«يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٥٤٢

الحديث رقم ٦٥٤٢ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «يدخل من أمتي زمرة هم سبعون ألفا، تضيء…

«يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ.»

سند حديث: ٦٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ…

٦٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «يدخل من أمتي زمرة هم سبعون ألفا، تضيء…

يخبرنا حُصين بن عبد الرحمن رحمه الله عن محاورة جرت بينه وبين سعيد بن جبير رحمه الله في شأن الرقية، وذلك أن حصينًا لدغته عقرب وارتقى منها بالرقية المشروعة، ولما سأله سعيد عن دليله أخبره بحديث الشعبي الذي يبيح الرقية من العين والسم، فامتدحه سعيد على ذلك، ولكنه روى له حديثًا يحبذ ترك الرقية، هو حديث ابن عباس الذي يتضمن الصفات الأربع التي من اتصف بها استحق الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهي عدم طلب الرقية، وعدم الاكتواء، وعدم التشاؤم، وصدق الاعتماد على الله تعالى ولما طلب عكاشة من النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعو له أن يكون منهم أخبره بأنه معهم، ولما قام رجل آخر لنفس الغرض تلطف معه النبي صلى الله عليه وسلم في المنع سدًّا للباب وقطعًا للتسلسل.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضيلة السلف، وأن ما يرونه من الآيات السماوية لا يعدّونه عادة، بل يعلمون أنه آية من آيات الله -تعالى-.
  • حرص السلف على الإخلاص وشدة ابتعادهم عن الرياء.
  • طلب الحجة على صحة المذهب وعناية السلف بالدليل.
  • الوقوف عند الدليل والعمل بالعلم، وأن من عمِل بما بلغه فقد أحسن.
  • تبليغ العلم بتلطف وحكمة.
  • إباحة الرقية.
  • إرشاد من أخذ بشيء مشروع إلى ما هو أفضل منه.
  • فضيلة نبينا محمد -صلى اللَّهُ عليه وسلم- حيث عُرضت عليه الأمم.
  • أن الأنبياء متفاوتون في عدد أتباعهم.
  • أن الواجب اتباع الحق وإن قلّ أهله.
  • فضيلة هذه الأمة وأنهم أكثر الأمم اتباعًا لنبيهم -صلى اللَّهُ عليه وسلم-.
  • فضيلة تحقيق التوحيد وثوابه.
  • إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع للاستفادة وإظهار الحق.
  • عمق علم السلف لمعرفتهم أن المذكورين في الحديث لم ينالوا هذه المنزلة إلا بعمل.
  • حرص السلف على الخير والمنافسة على الأعمال الصالحة.
  • أن ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد.
  • طلب الدعاء من الفاضل في حياته.
  • علَم من أعلام نبوته -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حيث أخبر أن عكاشة بن مِحصن من السبعين الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب فقُتل شهيدًا في حروب الردة -رضي الله عنه-.
  • فضيلة عكاشة بن محصن -رضي الله عنه-.
  • استعمال المعاريض وحسن خلقه -صلى اللَّهُ عليه وسلم- حيث لم يقل للرجل الآخر: لست منهم.
  • سد الذرائع لئلا يقوم من ليس أهلاً فيُردُّ.
  • العمل بالكتاب والسنة مقدم على كل مذهب.
  • إن من أحرز هذه الخصائل الأربع المذكورة في الحديث فقد حقق التوحيد ودخل الجنة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «يدخل من أمتي زمرة هم سبعون ألفا، تضيء…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سَوَادٌ كَثِيرٌ قَالَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانُوا لَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ فقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ

٦٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ"

٦٥٤٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ "عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قال النبي : "لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ سَبْعُ مِائَةِ أَلْفٍ شَكَّ فِي أَحَدِهِمَا مُتَمَاسِكِينَ آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ الْجَنَّةَ وَوُجُوهُهُمْ عَلَى ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ"

٦٥٤٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ حَدَّثَنَا نَافِعٌ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ يَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ خُلُودٌ"

[الحديث ٦٥٤٤ - طرفه في: ٦٥٤٨]

٦٥٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال النبي : يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ "يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ وَلِأَهْلِ النَّارِ يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ"

قَوْلُهُ: (بَابٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَرَاءَ التَّقْسِيمِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَمْرًا آخَرَ، وَأَنَّ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ مَنْ لَا يُحَاسَبُ أَصْلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ، وَذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ:

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:

قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا أبو الْفُضَيْلِ هُوَ مُحَمَّدٌ، وَحُصَيْنٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمِنَ الْوَاسِطِيُّ.

قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْبُخَارِيُّ.

قَوْلُهُ: وَحَدَّثَنِي أَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الْجَمَّالُ بِالْجِيمِ كُوفِيٌّ حَدَّثَ بِبَغْدَادَ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ، وَأَفْحَشَ ابْنُ مَعِينٍ فِيهِ الْقَوْلَ. وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ قَرَنَهُ فِيهِ بِغَيْرِهِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْدَهُ ثِقَةً قَالَهُ أَبُو مَسْعُودٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ خَبُرَ أَمْرَهُ كَمَا يَنْبَغِي، وَإِنَّمَا سَمِعَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ، وَقَدْ

وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ فِرَارًا مِنْ تَكْرِيرِ الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ السَّنَدَ الْأَوَّلَ فِي الطِّبِّ فِي بَابُ مَنِ اكْتَوَى ثُمَّ أَعَادَهُ هُنَا فَأَضَافَ إِلَيْهِ طَرِيقَ هُشَيْمٍ، وَتَقَدَّمَ لَهُ فِي الطِّبِّ أَيْضًا فِي بَابِ مَنْ لَمْ يَرْقِ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنِ بْنِ بَهْزٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَتَقَدَّمَ بِاخْتِصَارٍ قَرِيبًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ زَادَ ابْنُ فُضَيْلٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَامِرٍ وَهُوَ الشَّعْبِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ الْحَدِيثَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ الِاخْتِلَافَ فِي رَفْعِ حَدِيثِ عِمْرَانَ هَذَا، وَالِاخْتِلَافَ فِي سَنَدِهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَأَنَّ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ زِيَادَةَ قِصَّةٍ وَقَعَتْ لِحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّقْيَةِ، وَذَكَرْتُ حُكْمَ الرُّقْيَةِ هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (عُرِضَتْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: عَلَيَّ بِالتَّشْدِيدِ، الْأُمَمُ بِالرَّفْعِ، وَقَدْ بَيَّنَ عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ وَزْنَ جَعْفَرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَلَفْظُهُ لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ جُعِلَ يُمَرُّ بِالنَّبِيِّ وَمَعَهُ الْوَاحِدُ الْحَدِيثَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَحْفُوظًا كَانَتْ فِيهِ قُوَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى تَعَدُّدِ الْإِسْرَاءِ، وَأَنَّهُ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ أَيْضًا غَيْرَ الَّذِي وَقَعَ بِمَكَّةَ، فَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ: أكربنا الْحَدِيثَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ عُدْنَا إِلَيْهِ فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ اللَّيْلَةَ بِأُمَمِهَا فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الْعِصَابَةُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ أَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ حَتَّى نَامَ بَعْضُ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَدِيثَ، وَالَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْإِسْرَاءَ الَّذِي وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ لَيْسَ فِيهِ مَا وَقَعَ بِمَكَّةَ مِنِ اسْتِفْتَاحِ أَبْوَابِ السَّمَاوَاتِ بَابًا بَابًا، وَلَا مِنِ الْتِقَاءِ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي سَمَاءٍ، وَلَا الْمُرَاجَعَةِ مَعَهُمْ، وَلَا الْمُرَاجَعَةِ مَعَ مُوسَى فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِفَرْضِ الصَّلَوَاتِ، وَلَا فِي طَلَبِ تَخْفِيفِهَا، وَسَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَكَرَّرَتْ قَضَايَا كَثِيرَةٌ سِوَى ذَلِكَ رَآهَا النَّبِيُّ فَمِنْهَا بِمَكَّةَ الْبَعْضُ، وَمِنْهَا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ الْبَعْضُ، وَمُعْظَمُهَا فِي الْمَنَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَأَجِدُ) بِكَسْرِ الْجِيمِ بِلَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لِتَحَقُّقِ صُورَةِ الْحَالِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَخَذَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي.

قَوْلُهُ: (النَّبِيَّ) بِالنَّصْبِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ.

قَوْلُهُ: يَمُرُّ مَعَهُ الْأُمَّةُ أَيِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ.

قَوْلُهُ: وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشْرُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ رَاءٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ وَمَعَهُمُ الرَّهْطُ زَادَ عَبْثَرٌ فِي رِوَايَتِهِ وَالشَّيْءُ وَفِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ نَحْوُهُ لَكِنْ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا آنِفًا، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَالنَّبِيَّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ، وَالرَّهْطُ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الْعِصَابَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ. وَالْحَاصِلُ مِنْ هَذِهِ الرَّوِيَّاتِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَتَفَاوَتُونَ فِي عَدَدِ أَتْبَاعِهِمْ.

قَوْلُهُ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ فِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، وَالسَّوَادُ ضِدُّ الْبَيَاضِ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يُرَى مِنْ بَعِيدٍ، وَصَفَهُ بِالْكَثِيرِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِلَفْظِ الْجِنْسِ لَا الْوَاحِدِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ مَلَأَ الْأُفُقَ الْأُفُقُ النَّاحِيَةُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا نَاحِيَةُ السَّمَاءِ.

قَوْلُهُ: قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، هَؤُلَاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا، فِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ: فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: حَتَّى

مَرَّ عَلَى مُوسَى فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَعْجَبَنِي فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقِيلَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى مَعَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَالْكَبْكَبَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ هِيَ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ إِذَا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.

قَوْلُهُ: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَظِيمٌ وَزَادَ فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ مِثْلُهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ، فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَإِذَا الْأُفُقُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ، وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: فَرَأَيْتُ أُمَّتِي قَدْ مَلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ، فَأَعْجَبَنِي كَثْرَتُهُمْ وَهَيْئَتُهُمْ، فَقِيلَ: أَرَضِيتَ يَا مُحَمَّدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ كَوْنَهُ لَمْ يَعْرِفْ أُمَّتَهُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُمْ أُمَّةُ مُوسَى، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ تَرَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ فَقَالَ: إِنَّهُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، وَفِي لَفْظٍ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمْ، وَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَشْخَاصَ الَّتِي رَآهَا فِي الْأُفُقِ لَا يُدْرَكُ مِنْهَا إِلَّا الْكَثْرَةُ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ لِأَعْيَانِهِمْ، وَأَمَّا مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا قَرُبُوا مِنْهُ، وَهَذَا كَمَا يَرَى الشَّخْصُ شَخْصًا عَلَى بُعْدٍ، فَيُكَلِّمُهُ وَلَا يَعْرِفُ أَنَّهُ أَخُوهُ، فَإِذَا صَارَ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ عَرَفَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ الْحَوْضَ.

قَوْلُهُ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: مَعَهُمْ بَدَلَ قُدَّامَهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ: وَمَعَ هَؤُلَاءِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّةُ، فَإِنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا الْمَذْكُورِينَ مِنْ جُمْلَةِ أُمَّتِهِ لَكِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي الَّذِينَ عُرِضُوا، إِذْ ذَاكَ فَأُرِيدَ الزِّيَادَةُ فِي تَكْثِيرِ أُمَّتِهِ بِإِضَافَةِ السَّبْعِينَ أَلْفًا إِلَيْهِمْ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْثَرِ بْنِ الْقَاسِمِ هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَالْإِشَارَةُ بِهَؤُلَاءِ إِلَى الْأُمَّةِ لَا إِلَى خُصُوصِ مَنْ عُرِضَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَعَ بِمَعْنَى مِنْ، فَتَأْتَلِفُ الرِّوَايَاتُ.

قَوْلُهُ: قُلْتُ: وَلِمَ؟ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا يَسْتَفْهِمُ بِهَا عَنِ السَّبَبِ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَشُرَيْحٍ، عَنْ هُشَيْمٍ: ثُمَّ نَهَضَ - أَيِ النَّبِيُّ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَحَاصَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: هُمُ الَّذِينَ وَفِي رِوَايَةِ عَبْثَرٍ: فَدَخَلَ وَلَمْ يَسْأَلُوهُ، وَلَمْ يُفَسِّرْ لَهُمْ وَالْبَاقِي نَحْوُهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ فَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ، وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ فَخَرَجَ فَقَالَ وَفِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ: فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ، وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَقَالَ بَعْضُنَا: هُمُ الشُّهَدَاءُ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: مَنْ رَقَّ قَلْبُهُ لِلْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: كَانُوا لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ اتَّفَقَ عَلَى ذِكْرِ هَذِهِ الْأَرْبَعِ مُعْظَمُ الرِّوَايَاتِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْبَعْضِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ سَقَطَ: وَلَا يَتَطَيَّرُونَ هَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ اللَّذَيْنِ أَشَرْتُ إِلَيْهِمَا بِنَحْوِ الْأَرْبَعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَلَا يَرْقُونَ بَدَلَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَقَدْ أَنْكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَزَعَمَ أَنَّهَا غَلَطٌ مِنْ رَاوِيهَا، وَاعْتَلَّ بِأَنَّ الرَّاقِيَ يُحْسِنُ إِلَى الَّذِي يَرْقِيهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مَطْلُوبَ التَّرْكِ؟ وَأَيْضًا فَقَدْ رَقَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ وَرَقَى النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الرُّقَى وَقَالَ:

مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ، وَالنَّفْعُ مَطْلُوبٌ قَالَ: وَأَمَّا الْمُسْتَرِقِي فَإِنَّهُ يَسْأَلُ غَيْرَهُ وَيَرْجُو نَفْعَهُ، وَتَمَامُ التَّوَكُّلِ يُنَافِي ذَلِكَ.

قَالَ: وَإِنَّمَا الْمُرَادُ وَصْفُ السَّبْعِينَ بِتَمَامِ التَّوَكُّلِ فَلَا يَسْأَلُونَ غَيْرَهُمْ أَنْ يَرْقِيَهُمْ، وَلَا يَكْوِيَهُمْ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ مِنْ شَيْءٍ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَافِظٌ، وَقَدِ اعْتَمَدَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَاعْتَمَدَ مُسْلِمٌ عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ، وَبِأَنَّ تَغْلِيطَ الرَّاوِي مَعَ إِمْكَانِ تَصْحِيحِ الزِّيَادَةِ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى التَّغْلِيطِ مَوْجُودٌ فِي الْمُسْتَرِقِي؛ لِأَنَّهُ اعْتَلَّ بِأَنَّ الَّذِي لَا يَطْلُبُ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يَرْقِيَهُ تَامُّ التَّوَكُّلِ، فَكَذَا يُقَالُ لَهُ وَالَّذِي يَفْعَلُ غَيْرُهُ بِهِ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَكِّنَهُ مِنْهُ لِأَجْلِ تَمَامِ التَّوَكُّلِ، وَلَيْسَ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْ جِبْرِيلَ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُدَّعَى، وَلَا فِي فِعْلِ النَّبِيِّ لَهُ أَيْضًا دَلَالَةٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ، وَتَبَيينِ الْأَحْكَامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا تَرَكَ الْمَذْكُورُونَ الرُّقَى وَالِاسْتِرْقَاءَ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكِلَ نَفْسَهُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَالرُّقْيَةُ فِي ذَاتِهَا لَيْسَتْ مَمْنُوعَةً، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهَا مَا كَانَ شِرْكًا أَوِ احْتَمَلَهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ : اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، وَلَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكٌ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عِلَّةِ النَّهْيِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الطِّبِّ.

وَقَدْ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الرُّقَى وَالْكَيِّ قَادِحٌ فِي التَّوَكُّلِ بِخِلَافِ سَائِرِ أَنْوَاعِ الطِّبِّ، وَفُرِّقَ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ بِأَنَّ الْبُرْءَ فِيهِمَا أَمْرٌ مَوْهُومٌ، وَمَا عَدَاهُمَا مُحَقَّقٌ عَادَةً كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَلَا يَقْدَحُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَكْثَرَ أَبْوَابِ الطِّبِّ مَوْهُومٌ، وَالثَّانِي أَنَّ الرُّقَى بِأَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - تَقْتَضِي التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ وَالِالْتِجَاءَ إِلَيْهِ، وَالرَّغْبَةَ فِيمَا عِنْدَهُ، وَالتَّبَرُّكَ بِأَسْمَائِهِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي التَّوَكُّلِ لَقَدَحَ الدُّعَاءُ؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَقَدْ رُقِيَ النَّبِيُّ وَرَقَى وَفَعَلَهُ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، فَلَوْ كَانَ مَانِعًا مِنَ اللَّحَاقِ بِالسَّبْعِينَ أَوْ قَادِحًا فِي التَّوَكُّلِ لَمْ يَقَعْ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَفْضَلُ مِمَّنْ عَدَاهُمْ.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى أَنَّ السَّبْعِينَ الْمَذْكُورِينَ أَرْفَعُ رُتْبَةً مِنْ غَيْرِهِمْ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَجَوَّزَ أَبُو طَالِبِ بْنُ عَطِيَّةَ فِي مُوَازَنَةِ الْأَعْمَالِ أَنَّ السَّبْعِينَ الْمَذْكُورِينَ هُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ السَّابِقِينَ فَمُسَلَّمٌ وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ حَدِيثًا، وَفِيهِ وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا حَتَّى تَبَوَّءُوا أَنْتُمْ، وَمَنْ صَلَحَ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَذُرِّيَّاتِكُمْ مَسَاكِنَ فِي الْجَنَّةِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَزِيَّةَ السَّبْعِينَ بِالدُّخُولِ بِغَيْرِ حِسَابٍ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ، بَلْ فِيمَنْ يُحَاسَبُ فِي الْجُمْلَةِ مَنْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهُمْ، وَفِيمَنْ يَتَأَخَّرُ عَنِ الدُّخُولِ مِمَّنْ تَحَقَّقَتْ نَجَاتُهُ وَعُرِفَ مَقَامُهُ مِنَ الْجَنَّةِ يَشْفَعُ فِي غَيْرِهِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، وَسَأَذْكُرُ بَعْدَ قَلِيلٍ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مُحْصَنٍ أَنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا مِمَّنْ يُحْشَرُ مِنْ مَقْبَرَةِ الْبَقِيعِ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ خُصُوصِيَّةٌ أُخْرَى.

قَوْلُهُ: وَلَا يَتَطَيَّرُونَ تَقَدَّمَ بَيَانُ الطِّيرَةِ فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يَتَشَاءَمُونَ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

قَوْلُهُ: وَعَلَى رَبِّهمْ يَتَوَكَّلُونَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُفَسِّرَةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِرْقَاءِ وَالِاكْتِوَاءِ وَالطِّيَرَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ صِفَةً وَاحِدَةً مِنْهَا صِفَةٌ خَاصَّةٌ مِنَ التَّوَكُّلِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي التَّوَكُّلِ فِي بَابُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ قَرِيبًا وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: لَا يَسْتَحِقُّ اسْمُ التَّوَكُّلِ إِلَّا مَنْ لَمْ يُخَالِطْ قَلْبَهُ خَوْفُ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - حَتَّى لَوْ هَجَمَ عَلَيْهِ الْأَسَدُ لَا يَنْزَعِجُ، وَحَتَّى لَا يَسْعَى فِي طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَوْنِ اللَّهِ ضَمِنَهُ لَهُ وَأَبَى هَذَا الْجُمْهُورُ وَقَالُوا: يَحْصُلُ التَّوَكُّلُ بِأَنْ يَثِقَ بِوَعْدِ اللَّهِ وَيُوقِنَ بِأَنَّ قَضَاءَهُ وَاقِعٌ، وَلَا يَتْرُكَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ فِي ابْتِغَاءِ الرِّزْقِ مِمَّا لَا بُدَّ

لَهُ مِنْهُ مِنْ مَطْعَمٍ وَمُشْرَبٍ وَتَحَرُّزٍ مِنْ عَدُوٍّ بِإِعْدَادِ السِّلَاحِ وَإِغْلَاقِ الْبَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَطْمَئِنُّ إِلَى الْأَسْبَابِ بِقَلْبِهِ، بَلْ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا لَا تَجْلِبُ بِذَاتِهَا نَفْعًا وَلَا تَدْفَعُ ضُرًّا، بَلِ السَّبَبُ وَالْمُسَبَّبُ فِعْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْكُلُّ بِمَشِيئَتِهِ، فَإِذَا وَقَعَ مِنَ الْمَرْءِ رُكُونٌ إِلَى السَّبَبِ قَدَحَ فِي تَوَكُّلِهِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ عَلَى قِسْمَيْنِ وَاصِلٌ وَسَالِكٌ، فَالْأَوَّلُ صِفَةُ الْوَاصِلِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَلْتَفِتُ إِلَى الْأَسْبَابِ وَلَوْ تَعَاطَاهَا، وَأَمَّا السَّالِكُ فَيَقَعُ لَهُ الِالْتِفَاتُ إِلَى السَّبَبِ أَحْيَانًا إِلَّا أَنَّهُ يَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِالطُّرُقِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْأَذْوَاقِ الْحَالِيَّةِ إِلَى أَنْ يَرْتَقِيَ إِلَى مَقَامِ الْوَاصِلِ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ

الْقُشَيْرِيُّ: التَّوَكُّلُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَأَمَّا الْحَرَكَةُ الظَّاهِرَةُ فَلَا تُنَافِيهِ إِذَا تَحَقَّقَ الْعَبْدُ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، فَإِنْ تَيَسَّرَ شَيْءٌ فَبِتَيْسِيرِهِ، وَإِنْ تَعَسَّرَ فَبِتَقْدِيرِهِ. وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الِاكْتِسَابِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: أَفْضَلُ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَكَانَ دَاوُدُ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ. فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: كَيْفَ تَطْلُبُ مَا لَا تَعْرِفُ مَكَانَهُ؟ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ يَفْعَلُ السَّبَبَ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ فِيمَا يَخْرُجُ عَنْ قُدْرَتِهِ، فَيَشُقُّ الْأَرْضَ مَثَلًا، وَيُلْقِي الْحَبَّ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ فِي إِنْبَاتِهِ، وَإِنْزَالِ الْغَيْثِ لَهُ، وَيُحَصِّلُ السِّلْعَةَ مَثَلًا وَيَنْقُلُهَا، وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ فِي إِلْقَاءِ الرَّغْبَةِ فِي قَلْبِ مَنْ يَطْلُبُهَا مِنْهُ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ التَّكَسُّبُ وَاجِبًا كَقَادِرٍ عَلَى الْكَسْبِ يَحْتَاجُ عِيَالُهُ لِلنَّفَقَةِ، فَمَتَى تَرَكَ ذَلِكَ كَانَ عَاصِيًا.

وَسَلَكَ الْكَرْمَانِيُّ فِي الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ مَسْلَكَ التَّأْوِيلِ فَقَالَ: قَوْلُهُ: لَا يَكْتَوُونَ مَعْنَاهُ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الشِّفَاءَ مِنَ اللَّهِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ الْكَيِّ، وَقَوْلُهُ: وَيَسْتَرْقُونَ مَعْنَاهُ بِالرُّقَى الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَرُقَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شِرْكٌ، وَقَوْلُهُ: وَلَا يَتَطَيَّرُونَ أَيْ لَا يَتَشَاءَمُونَ بِشَيْءٍ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمُ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ أَعْمَالَ الْجَاهِلِيَّةِ فِي عَقَائِدِهِمْ.

قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْمُتَّصِفَ بِهَذَا أَكْثَرُ مِنَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، فَمَا وَجْهُ الْحَصْرِ فِيهِ؟ وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ التَّكْثِيرَ لَا خُصُوصَ الْعَدَدِ قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ وَصْفُهُمْ بِأَنَّهُمْ تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَضَى فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ، وَالَّذِينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: مِنْهَا رِوَايَةُ أَبِي يُونُسَ، وَهَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ، وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا، لَا يُحَاسَبُونَ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى أَنَّ مَعَ السَّبْعِينَ أَلْفًا زِيَادَةً عَلَيْهِمْ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْثِ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي فَوَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ سِيَاقِ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَزَادَ فَاسْتَزَدْتُ ربي فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَعَنْ ثَوْبَانَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ، فَهَذِهِ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَجَاءَ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى أكثر مِنْ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ: وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَذَابَ، وَثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي.

وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ نَحْوُهُ بِلَفْظِ ثُمَّ يَشْفَعُ كُلُّ أَلْفٍ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا، ثُمَّ يُحْثِي رَبِّي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِكَفَّيْهِ وَفِيهِ:

فَكَبَّرَ عُمَرُ فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا يُشَفِّعُهُمُ اللَّهُ فِي آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَدْنَى أُمَّتِي الْحَثَيَاتِ وَأَخْرَجَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ لَهُ عِلَّةً قُلْتُ: عِلَّتُهُ الِاخْتِلَافُ فِي سَنَدِهِ، فَإِنَّ الطَّبَرَانِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَامٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَامٍ أَيْضًا فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ أَنَّ قَيْسَ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْأَنْمَارِيَّ حَدَّثَهُ فَذَكَرَهُ وَزَادَ: قَالَ قَيْسٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ : وَذَلِكَ يَسْتَوْعِبُ مُهَاجِرِي أُمَّتِي، وَيُوَفِّي اللَّهُ بَقِيَّتَهُمْ مِنْ أَعْرَابِنَا.

وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَحَسَبْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَبَلَغَ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفٍ وَتِسْعَمِائَةِ أَلْفٍ يَعْنِي مَنْ عَدَا الْحَثَيَاتِ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ نَحْوَ حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ، وَزَادَ: وَالْخَبِيئَةُ - بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَهَمْزَةٍ وَزْنَ عَظِيمَةٍ - عِنْدَ رَبِّي، وَوَرَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَا يَزِيدُ عَلَى الْعَدَدِ الَّذِي حَسَبَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْأَنْمَارِيُّ، فَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوُهُ بِلَفْظِ: أَعْطَانِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا سَبْعِينَ أَلْفًا، وَفِي سَنَدِهِ رَاوِيَانِ أَحَدُهُمَا ضَعِيفُ الْحِفْظِ وَالْآخَرُ لَمْ يُسَمَّ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مِثْلُهُ وَفِيهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَاخْتُلِفَ فِي سَنَدِهِ، وَفِي سِيَاقِ مَتْنِهِ، وَعِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ نَحْوُهُ، وَعِنْدَ الْكَلَابَاذِيِّ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ بِسَنَدٍ وَاهٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَاتَّبَعْتُهُ، فَإِذَا هُوَ فِي مَشْرُبَةٍ يُصَلِّي، فَرَأَيْتُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَةَ أَنْوَارٍ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: رَأَيْتِ الْأَنْوَارَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.

قَالَ: إِنَّ آتِيًا أَتَانِي مِنْ رَبِّي فَبَشَّرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، ثُمَّ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ مِنْ أُمَّتِي مَكَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، ثُمَّ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ مِنْ أُمَّتِي مَكَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا الْمُضَاعَفَةِ سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، لَا يَبْلُغُ هَذَا أُمَّتِي قَالَ: أُكَمِّلُهُمْ لَكَ مِنَ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ لَا يَصُومُ وَلَا يُصَلِّي. قَالَ الْكَلَابَاذِيُّ: الْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ أَوَّلًا أُمَّةُ الْإِجَابَةِ، وَبِقَوْلِهِ آخِرًا أُمَّتِي أُمَّةُ الِاتِّبَاعِ، فَإِنَّ أُمَّتَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَخَصُّ مِنَ الْآخَرِ أُمَّةُ الِاتِّبَاعِ، ثُمَّ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ، ثُمَّ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ، فَالْأُولَى أَهْلُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالثَّانِيَةُ مُطْلَقُ الْمُسْلِمِينَ، وَالثَّالِثَةُ مَنْ عَدَاهُمْ مِمَّنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ هُوَ مِقْدَارُ الْحَثَيَاتِ، فَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ أَوْ غَيْرِهِ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: هَكَذَا، وَجَمَعَ كَفَّيْهِ فَقَالَ: زِدْنَا، فَقَالَ: وَهَكَذَا فَقَالَ عُمَرُ: حَسْبُكَ أَنَّ اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَدْخَلَ خَلْقَهُ الْجَنَّةَ بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ : صَدَقَ عُمَرُ، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ لَكِنِ اخْتُلِفَ عَلَى قَتَادَةَ فِي سَنَدِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا.

قَوْلُهُ: فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا، يُقَالُ: عَكِشَ الشَّعْرُ وَيَعْكَشُ إِذَا الْتَوَى حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ مِنْ عَكَشَ الْقَوْمُ إِذَا حَمَلَ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ الْعُكَاشَةُ بِالتَّخْفِيفِ الْعَنْكَبُوتُ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِبَيْتِ النَّمْلِ، وَمِحْصَنُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ نُونٌ آخِرُهُ هُوَ ابْنُ حُرْثَانَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَمِنْ حُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ. كَانَ عُكَّاشَةُ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ الرِّجَالِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو مِحْصَنٍ، وَهَاجَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا، وَقَاتَلَ فِيهَا، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: خَيْرُ فَارِسٍ فِي الْعَرَبِ عُكَّاشَةُ، وَقَالَ أَيْضًا: قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى انْقَطَعَ سَيْفُهُ فِي يَدِهِ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ جَزْلًا مِنْ حَطَبٍ فَقَالَ: قَاتِلْ بِهَذَا، فَقَاتَلَ بِهِ فَصَارَ فِي يَدِهِ سَيْفًا طَوِيلًا شَدِيدَ الْمَتْنِ أَبْيَضَ فَقَاتَلَ بِهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ،

فَكَانَ ذَلِكَ السَّيْفُ عِنْدَهُ حَتَّى اسْتُشْهِدَ فِي قِتَالِ الرِّدَّةِ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.

قَوْلُهُ: فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِثْلُهُ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ - وَسَاقَ مُسْلِمٌ سَنَدَهُ - قَالَ: فَدَعَا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ قَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ سَأَلَ الدُّعَاءَ أَوَّلًا فَدَعَا لَهُ ثُمَّ اسْتَفْهَمَ قِيلَ: أُجِبْتَ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ وَقَعَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ هَلْ قَالَ: ادْعُ لِي أَوْ قَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا كَمَا وَقَعَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي بَعْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَجَاءَ مِنْ طَرِيقٍ وَاهِيَةٍ أَنَّهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي الْمُبْهَمَاتِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حُذَيْفَةَ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ الْبُخَارِيِّ أَحَدِ الضُّعَفَاءِ مِنْ طَرِيقَيْنِ لَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ غَزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَسَاقَ قِصَّةً طَوِيلَةً، وَفِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ; ثَمَانُونَ صَفًّا مِنْهَا أُمَّتِي، وَأَرْبَعُونَ صَفًّا سَائِرُ الْأُمَمِ، وَلِي مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يدْخَلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، قِيلَ: مَنْ هُمْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ عُكَّاشَةَ مِنْهُمْ، قال: فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ قَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ الْحَدِيثَ، وَهَذَا مَعَ ضَعْفِهِ وَإِرْسَالِهِ يُسْتَبْعَدُ مِنْ جِهَةِ جَلَالَةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ آخَرُ بِاسْمِ سَيِّدِ الْخَزْرَجِ، وَاسْمِ أَبِيهِ، وَنِسْبَتِهِ، فَإِنَّ فِي الصَّحَابَةِ كَذَلِكَ آخَرَ لَهُ فِي مُسْنَدِ بِقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ حَدِيثٌ وَفِي الصَّحَابَةِ سَعْدُ بْنُ عِمَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَلَعَلَّ اسْمَ أَبِيهِ تَحَرَّفَ.

قَوْلُهُ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الرُّوَاةِ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَزَّارِ، وَأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، فَزَادَ: فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ، وَصَاحِبُهُ أَمَا لَوْ قُلْتُمْ لَقُلْتُ، وَلَوْ قُلْتُ لَوَجَبَتْ، وَفِي سَنَدِهِ عَطِيَّةُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَجْوِبَةُ الْعُلَمَاءِ فِي الْحِكْمَةِ في قَوْلُهُ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ فَأَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُمَرَ الزَّاهِدِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى الْمَعْرُوفَ بِثَعْلَبٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كَانَ مُنَافِقًا، وَكَذَا نَقَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاسِ الْبِرْتِيِّ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ فَقَالَ: كَانَ الثَّانِي مُنَافِقًا، وَكَانَ لَا يُسْأَلُ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَعْطَاهُ فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ نَحْوَ قَوْلِ ثَعْلَبٍ، وَق الَ ابْنُ نَاصِرٍ: قَوْلُ ثَعْلَبٍ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ؛ لِأَنَّ سَنَدَهَا وَاهٍ، وَاسْتَبْعَدَ السُّهَيْلِيُّ قَوْلَ ثَعْلَبٍ بِمَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ خِيَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا مَعَ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ: سَبَقَكَ أَيْ إِلَى إِحْرَازِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَهِيَ التَّوَكُّلُ وَعَدَمُ التَّطَيُّرِ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ وَعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ: لَسْتَ مِنْهُمْ، أَوْ لَسْتَ عَلَى أَخْلَاقِهِمْ تَلَطُّفًا بِأَصْحَابِهِ وَحُسْنَ أَدَبِهِ مَعَهُمْ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْأَوَّلَ سَأَلَ عَنْ صِدْقِ قَلْبٍ فَأُجِيبَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ حَسْمُ الْمَادَّةِ، فَلَوْ قَالَ لِلثَّانِي: نَعَمْ لَأَوْشَكَ أَنْ يَقُومَ ثَالِثٌ وَرَابِعٌ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الثَّانِي مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ مَا كَانَ عِنْدَ عُكَّاشَةَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجَبْ إِذْ لَوْ أَجَابَهُ لَجَازَ أَنْ يَطْلُبَ ذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ حَاضِرًا، فَيَتَسَلْسَلُ فَسَدَّ الْبَابَ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: كَانَ مُنَافِقًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّحَابَةِ عَدَمُ النِّفَاقِ، فَلَا يَثْبُتُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ إِلَّا بِنَقْلٍ صَحِيحٍ، وَالثَّانِي أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذَا السُّؤَالِ إِلَّا عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ، وَيَقِينٍ بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ وكَيْفَ يصَدر ذَلِكَ مِنْ مُنَافِقٍ؟ وَإِلَى هَذَا جَنَحَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ.

وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ عَلِمَ بِالْوَحْيِ أَنَّهُ يُجَابُ فِي عُكَّاشَةَ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْآخَرِ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: الَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّهَا

كَانَتْ سَاعَةَ إِجَابَةٍ، عَلِمَهَا وَاتَّفَقَ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ بَعْدَ مَا انْقَضَتْ، وَيُبَيِّنُهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ثُمَّ جَلَسُوا سَاعَةً يَتَحَدَّثُونَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ بَعْدَ قَوْلِهِ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ وَبَرَدَتِ الدَّعْوَةُ أَيِ انْقَضَى وَقْتُهَا. قُلْتُ: فَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ عَلَى خَمْسَةِ أَجْوِبَةٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى -. ثُمَّ وَجَدْتُ لِقَوْلِ ثَعْلَبٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مُسْتَنَدًا وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ فِي مُسْنَدِهِ وَعُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ مَوْلَى حَمْنَةَ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مَعَ النَّبِيِّ إِلَى الْبَقِيعِ فَقَالَ: يُحْشَرُ مِنْ هَذِهِ الْمَقْبَرَةِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا؟ قَالَ: وَأَنْتَ. فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَنَا؟ قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ قَالَ: قُلْتُ لَهَا: لِمَ لَمْ يَقُلْ لِلْآخَرِ؟ فَقَالَتْ: أَرَاهُ كَانَ مُنَافِقًا فَإِنْ كَانَ هَذَا أَصْل مَا جَزَمَ بِهِ مَنْ قَالَ: كَانَ مُنَافِقًا فَلَا يَدْفَع تَأْوِيل غَيْره إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الظَّنُّ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

قَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، لَكِنَّ مُعَاذَ بْنَ أَسَدٍ شَيْخَ الْبُخَارِيِّ فِيهِ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، لَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ بِضَمِّ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمِيمِ هِيَ الْجَمَاعَةُ إِذا كَانَ بَعْضُهُمْ إِثْرَ بَعْضٍ.

قَوْلُهُ: سَبْعُونَ أَلْفًا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَعُرِفَ مِنْ مَجْمُوعِ الطُّرُقِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ الَّذِينَ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَعْنَى الْمَعِيَّةِ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَاضِيَةِ: مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلُوا بِدُخُولِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِثْلُ أَعْمَالِهِمْ كَمَا مَضَى حَدِيثُ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَعِيَّةِ مُجَرَّدُ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَإِنْ دَخَلُوهَا فِي الزُّمْرَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ مَا بَعْدَهَا وَهَذِهِ أَوْلَى.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَذَاكَ الَّذِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَذَاكَ الَّذِي يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَمَنْ أَوْبَقَ نَفْسَهُ فَهُوَ الَّذِي يُشْفَعُ فِيهِ بَعْدَ أَنْ يُعَذَّبَ وَفِي التَّقْييدِ بِقَوْلِهِ: أُمَّتِي إِخْرَاجُ غَيْرِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِنَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ دُخُولِ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ - مِنْ شِبْهِ الْقَمَرِ، وَمِنَ الْأَوَّلِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - كَالْأَنْبِيَاءِ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالصَّالِحِينَ، وَإِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ أُمِّ قَيْسٍ فَفِيهِ تَخْصِيصٌ آخَرُ بِمَنْ يُدْفَنُ فِي الْبَقِيعِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهِيَ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِالصُّورَةِ الصِّفَةُ يَعْنِي أَنَّهُمْ فِي إِشْرَاقِ وُجُوهِهِمْ عَلَى صِفَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ تَمَامِهِ، وَهِيَ لَيْلَةُ أَرْبَعَةَ عَشْرَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ أَنْوَارَ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ دَرَجَاتِهِمْ قُلْتُ: وَكَذَا صِفَاتُهُمْ فِي الْجَمَالِ وَنَحْوِهِ.

قَوْلُهُ: يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ هِيَ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ كَالشَّمْلَةِ مُخَطَّطَةٌ بِسَوَادٍ وَبَيَاضٍ يَلْبَسُهَا الْأَعْرَابُ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:

قَوْلُهُ: أَبُو غَسَّانَ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ثَقِيلَةٍ، أَبُو حَازِمٍ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ سَبْعمِائَةِ أَلْفٍ شَكَّ فِي أَحَدِهِمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ لَا يَدْرِي أَبُو حَازِمٍ أَيَّهُمَا قَالَ.

قَوْلُهُ: مُتَمَاسِكِينَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مُتَمَاسِكُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الصِّفَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: كَذَا فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالنَّصْبِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

قَوْلُهُ: حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ هُوَ غَايَةٌ لِلتَّمَاسُكِ الْمَذْكُورِ، وَالْأَخْذِ بِالْأَيْدِي،

وَفِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَاضِيَةِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ: لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ يَسْتَلْزِمُ الدَّوْرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ صَفًّا وَاحِدًا، فَيَدْخُلُ الْجَمِيعُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَوَصَفَهُمْ بِالْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ الَّتِي جَازُوا فِيهَا عَلَى الصِّرَاطِ، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى سَعَةِ الْبَابِ الَّذِي يَدْخُلُونَ مِنْهُ الْجَنَّةَ قَالَ عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى كَوْنِهِمْ مُتَمَاسِكِينَ أَنَّهُمْ عَلَى صِفَةِ الْوَقَارِ، فَلَا يُسَابِقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، بَلْ يَكُونُ دُخُولُهُمْ جَمِيعًا وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مُعْتَرِضِينَ صَفًّا وَاحِدًا، بَعْضُهُمْ بِجَنْبِ بَعْضٍ.

(تَنْبِيهٌ): هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَخُصُّ عُمُومَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رَفَعَهُ: لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا عَمِلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ. وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: عُمُومُ الْحَدِيثِ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَبِمَنْ يَدْخُلُ النَّارَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ الْآيَةَ.

قُلْتُ: وَفِي سِيَاقِ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ إِشَارَةٌ إِلَى الْخُصُوصِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ كل أَحَد عِنْدَهُ عِلْمٌ يُسْأَلُ عَنْهُ، وَكَذَا الْمَالُ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَهُ عِلْمٌ، وَبِمَنْ لَهُ مَالٌ دُونَ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَمَنْ لَا عِلْمَ لَهُ، وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنِ الْجَسَدِ وَالْعُمُرِ فَعَامٌّ، وَيَخُصُّ مِنَ الْمَسْئُولِينَ مَنْ ذُكِرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الرابعُ:

قَوْلُهُ: يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ ابْنُ سَعْدٍ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ.

قَوْلُهُ: يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ: إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، أُتِيَ بِالْمَوْتِ. وَوَقَعَ مِثْلُهُ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذِكْرِ الْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ: فَإِذَا أَدْخَلَ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ أَتَى بِالْمَوْتِ مُلَبَّبًا، وَهُوَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ قبل هَذَا قِصَّةُ ذَبْحِ الْمَوْتِ وَلَفْظُهُ: ثُمَّ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ، لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْمُنَادِي.

قَوْلُهُ: يَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ، خُلُودٌ. أَمَّا قَوْلُهُ: لَا مَوْتَ فَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فِيهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: خُلُودٌ فَهَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَلَيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَعْقُوبَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بِتَقْدِيمِ نِدَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ: لَا مَوْتَ فِيهِمَا، بَلْ قَالَ: كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، وَضَبْطُ خُلُودٌ فِي الْبُخَارِيِّ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، أَيْ هَذَا الْحَالُ مُسْتَمِرٌّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ خَالِدٍ أَيْ أَنْتُمْ خَالِدُونَ فِي الْجَنَّةِ.

الْحَدِيثُ الخامسُ:

حديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَوْلُهُ يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، سَقَطَ لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَوْلُهُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ وَثَبَتَ لِلْجَمِيعِ فِي مُقَابِلِهِ: يَا أَهْلَ النَّارِ.

قَوْلُهُ: لَا مَوْتَ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: لَا مَوْتَ فِيهِ، وَسَيَأْتِي فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّ ذَلِكَ يُقَالُ لِلْفَرِيقَيْنِ عِنْدَ ذَبْحِ الْمَوْتِ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

(تَنْبِيهٌ): مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي قَبْلَهُ لِتَرْجَمَةِ دُخُولِ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَخْلُدُ فِيهَا، فَيَكُونُ لِلسَّابِقِ إِلَى الدُّخُولِ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥١ - بَاب صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٥٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بنِ شهابٍ، أنَّه (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) أبو محمَّد المخزوميُّ، أحدُ الأعلام وسيِّدُ التَّابعين (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: يَدْخُلُ مِنْ) ولأبي ذرٍّ: «يدخل الجنَّة من» (أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) ليلةَ أربعة عشر (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ، وسقطت واو «وقال» لأبي ذرٍّ بالسَّند المذكور: (فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ) كِساءً فيه خطوطٌ بيضٌ وسودٌ كأنَّها أُخذت من جلدِ النَّمر (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (٢) (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ : سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ) أي: بها، وفي التَّقييد بقوله: «من أُمَّتي» إخراجُ غير هذه الأمَّة المحمَّديَّة من العددِ المذكور، وليس فيه نفيُ دخول أحدٍ من غير هذه الأمَّة على الصِّفة المذكورةِ من التَّشبيه بالقمرِ ومن الأوَّليَّة وغير ذلك كالأنبياء والشُّهداء والصِّدِّيقين والصَّالحين.

والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الإيمان».

٦٥٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن الحكم بنِ محمَّد بن أبي مريم، أبو محمَّدٍ (٣) الجُمحيُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة وبعد الألف نون، محمَّد بنُ مطرِّفٍ اللَّيثيُّ المدنيُّ، إمامٌ سكن عسقلان، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بنُ دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ) قال: (سَبْعُ مِئَةِ أَلْفٍ. شَكَّ) أبو حازم (فِي أَحَدِهِمَا) قال:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَن أَبِيه هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة عَن أنس. وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن معمر بِفَتْح الميمين الْقَيْسِي الْمَعْرُوف بالبحراني ضد البراني عَن روح بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: { (٢) وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} (الْبَقَرَة: ٠٣) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من وَجه آخر عَن أنس وَهنا ذكره من طَرِيقين وَسَاقه بِلَفْظ سعيد.

قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (أَكنت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (مَا هُوَ أيسر من ذَلِك) أَي: أَهْون وَهُوَ التَّوْحِيد.

٩٣٥٦ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدّثنا أبي قَالَ: حدّثني الأعْمَشُ قَالَ: حدّثني خَيْثَمَةُ عنْ عَدِيِّ ابنِ حاتِمٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ وَسَيُكَلِّمُهُ الله يَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الله تُرْجُمانٌ. ثُمَّ يَنْظُرُ فَلا يَرى شَيْئاً قُدَّامَهُ، ثمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمْ أنْ يَتَّقِيَ النَّارَ ولوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) . (انْظُر الحَدِيث ٣١٤١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا أَن فِيهِ نوع مناقشة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن خَيْثَمَة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن عبد الرَّحْمَن الْجعْفِيّ عَن عدي بن حَاتِم الطَّائِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مضى مطولا فِي الزَّكَاة فِي: بَاب الصَّدَقَة قبل الرَّد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من وَجه آخر عَن عبد الله بن مُحَمَّد إِلَى آخِره.

قَوْله: (مَا مِنْكُم من أحد) ، ظَاهر الْخطاب للصحابة وَيلْحق بهم الْمُؤْمِنُونَ كلهم. قَوْله: (إلاّ وسيكلمه الله) وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (إلاّ يكلمهُ ربه) ، وَالْوَاو فِيهِ إِن صَحَّ فَهُوَ مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: إِلَّا سيخاطبه وسيكلمه. قَوْله: (لَيْسَ بَينه وَبَين الله) ، ويروى: (لَيْسَ بَين الله وَبَينه) . قَوْله: (ترجمان) ، بِضَم التَّاء وَفتحهَا وَفتح الْجِيم وَضمّهَا، وَقَالَ ابْن التِّين: روينَاهُ بِفَتْح التَّاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: فلك أَن تضم التَّاء بضمة الْجِيم يُقَال: ترْجم، كَلَامه إِذا فسره بِكَلَام آخر. قَوْله: (قدامه) أَي: أَمَامه، وَفِي التَّوْحِيد على مَا سَيَأْتِي: (فَينْظر أَيمن مِنْهُ فَلَا يرى إلَاّ مَا قدم، وَينظر أشأم فَلَا يرى إلَاّ مَا قدم) . . وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَلَا يرى شَيْئا إلَاّ شَيْئا قدمه) ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن خَليفَة: (فَينْظر عَن يَمِينه فَلَا يرى إلَاّ النَّار، وَينظر عَن شِمَاله فَلَا يرى إلَاّ النَّار) . وَقَالَ ابْن هُبَيْرَة: نظر الْيَمين وَالشمَال هُنَا كالمثل لِأَن الْإِنْسَان من شَأْنه إِذا دهمه أَمر أَن يلْتَفت يَمِينا وَشمَالًا يطْلب الْغَوْث، وَقيل: يحْتَمل أَن يطْلب طَرِيقا يهرب مِنْهُ لينجو من النَّار فَلَا يرى إلَاّ مَا يقْضِي الله بِهِ من دُخُول النَّار. قَوْله: (فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم) جَزَاؤُهُ مَحْذُوف أَي: فَلْيفْعَل، وَوَقع كَذَا فِي رِوَايَة وَكِيع.

٠٤٥٦ - قَالَ الأعْمَشُ: حدّثني عَمْرٌ وعنْ خَيْثَمَةَ عنْ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اتَّقُوا النَّارَ) ثُمَّ أعْرَضَ وأشاحَ، ثُمَّ قَالَ: (اتَّقُوا النَّارَ) ، ثُمَّ أعْرَضَ وأشاحَ ثَلاثاً حتَّى ظَنَنَّا أنّهُ يَنْظُرُ إلَيْها، ثُمَّ قَالَ: قَوْله: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) .

أَي قَالَ سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور عَن عَمْرو هُوَ ابْن مرّة عَن خَيْثَمَة، وروى الْأَعْمَش أَولا عَن خَيْثَمَة بِلَا وَاسِطَة، ثمَّ روى ثَانِيًا بالواسطة.

وَقد أخرجه مُسلم من رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش كَذَلِك، وَقد مضى الحَدِيث بأتم من هَذَا فِي كتاب الزَّكَاة من رِوَايَة مُحَمَّد بن خَليفَة.

قَوْله: (وأشاح) بالشين الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة أَي: صرف وَجهه. وَقَالَ الْخَلِيل: أشاح بِوَجْهِهِ عَن الشَّيْء نحاه عَنهُ، وَقيل: صرف وَجهه كالخائف أَن يَنَالهُ. قَوْله: (فَمن لم يجد) أَي: مَا يتَصَدَّق بِهِ على السَّائِل. قَوْله: (فبكلمة طيبَة) أَي يَدْفَعهُ أَي: السَّائِل بِكَلِمَة تطيب قلبه.

٠٥ - (بابٌ يَدْخُلُ الجَنَةَ سَبْعُونَ ألْفاً بِغَيْرِ حِسابٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يدْخل الْجنَّة ... إِلَى آخِره، وَفِي بعض النّسخ: بَاب يدْخلُونَ الْجنَّة سَبْعُونَ ألفا على لُغَة: أكلوني البراغيث.

١٤٥٦ - حدّثنا عِمْرانُ بنُ مَيْسَرَة حدّثنا ابنُ فُضَيْلٍ حدّثنا حُصَيْنٌ قالَ أبُو عَبْدِ الله: وحَدثني أسِيُد ابنُ زَيْدٍ حَدثنَا هُشَيْمٌ عنْ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حدّثني ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فأخَذَ النبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ، والنبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، والنبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ العَشَرَةُ، والنبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ، والنبيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذا سَوادُ كَثِير، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! هؤُلاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا ولاكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذا سَوادٌ كَثِيرٌ، قَالَ: هاؤلاءِ أُمَّتُكَ، وهاؤُلاءِ سَبْعُونَ ألْفاً قُدَّامَهُمْ لَا حِسابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عذابَ. قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كانُوا لَا يَكْتوونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فقامَ إلَيْهِ عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ) ثُمَّ قامَ إلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ: ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: (سَبَقَكَ بهَا عُكَّاشَةُ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن عمرَان بن ميسرَة ضد الميمنة عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن غَزوَان الضَّبِّيّ الْكُوفِي عَن حُصَيْن بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ. وَالطَّرِيق الآخر: عَن أسيد بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة ابْن زيد من الزِّيَادَة أبي مُحَمَّد الْجمال بِالْجِيم مولى صَالح الْقرشِي الْكُوفِي عَن هشيم بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن بشير الوَاسِطِيّ عَن حُصَيْن ... إِلَى آخِره. وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى رِوَايَته عَن أسيد الْمَذْكُور بقوله: قَالَ أَبُو عبد الله، وَهُوَ البُخَارِيّ. وحَدثني أسيد بن زيد ... إِلَى آخِره، وَلم يرو البُخَارِيّ عَنهُ، إلَاّ فِي هَذَا الْموضع فَقَط مَقْرُونا بعمران بن ميسرَة. فَإِن قلت: أسيد هَذَا ضَعِيف جدا ضعفه جمَاعَة مِنْهُم يحيى بن معِين وأفحش القَوْل فِيهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: كانو يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ.

قلت: قَالَ أَبُو مَسْعُود: لَعَلَّه كَانَ ثِقَة عِنْده، وَهَذَا لَا يجدي فِي الِاحْتِجَاج بِهِ، وَلِهَذَا روى عَنهُ مَقْرُونا بعمران بن ميسرَة. فَإِن قلت: مَا كَانَ الدَّاعِي لهَذَا والإسناد الأول كَانَ كَافِيا؟ .

قلت: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ فِرَارًا من تكَرر الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، فَإِنَّهُ أخرج السَّنَد الأول فِي الطِّبّ فِي: بَاب من اكتوى. ثمَّ أَعَادَهُ هُنَا فأضاف إِلَيْهِ طَرِيق هشيم. انْتهى. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ قد وَقع فِي البُخَارِيّ أَسَانِيد كَثِيرَة تَكَرَّرت بِعَينهَا فِي غير مَوضِع، وَلَا يخفى هَذَا على من يتَأَمَّل ذَلِك. وَأما الَّذِي ذكره فِي الطِّبّ فَهُوَ مطول أخرجه: عَن عمرَان بن ميسرَة عَن ابْن فُضَيْل عَن حُصَيْن عَن عَامر عَن عمرَان بن حُصَيْن الحَدِيث. وَأخرجه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مُخْتَصرا عَن مُسَدّد وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (عرضت عَليّ) بتَشْديد الْيَاء (والأمم) بِالرَّفْع. قَوْله: (الْأمة) أَي: الْعدَد الْكثير. قَوْله: (فَأخذ) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة والذال الْمُعْجَمَة فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَهُوَ من أَفعَال المقاربة وضع لدنو الْخَبَر على وَجه الشُّرُوع فِيهِ وَالْأَخْذ فِيهِ، فَتَارَة يسْتَعْمل: أَخذ اسْتِعْمَال: عَسى، فَيدْخل أَن فِي خَبره، وَتارَة يسْتَعْمل اسْتِعْمَال: كَاد، بِغَيْر أَن، ويروى: فاجد، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْجِيم وبالدال الْمُهْملَة، فعلى هَذَا لفظ النَّبِي مَنْصُوب على المفعولية، وعَلى الأول هُوَ مَرْفُوع على أَنه اسْم أَخذ. وَقَوله: (يمر) خَبره. قَوْله: (النَّفر) هُوَ رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة من الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. قَوْله: (مَعَه الْعشْرَة) بِفَتْح الشين اسْم الْعدَد الْمعِين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: الْعَشِيرَة، بِكَسْر الشين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي الْقَبِيلَة. قَوْله: (فَإِذا سَواد كثير) السوَاد بِلَفْظ. ضد الْبيَاض هُوَ الشَّخْص الَّذِي يُرى من بعيد وَوَصفه بِالْكَثْرَةِ إِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد بِلَفْظِهِ الْجِنْس. قَوْله: (فَإِذا سَواد كثير) كلمة: إِذا، للمفاجأة، وَفِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور: عَظِيم، مَوضِع: كثير. قَوْله: (قدامهم) فِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور، وَمَعَهُمْ، بدل: قدامهم، وَفِي رِوَايَة حُصَيْن بن نمير وَمَعَ هَؤُلَاءِ. قَوْله: (وَلم؟) يكسر اللَّام وَفتح الْمِيم وَيجوز تسكينها يستفهم بهَا عَن السَّبَب. قَوْله: (لَا يَكْتَوُونَ) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي عِنْد غير الضَّرُورَة والاعتقاد بِأَن الشِّفَاء من الكي.

قلت: فِيهِ تَأمل. قَوْله: (ول

ايسترقون) أَي: بالأمور الَّتِي هِيَ غير الْقُرْآن كعزائم أهل الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) أَي: لَا يتشاءمون بالطيور وَأَنَّهُمْ الَّذين يتركون أَعمال الْجَاهِلِيَّة وعقائدهم، قيل: هم أَكثر من هَذَا الْعدَد، وَأجِيب: الله أعلم بذلك مَعَ احْتِمَال أَن يُرَاد بالسبعين الْكثير، وَقَالَ بَعضهم: إِن الْعدَد الْمَذْكُور على ظَاهره. وقوّي كَلَامه بِأَحَادِيث مِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة رَفعه: وَعَدَني رَبِّي أَن يدْخل الْجنَّة من أمتِي سبعين ألفا لَا حِسَاب عَلَيْهِم وَلَا عَذَاب، وَثَلَاث حثيات من حثيات رَبِّي.

قلت: احْتِمَال الزِّيَادَة فِي السّبْعين بَاقٍ، لِأَن المُرَاد مِنْهُ لَيْسَ خُصُوص الْعدَد، والحثيات كِنَايَة عَن الْمُبَالغَة فِي الْكَثْرَة. قَالَه ابْن الْأَثِير: قَوْله: (رجل آخر) قيل: هُوَ سعد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ سيد الْخَزْرَج.

قلت: أخرجه الْخَطِيب فِي (المبهمات) : من طَرِيق أبي حُذَيْفَة إِسْحَاق بن بشر أحد الضُّعَفَاء، وَقيل: يستبعد هَذَا السُّؤَال من سعد بن عبَادَة فَلَعَلَّ هَذَا سعد بن عمَارَة الْأنْصَارِيّ وصحفه النَّاقِل. قَوْله: (سَبَقَك بهَا عكاشة) اخْتلفُوا فِي الْحِكْمَة فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِهَذَا القَوْل، فَقَالَ الْفراء: كَانَ الآخر منافقاً، ورد هَذَا بِأَن الأَصْل فِي الصَّحَابَة عدم النِّفَاق، وَقيل: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، علم بِالْوَحْي أَنه يُجَاب فِي عكاشة وَلم يَقع ذَلِك فِي حق الآخر، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يظْهر لي الأول سَأَلَ عَن صدق قلب فَأُجِيب، وَأما الثَّانِي فَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ حسم الْمَادَّة، فَلَو قَالَ للثَّانِي: نعم، فَلَا شكّ أَن يقوم ثَالِث ورابع إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ، وَلَيْسَ كل النَّاس يصلح لذَلِك، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لم يكن عِنْد الثَّانِي من تِلْكَ الْأَحْوَال مَا كَانَ عِنْد عكاشة، فَلذَلِك لم يجب. وَقَالَ السُّهيْلي: الَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّهَا كَانَت سَاعَة إِجَابَة علمهَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاتفقَ أَن الرجل قَالَ بَعْدَمَا انْقَضتْ، وَالله أعلم.

٢٤٥٦ - حدّثنا مُعاذُ بنُ أسَدٍ أخبرنَا عبدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني سَعيدُ بنُ المُسَيَّب أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حدَّثهُ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (يَدْخُلُ الجَنَّة مِنْ أُمَّتى زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ ألْفاً تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إضاءَةَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) .

وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فقامَ عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنِ الأسَدِيُّ، يَرْفَعُ نَمِرَةً عليْهِ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله {ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعلْهُ مِنْهُمْ) ثُمَّ قامَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقَالَ: يَا رَسولَ الله} ادْعُ الله أنْ يَجْعَلني عَنْهمْ. فَقَالَ: (سَبَقَكَ بهَا عُكَاشَةُ) . (انْظُر الحَدِيث ١١٨٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومعاذ بِضَم الْمِيم ابْن أَسد أَبُو عبد الله الْمروزِي نزل الْبَصْرَة، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حَرْمَلَة عَن يحيى.

قَوْله: (نمرة) هِيَ كسَاء فِيهِ خطوط بيض وسود كَأَنَّهَا أخذت من جلد النمر.

٣٤٥٦ - حدّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حدّثنا أبُو غَسَّانَ قَالَ: حدّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِيَدْخُلَنَّ الجَنَةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفاً) أَو سَبْعُمائَةِ ألْفٍ شَكَّ فِي أحَدِهِما (مِتَماسِكِينَ آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حتَّى يَدْخُلَ أوَّلُهُمْ وآخرُهُمُ الجَنَّةَ وَوُجُوهُمْ عَلى ضوْءٍ القمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) . (انْظُر الحَدِيث ٧٤٢٣ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو غَسَّان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين مُحَمَّد بن مطرف، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار.

والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي صفة الْجنَّة.

قَوْله: (شكّ فِي أَحدهمَا) وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن أبي حَازِم: لَا يدْرِي أَبُو حَازِم أَيهمَا قَالَ. قَوْله: (متماسكين) نصب على الْحَال، وَفِي رِوَايَة مُسلم: متماسكون، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هم متماسكون. وَقَالَ النَّوَوِيّ: كَذَا فِي بعض النّسخ، وَفِي بَعْضهَا بِالنّصب فكلاهما صَحِيح. قَوْله: (آخذ بَعضهم بِبَعْض) أَي: بَعضهم آخذ بِبَعْض وآخذ بِالْمدِّ وَكسر الْخَاء وَفِي رِوَايَة مُسلم: أَخذ بَعضهم بَعْضًا. قَوْله: (حَتَّى يدْخل أَوَّلهمْ وَآخرهمْ الْجنَّة) هَذَا غَايَة للتماسك الْمَذْكُور، وَالْأَخْذ بِالْأَيْدِي وَفِي رِوَايَة فُضَيْل بن سُلَيْمَان الَّتِي مَضَت فِي: بَاب صفة الْجنَّة: لَا يدْخل أَوَّلهمْ حَتَّى يدْخل آخِرهم.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

سَوَادٌ كَثِيرٌ قَالَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانُوا لَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ فقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ

٦٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ"

٦٥٤٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ "عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قال النبي : "لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ سَبْعُ مِائَةِ أَلْفٍ شَكَّ فِي أَحَدِهِمَا مُتَمَاسِكِينَ آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ الْجَنَّةَ وَوُجُوهُهُمْ عَلَى ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ"

٦٥٤٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ حَدَّثَنَا نَافِعٌ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ يَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ خُلُودٌ"

[الحديث ٦٥٤٤ - طرفه في: ٦٥٤٨]

٦٥٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال النبي : يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ "يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ وَلِأَهْلِ النَّارِ يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ"

قَوْلُهُ: (بَابٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَرَاءَ التَّقْسِيمِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَمْرًا آخَرَ، وَأَنَّ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ مَنْ لَا يُحَاسَبُ أَصْلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ، وَذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ:

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ:

قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا أبو الْفُضَيْلِ هُوَ مُحَمَّدٌ، وَحُصَيْنٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمِنَ الْوَاسِطِيُّ.

قَوْلُهُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْبُخَارِيُّ.

قَوْلُهُ: وَحَدَّثَنِي أَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الْجَمَّالُ بِالْجِيمِ كُوفِيٌّ حَدَّثَ بِبَغْدَادَ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ، وَأَفْحَشَ ابْنُ مَعِينٍ فِيهِ الْقَوْلَ. وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ قَرَنَهُ فِيهِ بِغَيْرِهِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ عِنْدَهُ ثِقَةً قَالَهُ أَبُو مَسْعُودٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ خَبُرَ أَمْرَهُ كَمَا يَنْبَغِي، وَإِنَّمَا سَمِعَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ، وَقَدْ

وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ فِرَارًا مِنْ تَكْرِيرِ الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ السَّنَدَ الْأَوَّلَ فِي الطِّبِّ فِي بَابُ مَنِ اكْتَوَى ثُمَّ أَعَادَهُ هُنَا فَأَضَافَ إِلَيْهِ طَرِيقَ هُشَيْمٍ، وَتَقَدَّمَ لَهُ فِي الطِّبِّ أَيْضًا فِي بَابِ مَنْ لَمْ يَرْقِ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنِ بْنِ بَهْزٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَتَقَدَّمَ بِاخْتِصَارٍ قَرِيبًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

قَوْلُهُ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ زَادَ ابْنُ فُضَيْلٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَامِرٍ وَهُوَ الشَّعْبِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ الْحَدِيثَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ الِاخْتِلَافَ فِي رَفْعِ حَدِيثِ عِمْرَانَ هَذَا، وَالِاخْتِلَافَ فِي سَنَدِهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَأَنَّ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ زِيَادَةَ قِصَّةٍ وَقَعَتْ لِحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّقْيَةِ، وَذَكَرْتُ حُكْمَ الرُّقْيَةِ هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (عُرِضَتْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.

قَوْلُهُ: عَلَيَّ بِالتَّشْدِيدِ، الْأُمَمُ بِالرَّفْعِ، وَقَدْ بَيَّنَ عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ وَزْنَ جَعْفَرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَلَفْظُهُ لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ جُعِلَ يُمَرُّ بِالنَّبِيِّ وَمَعَهُ الْوَاحِدُ الْحَدِيثَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَحْفُوظًا كَانَتْ فِيهِ قُوَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى تَعَدُّدِ الْإِسْرَاءِ، وَأَنَّهُ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ أَيْضًا غَيْرَ الَّذِي وَقَعَ بِمَكَّةَ، فَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ: أكربنا الْحَدِيثَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ عُدْنَا إِلَيْهِ فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ اللَّيْلَةَ بِأُمَمِهَا فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الْعِصَابَةُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ أَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ حَتَّى نَامَ بَعْضُ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَدِيثَ، وَالَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْإِسْرَاءَ الَّذِي وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ لَيْسَ فِيهِ مَا وَقَعَ بِمَكَّةَ مِنِ اسْتِفْتَاحِ أَبْوَابِ السَّمَاوَاتِ بَابًا بَابًا، وَلَا مِنِ الْتِقَاءِ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي سَمَاءٍ، وَلَا الْمُرَاجَعَةِ مَعَهُمْ، وَلَا الْمُرَاجَعَةِ مَعَ مُوسَى فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِفَرْضِ الصَّلَوَاتِ، وَلَا فِي طَلَبِ تَخْفِيفِهَا، وَسَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَكَرَّرَتْ قَضَايَا كَثِيرَةٌ سِوَى ذَلِكَ رَآهَا النَّبِيُّ فَمِنْهَا بِمَكَّةَ الْبَعْضُ، وَمِنْهَا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ الْبَعْضُ، وَمُعْظَمُهَا فِي الْمَنَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَأَجِدُ) بِكَسْرِ الْجِيمِ بِلَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ لِتَحَقُّقِ صُورَةِ الْحَالِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَخَذَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي.

قَوْلُهُ: (النَّبِيَّ) بِالنَّصْبِ وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ.

قَوْلُهُ: يَمُرُّ مَعَهُ الْأُمَّةُ أَيِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ.

قَوْلُهُ: وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشْرُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ رَاءٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ وَمَعَهُمُ الرَّهْطُ زَادَ عَبْثَرٌ فِي رِوَايَتِهِ وَالشَّيْءُ وَفِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ نَحْوُهُ لَكِنْ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا آنِفًا، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَالنَّبِيَّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ، وَالرَّهْطُ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الثَّلَاثَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الْعِصَابَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ. وَالْحَاصِلُ مِنْ هَذِهِ الرَّوِيَّاتِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَتَفَاوَتُونَ فِي عَدَدِ أَتْبَاعِهِمْ.

قَوْلُهُ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ فِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، وَالسَّوَادُ ضِدُّ الْبَيَاضِ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي يُرَى مِنْ بَعِيدٍ، وَصَفَهُ بِالْكَثِيرِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِلَفْظِ الْجِنْسِ لَا الْوَاحِدِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ مَلَأَ الْأُفُقَ الْأُفُقُ النَّاحِيَةُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا نَاحِيَةُ السَّمَاءِ.

قَوْلُهُ: قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، هَؤُلَاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا، فِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ: فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: حَتَّى

مَرَّ عَلَى مُوسَى فِي كَبْكَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَعْجَبَنِي فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقِيلَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى مَعَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَالْكَبْكَبَةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ هِيَ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ إِذَا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.

قَوْلُهُ: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَظِيمٌ وَزَادَ فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ مِثْلُهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ، فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَإِذَا الْأُفُقُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ، وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: فَرَأَيْتُ أُمَّتِي قَدْ مَلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ، فَأَعْجَبَنِي كَثْرَتُهُمْ وَهَيْئَتُهُمْ، فَقِيلَ: أَرَضِيتَ يَا مُحَمَّدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ كَوْنَهُ لَمْ يَعْرِفْ أُمَّتَهُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُمْ أُمَّةُ مُوسَى، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ تَرَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ فَقَالَ: إِنَّهُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، وَفِي لَفْظٍ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِهِمْ، وَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَشْخَاصَ الَّتِي رَآهَا فِي الْأُفُقِ لَا يُدْرَكُ مِنْهَا إِلَّا الْكَثْرَةُ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ لِأَعْيَانِهِمْ، وَأَمَّا مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا قَرُبُوا مِنْهُ، وَهَذَا كَمَا يَرَى الشَّخْصُ شَخْصًا عَلَى بُعْدٍ، فَيُكَلِّمُهُ وَلَا يَعْرِفُ أَنَّهُ أَخُوهُ، فَإِذَا صَارَ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ عَرَفَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عِنْدَ وُرُودِهِمْ عَلَيْهِ الْحَوْضَ.

قَوْلُهُ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: مَعَهُمْ بَدَلَ قُدَّامَهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ: وَمَعَ هَؤُلَاءِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّةُ، فَإِنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا الْمَذْكُورِينَ مِنْ جُمْلَةِ أُمَّتِهِ لَكِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي الَّذِينَ عُرِضُوا، إِذْ ذَاكَ فَأُرِيدَ الزِّيَادَةُ فِي تَكْثِيرِ أُمَّتِهِ بِإِضَافَةِ السَّبْعِينَ أَلْفًا إِلَيْهِمْ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْثَرِ بْنِ الْقَاسِمِ هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَالْإِشَارَةُ بِهَؤُلَاءِ إِلَى الْأُمَّةِ لَا إِلَى خُصُوصِ مَنْ عُرِضَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَعَ بِمَعْنَى مِنْ، فَتَأْتَلِفُ الرِّوَايَاتُ.

قَوْلُهُ: قُلْتُ: وَلِمَ؟ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا يَسْتَفْهِمُ بِهَا عَنِ السَّبَبِ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَشُرَيْحٍ، عَنْ هُشَيْمٍ: ثُمَّ نَهَضَ - أَيِ النَّبِيُّ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَحَاصَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: هُمُ الَّذِينَ وَفِي رِوَايَةِ عَبْثَرٍ: فَدَخَلَ وَلَمْ يَسْأَلُوهُ، وَلَمْ يُفَسِّرْ لَهُمْ وَالْبَاقِي نَحْوُهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ فَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ، وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ فَخَرَجَ فَقَالَ وَفِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ: فَقَالُوا: أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ، وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَقَالَ بَعْضُنَا: هُمُ الشُّهَدَاءُ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: مَنْ رَقَّ قَلْبُهُ لِلْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: كَانُوا لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ اتَّفَقَ عَلَى ذِكْرِ هَذِهِ الْأَرْبَعِ مُعْظَمُ الرِّوَايَاتِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْبَعْضِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ سَقَطَ: وَلَا يَتَطَيَّرُونَ هَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ اللَّذَيْنِ أَشَرْتُ إِلَيْهِمَا بِنَحْوِ الْأَرْبَعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَلَا يَرْقُونَ بَدَلَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَقَدْ أَنْكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَزَعَمَ أَنَّهَا غَلَطٌ مِنْ رَاوِيهَا، وَاعْتَلَّ بِأَنَّ الرَّاقِيَ يُحْسِنُ إِلَى الَّذِي يَرْقِيهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مَطْلُوبَ التَّرْكِ؟ وَأَيْضًا فَقَدْ رَقَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ وَرَقَى النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الرُّقَى وَقَالَ:

مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ، وَالنَّفْعُ مَطْلُوبٌ قَالَ: وَأَمَّا الْمُسْتَرِقِي فَإِنَّهُ يَسْأَلُ غَيْرَهُ وَيَرْجُو نَفْعَهُ، وَتَمَامُ التَّوَكُّلِ يُنَافِي ذَلِكَ.

قَالَ: وَإِنَّمَا الْمُرَادُ وَصْفُ السَّبْعِينَ بِتَمَامِ التَّوَكُّلِ فَلَا يَسْأَلُونَ غَيْرَهُمْ أَنْ يَرْقِيَهُمْ، وَلَا يَكْوِيَهُمْ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ مِنْ شَيْءٍ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَافِظٌ، وَقَدِ اعْتَمَدَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَاعْتَمَدَ مُسْلِمٌ عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ، وَبِأَنَّ تَغْلِيطَ الرَّاوِي مَعَ إِمْكَانِ تَصْحِيحِ الزِّيَادَةِ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ، وَالْمَعْنَى الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى التَّغْلِيطِ مَوْجُودٌ فِي الْمُسْتَرِقِي؛ لِأَنَّهُ اعْتَلَّ بِأَنَّ الَّذِي لَا يَطْلُبُ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يَرْقِيَهُ تَامُّ التَّوَكُّلِ، فَكَذَا يُقَالُ لَهُ وَالَّذِي يَفْعَلُ غَيْرُهُ بِهِ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَكِّنَهُ مِنْهُ لِأَجْلِ تَمَامِ التَّوَكُّلِ، وَلَيْسَ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْ جِبْرِيلَ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُدَّعَى، وَلَا فِي فِعْلِ النَّبِيِّ لَهُ أَيْضًا دَلَالَةٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ، وَتَبَيينِ الْأَحْكَامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا تَرَكَ الْمَذْكُورُونَ الرُّقَى وَالِاسْتِرْقَاءَ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكِلَ نَفْسَهُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَالرُّقْيَةُ فِي ذَاتِهَا لَيْسَتْ مَمْنُوعَةً، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهَا مَا كَانَ شِرْكًا أَوِ احْتَمَلَهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ : اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، وَلَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكٌ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عِلَّةِ النَّهْيِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الطِّبِّ.

وَقَدْ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الرُّقَى وَالْكَيِّ قَادِحٌ فِي التَّوَكُّلِ بِخِلَافِ سَائِرِ أَنْوَاعِ الطِّبِّ، وَفُرِّقَ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ بِأَنَّ الْبُرْءَ فِيهِمَا أَمْرٌ مَوْهُومٌ، وَمَا عَدَاهُمَا مُحَقَّقٌ عَادَةً كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَلَا يَقْدَحُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَكْثَرَ أَبْوَابِ الطِّبِّ مَوْهُومٌ، وَالثَّانِي أَنَّ الرُّقَى بِأَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - تَقْتَضِي التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ وَالِالْتِجَاءَ إِلَيْهِ، وَالرَّغْبَةَ فِيمَا عِنْدَهُ، وَالتَّبَرُّكَ بِأَسْمَائِهِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي التَّوَكُّلِ لَقَدَحَ الدُّعَاءُ؛ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَقَدْ رُقِيَ النَّبِيُّ وَرَقَى وَفَعَلَهُ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، فَلَوْ كَانَ مَانِعًا مِنَ اللَّحَاقِ بِالسَّبْعِينَ أَوْ قَادِحًا فِي التَّوَكُّلِ لَمْ يَقَعْ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَفْضَلُ مِمَّنْ عَدَاهُمْ.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى أَنَّ السَّبْعِينَ الْمَذْكُورِينَ أَرْفَعُ رُتْبَةً مِنْ غَيْرِهِمْ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَجَوَّزَ أَبُو طَالِبِ بْنُ عَطِيَّةَ فِي مُوَازَنَةِ الْأَعْمَالِ أَنَّ السَّبْعِينَ الْمَذْكُورِينَ هُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ السَّابِقِينَ فَمُسَلَّمٌ وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَذَكَرَ حَدِيثًا، وَفِيهِ وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا حَتَّى تَبَوَّءُوا أَنْتُمْ، وَمَنْ صَلَحَ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَذُرِّيَّاتِكُمْ مَسَاكِنَ فِي الْجَنَّةِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَزِيَّةَ السَّبْعِينَ بِالدُّخُولِ بِغَيْرِ حِسَابٍ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ، بَلْ فِيمَنْ يُحَاسَبُ فِي الْجُمْلَةِ مَنْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهُمْ، وَفِيمَنْ يَتَأَخَّرُ عَنِ الدُّخُولِ مِمَّنْ تَحَقَّقَتْ نَجَاتُهُ وَعُرِفَ مَقَامُهُ مِنَ الْجَنَّةِ يَشْفَعُ فِي غَيْرِهِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، وَسَأَذْكُرُ بَعْدَ قَلِيلٍ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مُحْصَنٍ أَنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا مِمَّنْ يُحْشَرُ مِنْ مَقْبَرَةِ الْبَقِيعِ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ خُصُوصِيَّةٌ أُخْرَى.

قَوْلُهُ: وَلَا يَتَطَيَّرُونَ تَقَدَّمَ بَيَانُ الطِّيرَةِ فِي كِتَابِ الطِّبِّ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يَتَشَاءَمُونَ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

قَوْلُهُ: وَعَلَى رَبِّهمْ يَتَوَكَّلُونَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُفَسِّرَةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِرْقَاءِ وَالِاكْتِوَاءِ وَالطِّيَرَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ صِفَةً وَاحِدَةً مِنْهَا صِفَةٌ خَاصَّةٌ مِنَ التَّوَكُّلِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي التَّوَكُّلِ فِي بَابُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ قَرِيبًا وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: لَا يَسْتَحِقُّ اسْمُ التَّوَكُّلِ إِلَّا مَنْ لَمْ يُخَالِطْ قَلْبَهُ خَوْفُ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - حَتَّى لَوْ هَجَمَ عَلَيْهِ الْأَسَدُ لَا يَنْزَعِجُ، وَحَتَّى لَا يَسْعَى فِي طَلَبِ الرِّزْقِ لِكَوْنِ اللَّهِ ضَمِنَهُ لَهُ وَأَبَى هَذَا الْجُمْهُورُ وَقَالُوا: يَحْصُلُ التَّوَكُّلُ بِأَنْ يَثِقَ بِوَعْدِ اللَّهِ وَيُوقِنَ بِأَنَّ قَضَاءَهُ وَاقِعٌ، وَلَا يَتْرُكَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ فِي ابْتِغَاءِ الرِّزْقِ مِمَّا لَا بُدَّ

لَهُ مِنْهُ مِنْ مَطْعَمٍ وَمُشْرَبٍ وَتَحَرُّزٍ مِنْ عَدُوٍّ بِإِعْدَادِ السِّلَاحِ وَإِغْلَاقِ الْبَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَطْمَئِنُّ إِلَى الْأَسْبَابِ بِقَلْبِهِ، بَلْ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا لَا تَجْلِبُ بِذَاتِهَا نَفْعًا وَلَا تَدْفَعُ ضُرًّا، بَلِ السَّبَبُ وَالْمُسَبَّبُ فِعْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْكُلُّ بِمَشِيئَتِهِ، فَإِذَا وَقَعَ مِنَ الْمَرْءِ رُكُونٌ إِلَى السَّبَبِ قَدَحَ فِي تَوَكُّلِهِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ عَلَى قِسْمَيْنِ وَاصِلٌ وَسَالِكٌ، فَالْأَوَّلُ صِفَةُ الْوَاصِلِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَلْتَفِتُ إِلَى الْأَسْبَابِ وَلَوْ تَعَاطَاهَا، وَأَمَّا السَّالِكُ فَيَقَعُ لَهُ الِالْتِفَاتُ إِلَى السَّبَبِ أَحْيَانًا إِلَّا أَنَّهُ يَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِالطُّرُقِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْأَذْوَاقِ الْحَالِيَّةِ إِلَى أَنْ يَرْتَقِيَ إِلَى مَقَامِ الْوَاصِلِ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ

الْقُشَيْرِيُّ: التَّوَكُّلُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، وَأَمَّا الْحَرَكَةُ الظَّاهِرَةُ فَلَا تُنَافِيهِ إِذَا تَحَقَّقَ الْعَبْدُ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، فَإِنْ تَيَسَّرَ شَيْءٌ فَبِتَيْسِيرِهِ، وَإِنْ تَعَسَّرَ فَبِتَقْدِيرِهِ. وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الِاكْتِسَابِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: أَفْضَلُ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَكَانَ دَاوُدُ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ. فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: كَيْفَ تَطْلُبُ مَا لَا تَعْرِفُ مَكَانَهُ؟ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ يَفْعَلُ السَّبَبَ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ فِيمَا يَخْرُجُ عَنْ قُدْرَتِهِ، فَيَشُقُّ الْأَرْضَ مَثَلًا، وَيُلْقِي الْحَبَّ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ فِي إِنْبَاتِهِ، وَإِنْزَالِ الْغَيْثِ لَهُ، وَيُحَصِّلُ السِّلْعَةَ مَثَلًا وَيَنْقُلُهَا، وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ فِي إِلْقَاءِ الرَّغْبَةِ فِي قَلْبِ مَنْ يَطْلُبُهَا مِنْهُ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ التَّكَسُّبُ وَاجِبًا كَقَادِرٍ عَلَى الْكَسْبِ يَحْتَاجُ عِيَالُهُ لِلنَّفَقَةِ، فَمَتَى تَرَكَ ذَلِكَ كَانَ عَاصِيًا.

وَسَلَكَ الْكَرْمَانِيُّ فِي الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ مَسْلَكَ التَّأْوِيلِ فَقَالَ: قَوْلُهُ: لَا يَكْتَوُونَ مَعْنَاهُ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الشِّفَاءَ مِنَ اللَّهِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ الْكَيِّ، وَقَوْلُهُ: وَيَسْتَرْقُونَ مَعْنَاهُ بِالرُّقَى الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَرُقَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ شِرْكٌ، وَقَوْلُهُ: وَلَا يَتَطَيَّرُونَ أَيْ لَا يَتَشَاءَمُونَ بِشَيْءٍ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمُ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ أَعْمَالَ الْجَاهِلِيَّةِ فِي عَقَائِدِهِمْ.

قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْمُتَّصِفَ بِهَذَا أَكْثَرُ مِنَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، فَمَا وَجْهُ الْحَصْرِ فِيهِ؟ وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ التَّكْثِيرَ لَا خُصُوصَ الْعَدَدِ قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ وَصْفُهُمْ بِأَنَّهُمْ تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَضَى فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ، وَالَّذِينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: مِنْهَا رِوَايَةُ أَبِي يُونُسَ، وَهَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: فَتَنْجُو أَوَّلُ زُمْرَةٍ، وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ سَبْعُونَ أَلْفًا، لَا يُحَاسَبُونَ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى أَنَّ مَعَ السَّبْعِينَ أَلْفًا زِيَادَةً عَلَيْهِمْ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الْبَعْثِ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي فَوَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ سِيَاقِ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَزَادَ فَاسْتَزَدْتُ ربي فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَعَنْ ثَوْبَانَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ، فَهَذِهِ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَجَاءَ فِي أَحَادِيثَ أُخْرَى أكثر مِنْ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ رَفَعَهُ: وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَذَابَ، وَثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي.

وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ نَحْوُهُ بِلَفْظِ ثُمَّ يَشْفَعُ كُلُّ أَلْفٍ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا، ثُمَّ يُحْثِي رَبِّي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِكَفَّيْهِ وَفِيهِ:

فَكَبَّرَ عُمَرُ فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا يُشَفِّعُهُمُ اللَّهُ فِي آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَدْنَى أُمَّتِي الْحَثَيَاتِ وَأَخْرَجَهُ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ لَهُ عِلَّةً قُلْتُ: عِلَّتُهُ الِاخْتِلَافُ فِي سَنَدِهِ، فَإِنَّ الطَّبَرَانِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَامٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَامٍ أَيْضًا فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ أَنَّ قَيْسَ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْأَنْمَارِيَّ حَدَّثَهُ فَذَكَرَهُ وَزَادَ: قَالَ قَيْسٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ : وَذَلِكَ يَسْتَوْعِبُ مُهَاجِرِي أُمَّتِي، وَيُوَفِّي اللَّهُ بَقِيَّتَهُمْ مِنْ أَعْرَابِنَا.

وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَحَسَبْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَبَلَغَ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفٍ وَتِسْعَمِائَةِ أَلْفٍ يَعْنِي مَنْ عَدَا الْحَثَيَاتِ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ نَحْوَ حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ، وَزَادَ: وَالْخَبِيئَةُ - بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَهَمْزَةٍ وَزْنَ عَظِيمَةٍ - عِنْدَ رَبِّي، وَوَرَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَا يَزِيدُ عَلَى الْعَدَدِ الَّذِي حَسَبَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْأَنْمَارِيُّ، فَعِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوُهُ بِلَفْظِ: أَعْطَانِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا سَبْعِينَ أَلْفًا، وَفِي سَنَدِهِ رَاوِيَانِ أَحَدُهُمَا ضَعِيفُ الْحِفْظِ وَالْآخَرُ لَمْ يُسَمَّ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مِثْلُهُ وَفِيهِ رَاوٍ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَاخْتُلِفَ فِي سَنَدِهِ، وَفِي سِيَاقِ مَتْنِهِ، وَعِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ نَحْوُهُ، وَعِنْدَ الْكَلَابَاذِيِّ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ بِسَنَدٍ وَاهٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَاتَّبَعْتُهُ، فَإِذَا هُوَ فِي مَشْرُبَةٍ يُصَلِّي، فَرَأَيْتُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَةَ أَنْوَارٍ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: رَأَيْتِ الْأَنْوَارَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.

قَالَ: إِنَّ آتِيًا أَتَانِي مِنْ رَبِّي فَبَشَّرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، ثُمَّ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ مِنْ أُمَّتِي مَكَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، ثُمَّ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي أَنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ مِنْ أُمَّتِي مَكَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ أَلْفًا الْمُضَاعَفَةِ سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، لَا يَبْلُغُ هَذَا أُمَّتِي قَالَ: أُكَمِّلُهُمْ لَكَ مِنَ الْأَعْرَابِ مِمَّنْ لَا يَصُومُ وَلَا يُصَلِّي. قَالَ الْكَلَابَاذِيُّ: الْمُرَادُ بِالْأُمَّةِ أَوَّلًا أُمَّةُ الْإِجَابَةِ، وَبِقَوْلِهِ آخِرًا أُمَّتِي أُمَّةُ الِاتِّبَاعِ، فَإِنَّ أُمَّتَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَخَصُّ مِنَ الْآخَرِ أُمَّةُ الِاتِّبَاعِ، ثُمَّ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ، ثُمَّ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ، فَالْأُولَى أَهْلُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالثَّانِيَةُ مُطْلَقُ الْمُسْلِمِينَ، وَالثَّالِثَةُ مَنْ عَدَاهُمْ مِمَّنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ هُوَ مِقْدَارُ الْحَثَيَاتِ، فَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ أَوْ غَيْرِهِ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: هَكَذَا، وَجَمَعَ كَفَّيْهِ فَقَالَ: زِدْنَا، فَقَالَ: وَهَكَذَا فَقَالَ عُمَرُ: حَسْبُكَ أَنَّ اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَدْخَلَ خَلْقَهُ الْجَنَّةَ بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ : صَدَقَ عُمَرُ، وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ لَكِنِ اخْتُلِفَ عَلَى قَتَادَةَ فِي سَنَدِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا.

قَوْلُهُ: فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا، يُقَالُ: عَكِشَ الشَّعْرُ وَيَعْكَشُ إِذَا الْتَوَى حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ مِنْ عَكَشَ الْقَوْمُ إِذَا حَمَلَ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ الْعُكَاشَةُ بِالتَّخْفِيفِ الْعَنْكَبُوتُ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِبَيْتِ النَّمْلِ، وَمِحْصَنُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ نُونٌ آخِرُهُ هُوَ ابْنُ حُرْثَانَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَمِنْ حُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ. كَانَ عُكَّاشَةُ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ الرِّجَالِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو مِحْصَنٍ، وَهَاجَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا، وَقَاتَلَ فِيهَا، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: خَيْرُ فَارِسٍ فِي الْعَرَبِ عُكَّاشَةُ، وَقَالَ أَيْضًا: قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى انْقَطَعَ سَيْفُهُ فِي يَدِهِ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ جَزْلًا مِنْ حَطَبٍ فَقَالَ: قَاتِلْ بِهَذَا، فَقَاتَلَ بِهِ فَصَارَ فِي يَدِهِ سَيْفًا طَوِيلًا شَدِيدَ الْمَتْنِ أَبْيَضَ فَقَاتَلَ بِهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ،

فَكَانَ ذَلِكَ السَّيْفُ عِنْدَهُ حَتَّى اسْتُشْهِدَ فِي قِتَالِ الرِّدَّةِ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.

قَوْلُهُ: فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِثْلُهُ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ - وَسَاقَ مُسْلِمٌ سَنَدَهُ - قَالَ: فَدَعَا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ قَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ سَأَلَ الدُّعَاءَ أَوَّلًا فَدَعَا لَهُ ثُمَّ اسْتَفْهَمَ قِيلَ: أُجِبْتَ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ وَقَعَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ هَلْ قَالَ: ادْعُ لِي أَوْ قَالَ: أَمِنْهُمْ أَنَا كَمَا وَقَعَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي بَعْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَجَاءَ مِنْ طَرِيقٍ وَاهِيَةٍ أَنَّهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي الْمُبْهَمَاتِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حُذَيْفَةَ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ الْبُخَارِيِّ أَحَدِ الضُّعَفَاءِ مِنْ طَرِيقَيْنِ لَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ غَزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَسَاقَ قِصَّةً طَوِيلَةً، وَفِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ; ثَمَانُونَ صَفًّا مِنْهَا أُمَّتِي، وَأَرْبَعُونَ صَفًّا سَائِرُ الْأُمَمِ، وَلِي مَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يدْخَلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، قِيلَ: مَنْ هُمْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ عُكَّاشَةَ مِنْهُمْ، قال: فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ قَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ الْحَدِيثَ، وَهَذَا مَعَ ضَعْفِهِ وَإِرْسَالِهِ يُسْتَبْعَدُ مِنْ جِهَةِ جَلَالَةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ آخَرُ بِاسْمِ سَيِّدِ الْخَزْرَجِ، وَاسْمِ أَبِيهِ، وَنِسْبَتِهِ، فَإِنَّ فِي الصَّحَابَةِ كَذَلِكَ آخَرَ لَهُ فِي مُسْنَدِ بِقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ حَدِيثٌ وَفِي الصَّحَابَةِ سَعْدُ بْنُ عِمَارَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَلَعَلَّ اسْمَ أَبِيهِ تَحَرَّفَ.

قَوْلُهُ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الرُّوَاةِ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَزَّارِ، وَأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، فَزَادَ: فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ، وَصَاحِبُهُ أَمَا لَوْ قُلْتُمْ لَقُلْتُ، وَلَوْ قُلْتُ لَوَجَبَتْ، وَفِي سَنَدِهِ عَطِيَّةُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَجْوِبَةُ الْعُلَمَاءِ فِي الْحِكْمَةِ في قَوْلُهُ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ فَأَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُمَرَ الزَّاهِدِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى الْمَعْرُوفَ بِثَعْلَبٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كَانَ مُنَافِقًا، وَكَذَا نَقَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، عَنِ الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاسِ الْبِرْتِيِّ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ فَقَالَ: كَانَ الثَّانِي مُنَافِقًا، وَكَانَ لَا يُسْأَلُ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَعْطَاهُ فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ نَحْوَ قَوْلِ ثَعْلَبٍ، وَق الَ ابْنُ نَاصِرٍ: قَوْلُ ثَعْلَبٍ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ؛ لِأَنَّ سَنَدَهَا وَاهٍ، وَاسْتَبْعَدَ السُّهَيْلِيُّ قَوْلَ ثَعْلَبٍ بِمَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ خِيَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا مَعَ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى قَوْلِهِ: سَبَقَكَ أَيْ إِلَى إِحْرَازِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَهِيَ التَّوَكُّلُ وَعَدَمُ التَّطَيُّرِ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ وَعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ: لَسْتَ مِنْهُمْ، أَوْ لَسْتَ عَلَى أَخْلَاقِهِمْ تَلَطُّفًا بِأَصْحَابِهِ وَحُسْنَ أَدَبِهِ مَعَهُمْ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْأَوَّلَ سَأَلَ عَنْ صِدْقِ قَلْبٍ فَأُجِيبَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ حَسْمُ الْمَادَّةِ، فَلَوْ قَالَ لِلثَّانِي: نَعَمْ لَأَوْشَكَ أَنْ يَقُومَ ثَالِثٌ وَرَابِعٌ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الثَّانِي مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ مَا كَانَ عِنْدَ عُكَّاشَةَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجَبْ إِذْ لَوْ أَجَابَهُ لَجَازَ أَنْ يَطْلُبَ ذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ حَاضِرًا، فَيَتَسَلْسَلُ فَسَدَّ الْبَابَ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: كَانَ مُنَافِقًا لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّحَابَةِ عَدَمُ النِّفَاقِ، فَلَا يَثْبُتُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ إِلَّا بِنَقْلٍ صَحِيحٍ، وَالثَّانِي أَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذَا السُّؤَالِ إِلَّا عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ، وَيَقِينٍ بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ وكَيْفَ يصَدر ذَلِكَ مِنْ مُنَافِقٍ؟ وَإِلَى هَذَا جَنَحَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ.

وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ عَلِمَ بِالْوَحْيِ أَنَّهُ يُجَابُ فِي عُكَّاشَةَ، وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْآخَرِ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: الَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّهَا

كَانَتْ سَاعَةَ إِجَابَةٍ، عَلِمَهَا وَاتَّفَقَ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ بَعْدَ مَا انْقَضَتْ، وَيُبَيِّنُهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ثُمَّ جَلَسُوا سَاعَةً يَتَحَدَّثُونَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ بَعْدَ قَوْلِهِ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ وَبَرَدَتِ الدَّعْوَةُ أَيِ انْقَضَى وَقْتُهَا. قُلْتُ: فَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ عَلَى خَمْسَةِ أَجْوِبَةٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى -. ثُمَّ وَجَدْتُ لِقَوْلِ ثَعْلَبٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مُسْتَنَدًا وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَنْجَرٍ فِي مُسْنَدِهِ وَعُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ مَوْلَى حَمْنَةَ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، وَهِيَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ أَنَّهَا خَرَجَتْ مَعَ النَّبِيِّ إِلَى الْبَقِيعِ فَقَالَ: يُحْشَرُ مِنْ هَذِهِ الْمَقْبَرَةِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا؟ قَالَ: وَأَنْتَ. فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: أَنَا؟ قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ قَالَ: قُلْتُ لَهَا: لِمَ لَمْ يَقُلْ لِلْآخَرِ؟ فَقَالَتْ: أَرَاهُ كَانَ مُنَافِقًا فَإِنْ كَانَ هَذَا أَصْل مَا جَزَمَ بِهِ مَنْ قَالَ: كَانَ مُنَافِقًا فَلَا يَدْفَع تَأْوِيل غَيْره إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الظَّنُّ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

قَوْلُهُ: عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، لَكِنَّ مُعَاذَ بْنَ أَسَدٍ شَيْخَ الْبُخَارِيِّ فِيهِ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، لَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ بِضَمِّ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمِيمِ هِيَ الْجَمَاعَةُ إِذا كَانَ بَعْضُهُمْ إِثْرَ بَعْضٍ.

قَوْلُهُ: سَبْعُونَ أَلْفًا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَعُرِفَ مِنْ مَجْمُوعِ الطُّرُقِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ هَؤُلَاءِ السَّبْعُونَ الَّذِينَ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَعْنَى الْمَعِيَّةِ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَاضِيَةِ: مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلُوا بِدُخُولِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِثْلُ أَعْمَالِهِمْ كَمَا مَضَى حَدِيثُ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمَعِيَّةِ مُجَرَّدُ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَإِنْ دَخَلُوهَا فِي الزُّمْرَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ مَا بَعْدَهَا وَهَذِهِ أَوْلَى.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَذَاكَ الَّذِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَذَاكَ الَّذِي يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَمَنْ أَوْبَقَ نَفْسَهُ فَهُوَ الَّذِي يُشْفَعُ فِيهِ بَعْدَ أَنْ يُعَذَّبَ وَفِي التَّقْييدِ بِقَوْلِهِ: أُمَّتِي إِخْرَاجُ غَيْرِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِنَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ دُخُولِ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ - مِنْ شِبْهِ الْقَمَرِ، وَمِنَ الْأَوَّلِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - كَالْأَنْبِيَاءِ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالصَّالِحِينَ، وَإِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ أُمِّ قَيْسٍ فَفِيهِ تَخْصِيصٌ آخَرُ بِمَنْ يُدْفَنُ فِي الْبَقِيعِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهِيَ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِالصُّورَةِ الصِّفَةُ يَعْنِي أَنَّهُمْ فِي إِشْرَاقِ وُجُوهِهِمْ عَلَى صِفَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ تَمَامِهِ، وَهِيَ لَيْلَةُ أَرْبَعَةَ عَشْرَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ أَنْوَارَ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ دَرَجَاتِهِمْ قُلْتُ: وَكَذَا صِفَاتُهُمْ فِي الْجَمَالِ وَنَحْوِهِ.

قَوْلُهُ: يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ هِيَ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ كَالشَّمْلَةِ مُخَطَّطَةٌ بِسَوَادٍ وَبَيَاضٍ يَلْبَسُهَا الْأَعْرَابُ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:

قَوْلُهُ: أَبُو غَسَّانَ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ثَقِيلَةٍ، أَبُو حَازِمٍ هُوَ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ سَبْعمِائَةِ أَلْفٍ شَكَّ فِي أَحَدِهِمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ لَا يَدْرِي أَبُو حَازِمٍ أَيَّهُمَا قَالَ.

قَوْلُهُ: مُتَمَاسِكِينَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مُتَمَاسِكُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الصِّفَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: كَذَا فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالنَّصْبِ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

قَوْلُهُ: حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ هُوَ غَايَةٌ لِلتَّمَاسُكِ الْمَذْكُورِ، وَالْأَخْذِ بِالْأَيْدِي،

وَفِي رِوَايَةِ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَاضِيَةِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ: لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ يَسْتَلْزِمُ الدَّوْرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ صَفًّا وَاحِدًا، فَيَدْخُلُ الْجَمِيعُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَوَصَفَهُمْ بِالْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ الَّتِي جَازُوا فِيهَا عَلَى الصِّرَاطِ، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى سَعَةِ الْبَابِ الَّذِي يَدْخُلُونَ مِنْهُ الْجَنَّةَ قَالَ عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى كَوْنِهِمْ مُتَمَاسِكِينَ أَنَّهُمْ عَلَى صِفَةِ الْوَقَارِ، فَلَا يُسَابِقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، بَلْ يَكُونُ دُخُولُهُمْ جَمِيعًا وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مُعْتَرِضِينَ صَفًّا وَاحِدًا، بَعْضُهُمْ بِجَنْبِ بَعْضٍ.

(تَنْبِيهٌ): هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَخُصُّ عُمُومَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رَفَعَهُ: لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا عَمِلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ. وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: عُمُومُ الْحَدِيثِ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَبِمَنْ يَدْخُلُ النَّارَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ الْآيَةَ.

قُلْتُ: وَفِي سِيَاقِ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ إِشَارَةٌ إِلَى الْخُصُوصِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ كل أَحَد عِنْدَهُ عِلْمٌ يُسْأَلُ عَنْهُ، وَكَذَا الْمَالُ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَهُ عِلْمٌ، وَبِمَنْ لَهُ مَالٌ دُونَ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَمَنْ لَا عِلْمَ لَهُ، وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنِ الْجَسَدِ وَالْعُمُرِ فَعَامٌّ، وَيَخُصُّ مِنَ الْمَسْئُولِينَ مَنْ ذُكِرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الرابعُ:

قَوْلُهُ: يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ ابْنُ سَعْدٍ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ.

قَوْلُهُ: يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ: إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، أُتِيَ بِالْمَوْتِ. وَوَقَعَ مِثْلُهُ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذِكْرِ الْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ: فَإِذَا أَدْخَلَ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ أَتَى بِالْمَوْتِ مُلَبَّبًا، وَهُوَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ قبل هَذَا قِصَّةُ ذَبْحِ الْمَوْتِ وَلَفْظُهُ: ثُمَّ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ، لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْمُنَادِي.

قَوْلُهُ: يَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ، خُلُودٌ. أَمَّا قَوْلُهُ: لَا مَوْتَ فَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فِيهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: خُلُودٌ فَهَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَلَيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَعْقُوبَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بِتَقْدِيمِ نِدَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ: لَا مَوْتَ فِيهِمَا، بَلْ قَالَ: كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ يَعْقُوبَ، وَضَبْطُ خُلُودٌ فِي الْبُخَارِيِّ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، أَيْ هَذَا الْحَالُ مُسْتَمِرٌّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ خَالِدٍ أَيْ أَنْتُمْ خَالِدُونَ فِي الْجَنَّةِ.

الْحَدِيثُ الخامسُ:

حديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَوْلُهُ يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، سَقَطَ لِغَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ قَوْلُهُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ وَثَبَتَ لِلْجَمِيعِ فِي مُقَابِلِهِ: يَا أَهْلَ النَّارِ.

قَوْلُهُ: لَا مَوْتَ زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: لَا مَوْتَ فِيهِ، وَسَيَأْتِي فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّ ذَلِكَ يُقَالُ لِلْفَرِيقَيْنِ عِنْدَ ذَبْحِ الْمَوْتِ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

(تَنْبِيهٌ): مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي قَبْلَهُ لِتَرْجَمَةِ دُخُولِ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَخْلُدُ فِيهَا، فَيَكُونُ لِلسَّابِقِ إِلَى الدُّخُولِ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥١ - بَاب صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٥٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ) المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بنِ شهابٍ، أنَّه (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ) أبو محمَّد المخزوميُّ، أحدُ الأعلام وسيِّدُ التَّابعين (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: يَدْخُلُ مِنْ) ولأبي ذرٍّ: «يدخل الجنَّة من» (أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) ليلةَ أربعة عشر (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ، وسقطت واو «وقال» لأبي ذرٍّ بالسَّند المذكور: (فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ) كِساءً فيه خطوطٌ بيضٌ وسودٌ كأنَّها أُخذت من جلدِ النَّمر (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (٢) (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ : سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ) أي: بها، وفي التَّقييد بقوله: «من أُمَّتي» إخراجُ غير هذه الأمَّة المحمَّديَّة من العددِ المذكور، وليس فيه نفيُ دخول أحدٍ من غير هذه الأمَّة على الصِّفة المذكورةِ من التَّشبيه بالقمرِ ومن الأوَّليَّة وغير ذلك كالأنبياء والشُّهداء والصِّدِّيقين والصَّالحين.

والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في «الإيمان».

٦٥٤٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن الحكم بنِ محمَّد بن أبي مريم، أبو محمَّدٍ (٣) الجُمحيُّ مولاهم البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسين المهملة المشددة وبعد الألف نون، محمَّد بنُ مطرِّفٍ اللَّيثيُّ المدنيُّ، إمامٌ سكن عسقلان، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بنُ دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) السَّاعديِّ ، أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ) قال: (سَبْعُ مِئَةِ أَلْفٍ. شَكَّ) أبو حازم (فِي أَحَدِهِمَا) قال:

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عَن أَبِيه هِشَام الدستوَائي عَن قَتَادَة عَن أنس. وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن معمر بِفَتْح الميمين الْقَيْسِي الْمَعْرُوف بالبحراني ضد البراني عَن روح بِفَتْح الرَّاء ابْن عبَادَة بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة، وَقد مضى الحَدِيث فِي كتاب الْأَنْبِيَاء فِي: بَاب قَول الله تَعَالَى: { (٢) وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة} (الْبَقَرَة: ٠٣) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من وَجه آخر عَن أنس وَهنا ذكره من طَرِيقين وَسَاقه بِلَفْظ سعيد.

قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (أَكنت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (مَا هُوَ أيسر من ذَلِك) أَي: أَهْون وَهُوَ التَّوْحِيد.

٩٣٥٦ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدّثنا أبي قَالَ: حدّثني الأعْمَشُ قَالَ: حدّثني خَيْثَمَةُ عنْ عَدِيِّ ابنِ حاتِمٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ وَسَيُكَلِّمُهُ الله يَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الله تُرْجُمانٌ. ثُمَّ يَنْظُرُ فَلا يَرى شَيْئاً قُدَّامَهُ، ثمَّ يَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمْ أنْ يَتَّقِيَ النَّارَ ولوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) . (انْظُر الحَدِيث ٣١٤١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مَا ذكرنَا أَن فِيهِ نوع مناقشة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن خَيْثَمَة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الثَّاء الْمُثَلَّثَة ابْن عبد الرَّحْمَن الْجعْفِيّ عَن عدي بن حَاتِم الطَّائِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

والْحَدِيث مضى مطولا فِي الزَّكَاة فِي: بَاب الصَّدَقَة قبل الرَّد فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ من وَجه آخر عَن عبد الله بن مُحَمَّد إِلَى آخِره.

قَوْله: (مَا مِنْكُم من أحد) ، ظَاهر الْخطاب للصحابة وَيلْحق بهم الْمُؤْمِنُونَ كلهم. قَوْله: (إلاّ وسيكلمه الله) وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (إلاّ يكلمهُ ربه) ، وَالْوَاو فِيهِ إِن صَحَّ فَهُوَ مَعْطُوف على مَحْذُوف تَقْدِيره: إِلَّا سيخاطبه وسيكلمه. قَوْله: (لَيْسَ بَينه وَبَين الله) ، ويروى: (لَيْسَ بَين الله وَبَينه) . قَوْله: (ترجمان) ، بِضَم التَّاء وَفتحهَا وَفتح الْجِيم وَضمّهَا، وَقَالَ ابْن التِّين: روينَاهُ بِفَتْح التَّاء، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: فلك أَن تضم التَّاء بضمة الْجِيم يُقَال: ترْجم، كَلَامه إِذا فسره بِكَلَام آخر. قَوْله: (قدامه) أَي: أَمَامه، وَفِي التَّوْحِيد على مَا سَيَأْتِي: (فَينْظر أَيمن مِنْهُ فَلَا يرى إلَاّ مَا قدم، وَينظر أشأم فَلَا يرى إلَاّ مَا قدم) . . وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَلَا يرى شَيْئا إلَاّ شَيْئا قدمه) ، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن خَليفَة: (فَينْظر عَن يَمِينه فَلَا يرى إلَاّ النَّار، وَينظر عَن شِمَاله فَلَا يرى إلَاّ النَّار) . وَقَالَ ابْن هُبَيْرَة: نظر الْيَمين وَالشمَال هُنَا كالمثل لِأَن الْإِنْسَان من شَأْنه إِذا دهمه أَمر أَن يلْتَفت يَمِينا وَشمَالًا يطْلب الْغَوْث، وَقيل: يحْتَمل أَن يطْلب طَرِيقا يهرب مِنْهُ لينجو من النَّار فَلَا يرى إلَاّ مَا يقْضِي الله بِهِ من دُخُول النَّار. قَوْله: (فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم) جَزَاؤُهُ مَحْذُوف أَي: فَلْيفْعَل، وَوَقع كَذَا فِي رِوَايَة وَكِيع.

٠٤٥٦ - قَالَ الأعْمَشُ: حدّثني عَمْرٌ وعنْ خَيْثَمَةَ عنْ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اتَّقُوا النَّارَ) ثُمَّ أعْرَضَ وأشاحَ، ثُمَّ قَالَ: (اتَّقُوا النَّارَ) ، ثُمَّ أعْرَضَ وأشاحَ ثَلاثاً حتَّى ظَنَنَّا أنّهُ يَنْظُرُ إلَيْها، ثُمَّ قَالَ: قَوْله: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ) .

أَي قَالَ سُلَيْمَان الْأَعْمَش، وَهُوَ مَوْصُول بالسند الْمَذْكُور عَن عَمْرو هُوَ ابْن مرّة عَن خَيْثَمَة، وروى الْأَعْمَش أَولا عَن خَيْثَمَة بِلَا وَاسِطَة، ثمَّ روى ثَانِيًا بالواسطة.

وَقد أخرجه مُسلم من رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة عَن الْأَعْمَش كَذَلِك، وَقد مضى الحَدِيث بأتم من هَذَا فِي كتاب الزَّكَاة من رِوَايَة مُحَمَّد بن خَليفَة.

قَوْله: (وأشاح) بالشين الْمُعْجَمَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة أَي: صرف وَجهه. وَقَالَ الْخَلِيل: أشاح بِوَجْهِهِ عَن الشَّيْء نحاه عَنهُ، وَقيل: صرف وَجهه كالخائف أَن يَنَالهُ. قَوْله: (فَمن لم يجد) أَي: مَا يتَصَدَّق بِهِ على السَّائِل. قَوْله: (فبكلمة طيبَة) أَي يَدْفَعهُ أَي: السَّائِل بِكَلِمَة تطيب قلبه.

٠٥ - (بابٌ يَدْخُلُ الجَنَةَ سَبْعُونَ ألْفاً بِغَيْرِ حِسابٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يدْخل الْجنَّة ... إِلَى آخِره، وَفِي بعض النّسخ: بَاب يدْخلُونَ الْجنَّة سَبْعُونَ ألفا على لُغَة: أكلوني البراغيث.

١٤٥٦ - حدّثنا عِمْرانُ بنُ مَيْسَرَة حدّثنا ابنُ فُضَيْلٍ حدّثنا حُصَيْنٌ قالَ أبُو عَبْدِ الله: وحَدثني أسِيُد ابنُ زَيْدٍ حَدثنَا هُشَيْمٌ عنْ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حدّثني ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فأخَذَ النبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ، والنبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، والنبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ العَشَرَةُ، والنبيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ، والنبيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذا سَوادُ كَثِير، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! هؤُلاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا ولاكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذا سَوادٌ كَثِيرٌ، قَالَ: هاؤلاءِ أُمَّتُكَ، وهاؤُلاءِ سَبْعُونَ ألْفاً قُدَّامَهُمْ لَا حِسابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عذابَ. قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كانُوا لَا يَكْتوونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فقامَ إلَيْهِ عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ) ثُمَّ قامَ إلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ قَالَ: ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: (سَبَقَكَ بهَا عُكَّاشَةُ) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: عَن عمرَان بن ميسرَة ضد الميمنة عَن مُحَمَّد بن فُضَيْل بِضَم الْفَاء وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن غَزوَان الضَّبِّيّ الْكُوفِي عَن حُصَيْن بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ ابْن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ. وَالطَّرِيق الآخر: عَن أسيد بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة ابْن زيد من الزِّيَادَة أبي مُحَمَّد الْجمال بِالْجِيم مولى صَالح الْقرشِي الْكُوفِي عَن هشيم بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة ابْن بشير الوَاسِطِيّ عَن حُصَيْن ... إِلَى آخِره. وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى رِوَايَته عَن أسيد الْمَذْكُور بقوله: قَالَ أَبُو عبد الله، وَهُوَ البُخَارِيّ. وحَدثني أسيد بن زيد ... إِلَى آخِره، وَلم يرو البُخَارِيّ عَنهُ، إلَاّ فِي هَذَا الْموضع فَقَط مَقْرُونا بعمران بن ميسرَة. فَإِن قلت: أسيد هَذَا ضَعِيف جدا ضعفه جمَاعَة مِنْهُم يحيى بن معِين وأفحش القَوْل فِيهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: كانو يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ.

قلت: قَالَ أَبُو مَسْعُود: لَعَلَّه كَانَ ثِقَة عِنْده، وَهَذَا لَا يجدي فِي الِاحْتِجَاج بِهِ، وَلِهَذَا روى عَنهُ مَقْرُونا بعمران بن ميسرَة. فَإِن قلت: مَا كَانَ الدَّاعِي لهَذَا والإسناد الأول كَانَ كَافِيا؟ .

قلت: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ فِرَارًا من تكَرر الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، فَإِنَّهُ أخرج السَّنَد الأول فِي الطِّبّ فِي: بَاب من اكتوى. ثمَّ أَعَادَهُ هُنَا فأضاف إِلَيْهِ طَرِيق هشيم. انْتهى. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ قد وَقع فِي البُخَارِيّ أَسَانِيد كَثِيرَة تَكَرَّرت بِعَينهَا فِي غير مَوضِع، وَلَا يخفى هَذَا على من يتَأَمَّل ذَلِك. وَأما الَّذِي ذكره فِي الطِّبّ فَهُوَ مطول أخرجه: عَن عمرَان بن ميسرَة عَن ابْن فُضَيْل عَن حُصَيْن عَن عَامر عَن عمرَان بن حُصَيْن الحَدِيث. وَأخرجه فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء مُخْتَصرا عَن مُسَدّد وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (عرضت عَليّ) بتَشْديد الْيَاء (والأمم) بِالرَّفْع. قَوْله: (الْأمة) أَي: الْعدَد الْكثير. قَوْله: (فَأخذ) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة والذال الْمُعْجَمَة فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَهُوَ من أَفعَال المقاربة وضع لدنو الْخَبَر على وَجه الشُّرُوع فِيهِ وَالْأَخْذ فِيهِ، فَتَارَة يسْتَعْمل: أَخذ اسْتِعْمَال: عَسى، فَيدْخل أَن فِي خَبره، وَتارَة يسْتَعْمل اسْتِعْمَال: كَاد، بِغَيْر أَن، ويروى: فاجد، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْجِيم وبالدال الْمُهْملَة، فعلى هَذَا لفظ النَّبِي مَنْصُوب على المفعولية، وعَلى الأول هُوَ مَرْفُوع على أَنه اسْم أَخذ. وَقَوله: (يمر) خَبره. قَوْله: (النَّفر) هُوَ رَهْط الْإِنْسَان وعشيرته وَهُوَ اسْم جمع يَقع على جمَاعَة من الرِّجَال خَاصَّة مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه. قَوْله: (مَعَه الْعشْرَة) بِفَتْح الشين اسْم الْعدَد الْمعِين وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: الْعَشِيرَة، بِكَسْر الشين وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهِي الْقَبِيلَة. قَوْله: (فَإِذا سَواد كثير) السوَاد بِلَفْظ. ضد الْبيَاض هُوَ الشَّخْص الَّذِي يُرى من بعيد وَوَصفه بِالْكَثْرَةِ إِشَارَة إِلَى أَن المُرَاد بِلَفْظِهِ الْجِنْس. قَوْله: (فَإِذا سَواد كثير) كلمة: إِذا، للمفاجأة، وَفِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور: عَظِيم، مَوضِع: كثير. قَوْله: (قدامهم) فِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور، وَمَعَهُمْ، بدل: قدامهم، وَفِي رِوَايَة حُصَيْن بن نمير وَمَعَ هَؤُلَاءِ. قَوْله: (وَلم؟) يكسر اللَّام وَفتح الْمِيم وَيجوز تسكينها يستفهم بهَا عَن السَّبَب. قَوْله: (لَا يَكْتَوُونَ) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي عِنْد غير الضَّرُورَة والاعتقاد بِأَن الشِّفَاء من الكي.

قلت: فِيهِ تَأمل. قَوْله: (ول

ايسترقون) أَي: بالأمور الَّتِي هِيَ غير الْقُرْآن كعزائم أهل الْجَاهِلِيَّة. قَوْله: (وَلَا يَتَطَيَّرُونَ) أَي: لَا يتشاءمون بالطيور وَأَنَّهُمْ الَّذين يتركون أَعمال الْجَاهِلِيَّة وعقائدهم، قيل: هم أَكثر من هَذَا الْعدَد، وَأجِيب: الله أعلم بذلك مَعَ احْتِمَال أَن يُرَاد بالسبعين الْكثير، وَقَالَ بَعضهم: إِن الْعدَد الْمَذْكُور على ظَاهره. وقوّي كَلَامه بِأَحَادِيث مِنْهَا: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة رَفعه: وَعَدَني رَبِّي أَن يدْخل الْجنَّة من أمتِي سبعين ألفا لَا حِسَاب عَلَيْهِم وَلَا عَذَاب، وَثَلَاث حثيات من حثيات رَبِّي.

قلت: احْتِمَال الزِّيَادَة فِي السّبْعين بَاقٍ، لِأَن المُرَاد مِنْهُ لَيْسَ خُصُوص الْعدَد، والحثيات كِنَايَة عَن الْمُبَالغَة فِي الْكَثْرَة. قَالَه ابْن الْأَثِير: قَوْله: (رجل آخر) قيل: هُوَ سعد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ سيد الْخَزْرَج.

قلت: أخرجه الْخَطِيب فِي (المبهمات) : من طَرِيق أبي حُذَيْفَة إِسْحَاق بن بشر أحد الضُّعَفَاء، وَقيل: يستبعد هَذَا السُّؤَال من سعد بن عبَادَة فَلَعَلَّ هَذَا سعد بن عمَارَة الْأنْصَارِيّ وصحفه النَّاقِل. قَوْله: (سَبَقَك بهَا عكاشة) اخْتلفُوا فِي الْحِكْمَة فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِهَذَا القَوْل، فَقَالَ الْفراء: كَانَ الآخر منافقاً، ورد هَذَا بِأَن الأَصْل فِي الصَّحَابَة عدم النِّفَاق، وَقيل: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، علم بِالْوَحْي أَنه يُجَاب فِي عكاشة وَلم يَقع ذَلِك فِي حق الآخر، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يظْهر لي الأول سَأَلَ عَن صدق قلب فَأُجِيب، وَأما الثَّانِي فَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ حسم الْمَادَّة، فَلَو قَالَ للثَّانِي: نعم، فَلَا شكّ أَن يقوم ثَالِث ورابع إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ، وَلَيْسَ كل النَّاس يصلح لذَلِك، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لم يكن عِنْد الثَّانِي من تِلْكَ الْأَحْوَال مَا كَانَ عِنْد عكاشة، فَلذَلِك لم يجب. وَقَالَ السُّهيْلي: الَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّهَا كَانَت سَاعَة إِجَابَة علمهَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاتفقَ أَن الرجل قَالَ بَعْدَمَا انْقَضتْ، وَالله أعلم.

٢٤٥٦ - حدّثنا مُعاذُ بنُ أسَدٍ أخبرنَا عبدُ الله أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حدّثني سَعيدُ بنُ المُسَيَّب أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حدَّثهُ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (يَدْخُلُ الجَنَّة مِنْ أُمَّتى زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ ألْفاً تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إضاءَةَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) .

وَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فقامَ عُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنِ الأسَدِيُّ، يَرْفَعُ نَمِرَةً عليْهِ، فَقَالَ: يَا رسولَ الله {ادْعُ الله أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعلْهُ مِنْهُمْ) ثُمَّ قامَ رجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقَالَ: يَا رَسولَ الله} ادْعُ الله أنْ يَجْعَلني عَنْهمْ. فَقَالَ: (سَبَقَكَ بهَا عُكَاشَةُ) . (انْظُر الحَدِيث ١١٨٥) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ومعاذ بِضَم الْمِيم ابْن أَسد أَبُو عبد الله الْمروزِي نزل الْبَصْرَة، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن حَرْمَلَة عَن يحيى.

قَوْله: (نمرة) هِيَ كسَاء فِيهِ خطوط بيض وسود كَأَنَّهَا أخذت من جلد النمر.

٣٤٥٦ - حدّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حدّثنا أبُو غَسَّانَ قَالَ: حدّثني أبُو حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لِيَدْخُلَنَّ الجَنَةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفاً) أَو سَبْعُمائَةِ ألْفٍ شَكَّ فِي أحَدِهِما (مِتَماسِكِينَ آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حتَّى يَدْخُلَ أوَّلُهُمْ وآخرُهُمُ الجَنَّةَ وَوُجُوهُمْ عَلى ضوْءٍ القمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) . (انْظُر الحَدِيث ٧٤٢٣ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأَبُو غَسَّان بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين مُحَمَّد بن مطرف، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار.

والْحَدِيث مضى فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي صفة الْجنَّة.

قَوْله: (شكّ فِي أَحدهمَا) وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد عَن أبي حَازِم: لَا يدْرِي أَبُو حَازِم أَيهمَا قَالَ. قَوْله: (متماسكين) نصب على الْحَال، وَفِي رِوَايَة مُسلم: متماسكون، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هم متماسكون. وَقَالَ النَّوَوِيّ: كَذَا فِي بعض النّسخ، وَفِي بَعْضهَا بِالنّصب فكلاهما صَحِيح. قَوْله: (آخذ بَعضهم بِبَعْض) أَي: بَعضهم آخذ بِبَعْض وآخذ بِالْمدِّ وَكسر الْخَاء وَفِي رِوَايَة مُسلم: أَخذ بَعضهم بَعْضًا. قَوْله: (حَتَّى يدْخل أَوَّلهمْ وَآخرهمْ الْجنَّة) هَذَا غَايَة للتماسك الْمَذْكُور، وَالْأَخْذ بِالْأَيْدِي وَفِي رِوَايَة فُضَيْل بن سُلَيْمَان الَّتِي مَضَت فِي: بَاب صفة الْجنَّة: لَا يدْخل أَوَّلهمْ حَتَّى يدْخل آخِرهم.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده