْهُ وَجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَالْمُرَادُ بِالسَّبَّابَةِ وَهِيَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُصْبُعَ الَّتِي بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى، وَهِيَ الْمُرَادُ بِالْمُسَبِّحَةِ، سُمِّيَتْ مُسَبِّحَةً لِأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا عِنْدَ التَّسْبِيحِ، وَتُحَرَّكُ فِي التَّشَهُّدِ عِنْدَ التَّهْلِيلِ إِشَارَةً إِلَى التَّوْحِيدِ، وَسُمِّيَتْ سَبَّابَةً لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَسَابُّوا أَشَارُوا بِهَا.
قَوْلُهُ: تَابَعَهُ إِسْرَائِيلُ يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ) يَعْنِي بِالسَّنَدِ وَالْمَتْنِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ بِسَنَدِهِ قَالَ مِثْلَ رِوَايَةِ هَنَّادٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَقَدْ تَابَعَهُمَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: أَشَارَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ إِلَى قِلَّةِ الْمُدَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَالتَّفَاوُتِ إِمَّا فِي الْمُجَاوَرَةِ وَإِمَّا فِي قَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: كَفَضْلِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الَّذِي يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَوَّلَ لَقَامَتِ السَّاعَةُ لِاتِّصَالِ إِحْدَى الْأُصْبُعَيْنِ بِالْأُخْرَى.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: كَهَاتَيْنِ فَقِيلَ كَمَا بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فِي الطُّولِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا نَبِيٌّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: حَاصِلُ الْحَدِيثِ تَقْرِيبُ أَمْرِ السَّاعَةِ وَسُرْعَةُ مَجِيئِهَا، قَالَ: وَعَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ يَكُونُ التَّشْبِيهُ وَقَعَ بِالِانْضِمَامِ، وَعَلَى الرَّفْعِ وَقَعَ بِالتَّفَاوُتِ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ نِسْبَةَ تَقَدُّمِ الْبَعْثَةِ
النَّبَوِيَّةِ عَلَى قِيَامِ السَّاعَةِ كَنِسْبَةِ فَضْلِ إِحْدَى الْأُصْبُعَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَقِيلَ: الْمُرَادُ اسْتِمْرَارُ دَعَوْتِهِ لَا تَفْتَرِقُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى، كَمَا أَنَّ الْأُصْبُعَيْنِ لَا تَفْتَرِقُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى.
وَرَجَّحَ الطِّيبِيُّ قَوْلَ الْبَيْضَاوِيِّ بِزِيَادَةِ الْمُسْتَوْرِدِ فِيهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ تَقْرِيبُ أَمْرِ السَّاعَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ نَبِيٌّ كَمَا لَيْسَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى أُصْبُعٌ أُخْرَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمُ وَقْتِهَا بِعَيْنِهِ، لَكِنَّ سِيَاقَهُ يُفِيدُ قُرْبِهَا، وَأَنَّ أَشْرَاطَهَا مُتَتَابِعَةٌ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: أَوَّلُ أَشْرَاطِهَا بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالْحِكْمَةُ فِي تَقَدُّمِ الْأَشْرَاطِ إِيقَاظُ الْغَافِلِينَ وَحَثُّهُمْ عَلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قِيلَ مَعْنَاهُ الْإِشَارَةُ إِلَى قُرْبِ الْمُجَاوَرَةِ، وَقِيلَ إِلَى تَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُمَا طُولًا، وَعَلَى هَذَا فَالنَّظَرُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إِلَى الْعَرْضِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ، لِأَنَّ عِلْمَ قُرْبِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ وَقْتِ مَجِيئِهَا مُعَيَّنًا، وَقِيلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْقِيَامَةِ شَيْءٌ، هِيَ الَّتِي تَلِينِي كَمَا تَلِي السَّبَّابَةُ الْوُسْطَى، وَعَلَى هَذَا فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - تَعَالَى - عَنِ السَّاعَةِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: حَاوَلَ بَعْضُهُمْ فِي تَأْوِيلِهِ أَنَّ نِسْبَةَ مَا بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ كَنِسْبَةِ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مَضَى، وَأَنَّ جُمْلَتَهَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَاسْتَنَدَ إِلَى أَخْبَارٍ لَا تَصِحُّ، وَذَكَرَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي تَأْخِيرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ نِصْفَ يَوْمٍ، وَفَسَّرَهُ بِخَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي بَقِيَ نِصْفُ سُبُعٍ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فِي الطُّولِ.
قَالَ: وَقَدْ ظَهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ ذَلِكَ لِوُقُوعِ خِلَافِهُ، وَمُجَاوَزَةِ هَذَا الْمِقْدَارِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا لَمْ يَقَعْ خِلَافُهُ. قُلْتُ: وَقَدِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مُنْذُ عَهْدِ عِيَاضٍ إِلَى هَذَا الْحِينِ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قِيلَ الْوُسْطَى تَزِيدُ عَلَى السَّبَّابَةِ نِصْفَ سُبُعِهَا، وَكَذَلِكَ الْبَاقِي من الدُّنْيَا مِنَ الْبَعْثَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. قَالَ: وَهَذَا بَعِيدٌ، وَلَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَتَحَصَّلُ لَنَا نِصْفُ سُبُعِ أَمَدٍ مَجْهُولٍ، فَالصَّوَابُ الْإِعْرَاضُ عَنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: السَّابِقُ إِلَى ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِي مُقَدِّمَةِ تَارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الدُّنْيَا جُمُعَةٌ مِنْ جُمَعِ الْآخِرَةِ سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَقَدْ مَضَى سِتَّةُ آلَافِ وَمِائَةُ سَنَةٍ، وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وَيَحْيَى هُوَ أَبُو طَالِبٍ الْقَاصُّ الْأَنْصَارِيُّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَشَيْخُهُ هُوَ فَقِيهُ الْكُوفَةِ وَفِيهِ مَقَالٌ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: الدُّنْيَا سِتَّةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مِثْلَهُ، وَزَادَ: أَنَّ الَّذِي مَضَى مِنْهَا خَمْسَةُ آلَافٍ وَسِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ زَيَّفَهُمَا وَرَجَّحَ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا مَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ إِلَّا مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ بْنِ حَكِيمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: مَا بَقِيَ لِأُمَّتِي مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا كَمِقْدَارِ إِذَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَالشَّمْسُ عَلَى قُعَيْقِعَانٍ مُرْتَفِعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ: مَا أَعْمَارُكُمْ فِي أَعْمَارِ مَنْ مَضَى إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ هَذَا النَّهَارِ فِيمَا مَضَى مِنْهُ. وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا بِسَنَدٍ حَسَنٍ، ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ أَنَسٍ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا وَقَدْ كَادَتِ الشَّمْسُ تَغِيبُ فَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِمَعْنَاهُ قَالَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ: إِنَّ مِثْلَ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا كَبَقِيَّةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا، وَفِيهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا، وَفِيهِ مُوسَى بْنُ خَلَفٍ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى مَا إِذَا صَلَّيْتَ فِي
وَسَطٍ مِنْ وَقْتِهَا.
قُلْتُ: وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِ أَنَسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَالصَّوَابُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، وَلَهُ مَحْمَلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّشْبِيهِ التَّقْرِيبُ، وَلَا يُرَادُ حَقِيقَةَ الْمِقْدَارِ فِيهِ يَجْتَمِعُ مَعَ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِمَا. وَالثَّانِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيُقَدَّمُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لِصِحَّتِهِ، وَيَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْرُ خُمُسِ النَّهَارِ تَقْرِيبًا، ثُمَّ أَيَّدَ الطَّبَرِيُّ كَلَامَهُ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَبِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلَفْظُهُ: وَاللَّهِ لَا تَعْجِزُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ. وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَلَكِنْ رَجَّحَ الْبُخَارِيُّ وَقْفَهُ.
وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِلَفْظِ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ. قِيلَ لِسَعْدٍ: كَمْ نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ. وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ إِلَّا أَنَّ فِيهَا انْقِطَاعًا. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَنِصْفُ الْيَوْمِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ تَوَافَقَتِ الْأَخْبَارُ فَيَكُونُ الْمَاضِي إِلَى وَقْتِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ وَخَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ تَقْرِيبًا. وَقَدْ أَوْرَدَ السُّهَيْلِيُّ كَلَامَ الطَّبَرِيِّ وَأَيَّدَهُ بِمَا وَقَعَ عِنْدَهُ فِي حَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ، وَأَكَّدَهُ بِحَدِيثِ زِمْلٍ رَفَعَهُ: الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ بُعِثْتُ فِي آخِرِهَا.
قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ زِمْلٍ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، أَخْرَجَهُ ابْنُ السَّكَنِ فِي الصَّحَابَةِ وَقَالَ: إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ وَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فِي الصَّحَابَةِ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ أَيْضًا ابْنُ مَنْدَهْ وَغَيْرُهُ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ عَبْدَ اللَّهِ، وَبَعْضُهُمُ الضَّحَّاكَ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَلْفَاظُهُ مَصْنُوعَةٌ، ثُمَّ بَيَّنَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ نِصْفِ يَوْمٍ مَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ، قَالَ: وَقَدْ جَاءَ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ: إِنْ أَحْسَنَتْ أُمَّتِي فَبَقَاؤُهَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ أَلْفُ سَنَةٍ، وَإِنْ أَسَاءَتْ فَنِصْفُ يَوْمٍ، قَالَ: وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ مَا يَقْطَعُ بِهِ عَلَى صِحَّةِ التَّأْوِيلِ الْمَاضِي، بَلْ قَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ نَبِيٌّ مَعَ التَّقْرِيبِ لِمَجِيئِهَا.
ثُمَّ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مَعَ حَذْفِ الْمُكَرَّرِ مَا يُوَافِقُ حَدِيثَ ابْنِ زِمْلٍ، وَذَكَرَ أَنَّ عِدَّتَهَا تِسْعُمِائَةِ وَثَلَاثَةٌ. قُلْتُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَغَارِبَةِ فِي عَدِّ الْحُرُوفِ، وَأَمَّا الْمَشَارِقَةُ فَيَنْقُصُ الْعَدَدُ عِنْدَهُمْ مِائَتَيْنِ وَعَشْرَةً، فَإِنَّ السِّينَ عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ بِثَلَاثِمِائَةِ، وَالصَّادَ بِسِتِّينَ، وَأَمَّا الْمَشَارِقَةُ فَالسِّينُ عِنْدَهُمْ سِتُّونَ، وَالصَّادُ تِسْعُونَ، فَيَكُونُ الْمِقْدَارُ عِنْدَهُمْ سِتَّمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَتِسْعِينَ، وَقَدْ مَضَتْ وَزِيَادَةٌ عَلَيْهَا مِائَةٌ وَخَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، فَالْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بَاطِلٌ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الزَّجْرُ عَنْ عَدِّ أَبِي جَادٍ وَالْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ السِّحْرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ، فَإِنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ السُّهَيْلِيِّ، فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ مَا نَصُّهُ: وَمَنَ الْبَاطِلِ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَقَدْ تَحَصَّلَ لِي فِيهَا عِشْرُونَ قَوْلًا وَأَزْيَدُ، وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا يَحْكُمُ عَلَيْهَا بِعِلْمِ وَلَا يَصِلُ فِيهَا إِلَى فَهْمٍ، إِلَّا أَنِّي أَقُولُ. فَذَكَرَ مَا مُلَخَّصُهُ أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ لَهَا مَدْلُولًا مُتَدَاوَلًا بَيْنَهُمْ لَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَلْ تَلَا عَلَيْهِمْ ص وحم وَفُصِّلَتْ وَغَيْرَهُمَا فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ، بَلْ صَرَّحُوا بِالتَّسْلِيمِ لَهُ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ، مَعَ تَشَوُّفِهِمْ إِلَى عَثْرَةٍ، وَحِرْصِهِمْ عَلَى زَلَّةٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمْرًا مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ لَا إِنْكَارَ فِيهِ.
قُلْتُ: وَأَمَّا عَدُّ الْحُرُوفِ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّمَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ الْيَهُودِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ أَبِي يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْحُرُوفَ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ وَاسْتَقْصَرُوا الْمُدَّةَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ الم والر، فَلَمَّا نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ المص وَطسم وَغَيْرُ ذَلِكَ قَالُوا: أَلْبَسْتَ عَلَيْنَا الْأَمْرَ.
وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
للإسناد السَّابق، وأنَّه ليس هو المراد، فهذا (١) يستحيلُ هنا لأنَّه يؤول إلى إسنادٍ غير مطابقٍ. والثَّاني: أن يكون انتقالًا من شيءٍ إلى شيءٍ من غير إبطالٍ لذلك (٢) الشَّيء السَّابق، وهذا مستحيلٌ هنا أيضًا؛ للتَّنافي الَّذي بين الإخبار بكونهِ مثل لمحِ البصر في السُّرعة والإخبار بالأقربيَّة، فلا يمكنُ صدقهما معًا. انتهى.
وقيل (٣): المعنى: أنَّ قيام السَّاعة وإن تراخَى فهو عند الله كالشَّيء الَّذي يقولون فيه: هو كلمحِ البصر، أو هو أقربُ مبالغةً في استقرابهِ (﴿إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧]) وسقطَ لأبي ذرٍّ قوله «﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ … » إلى آخره. وقال بعد قوله: ﴿إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: «الآية».
٦٥٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن محمَّد بنِ الحكم بنِ أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والمهملة، محمَّد بن مُطرِّفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) بالحاء والزاي، سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلٍ) هو ابنُ سعدٍ السَّاعديِّ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بُعِثْتُ) بضم الموحدة (أَنَا وَالسَّاعَةُ) بالرفع في الفرعِ كأصله. قال القاضِي عياضٌ: عطف على الضَّمير المجهول في «بُعثت». وقال أبو البقاء العكبريُّ في إعرابِ «المسند»: بالنَّصب، والواو بِمَعْنَى «مع». قال: ولو قُرئ بالرَّفع لفسدَ المعنى؛ لأنَّه لا يُقال: بُعِثَتِ السَّاعةُ، ولا هو في موضعِ المرفوع؛ لأنَّها لم توجد بَعْدُ، وأُجيب بأنَّها نُزِّلَتْ منزلة الموجودة مبالغةً في تحقُّق مجيئها، وأجازَ غيره الوجهين، بل جزمَ القاضي عياضٌ بأنَّ الرَّفع أحسن لِمَا مرَّ، والمعنى: بعثتُ ويوم القيامة (هَكَذَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «كهاتين»
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ بِأَنَّهُ سَلِمَ مِنِ انْتِقَامِ اللَّهِ، فَقَدْ تَكُونُ مُصِيبَتُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْهِ كَالْمُصِيبَةِ فِي الدِّينِ مَثَلًا.
قَالَ: وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ الْفَرَائِضَ الظَّاهِرَةَ فِعْلًا كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَتَرْكًا كَالزِّنَا وَالْقَتْلِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالْبَاطِنَةِ كَالْعِلْمِ بِاللَّهِ وَالْحُبِّ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ أَيْضًا إِلَى أَفْعَالٍ وَتُرُوكٍ. قَالَ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ اطِّلَاعِ الْوَلِيِّ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ بِإِطْلَاعِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَهُ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ دُخُولَ بَعْضِ أَتْبَاعِهِ مَعَهُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِصِدْقِ قَوْلِنَا مَا دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ الْيَوْمَ إِلَّا الْوَزِيرُ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ بَعْضُ خَدَمِهِ. قُلْتُ: الْوَصْفُ الْمُسْتَثْنَى لِلرَّسُولِ هُنَا إِنْ كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ رَسُولًا فَلَا مُشَارَكَةَ لِأَحَدٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ فِيهِ إِلَّا مِنْهُ، وَإِلَّا فَيَحْتَمِلُ مَا قَالَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى -
(تَنْبِيهٌ): أَشْكَلَ وَجْهُ دُخُولِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ التَّوَاضُعِ حَتَّى قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ التَّوَاضُعِ فِي شَيْءٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُنَاسِبُ إِدْخَالُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ مُجَاهَدَةُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَبِذَلِكَ تَرْجَمَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ فَقَالَ: فَصْلٌ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الطَّاعَةِ وَمُلَازَمَةِ الْعُبُودِيَّةِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْبُخَارِيِّ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِغَايَةِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْكِرْمَانِيُّ. ثَانِيهَا ذَكَرَهُ أَيْضًا فَقَالَ: قِيلَ التَّرْجَمَةُ مُسْتَفَادَةٌ مِمَّا قَالَ كُنْتُ سَمْعَهُ وَمِنَ التَّرَدُّدِ.
قُلْتُ: وَيَخْرُجُ مِنْهُ جَوَابٌ ثَالِثٌ، وَيَظْهَرُ لِي رَابِعٌ، وَهُوَ أَنَّهَا تُسْتَفَادُ مِنْ لَازِمِ قَوْلِهِ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الزَّجْرَ عَنْ مُعَادَاةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَلْزِمِ لِمُوَالَاتِهِمْ، وَمُوَالَاةِ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ لَا تَتَأَتَّى إِلَّا بِغَايَةِ التَّوَاضُعِ، إِذْ مِنْهُمُ الْأَشْعَثُ الْأَغْبَرُ الَّذِي لَا يُؤْبَهُ لَهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَى التَّوَاضُعِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ، لَكِنْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى شَرْطِهِ، فَاسْتَغْنَى عَنْهَا بِحَدِيثَيِ الْبَابِ، مِنْهَا حَدِيثُ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ رَفَعَهُ: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُمَا. وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - إِلَّا رَفَعَهُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، وَالتِّرْمِذِيُّ. وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ. الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
٣٩ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ.
﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
٦٥٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كهاتين. وَيُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ فَيَمُدُّهِمَا.
٦٥٠٤ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ الجُعْفِيُّ -، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، وَأَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ.
٦٥٠٥ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ يَعْنِي إِصْبَعَيْنِ تَابَعَهُ إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ"
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ فِي إِعْرَابِ الْمُسْنَدِ: السَّاعَةَ بِالنَّصْبِ، وَالْوَاوُ فِيهِ بِمَعْنَى مَعَ قَالَ: وَلَوْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ لَفَسَدَ الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ بُعِثَتِ السَّاعَةُ، وَلَا هُوَ فِي مَوْضِعِ الْمَرْفُوعِ، لِأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ، وَأَجَازَ غَيْرُهُ الْوَجْهَيْنِ، بَلْ جَزَمَ عِيَاضٌ بِأَنَّ الرَّفْعَ أَحْسَنُ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ الْمَجْهُولِ فِي بُعِثْتُ. قَالَ: وَيَجُوزُ النَّصْبُ، وَذَكَرَ نَحْوَ تَوْجِيهِ أَبِي الْبَقَاءِ، وَزَادَ: أَوْ عَلَى ضَمِيرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَالُ، نَحْو فَانْتَظَرُوا، كَمَا قُدِّرَ فِي نَحْوِ جَاءَ الْبَرْدُ وَالطَّيَالِسَةُ فَاسْتَعِدُّوا.
قُلْتُ: وَالْجَوَابُ عَنِ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ أَبُو الْبَقَاءِ أَوَّلًا أَنْ يُضَمَّنَ بُعِثْتُ مَعْنًى يَجْمَعُ إِرْسَالَ الرَّسُولِ وَمَجِيءَ السَّاعَةِ، نَحْوُ جِئْتُ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهَا نُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ مُبَالَغَةً فِي تَحَقُّقِ مَجِيئِهَا، وَيُرَجِّحُ النَّصْبَ مَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ وَالنَّازِعَاتِ مِنْ هَذَا الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ: بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْوَاوَ لِلْمَعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾] الْآيَةَ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كَذَا لِلْجَمِيعِ مَعْطُوفًا عَلَى الْحَدِيثِ بِغَيْرِ فَصْلٍ، وَهُوَ يُوهِمُ أَنْ تَكُونَ بَقِيَّتَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ التَّقْدِيرُ وَقَوْلُ اللَّهِ ﷿ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَلَمَّا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ إِدْخَالَ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَصِفَةِ الْقِيَامَةِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ اسْتَطْرَدَ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ الْمُشْتَمِلِ عَلَى ذِكْرِ الْمَوْتِ الدَّالِّ عَلَى فَنَاءِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ مِنْ لَطِيفِ تَرْتِيبِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: عَنْ سَهْلٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ زِيَادَةُ الْإِشَارَةِ.
قَوْلُهُ: عَنْ سَهْلٍ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، سَمِعْتُ مِنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ.
قَوْلُهُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ الْمُرَادُ بِالسَّاعَةِ هُنَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا قِطْعَةٌ مِنَ الزَّمَانِ، وَفِي عُرْفِ أَهْلِ الْمِيقَاتِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَثَبَتَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، وَقَدْ بَيَّنْتُ حَالَهُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَأَطْلَقْتُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى انْخِرَامِ قَرْنِ الصَّحَابَةِ. فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ السَّاعَةِ، فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ فَقَالَ: إِنْ يَعِشْ هَذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ. وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَأُطْلِقَتْ أَيْضًا عَلَى مَوْتِ الْإِنْسَانِ الْوَاحِدِ.
قَوْلُهُ: (كَهَاتَيْنِ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ، وَلِغَيْرِهِ كَهَاتَيْنِ هَكَذَا وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ لَكِنْ بِلَفْظِ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ أَوْ كَهَاتَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ هَكَذَا، وَفِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ بِأُصْبُعَيْهِ هَكَذَا.
قَوْلُهُ: وَيُشِيرُ بِأصْبَعَيْهِ فَيَمُدُّهُمَا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ وَقَرَنَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَيَعْقُوبَ بِالْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَجَمَعَ بَيْنَ أصْبَعَيْهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وَضَمَّ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ وَقَالَ: وَمَا مَثَلِي وَمَثَلُ السَّاعَةِ إِلَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِلَفْظِ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ، إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَفِي حَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ بُعِثْتُ فِي نَفْسِ السَّاعَةِ سَبَقَتهَا كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ لِهَذِهِ، لِأصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ. وَقَوْلُهُ: فِي نَفَسٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْقُرْبِ، أَيْ بُعِثْتُ عِنْدَ تَنَفُّسِهَا. وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي جَبِيرَةَ - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ - الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي جَبِيرَةَ مَرْفُوعًا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ بِلَفْظٍ آخَرَ سَأُنَبِّهُ
عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (في حَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَبِي التَّيَّاحِ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَآخِرَهُ مُهْمَلَةٌ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ شُعْبَةَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، وَأَبَا التَّيَّاحِ يُحَدِّثَانِ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَنَسًا فَذَكَرَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ هَكَذَا وَقَرَنَ شُعْبَةُ الْمُسَبِّحَةَ وَالْوُسْطَى وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَمْزَةَ الضَّبِّيِّ، وَأَبِي التَّيَّاحِ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا عَلَى شُعْبَةَ، بَلْ كَانَ سَمِعَهُ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ تَارَةً عَنِ الْجَمِيعِ، وَتَارَةً عَنِ الْبَعْضِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، فَجَمَعَ الثَّلَاثَةَ، وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ كَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَزَادَ قَالَ شُعْبَةُ: وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ أَوْ قَالَهُ قَتَادَةُ أَيْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ أَوْ قَالَهُ هُوَ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ. قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ يَعْنِي قَتَادَةَ كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى.
قُلْتُ: وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ أَنَسٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْبَدٍ وَهُوَ ابْنُ هِلَالٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ، نَعَمْ وَجَدْتُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مَرْفُوعَةً فِي حَدِيثِ أَبِي جَبِيرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ.
قَوْلُهُ: فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ.
قَوْلُهُ: عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ حَدَّثَنَا أَبُو حُصَيْنٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ أَوَّلَهُ، وَأَبُو صَالِحٍ هُوَ ذَكْوَانُ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: كَهَاتَيْنِ يَعْنِي أُصْبُعَيْنِ كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ هَنَّادٍ بِلَفْظِ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى بَدَلَ قَوْلِهِ: يَعْنِي أُصْبُعَيْنِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ هَنَّادٍ بِلَفْظِ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ يَعْنِي أُصْبُعَيْهِ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، عَنِ الدَّوْرِيِّ وَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ إِدْرَاجًا، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ ثَابِتَةٌ فِي الْمَرْفُوعِ لَكِنْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أُصْبُعَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَشَارَ بِالْمُسَبِّحَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَهُوَ يَقُولُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وفي رِوَايَةً لَهُ عَنْهُ وَجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَالْمُرَادُ بِالسَّبَّابَةِ وَهِيَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُصْبُعَ الَّتِي بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى، وَهِيَ الْمُرَادُ بِالْمُسَبِّحَةِ، سُمِّيَتْ مُسَبِّحَةً لِأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا عِنْدَ التَّسْبِيحِ، وَتُحَرَّكُ فِي التَّشَهُّدِ عِنْدَ التَّهْلِيلِ إِشَارَةً إِلَى التَّوْحِيدِ، وَسُمِّيَتْ سَبَّابَةً لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَسَابُّوا أَشَارُوا بِهَا.
قَوْلُهُ: تَابَعَهُ إِسْرَائِيلُ يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ) يَعْنِي بِالسَّنَدِ وَالْمَتْنِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ بِسَنَدِهِ قَالَ مِثْلَ رِوَايَةِ هَنَّادٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَقَدْ تَابَعَهُمَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: أَشَارَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ إِلَى قِلَّةِ الْمُدَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ، وَالتَّفَاوُتِ إِمَّا فِي الْمُجَاوَرَةِ وَإِمَّا فِي قَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: كَفَضْلِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الَّذِي يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَوَّلَ لَقَامَتِ السَّاعَةُ لِاتِّصَالِ إِحْدَى الْأُصْبُعَيْنِ بِالْأُخْرَى.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: كَهَاتَيْنِ فَقِيلَ كَمَا بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فِي الطُّولِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا نَبِيٌّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: حَاصِلُ الْحَدِيثِ تَقْرِيبُ أَمْرِ السَّاعَةِ وَسُرْعَةُ مَجِيئِهَا، قَالَ: وَعَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ يَكُونُ التَّشْبِيهُ وَقَعَ بِالِانْضِمَامِ، وَعَلَى الرَّفْعِ وَقَعَ بِالتَّفَاوُتِ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ نِسْبَةَ تَقَدُّمِ الْبَعْثَةِ
النَّبَوِيَّةِ عَلَى قِيَامِ السَّاعَةِ كَنِسْبَةِ فَضْلِ إِحْدَى الْأُصْبُعَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَقِيلَ: الْمُرَادُ اسْتِمْرَارُ دَعَوْتِهِ لَا تَفْتَرِقُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى، كَمَا أَنَّ الْأُصْبُعَيْنِ لَا تَفْتَرِقُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى.
وَرَجَّحَ الطِّيبِيُّ قَوْلَ الْبَيْضَاوِيِّ بِزِيَادَةِ الْمُسْتَوْرِدِ فِيهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ تَقْرِيبُ أَمْرِ السَّاعَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ نَبِيٌّ كَمَا لَيْسَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى أُصْبُعٌ أُخْرَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمُ وَقْتِهَا بِعَيْنِهِ، لَكِنَّ سِيَاقَهُ يُفِيدُ قُرْبِهَا، وَأَنَّ أَشْرَاطَهَا مُتَتَابِعَةٌ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ: أَوَّلُ أَشْرَاطِهَا بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالْحِكْمَةُ فِي تَقَدُّمِ الْأَشْرَاطِ إِيقَاظُ الْغَافِلِينَ وَحَثُّهُمْ عَلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قِيلَ مَعْنَاهُ الْإِشَارَةُ إِلَى قُرْبِ الْمُجَاوَرَةِ، وَقِيلَ إِلَى تَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُمَا طُولًا، وَعَلَى هَذَا فَالنَّظَرُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إِلَى الْعَرْضِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ، لِأَنَّ عِلْمَ قُرْبِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ وَقْتِ مَجِيئِهَا مُعَيَّنًا، وَقِيلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْقِيَامَةِ شَيْءٌ، هِيَ الَّتِي تَلِينِي كَمَا تَلِي السَّبَّابَةُ الْوُسْطَى، وَعَلَى هَذَا فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - تَعَالَى - عَنِ السَّاعَةِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: حَاوَلَ بَعْضُهُمْ فِي تَأْوِيلِهِ أَنَّ نِسْبَةَ مَا بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ كَنِسْبَةِ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مَضَى، وَأَنَّ جُمْلَتَهَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَاسْتَنَدَ إِلَى أَخْبَارٍ لَا تَصِحُّ، وَذَكَرَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي تَأْخِيرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ نِصْفَ يَوْمٍ، وَفَسَّرَهُ بِخَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي بَقِيَ نِصْفُ سُبُعٍ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فِي الطُّولِ.
قَالَ: وَقَدْ ظَهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ ذَلِكَ لِوُقُوعِ خِلَافِهُ، وَمُجَاوَزَةِ هَذَا الْمِقْدَارِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا لَمْ يَقَعْ خِلَافُهُ. قُلْتُ: وَقَدِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مُنْذُ عَهْدِ عِيَاضٍ إِلَى هَذَا الْحِينِ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قِيلَ الْوُسْطَى تَزِيدُ عَلَى السَّبَّابَةِ نِصْفَ سُبُعِهَا، وَكَذَلِكَ الْبَاقِي من الدُّنْيَا مِنَ الْبَعْثَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. قَالَ: وَهَذَا بَعِيدٌ، وَلَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَتَحَصَّلُ لَنَا نِصْفُ سُبُعِ أَمَدٍ مَجْهُولٍ، فَالصَّوَابُ الْإِعْرَاضُ عَنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: السَّابِقُ إِلَى ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِي مُقَدِّمَةِ تَارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الدُّنْيَا جُمُعَةٌ مِنْ جُمَعِ الْآخِرَةِ سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَقَدْ مَضَى سِتَّةُ آلَافِ وَمِائَةُ سَنَةٍ، وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وَيَحْيَى هُوَ أَبُو طَالِبٍ الْقَاصُّ الْأَنْصَارِيُّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَشَيْخُهُ هُوَ فَقِيهُ الْكُوفَةِ وَفِيهِ مَقَالٌ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: الدُّنْيَا سِتَّةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مِثْلَهُ، وَزَادَ: أَنَّ الَّذِي مَضَى مِنْهَا خَمْسَةُ آلَافٍ وَسِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ زَيَّفَهُمَا وَرَجَّحَ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا مَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ إِلَّا مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ بْنِ حَكِيمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: مَا بَقِيَ لِأُمَّتِي مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا كَمِقْدَارِ إِذَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَالشَّمْسُ عَلَى قُعَيْقِعَانٍ مُرْتَفِعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ: مَا أَعْمَارُكُمْ فِي أَعْمَارِ مَنْ مَضَى إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ هَذَا النَّهَارِ فِيمَا مَضَى مِنْهُ. وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا بِسَنَدٍ حَسَنٍ، ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ أَنَسٍ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا وَقَدْ كَادَتِ الشَّمْسُ تَغِيبُ فَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِمَعْنَاهُ قَالَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ: إِنَّ مِثْلَ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا كَبَقِيَّةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا، وَفِيهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا، وَفِيهِ مُوسَى بْنُ خَلَفٍ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى مَا إِذَا صَلَّيْتَ فِي
وَسَطٍ مِنْ وَقْتِهَا.
قُلْتُ: وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِ أَنَسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَالصَّوَابُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، وَلَهُ مَحْمَلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّشْبِيهِ التَّقْرِيبُ، وَلَا يُرَادُ حَقِيقَةَ الْمِقْدَارِ فِيهِ يَجْتَمِعُ مَعَ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِمَا. وَالثَّانِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيُقَدَّمُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لِصِحَّتِهِ، وَيَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْرُ خُمُسِ النَّهَارِ تَقْرِيبًا، ثُمَّ أَيَّدَ الطَّبَرِيُّ كَلَامَهُ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَبِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلَفْظُهُ: وَاللَّهِ لَا تَعْجِزُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ. وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَلَكِنْ رَجَّحَ الْبُخَارِيُّ وَقْفَهُ.
وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِلَفْظِ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ. قِيلَ لِسَعْدٍ: كَمْ نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ. وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ إِلَّا أَنَّ فِيهَا انْقِطَاعًا. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَنِصْفُ الْيَوْمِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ تَوَافَقَتِ الْأَخْبَارُ فَيَكُونُ الْمَاضِي إِلَى وَقْتِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ وَخَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ تَقْرِيبًا. وَقَدْ أَوْرَدَ السُّهَيْلِيُّ كَلَامَ الطَّبَرِيِّ وَأَيَّدَهُ بِمَا وَقَعَ عِنْدَهُ فِي حَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ، وَأَكَّدَهُ بِحَدِيثِ زِمْلٍ رَفَعَهُ: الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ بُعِثْتُ فِي آخِرِهَا.
قُلْتُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ زِمْلٍ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، أَخْرَجَهُ ابْنُ السَّكَنِ فِي الصَّحَابَةِ وَقَالَ: إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ وَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فِي الصَّحَابَةِ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ أَيْضًا ابْنُ مَنْدَهْ وَغَيْرُهُ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ عَبْدَ اللَّهِ، وَبَعْضُهُمُ الضَّحَّاكَ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَلْفَاظُهُ مَصْنُوعَةٌ، ثُمَّ بَيَّنَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ نِصْفِ يَوْمٍ مَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ، قَالَ: وَقَدْ جَاءَ بَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ: إِنْ أَحْسَنَتْ أُمَّتِي فَبَقَاؤُهَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ أَلْفُ سَنَةٍ، وَإِنْ أَسَاءَتْ فَنِصْفُ يَوْمٍ، قَالَ: وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ مَا يَقْطَعُ بِهِ عَلَى صِحَّةِ التَّأْوِيلِ الْمَاضِي، بَلْ قَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّاعَةِ نَبِيٌّ مَعَ التَّقْرِيبِ لِمَجِيئِهَا.
ثُمَّ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مَعَ حَذْفِ الْمُكَرَّرِ مَا يُوَافِقُ حَدِيثَ ابْنِ زِمْلٍ، وَذَكَرَ أَنَّ عِدَّتَهَا تِسْعُمِائَةِ وَثَلَاثَةٌ. قُلْتُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَغَارِبَةِ فِي عَدِّ الْحُرُوفِ، وَأَمَّا الْمَشَارِقَةُ فَيَنْقُصُ الْعَدَدُ عِنْدَهُمْ مِائَتَيْنِ وَعَشْرَةً، فَإِنَّ السِّينَ عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ بِثَلَاثِمِائَةِ، وَالصَّادَ بِسِتِّينَ، وَأَمَّا الْمَشَارِقَةُ فَالسِّينُ عِنْدَهُمْ سِتُّونَ، وَالصَّادُ تِسْعُونَ، فَيَكُونُ الْمِقْدَارُ عِنْدَهُمْ سِتَّمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَتِسْعِينَ، وَقَدْ مَضَتْ وَزِيَادَةٌ عَلَيْهَا مِائَةٌ وَخَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، فَالْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بَاطِلٌ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الزَّجْرُ عَنْ عَدِّ أَبِي جَادٍ وَالْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ السِّحْرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ، فَإِنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، وَهُوَ مِنْ مَشَايِخِ السُّهَيْلِيِّ، فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ مَا نَصُّهُ: وَمَنَ الْبَاطِلِ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَقَدْ تَحَصَّلَ لِي فِيهَا عِشْرُونَ قَوْلًا وَأَزْيَدُ، وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا يَحْكُمُ عَلَيْهَا بِعِلْمِ وَلَا يَصِلُ فِيهَا إِلَى فَهْمٍ، إِلَّا أَنِّي أَقُولُ. فَذَكَرَ مَا مُلَخَّصُهُ أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَنَّ لَهَا مَدْلُولًا مُتَدَاوَلًا بَيْنَهُمْ لَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَلْ تَلَا عَلَيْهِمْ ص وحم وَفُصِّلَتْ وَغَيْرَهُمَا فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ، بَلْ صَرَّحُوا بِالتَّسْلِيمِ لَهُ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ، مَعَ تَشَوُّفِهِمْ إِلَى عَثْرَةٍ، وَحِرْصِهِمْ عَلَى زَلَّةٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمْرًا مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ لَا إِنْكَارَ فِيهِ.
قُلْتُ: وَأَمَّا عَدُّ الْحُرُوفِ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّمَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ الْيَهُودِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ أَبِي يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْحُرُوفَ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ وَاسْتَقْصَرُوا الْمُدَّةَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ الم والر، فَلَمَّا نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ المص وَطسم وَغَيْرُ ذَلِكَ قَالُوا: أَلْبَسْتَ عَلَيْنَا الْأَمْرَ.
وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
للإسناد السَّابق، وأنَّه ليس هو المراد، فهذا (١) يستحيلُ هنا لأنَّه يؤول إلى إسنادٍ غير مطابقٍ. والثَّاني: أن يكون انتقالًا من شيءٍ إلى شيءٍ من غير إبطالٍ لذلك (٢) الشَّيء السَّابق، وهذا مستحيلٌ هنا أيضًا؛ للتَّنافي الَّذي بين الإخبار بكونهِ مثل لمحِ البصر في السُّرعة والإخبار بالأقربيَّة، فلا يمكنُ صدقهما معًا. انتهى.
وقيل (٣): المعنى: أنَّ قيام السَّاعة وإن تراخَى فهو عند الله كالشَّيء الَّذي يقولون فيه: هو كلمحِ البصر، أو هو أقربُ مبالغةً في استقرابهِ (﴿إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧]) وسقطَ لأبي ذرٍّ قوله «﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ … » إلى آخره. وقال بعد قوله: ﴿إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: «الآية».
٦٥٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن محمَّد بنِ الحكم بنِ أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والمهملة، محمَّد بن مُطرِّفٍ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ) بالحاء والزاي، سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلٍ) هو ابنُ سعدٍ السَّاعديِّ الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بُعِثْتُ) بضم الموحدة (أَنَا وَالسَّاعَةُ) بالرفع في الفرعِ كأصله. قال القاضِي عياضٌ: عطف على الضَّمير المجهول في «بُعثت». وقال أبو البقاء العكبريُّ في إعرابِ «المسند»: بالنَّصب، والواو بِمَعْنَى «مع». قال: ولو قُرئ بالرَّفع لفسدَ المعنى؛ لأنَّه لا يُقال: بُعِثَتِ السَّاعةُ، ولا هو في موضعِ المرفوع؛ لأنَّها لم توجد بَعْدُ، وأُجيب بأنَّها نُزِّلَتْ منزلة الموجودة مبالغةً في تحقُّق مجيئها، وأجازَ غيره الوجهين، بل جزمَ القاضي عياضٌ بأنَّ الرَّفع أحسن لِمَا مرَّ، والمعنى: بعثتُ ويوم القيامة (هَكَذَا) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «كهاتين»