الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٥٧٣
الحديث رقم ٦٥٧٣ من كتاب «كتاب الرقاق» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصراط جسر جهنم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
⦗١١٩⦘
يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ، فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ أَذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قِيلَ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا، فَيَتَمَنَّى، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا، فَيَتَمَنَّى حَتَّى تَنْقَطِعَ بِهِ الْأَمَانِيُّ، فَيَقُولُ لَهُ: هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا.
٦٥٧٤ - قَالَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ جَالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يُغَيِّرُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: حَفِظْتُ مِثْلُهُ مَعَهُ.»
بَابٌ فِي الْحَوْضِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ
٦٥٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
⦗١١٨⦘
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَحَلَّ الْمُسْتَهْزِئِ، وَظَنَّ أَنَّ فِي قَوْلِ اللَّهِ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، وَتَرَدُّدِهِ إِلَيْهَا وَظَنِّهِ أَنَّهَا مَلَأَى نَوْعًا مِنَ السُّخْرِيَةِ بِهِ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِ، فَسَمَّى الْجَزَاءَ عَلَى السُّخْرِيَةِ سُخْرِيَةً، وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ أَلِفَ أَتَسْخَرُ مِنِّي أَلِفُ النَّفْيِ كَهِيَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ، قَالَ: وَهُوَ كَلَامُ مُتَدَلِّلٍ عَلِمَ مَكَانَهُ مِنْ رَبِّهِ وَبَسْطَهُ لَهُ بِالْإِعْطَاءِ، وَجَوَّزَ عِيَاضٌ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ غَيْرُ ضَابِطٍ لِمَا قَالَ، إِذْ وَلَهَ عَقْلُهُ مِنَ السُّرُورِ بِمَا لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ لَمَّا خَلَصَ مِنَ النَّارِ: لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: أَكْثَرُوا فِي تَأْوِيلِهِ، وَأَشْبَهَ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ اسْتَخَفَّهُ الْفَرَحُ وَأَدْهَشَهُ فَقَالَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: قَالَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ خَافَ أَنْ يُجَازَى عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ
التَّسَاهُلِ فِي الطَّاعَاتِ وَارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَفِعْلِ السَّاخِرِينَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَتُجَازِينِي عَلَى مَا كَانَ مِنِّي؟ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أَيْ يُنْزِلُ بِهِمْ جَزَاءَ سُخْرِيَتِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ فِي آخِرِ شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
قَوْلُهُ: ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بِنُونٍ وَجِيمٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ جَمْعُ نَاجِذٍ، تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ الرَّجُلُ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي؟ قَالَ: لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: نِسْبَةُ الضَّحِكِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مَجَازٌ بِمَعْنَى الرِّضَا، وَضَحِكُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَضَحِكُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى سَبِيلِ التَّأَسِّي.
قَوْلُهُ: وَكَانَ يُقَالُ ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَيْسَ هَذَا مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي نَقْلًا عَنِ الصَّحَابَةِ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. قُلْتُ: قَائِلُ وَكَانَ يُقَالُ هُوَ الرَّاوِي كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا قَائِلُ الْمَقَالَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُهُ: أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ صَرَفَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، وَسَاقَ الْقِصَّةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ مُوسَى ﵇ سَأَلَ رَبَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى وَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ: إِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: عَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، وَنَوْفَلٌ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالْعَبَّاسُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ عَمُّ جَدِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الرَّاوِي عَنْهُ، وَلِلْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَيُقَالُ: إِنَّ لِعَبْدِ اللَّهِ رُؤْيَةً، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُلَقَّبُ بَبَّةَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ ثُمَّ هَاءِ تَأْنِيثٍ.
قَوْلُهُ: هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؟ هَكَذَا ثَبَتَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِحَذْفِ الْجَوَابِ، وَهُوَ اخْتِصَارٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ بِتَمَامِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا بِلَفْظِ: فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ: نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُقَدَّمِيِّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: الدَّرَكَةُ، بِزِيَادَةِ هَاءٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَمَضَى أَيْضًا فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْمَبْعَثِ النَّبَوِيِّ لِمُسَدَّدٍ فِيهِ سَنَدٌ آخَرُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ الْمَذْكُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٥٢ - بَاب الصِّرَاطُ جَسْرُ جَهَنَّمَ
٦٥٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
أَخْبَرهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا أَتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتْبَعُونَهُ وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَبِهِ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ: مِنْهُمْ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ الْمُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِعَلَامَةِ آثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرِجُونَهُمْ قَدْ امْتُحِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مِنْهُمْ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَاصْرِفْ وَجْهِي عَنْ النَّارِ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللَّهَ فَيَقُولُ: لَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَيَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا رَبِّ قَرِّبْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟ وَيْلَكَ يا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ. فَلَا يَزَالُ يَدْعُو، فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ تَسْأَلُنِي غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَيُعْطِي اللَّهَ ما شاء مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهُ، فَيُقَرِّبُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا رَأَى مَا فِيهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَوَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ.
فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ، فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ أَذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قِيلَ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا فَيَتَمَنَّى، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا، فَيَتَمَنَّى، حَتَّى تَنْقَطِعَ بِهِ الْأَمَانِيُّ، فَيَقُولُ لَهُ: هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٥٧٣ - ٦٥٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ) بكسر العين، ابن المسيَّب (وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) اللَّيثيُّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلان المروزيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو: ابنُ راشدٍ، واللَّفظ لروايته (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ) وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٩] «قلنا» (يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ ﷺ: هَلْ تُضَارُّونَ) بضم الفوقية وفتح الضاد (١) المعجمة وبعد الألف راء مشددة بصيغة المفاعلة، من الضُّرِّ (٢)، وأصله: تُضاررُون، فأسكنتِ الراء الأولى، وأدغمت في
الثانية، أي: هل تضُرُّون أحدًا أو يضُرُّكم بمنازعةٍ أو مجادلةٍ أو مضايقةٍ (فِي) رؤية (الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ) يحجبُها (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ) بالراء المشددة أيضًا (فِي) رؤية (القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) عند تمام نورهِ (لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ) يحجبُهُ (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ) إذا تجلَّى لكم (يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ) بحيث لا يَحجب بعضُكم بعضًا ولا يضرُّه، ولا يجادلُه، ولا يُزاحمه، كما يفعلُ عند رؤية الأهلَّة، بل كالحال عند رؤية الشَّمس والقمر ليلة البدر، وقد رُوي: «ولا تُضامُّون» بالضاد المعجمة وتشديد الميم، من الضَّمِّ، وهو الازدحامُ أيضًا، أي: لا تزدحمون عند رؤيتهِ تعالى، كما تزدحمونَ عند رؤيةِ الأهلَّة، ورُوي بتخفيف الميم، من الضَّيم الَّذي هو الذُّلُّ، أي: لا يذلُّ بعضُكم بعضًا بالمزاحمةِ والمنافسة والمنازعةِ، وفي البخاريِّ: «لا تُضامُّون أو تُضاهون» بالهاء على الشَّكِّ، كما في «فضلِ صلاة الفجر» [خ¦٥٧٣] ومعنى الَّذي بالهاء: لا يشتبه عليكم ولا ترتابون فيه، فيعارضُ بعضكم بعضًا، وفي «باب فضل السُّجود» -من البخاريِّ-: «هل تُمارون» [خ¦٨٠٦] بضم الفوقية وتخفيف الراء، أي: تجادلون في ذلك أو يدخلكم فيه شكٌّ من المرية وهي الشَّكُّ، ورُوي بفتح أوَّله والراء على حذفِ إحدى التَّاءين، وفي رواية البيهقيِّ: «تتمارون» بإثباتهما، والكاف في قوله: «كذلك» ليستْ لتشبيه المرئيّ، وإنَّما هي لتشبيهِ الرُّؤية بالرُّؤية في الوضوح، وهي فعلُ الرَّائي ومعناه: أنَّها رؤيةٌ يُزاح عنها الشَّكُّ. وقال الصُّعلوكيُّ فيما سَمِعه منه البيهقيُّ في «تُضامُّون» -المضموم الأول المشدد الميم- يريد: لا تجتمعونَ لرؤيتهِ في جهةٍ ولا يضمُّ بعضُكم إلى بعضٍ، فإنَّه تعالى لا يُرى في جهةٍ، ومعناه على فتح أوَّله: لا تتضامُّون في رؤيته بالاجتماع في جهةٍ (١)، وهو بغير تشديدٍ من الضَّيم معناه: لا تُظلمون فيه برؤية بعضِكم دون بعضٍ، وأنَّكم تَرَونه في جهاتكُم كلِّها وهو متعالٍ عن الجهة، فالتَّشبيه برُؤية القمر ليقين الرُّؤية دون تشبيهِ المرئيِّ ﷾ (٢)، وخصَّ الشَّمس والقمر بالذِّكر مع أنَّ رؤيةَ السَّماء بغير سحابٍ أكبر آيةٍ وأعظمُ خلقًا من مجرَّد الشَّمس والقمر؛ لما خُصَّا به من عظيمِ النُّور والضِّياء بحيث صارَ التَّشبيه بهما فيمَن يوصفُ بالجمالِ والكمال سائغًا شائعًا في الاستعمالِ (يَجْمَعُ اللهُ) ﷿ (النَّاسَ) الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ بحيث لا يَخفى منهم أحدٌ حتَّى لو دَعاهم داعٍ لسمعوه، ولو نظر إليهم ناظرٌ
لأدركَهم، وزاد في رواية العلاءِ بن عبد الرَّحمن -عند التِّرمذيِّ-: «فَيَطَّلع عليهم ربُّ العالمين» أي: يُعلمهم باطِّلاعه عليهم (١) حينئذٍ (فَيَقُولُ) جلَّ وعلا: (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ) بسكون اللام وتشديد الفوقية وكسر الموحدة، ولأبي ذرٍّ: «فليتْبَعه» بسكون الفوقية وفتح الموحدة (فَيَتْبَعُ) بسكون الفوقية وفتح الموحدة أيضًا (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ) الشَّمسَ (وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ) القمرَ (وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ) الطَّواغيتَ، جمع طاغوتٍ، بالمثناة الفوقيَّة، وهو الشَّيطان والصَّنم، وصوَّب الطَّبريُّ أنَّه كلُّ طاغٍ طغَى على الله فعُبد من دونه، ومفعولُ «يتَّبع» محذوفٌ في الثَّلاثة، واتِّباعهم لمن يعبدونه حينئذٍ باستمرارِهم على الاعتقادِ فيهم، أو بأن يُساقوا إلى النَّار قهرًا (وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ) المحمَّديَّة أو أعمُّ (فِيهَا) بغير واو (مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) ﷿ إتيانًا لا بكيفيَّة (٢)، عارٍ عن (٣) الحركةِ والانتقال؛ إذ ذلك (٤) من نعوتِ الحدث (٥)، المتعالي عنه ربُّنا علوًّا كبيرًا، وطريقة السَّلف المشهورة (٦) في هذا ونحوه أسلمُ، والله تعالى بحقيقةِ المراد بذلك أعلمُ، وقيل: معناه هنا: أنَّه يُشهدهم رؤيته؛ إذ العادة أنَّ كلَّ مَن غابَ عن غيرهِ لا يمكنه رؤيته إلَّا بالمجيء إليه، فعبَّر (٧) عن الرُّؤية بالإتيان مجازًا، أي: يتجلَّى لهم تعالى حتَّى يروه (فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ) لأجل مَن معهم من
المنافقين الَّذين لا يستحقُّون الرُّؤية وهُم عن ربِّهم محجوبون، أو أنَّ ذلك ابتلاءٌ، والدُّنيا وإن كانت دار ابتلاءٍ فقد يتحقَّق فيها الجزاء في بعض الأحوال، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فكذا الآخرة، وإن كانت دار جزاءٍ فقد يقعُ فيها الابتلاءُ بدليل أنَّ القبر وهو أوَّل منازل الآخرة يجري فيه الابتلاءُ بالسُّؤال وغيره، وآثار التَّكاليف لا تنقطعُ إلَّا بعد الاستقرار في الجنَّة أو النَّار، والتَّحقيق أنَّ التَّكليف خاصٌّ بالدُّنيا، وما يقعُ في القبر والموقفِ آثار ذلك (فَيَقُولُ) الله لهم: (أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ) لأنَّه أتاهم بصورةِ الأمر باتِّباع الباطل، فلذا يقولون: (هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا أَتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ) بما سبق لنا من معرفتهِ ﷿ أنَّه (١) لا يأمرنا بباطلٍ، وأنَّه منزَّه عن صفاتِ هذه الصُّورة؛ إذ سماتُها سمات المحدثات، ورجَّح القاضي عياضٌ أنَّ في قوله: «فيأتيهم الله» محذوفًا (٢) تقديره: فيأتيهم (٣) بعضُ ملائكة الله. قال: ولعلَّ هذا الملَك جاءهم في صورةٍ أنكروها لِمَا فيها من سمةِ الحدث (٤) الظَّاهرة؛ لأنَّه مخلوقٌ.
وقال القرطبيُّ: هذا مقام الامتحان يَمتحن الله به عبادهُ؛ ليميز المحقَّ من المبطلِ، وذلك أنَّه لمَّا بقي المنافقون والمراؤون مختلطينَ بالمؤمنين والمخلصين زَاعمين أنَّهم منهم، وأنَّهم عملوا مِثل عملِهم وعرفوا الله مِثل مَعْرفتهم ظانِّين أنَّ ذلك يجوزُ في ذلك الوقت، كما جاز في الدُّنيا، امتحنهم الله بأن أتاهُم بصورةٍ هائلةٍ قال للجميع: أنا ربُّكم، فأجابَهُ المؤمنون بإنكار ذلك حتَّى إنَّ بعضهم ليكاد أن يتقلَّب؛ أي (٥): يزلَّ فيوافقَ المنافقين، وقال في «المُفْهِم»: وهذا لمن لا يكون له رسوخُ العلماء، ولعلَّهم (٦) الَّذين اعتقدوا الحقَّ وحوَّموا عليه من غير بصيرةٍ، ولذا كان اعتقادُهم قابلًا للانقلاب.
وأمَّا قولهم: «نعوذُ بالله منك» فقال الخطَّابيُّ: يُحتمل أن يكون صدر من المنافقين. وتعقِّب بأنَّه لا يصحُّ ولا يستقيم.
(فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) فيتجلَّى للمسلمين بعد تمييزِ المنافقين (فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ) أي: في صفته الَّتي هو عليها من الجلالِ والكمال والتَّعالي عن صفاتِ الحدث (١) بعد أن عرَّفهم بنفسه الشَّريفة، ورفع الموانع عن أبصارهم (فَيَقُولُ) لهم: (أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتَّبَعُونَهُ) بتشديد الفوقية، ولم يضبط الفوقية في «اليونينية» بتشديدٍ ولا غيره، أي: أَمْرَ الله أو ملائكته الَّذين وكِّلوا بذلك (وَيُضْرَبُ) بضم أوله وفتح ثالثه (جَِسْرُ جَهَنَّمَ) بفتح الجيم وكسرها، وهو الصِّراط (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ) زاد شعيبٌ في روايته الماضية في «فضل السُّجود» [خ¦٨٠٦]: «يجوزُ بأُمَّته»، وقال النَّوويُّ: أكونُ أنا وأمَّتِي أوَّلُ من يجوزُ على الصِّراط ويقطعهُ، وإذا كان ﷺ هو وأُمَّته أوَّل مَن يجوزُ على الصِّراط لزم تأخيرُ غيرهم عنهم حتَّى يجوزوا (وَدُعَاءُ الرُّسُلِ) ﵈ (يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) بتكرير «سلِّم» مرَّتين (وَبِهِ) بالصِّراط (كَلَالِيبُ) معلَّقةٌ مأمورةٌ بأخذ من أُمرت به.
قال ابن العربيِّ: وهذه الكلاليبُ هي الشَّهوات المشار إليها في حديث: «حفَّتِ النَّارُ بالشَّهواتِ» فالشَّهوات (٢) موضوعةٌ على جوانبها فمَن اقتحم الشَّهوة سقط في النَّار؛ لأنَّها خطاطيفُها. انتهى. والكلاليبُ المذكورة (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) بفتح السين وسكون العين وفتح الدال المهملات وبعد الألف نون، جمع: سعدانة، نباتٌ ذو شوكٍ (أَمَا) بالتَّخفيف (رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: بَلَى) رأيناها، ولأبي ذرٍّ: «قالوا: نعم» (يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهَا) أي: الشَّوكة (لَا يَعْلَمُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنَّه» بضمير الشَّأن لا يَعرف (قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ) بكسر العين وفتح المعجمة. وقال السَّفاقسيُّ: ضبطناه بضم العين (٣) وسكون الظاء، والأوَّل أشبه لأنَّه مصدرٌ، لا يعلمُ قدر كبرها إلَّا الله (فَتَخْطَِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ) بسبب أعمالهم القبيحة، و «تخطَِف» بفتح الطاء وكسرها.
وتشبيه الكلاليبِ بشوك السَّعدان خاصٌّ بسرعة (١) اختطافها، وكثرة الانتشابِ فيها مع التَّحرُّز والتَّصوُّن تمثيلًا لهم بما عرفوهُ في الدُّنيا وألقوه بالمباشرةِ، ثمَّ استثنى إشارةً إلى أنَّ التَّشبيه لم يقعْ في مقدارهمَا، قاله الزَّين ابن المُنيِّر (مِنْهُمُ المُوبَقُ) بضم الميم وسكون الواو وفتح الموحدة بعدها قاف، الهالكُ (بِعَمَلِهِ) وهو الكافرُ (وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة بينهما راء ساكنة، وهو المؤمنُ العاصي.
قال في «الفتح»: ووقع في رواية الأَصيليِّ هنا: «المجردل» بالجيم، والجردلةُ: الإشرافُ على السُّقوط، ووهَّاها (٢) القاضي عياض، ورجَّح ابنُ قُرْقُول روايةَ الخاء المعجمة. قال الهرويُّ: المعنى: أنَّ كلاليب النَّار تقطعه فيهوي في النَّار، أو من الخردلِ، أي: تجعل أعضاءَه كالخردلِ، أو المخردل: المصروع، ورجَّحه السَّفاقسيُّ، وقال (٣): هو أنسبُ لسياق (٤) الخبر.
(ثُمَّ يَنْجُو) من ذلك. وعن (٥) أبي سعيدٍ ممَّا رواه ابن ماجه مرفوعًا: «يوضعُ الصِّراط بينَ ظهراني جهنَّمَ على حسكٍ كحسَكِ السَّعدانِ، ثمَّ يستجيزُ النَّاسُ فناجٍ مسلَّمٌ ومخدُوشٌ بهِ، ثمَّ ناجٍ ومحتبَسٌ بهِ ومنكُوسٌ فيها» وفي حديث أبي سعيدٍ: «فناجٍ مسلَّمٌ، ومخدوشٌ مكدوسٌ في جهنَّم حتَّى يمرَّ آخرُهم فيُسحبُ سحبًا»، و «المكدُوسُ» -بالمهملة- في مسلمٍ، وروي بالمعجمة، ومعناه (٦): السَّوق الشَّديد، ويؤخذ منه كما في «بهجة النُّفوس»: أنَّ المارِّين على الصِّراط ثلاثة أصنافٍ: ناجٍ بلا خدْشٍ، وهالكٌ من أوَّل وَهلةٍ، ومتوسِّطٌ بينهما يُصاب ثمَّ ينجو، وكلُّ قسمٍ منها ينقسم أقسامًا كما يُعرف من قوله: «بقدرِ أعمالهم» وفيه -ممَّا ذَكره في «بهجة النُّفوس» -: أنَّ الصِّراط مع دقَّته وحدَّته يسع جميع المخلوقين منذُ آدم إلى قيام السَّاعة (حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ) ﷿ (مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ) أي: حلَّ قضاؤه بهم (وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ) بضم أوَّله وكسر ثانيه (مِنَ النَّارِ (٧) مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن يخرجَه» (مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويُدخله الجنَّة بشفاعة نبيِّنا ﷺ كما في حديث عمران بن الحصين السَّابق [خ¦٦٥٦٦] أو إبراهيم كما في حديث حذيفة عند البيهقيِّ وأبي عَوَانة وابن حبَّان، أو آدم كما في حديث عبد الله بن سلامٍ عند الحاكم، أو المؤمنين كما في حديث أبي سعيدٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٩] ويجمع بأنَّهم كلّهم شَفِعُوا.
وفي حديث أبي بكرةَ عند ابنِ أبي عاصمٍ والبيهقيِّ مرفوعًا: «يحملُ النَّاسُ على الصِّراطِ، ثمَّ ينجِي اللهُ من يشاءُ برحمتهِ، ثمَّ يُؤذَنُ في الشَّفاعةِ للملائكةِ والنَّبيِّينَ والشُّهداءِ والصَّالحينَ فيشفعُونَ ويُخْرِجُونَ» (أَمَرَ) الله تعالى (المَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ) من النَّار (فَيَعْرِفُونَهُمْ بِعَلَامَةِ آثَارِ السُّجُودِ) بجمعِ «آثار» (وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنِ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ) بتوحيدِ «أثرٍ» وهذا جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّرٍ كأنَّه قيل: كيف تَعرف الملائكة أثر السُّجود مع قول أبي سعيدٍ عند مسلمٍ: «فأماتهُم الله حتَّى إذا كانوا فحمًا أذنَ بالشَّفاعة، فإذا صاروا فحمًا كيف (١) يتميَّز محلُّ السُّجود من غيره حتَّى يُعرف أثره»، وحاصل الجواب: تخصيصُ أعضاء السُّجود من عموم الأعضاء الَّتي دلَّ عليها خبر أبي سعيدٍ، وأنَّ الله مَنع النَّار أن تحرقَ أثر السُّجود، وهل المراد أعضاء السُّجود السَّبعة الجبهة واليدان والرُّكبتان والقَدمان، أو الجبهة خاصة؟ قال النَّوويُّ: المختار الأوَّل، واستنبط صاحب «بهجة النُّفوس» منه أنَّ كلَّ (٢) مَن كان مسلمًا، ولكنَّه لا يصلِّي أنَّه (٣) لا يُخْرَج؛ إذ لا علامةَ له، ولكنَّه يحتمل أن يخرجَ في القبضة لعموم قوله: «لم يعملْ خيرًا قطُّ» كما في حديثِ أبي سعيدٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٩] وفي حديث معبد عن الحسنِ البصريِّ، عن أنسٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١٠] «فأقول: يا ربِّ ائذن لي فيمَن قال: لا إله إلَّا الله. قال: ليس ذلك لكَ، ولكن وعزَّتي وجلالي وكبريائي وعظمتِي وجبروتِي لأُخرجنَّ من قال: لا إله إلَّا الله» قال البيضاويُّ: أي: أنا أفعلُ ذلك تعظيمًا لاسمِي وإجلالًا لتوحيدِي، وهو مخصِّصٌ لعمومِ حديث: «أسعدُ النَّاسِ بشفاعَتِي من قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهَ» [خ¦٩٩] وحمله في «الفتح» على أنَّ المرادَ ليس لك مباشرةُ الإخراج (٤) لا أصل
الشَّفاعة، وتكون هذه الشَّفاعة الأخيرة وقعتْ في إخراج المذكورين، فأُجيب إلى أصل الإخراج ومُنِعَ من مباشرتهِ، فنُسِبت إلى شفاعتهِ (فَيُخْرِجُونَهُمْ) من النَّار، حال كونهم (قَدِ امْتُحِشُوا) بضم الفوقية وكسر المهملة وضم المعجمة في الفرع. قال في «المطالع»: وهي لأكثرهِم، وعند أبي ذرٍّ (١) والأَصيليِّ: «امتَحَشوا» بفتحهما يقال: مَحَشته النَّار، وامتَحَش هو. قال يعقوبُ بن السِّكِّيت: لا يقال: مَحَشته، إنَّما هو أَمحَشته، والصَّحيح أنَّهما لغتان، والرُّباعيُّ أكثر، وامتَحَش غضبًا، أي: احترق. قال (٢) الدَّاوديُّ: معناه: انقبضُوا (٣) واسودُّوا. انتهى. وقال في «النِّهاية»: والمَحش: احتراقُ الجلد، وظُهور العظم (فَيُصَبُّ) بضم التحتية وفتح الصاد المهملة (عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الحَيَاةِ) بتاء التأنيث في آخره، ضدُّ الموت (فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الحِبَّةِ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، من بزورِ (٤) الصَّحراء (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم، أي: ما يحملُه، وذلك أنَّ الغُثاء الَّذي يجيءُ به السَّيل تكون فيه الحبَّة، فتقع في جانبِ الوادي، فتصبح من يومها نابتةً. شُبِّه بها لأنَّها أسرعُ في النَّبات من غيرها، وفي السَّيل أسرعُ لِمَا يجتمعُ فيه من الطِّين الرَّخو الحادث مع الماء (وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ويبقى رجلٌ منهم مُقبلٌ» (بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ) وهو آخر أهل النَّار دخولًا الجنَّة، وفي حديث حذيفة في «أخبار بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥٢] «إنَّه كان نبَّاشًا (٥) وأنَّه قال لأهله: أَحرقوني» وفي «غرائب مالك» للدَّارقطنيِّ من طريق عبدِ الملك بن الحكم -وهو واهٍ- عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر مرفوعًا: «إنَّ آخرَ من يدخلِ الجنَّةَ رجلٌ من جهينَةَ يقالُ لهُ: جهينة، فيقولُ أهلُ الجنَّةِ: عندَ جهينةَ الخبرُ اليقِينُ» وحكى السُّهيليُّ أنَّه جاء أنَّ اسمَه هناد، وجوَّز غيره أن يكون أحد الاسمين لأحدِ المذكورين والآخرُ للآخر. وفي «نوادر الأصول» للتِّرمذيِّ الحكيم من حديثِ أبي هريرة بسندٍ واهٍ: «أنَّ أطول أهل النَّار فيها مكثًا مَن يَمكث سبعة آلاف سنةٍ» (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ قَشَبَنِي) بفتح القاف والمعجمة والموحدة وكسر النون مخففًا،
أي: آذانِي وأهلكنِي (رِيحُهَا) أي: النَّار (وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) بفتح الذال المعجمة (١) وبالهمزِ والمدِّ (٢). قال في «الفتح»: كذا للأَصيليِّ وكريمة، ولأبي ذرٍّ: «ذكاهَا» بالقصر، وهو الأشهرُ في اللُّغة، أي: لَهبها واشتعالها وشدَّةُ وهجِهَا (فَاصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) واستُشكل بأنَّه ممَّن يمرُّ على الصِّراط طالبًا الجنَّة فوجهه إلى الجنَّة. وأُجيب بأنَّه سأل أن يُديم عليه صَرف وجههِ عنها (فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ) تعالى أن يصرفَ وجهه عن النَّار (فَيَقُولُ) تعالى له: (لَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ) ذلك (أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ) استفهامُ تقرير؛ لأنَّ ذلك من عادةِ بني آدم، والتَّرجِّي (٣) راجعٌ إلى المخاطبِ لا إلى الرَّبِّ تعالى (فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. فَيَصْرِفُ) الله
تعالى (وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ) قال في «الفتح»: فـ «يُصرف» بضم أوله على البناء للمجهول، وفي رواية شعيبٍ: «فيَصْرفُ الله وجهَهُ عن النَّار (١)» [خ¦٨٠٦] قلتُ: والأوَّل هو الَّذي في الفرع (ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا رَبِّ قَرِّبْنِي إِلَى بَابِ الجَنَّةِ. فَيَقُولُ) الله تعالى: (أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ) وفي رواية شعيبٍ السَّابقة في «فضل السُّجود» [خ¦٨٠٦] «أليسَ قد أَعْطَيتَ العهدَ والميثاقَ» (أَنْ لَا تَسْأَلْنِي غَيْرَهُ) أي: غيرَ صَرف وجهكَ عن النَّار (وَيْلَكَ ابْنَ (٢) آدَمَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يا ابن آدم» (مَا أَغْدَرَكَ) بالغين المعجمة والدال المهملة، فعل تعجُّب من الغدرِ ونقضِ العهد وتركِ الوفاء (فَلَا يَزَالُ (٣) يَدْعُو) الله تعالى (فَيَقُولُ) تعالى له: (لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَ) بتحتية (٤) ثمَّ فوقية، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن أُعطيكَ (٥)» بضم الهمزة (ذَلِكَ) الَّذي طلبته (تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ. فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. فَيُعْطِي اللهَ) ﷿ (مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكشميهنيِّ: «وميثاق» بالإفراد (أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهُ، فَيُقَرِّبُهُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا رَأَى مَا فِيهَا) في رواية شعيبٍ: «فإذا بَلغ بابها ورأى زَهْرتها و (٦) ما فيها من النُّضرة» [خ¦٨٠٦] ورؤيته لها يحتملُ أن تكون بمعنى: العِلم بسطوعِ (٧) ريحها الطَّيِّب وأنوارها المضيئةِ، كما كان يحصلُ له أذى لفح النَّار وهو من خارجِها، أو لأنَّ جدارها شفَّافٌ فيُرَى ظاهِرُهَا من باطِنِها، كما رُوي في غُرفها (سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ) ﷿ (أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ثمَّ (٨) قال»: (رَبِّ (٩) أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ. ثُمَّ يَقُولُ) الله تعالى له: (أَوَلَيْسَ) بواو بعد الهمزة، ولأبي ذرٍّ:
«أولست» بالمثنَّاة الفوقية بعد السين (قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ، وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ) ممَّن دخل الجنَّة، فهو لفظٌ عامٌّ أُريد به الخاصُّ، ومرادُه: أنَّه يصيرُ إذا استمرَّ خارجًا عن (١) الجنَّة أشقاهم، وكونه أشقاهُم ظاهرٌ لو استمرَّ خارج الجنَّة وهُم من داخلها (فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ) الله ﷿ منه، وهو مجازٌ عن لازمه، وهو الرِّضا (فَإِذَا ضَحِكَ) رضي (مِنْهُ أَذِنَ) بفتح الهمزة (لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قِيلَ: تَمَنَّ) ولأبي ذرٍّ: «قيل له: تمنَّ» (مِنْ كَذَا) أي: من الجنس الفلانيِّ. وقال المظهريُّ: «مِن» فيه للبيان؛ يعني: تمنَّ من كلِّ جنسٍ ما تشتهِي منه. قال الطِّيبيُّ: ونحوه ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] ويُحتمل أن تكون «من» زائدة في الإثبات على مذهبِ الأخفش (فَيَتَمَنَّى، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا. فَيَتَمَنَّى حَتَّى تَنْقَطِعَ بِهِ الأَمَانِيُّ) وفي رواية أبي سعيدٍ عند أحمد: «فيسأل ويتمنَّى مقدارَ ثلاثة أيَّامٍ من أيَّام (٢) الدُّنيا» وفي رواية «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٧] «حتَّى إنَّ الله ليذكره كذا (٣) من كذا» (فَيَقُولُ) أي: الله: (هَذَا) وللكُشميهنيِّ: «فيقول له هذا» (لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ).
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) بالسَّند السَّابق: (وَذَلِكَ الرَّجُلُ) المذكور (آخِرُ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا) الجنَّة.
(قَالَ عَطَاءٌ) بن يزيد الرَّاوي: (وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ) سقط لأبي ذرٍّ «الخدريُّ» (جَالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) وهو يُحدِّث بهذا الحديث (لَا يُغَيِّرُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ) ولا يردُّه عليه (حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: حَفِظْتُ: مِثْلُهُ مَعَهُ) أي: هذا لك ومثلُه معه، وجمع القاضِي عياض بينهمَا باحتمالِ أن يكون أبو هريرةَ سمع أوَّلًا قوله: «ومثله معَه» فحدَّث به، ثمَّ إنَّ النَّبيَّ ﷺ حدَّث بالزِّيادة فسمعَه أبو سعيدٍ، والله أعلم.
والحديثُ أخرجهُ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٨]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة والتَّفسير».
(٥٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الحَوْضِ) الَّذي لنبيِّنا ﷺ في الآخرة. قال في «الصِّحاح»: الحوض: واحد الأحواضِ والحياض، وحضتُ أحوضُ (١) اتَّخذتُ حوضًا، واستحوضَ الماء اجتمعَ، والمحوَّض -بالتَّشديد-: شيءٌ كالحوضِ يجعل للنَّخلة تشربُ منه. وقال ابنُ قُرْقُول: والحوض حيث تستقرُّ (٢) المياه، أي: تجتمعُ لتشرب منها الإبل.
واختُلف في حوضهِ ﷺ هل هو قبل الصِّراط أو بعدَه. قال أبو الحسن القابسيُّ: الصَّحيح أنَّ الحوض قَبْلُ. قال القرطبيُّ في «تذكرته»: والمعنى يقتضيهِ، فإنَّ النَّاس يخرجون عطاشًا من قبورهم، واستدلَّ بما في البخاريِّ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «بينَا أنا قائِمٌ على الحوضِ إذا زمرة حتَّى إذا عرفتُهُم خرجَ رجلٌ من بينِي وبينهم فقالَ: هلمَّ. فقلتُ: أينَ؟ قالَ: إلى النَّارِ … » الحديث. ويأتي -إن شاء الله تعالى- في هذا الباب [خ¦٦٥٨٧] قال القرطبيُّ: فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ الحوض يكون في الموقف قبل الصِّراط؛ لأنَّ الصِّراط إنَّما هو جسرٌ على جهنَّم ممدودٌ يُجاز عليه، فمن جازه سَلِم من النَّار. انتهى.
وقال آخرون: إنَّه بعد الصِّراط، وصنيع البخاريِّ في إيرادهِ لأحاديث الحوض بعدَ أحاديث الشَّفاعة بعد نصب الصِّراط مُشعِرٌ بذلك، وفي حديث أنسٍ عند التِّرمذيِّ ما يدلُّ له، ولفظه: سألت رسول الله ﷺ أن يشفعَ لي فقال: «أنا فاعلٌ» فقلت: أين أطلبُك؟ قال: «اطلُبْنِي أوَّلَ ما تطلبنِي على الصِّراطِ» قلتُ: فإن لم ألقَكَ؟ قال: «أنَا عندَ الميزَانِ» قلتُ: فإن لم ألقَكَ؟ قال «أنا عندَ الحوضِ» ويؤيِّدُه ظاهر قوله ﷺ في حديثِ الحوض: «من شربَ منهُ لم يظمأْ أبدًا» لأنَّه يدلُّ على أنَّ الشُّرب منه يكون بعد الحساب والنَّجاة من النَّار؛ لأنَّ ظاهر حالِ من لا (٣) يظمأُ أن لا يُعذَّب بالنَّار.
وأما حديثُ أبي هريرة السَّابق [خ¦٦٥٧٣] المستدَلُّ به على القَبْليَّة، فأُجيب عنه باحتمال
أنَّهم يقربون من الحوضِ بحيث يرونَهُ ويرومونه (١)، فيُدفعون في النَّار قبل أن يخلصُوا من بقيَّة الصِّراط، فليتأمَّل.
وأما قول (٢) صاحب «التَّذكرة»: والصَّحيح أنَّ له ﷺ حوضين: أحدهما في الموقف قبل الصِّراط، والآخر داخل الجنَّة، وكلاهما (٣) يسمَّى كوثرًا، متعقَّبٌ (٤) بأنَّ الكوثر نهرٌ داخل الجنَّة وماؤه يصبُّ (٥) في الحوضِ، ويُطلق على الحوض كوثرٌ لكونه يُمَدُّ منه، وفي حديث أبي ذرٍّ -عند مسلمٍ-: «أنَّ الحوضَ يشخبُ فيه ميزابان من الجنَّة»، وقد سبق أنَّ الصِّراط جسر جهنَّم وأنَّه بين الجنَّة والموقف، فلو كان الحوض دونهُ لحالت النَّار بينه وبين الماء الَّذي يصبُّ من الكوثرِ في الحوض، والله أعلم.
وفي التِّرمذيِّ عن سَمُرة رفعه: «إنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا» وأشار إلى أنَّه اختلف في وصله وإرساله، وأنَّ المرسل أصحُّ، والمرسل أخرجه ابن أبي الدُّنيا بسندٍ صحيحٍ عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «وإنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا وهو قائِمٌ على حوضهِ بيدهِ عصا يدعُو من عرفَ من أمَّتهِ إلَّا أنَّهم يتباهونَ أيُّهم أكثر تبعًا، وإنِّي لأرجُو أن أكونَ أكثرهُم تبعًا» وأخرجهُ الطَّبرانيُّ من وجهٍ آخر عن سَمُرةَ موصولًا مرفوعًا مثله وفي سنده لينٌ، وعند ابنِ أبي الدُّنيا عن أبي سعيدٍ رفعه: «وكلُّ نبيٍّ يدعُو أمَّتهُ، ولكلِّ نبيٍّ حوض … » الحديث. وفي إسناده لينٌ، فالمختصُّ به نبيُّنا محمَّد ﷺ الكوثر الَّذي يصبُّ من مائه في حوضهِ، ولم ينقلْ نظيره لغيرهِ، ولذا امتنَّ الله تعالى عليه به في التَّنزيل.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]) وهو فَوْعل، من الكثرة، وهو المفرطُ الكثرة، واختُلف في تفسيرهِ فقيل: نهرٌ في الجنَّة، وهو المشهورُ المستفيضُ عند السَّلف والخَلَف، وقيل: أولاده؛ لأنَّ السُّورة (٦) نزلتْ ردًّا على من عابهُ بعدمِ الأولاد، وقيل: الخيرُ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَحَلَّ الْمُسْتَهْزِئِ، وَظَنَّ أَنَّ فِي قَوْلِ اللَّهِ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، وَتَرَدُّدِهِ إِلَيْهَا وَظَنِّهِ أَنَّهَا مَلَأَى نَوْعًا مِنَ السُّخْرِيَةِ بِهِ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِ، فَسَمَّى الْجَزَاءَ عَلَى السُّخْرِيَةِ سُخْرِيَةً، وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ أَلِفَ أَتَسْخَرُ مِنِّي أَلِفُ النَّفْيِ كَهِيَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ، قَالَ: وَهُوَ كَلَامُ مُتَدَلِّلٍ عَلِمَ مَكَانَهُ مِنْ رَبِّهِ وَبَسْطَهُ لَهُ بِالْإِعْطَاءِ، وَجَوَّزَ عِيَاضٌ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ غَيْرُ ضَابِطٍ لِمَا قَالَ، إِذْ وَلَهَ عَقْلُهُ مِنَ السُّرُورِ بِمَا لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ لَمَّا خَلَصَ مِنَ النَّارِ: لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: أَكْثَرُوا فِي تَأْوِيلِهِ، وَأَشْبَهَ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ اسْتَخَفَّهُ الْفَرَحُ وَأَدْهَشَهُ فَقَالَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: قَالَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ خَافَ أَنْ يُجَازَى عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ
التَّسَاهُلِ فِي الطَّاعَاتِ وَارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَفِعْلِ السَّاخِرِينَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَتُجَازِينِي عَلَى مَا كَانَ مِنِّي؟ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أَيْ يُنْزِلُ بِهِمْ جَزَاءَ سُخْرِيَتِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ فِي آخِرِ شَرْحِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
قَوْلُهُ: ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بِنُونٍ وَجِيمٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ جَمْعُ نَاجِذٍ، تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ الرَّجُلُ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي؟ قَالَ: لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: نِسْبَةُ الضَّحِكِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مَجَازٌ بِمَعْنَى الرِّضَا، وَضَحِكُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَضَحِكُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى سَبِيلِ التَّأَسِّي.
قَوْلُهُ: وَكَانَ يُقَالُ ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَيْسَ هَذَا مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي نَقْلًا عَنِ الصَّحَابَةِ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. قُلْتُ: قَائِلُ وَكَانَ يُقَالُ هُوَ الرَّاوِي كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا قَائِلُ الْمَقَالَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُهُ: أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ صَرَفَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، وَسَاقَ الْقِصَّةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ مُوسَى ﵇ سَأَلَ رَبَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى وَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ: إِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: عَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، وَنَوْفَلٌ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالْعَبَّاسُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ عَمُّ جَدِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الرَّاوِي عَنْهُ، وَلِلْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ، وَيُقَالُ: إِنَّ لِعَبْدِ اللَّهِ رُؤْيَةً، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُلَقَّبُ بَبَّةَ بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ ثُمَّ هَاءِ تَأْنِيثٍ.
قَوْلُهُ: هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ؟ هَكَذَا ثَبَتَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِحَذْفِ الْجَوَابِ، وَهُوَ اخْتِصَارٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ بِتَمَامِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا بِلَفْظِ: فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، قَالَ: نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُقَدَّمِيِّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: الدَّرَكَةُ، بِزِيَادَةِ هَاءٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَمَضَى أَيْضًا فِي قِصَّةِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْمَبْعَثِ النَّبَوِيِّ لِمُسَدَّدٍ فِيهِ سَنَدٌ آخَرُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ الْمَذْكُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٥٢ - بَاب الصِّرَاطُ جَسْرُ جَهَنَّمَ
٦٥٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
أَخْبَرهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا أَتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتْبَعُونَهُ وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَبِهِ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ: مِنْهُمْ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ الْمُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِعَلَامَةِ آثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرِجُونَهُمْ قَدْ امْتُحِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مِنْهُمْ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَاصْرِفْ وَجْهِي عَنْ النَّارِ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللَّهَ فَيَقُولُ: لَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَيَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا رَبِّ قَرِّبْنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟ وَيْلَكَ يا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ. فَلَا يَزَالُ يَدْعُو، فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ تَسْأَلُنِي غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَيُعْطِي اللَّهَ ما شاء مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهُ، فَيُقَرِّبُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا رَأَى مَا فِيهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَوَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ.
فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ، فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ أَذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قِيلَ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا فَيَتَمَنَّى، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا، فَيَتَمَنَّى، حَتَّى تَنْقَطِعَ بِهِ الْأَمَانِيُّ، فَيَقُولُ لَهُ: هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٥٧٣ - ٦٥٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ، أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ) بكسر العين، ابن المسيَّب (وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) اللَّيثيُّ (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مَحْمُودٌ) هو ابنُ غيلان المروزيُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّامٍ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو: ابنُ راشدٍ، واللَّفظ لروايته (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنَّه (قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ) وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٩] «قلنا» (يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ ﷺ: هَلْ تُضَارُّونَ) بضم الفوقية وفتح الضاد (١) المعجمة وبعد الألف راء مشددة بصيغة المفاعلة، من الضُّرِّ (٢)، وأصله: تُضاررُون، فأسكنتِ الراء الأولى، وأدغمت في
الثانية، أي: هل تضُرُّون أحدًا أو يضُرُّكم بمنازعةٍ أو مجادلةٍ أو مضايقةٍ (فِي) رؤية (الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ) يحجبُها (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: هَلْ تُضَارُّونَ) بالراء المشددة أيضًا (فِي) رؤية (القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ) عند تمام نورهِ (لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ) يحجبُهُ (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ) إذا تجلَّى لكم (يَوْمَ القِيَامَةِ كَذَلِكَ) بحيث لا يَحجب بعضُكم بعضًا ولا يضرُّه، ولا يجادلُه، ولا يُزاحمه، كما يفعلُ عند رؤية الأهلَّة، بل كالحال عند رؤية الشَّمس والقمر ليلة البدر، وقد رُوي: «ولا تُضامُّون» بالضاد المعجمة وتشديد الميم، من الضَّمِّ، وهو الازدحامُ أيضًا، أي: لا تزدحمون عند رؤيتهِ تعالى، كما تزدحمونَ عند رؤيةِ الأهلَّة، ورُوي بتخفيف الميم، من الضَّيم الَّذي هو الذُّلُّ، أي: لا يذلُّ بعضُكم بعضًا بالمزاحمةِ والمنافسة والمنازعةِ، وفي البخاريِّ: «لا تُضامُّون أو تُضاهون» بالهاء على الشَّكِّ، كما في «فضلِ صلاة الفجر» [خ¦٥٧٣] ومعنى الَّذي بالهاء: لا يشتبه عليكم ولا ترتابون فيه، فيعارضُ بعضكم بعضًا، وفي «باب فضل السُّجود» -من البخاريِّ-: «هل تُمارون» [خ¦٨٠٦] بضم الفوقية وتخفيف الراء، أي: تجادلون في ذلك أو يدخلكم فيه شكٌّ من المرية وهي الشَّكُّ، ورُوي بفتح أوَّله والراء على حذفِ إحدى التَّاءين، وفي رواية البيهقيِّ: «تتمارون» بإثباتهما، والكاف في قوله: «كذلك» ليستْ لتشبيه المرئيّ، وإنَّما هي لتشبيهِ الرُّؤية بالرُّؤية في الوضوح، وهي فعلُ الرَّائي ومعناه: أنَّها رؤيةٌ يُزاح عنها الشَّكُّ. وقال الصُّعلوكيُّ فيما سَمِعه منه البيهقيُّ في «تُضامُّون» -المضموم الأول المشدد الميم- يريد: لا تجتمعونَ لرؤيتهِ في جهةٍ ولا يضمُّ بعضُكم إلى بعضٍ، فإنَّه تعالى لا يُرى في جهةٍ، ومعناه على فتح أوَّله: لا تتضامُّون في رؤيته بالاجتماع في جهةٍ (١)، وهو بغير تشديدٍ من الضَّيم معناه: لا تُظلمون فيه برؤية بعضِكم دون بعضٍ، وأنَّكم تَرَونه في جهاتكُم كلِّها وهو متعالٍ عن الجهة، فالتَّشبيه برُؤية القمر ليقين الرُّؤية دون تشبيهِ المرئيِّ ﷾ (٢)، وخصَّ الشَّمس والقمر بالذِّكر مع أنَّ رؤيةَ السَّماء بغير سحابٍ أكبر آيةٍ وأعظمُ خلقًا من مجرَّد الشَّمس والقمر؛ لما خُصَّا به من عظيمِ النُّور والضِّياء بحيث صارَ التَّشبيه بهما فيمَن يوصفُ بالجمالِ والكمال سائغًا شائعًا في الاستعمالِ (يَجْمَعُ اللهُ) ﷿ (النَّاسَ) الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ بحيث لا يَخفى منهم أحدٌ حتَّى لو دَعاهم داعٍ لسمعوه، ولو نظر إليهم ناظرٌ
لأدركَهم، وزاد في رواية العلاءِ بن عبد الرَّحمن -عند التِّرمذيِّ-: «فَيَطَّلع عليهم ربُّ العالمين» أي: يُعلمهم باطِّلاعه عليهم (١) حينئذٍ (فَيَقُولُ) جلَّ وعلا: (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ) بسكون اللام وتشديد الفوقية وكسر الموحدة، ولأبي ذرٍّ: «فليتْبَعه» بسكون الفوقية وفتح الموحدة (فَيَتْبَعُ) بسكون الفوقية وفتح الموحدة أيضًا (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ) الشَّمسَ (وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ) القمرَ (وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ) الطَّواغيتَ، جمع طاغوتٍ، بالمثناة الفوقيَّة، وهو الشَّيطان والصَّنم، وصوَّب الطَّبريُّ أنَّه كلُّ طاغٍ طغَى على الله فعُبد من دونه، ومفعولُ «يتَّبع» محذوفٌ في الثَّلاثة، واتِّباعهم لمن يعبدونه حينئذٍ باستمرارِهم على الاعتقادِ فيهم، أو بأن يُساقوا إلى النَّار قهرًا (وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ) المحمَّديَّة أو أعمُّ (فِيهَا) بغير واو (مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) ﷿ إتيانًا لا بكيفيَّة (٢)، عارٍ عن (٣) الحركةِ والانتقال؛ إذ ذلك (٤) من نعوتِ الحدث (٥)، المتعالي عنه ربُّنا علوًّا كبيرًا، وطريقة السَّلف المشهورة (٦) في هذا ونحوه أسلمُ، والله تعالى بحقيقةِ المراد بذلك أعلمُ، وقيل: معناه هنا: أنَّه يُشهدهم رؤيته؛ إذ العادة أنَّ كلَّ مَن غابَ عن غيرهِ لا يمكنه رؤيته إلَّا بالمجيء إليه، فعبَّر (٧) عن الرُّؤية بالإتيان مجازًا، أي: يتجلَّى لهم تعالى حتَّى يروه (فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ) لأجل مَن معهم من
المنافقين الَّذين لا يستحقُّون الرُّؤية وهُم عن ربِّهم محجوبون، أو أنَّ ذلك ابتلاءٌ، والدُّنيا وإن كانت دار ابتلاءٍ فقد يتحقَّق فيها الجزاء في بعض الأحوال، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] فكذا الآخرة، وإن كانت دار جزاءٍ فقد يقعُ فيها الابتلاءُ بدليل أنَّ القبر وهو أوَّل منازل الآخرة يجري فيه الابتلاءُ بالسُّؤال وغيره، وآثار التَّكاليف لا تنقطعُ إلَّا بعد الاستقرار في الجنَّة أو النَّار، والتَّحقيق أنَّ التَّكليف خاصٌّ بالدُّنيا، وما يقعُ في القبر والموقفِ آثار ذلك (فَيَقُولُ) الله لهم: (أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ) لأنَّه أتاهم بصورةِ الأمر باتِّباع الباطل، فلذا يقولون: (هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا أَتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ) بما سبق لنا من معرفتهِ ﷿ أنَّه (١) لا يأمرنا بباطلٍ، وأنَّه منزَّه عن صفاتِ هذه الصُّورة؛ إذ سماتُها سمات المحدثات، ورجَّح القاضي عياضٌ أنَّ في قوله: «فيأتيهم الله» محذوفًا (٢) تقديره: فيأتيهم (٣) بعضُ ملائكة الله. قال: ولعلَّ هذا الملَك جاءهم في صورةٍ أنكروها لِمَا فيها من سمةِ الحدث (٤) الظَّاهرة؛ لأنَّه مخلوقٌ.
وقال القرطبيُّ: هذا مقام الامتحان يَمتحن الله به عبادهُ؛ ليميز المحقَّ من المبطلِ، وذلك أنَّه لمَّا بقي المنافقون والمراؤون مختلطينَ بالمؤمنين والمخلصين زَاعمين أنَّهم منهم، وأنَّهم عملوا مِثل عملِهم وعرفوا الله مِثل مَعْرفتهم ظانِّين أنَّ ذلك يجوزُ في ذلك الوقت، كما جاز في الدُّنيا، امتحنهم الله بأن أتاهُم بصورةٍ هائلةٍ قال للجميع: أنا ربُّكم، فأجابَهُ المؤمنون بإنكار ذلك حتَّى إنَّ بعضهم ليكاد أن يتقلَّب؛ أي (٥): يزلَّ فيوافقَ المنافقين، وقال في «المُفْهِم»: وهذا لمن لا يكون له رسوخُ العلماء، ولعلَّهم (٦) الَّذين اعتقدوا الحقَّ وحوَّموا عليه من غير بصيرةٍ، ولذا كان اعتقادُهم قابلًا للانقلاب.
وأمَّا قولهم: «نعوذُ بالله منك» فقال الخطَّابيُّ: يُحتمل أن يكون صدر من المنافقين. وتعقِّب بأنَّه لا يصحُّ ولا يستقيم.
(فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) فيتجلَّى للمسلمين بعد تمييزِ المنافقين (فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ) أي: في صفته الَّتي هو عليها من الجلالِ والكمال والتَّعالي عن صفاتِ الحدث (١) بعد أن عرَّفهم بنفسه الشَّريفة، ورفع الموانع عن أبصارهم (فَيَقُولُ) لهم: (أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتَّبَعُونَهُ) بتشديد الفوقية، ولم يضبط الفوقية في «اليونينية» بتشديدٍ ولا غيره، أي: أَمْرَ الله أو ملائكته الَّذين وكِّلوا بذلك (وَيُضْرَبُ) بضم أوله وفتح ثالثه (جَِسْرُ جَهَنَّمَ) بفتح الجيم وكسرها، وهو الصِّراط (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ) زاد شعيبٌ في روايته الماضية في «فضل السُّجود» [خ¦٨٠٦]: «يجوزُ بأُمَّته»، وقال النَّوويُّ: أكونُ أنا وأمَّتِي أوَّلُ من يجوزُ على الصِّراط ويقطعهُ، وإذا كان ﷺ هو وأُمَّته أوَّل مَن يجوزُ على الصِّراط لزم تأخيرُ غيرهم عنهم حتَّى يجوزوا (وَدُعَاءُ الرُّسُلِ) ﵈ (يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) بتكرير «سلِّم» مرَّتين (وَبِهِ) بالصِّراط (كَلَالِيبُ) معلَّقةٌ مأمورةٌ بأخذ من أُمرت به.
قال ابن العربيِّ: وهذه الكلاليبُ هي الشَّهوات المشار إليها في حديث: «حفَّتِ النَّارُ بالشَّهواتِ» فالشَّهوات (٢) موضوعةٌ على جوانبها فمَن اقتحم الشَّهوة سقط في النَّار؛ لأنَّها خطاطيفُها. انتهى. والكلاليبُ المذكورة (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) بفتح السين وسكون العين وفتح الدال المهملات وبعد الألف نون، جمع: سعدانة، نباتٌ ذو شوكٍ (أَمَا) بالتَّخفيف (رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: بَلَى) رأيناها، ولأبي ذرٍّ: «قالوا: نعم» (يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهَا) أي: الشَّوكة (لَا يَعْلَمُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «أنَّه» بضمير الشَّأن لا يَعرف (قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ) بكسر العين وفتح المعجمة. وقال السَّفاقسيُّ: ضبطناه بضم العين (٣) وسكون الظاء، والأوَّل أشبه لأنَّه مصدرٌ، لا يعلمُ قدر كبرها إلَّا الله (فَتَخْطَِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ) بسبب أعمالهم القبيحة، و «تخطَِف» بفتح الطاء وكسرها.
وتشبيه الكلاليبِ بشوك السَّعدان خاصٌّ بسرعة (١) اختطافها، وكثرة الانتشابِ فيها مع التَّحرُّز والتَّصوُّن تمثيلًا لهم بما عرفوهُ في الدُّنيا وألقوه بالمباشرةِ، ثمَّ استثنى إشارةً إلى أنَّ التَّشبيه لم يقعْ في مقدارهمَا، قاله الزَّين ابن المُنيِّر (مِنْهُمُ المُوبَقُ) بضم الميم وسكون الواو وفتح الموحدة بعدها قاف، الهالكُ (بِعَمَلِهِ) وهو الكافرُ (وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة بينهما راء ساكنة، وهو المؤمنُ العاصي.
قال في «الفتح»: ووقع في رواية الأَصيليِّ هنا: «المجردل» بالجيم، والجردلةُ: الإشرافُ على السُّقوط، ووهَّاها (٢) القاضي عياض، ورجَّح ابنُ قُرْقُول روايةَ الخاء المعجمة. قال الهرويُّ: المعنى: أنَّ كلاليب النَّار تقطعه فيهوي في النَّار، أو من الخردلِ، أي: تجعل أعضاءَه كالخردلِ، أو المخردل: المصروع، ورجَّحه السَّفاقسيُّ، وقال (٣): هو أنسبُ لسياق (٤) الخبر.
(ثُمَّ يَنْجُو) من ذلك. وعن (٥) أبي سعيدٍ ممَّا رواه ابن ماجه مرفوعًا: «يوضعُ الصِّراط بينَ ظهراني جهنَّمَ على حسكٍ كحسَكِ السَّعدانِ، ثمَّ يستجيزُ النَّاسُ فناجٍ مسلَّمٌ ومخدُوشٌ بهِ، ثمَّ ناجٍ ومحتبَسٌ بهِ ومنكُوسٌ فيها» وفي حديث أبي سعيدٍ: «فناجٍ مسلَّمٌ، ومخدوشٌ مكدوسٌ في جهنَّم حتَّى يمرَّ آخرُهم فيُسحبُ سحبًا»، و «المكدُوسُ» -بالمهملة- في مسلمٍ، وروي بالمعجمة، ومعناه (٦): السَّوق الشَّديد، ويؤخذ منه كما في «بهجة النُّفوس»: أنَّ المارِّين على الصِّراط ثلاثة أصنافٍ: ناجٍ بلا خدْشٍ، وهالكٌ من أوَّل وَهلةٍ، ومتوسِّطٌ بينهما يُصاب ثمَّ ينجو، وكلُّ قسمٍ منها ينقسم أقسامًا كما يُعرف من قوله: «بقدرِ أعمالهم» وفيه -ممَّا ذَكره في «بهجة النُّفوس» -: أنَّ الصِّراط مع دقَّته وحدَّته يسع جميع المخلوقين منذُ آدم إلى قيام السَّاعة (حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ) ﷿ (مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ) أي: حلَّ قضاؤه بهم (وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ) بضم أوَّله وكسر ثانيه (مِنَ النَّارِ (٧) مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن يخرجَه» (مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويُدخله الجنَّة بشفاعة نبيِّنا ﷺ كما في حديث عمران بن الحصين السَّابق [خ¦٦٥٦٦] أو إبراهيم كما في حديث حذيفة عند البيهقيِّ وأبي عَوَانة وابن حبَّان، أو آدم كما في حديث عبد الله بن سلامٍ عند الحاكم، أو المؤمنين كما في حديث أبي سعيدٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٩] ويجمع بأنَّهم كلّهم شَفِعُوا.
وفي حديث أبي بكرةَ عند ابنِ أبي عاصمٍ والبيهقيِّ مرفوعًا: «يحملُ النَّاسُ على الصِّراطِ، ثمَّ ينجِي اللهُ من يشاءُ برحمتهِ، ثمَّ يُؤذَنُ في الشَّفاعةِ للملائكةِ والنَّبيِّينَ والشُّهداءِ والصَّالحينَ فيشفعُونَ ويُخْرِجُونَ» (أَمَرَ) الله تعالى (المَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ) من النَّار (فَيَعْرِفُونَهُمْ بِعَلَامَةِ آثَارِ السُّجُودِ) بجمعِ «آثار» (وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنِ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ) بتوحيدِ «أثرٍ» وهذا جوابٌ عن سؤالٍ مقدَّرٍ كأنَّه قيل: كيف تَعرف الملائكة أثر السُّجود مع قول أبي سعيدٍ عند مسلمٍ: «فأماتهُم الله حتَّى إذا كانوا فحمًا أذنَ بالشَّفاعة، فإذا صاروا فحمًا كيف (١) يتميَّز محلُّ السُّجود من غيره حتَّى يُعرف أثره»، وحاصل الجواب: تخصيصُ أعضاء السُّجود من عموم الأعضاء الَّتي دلَّ عليها خبر أبي سعيدٍ، وأنَّ الله مَنع النَّار أن تحرقَ أثر السُّجود، وهل المراد أعضاء السُّجود السَّبعة الجبهة واليدان والرُّكبتان والقَدمان، أو الجبهة خاصة؟ قال النَّوويُّ: المختار الأوَّل، واستنبط صاحب «بهجة النُّفوس» منه أنَّ كلَّ (٢) مَن كان مسلمًا، ولكنَّه لا يصلِّي أنَّه (٣) لا يُخْرَج؛ إذ لا علامةَ له، ولكنَّه يحتمل أن يخرجَ في القبضة لعموم قوله: «لم يعملْ خيرًا قطُّ» كما في حديثِ أبي سعيدٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٩] وفي حديث معبد عن الحسنِ البصريِّ، عن أنسٍ في «التَّوحيد» [خ¦٧٥١٠] «فأقول: يا ربِّ ائذن لي فيمَن قال: لا إله إلَّا الله. قال: ليس ذلك لكَ، ولكن وعزَّتي وجلالي وكبريائي وعظمتِي وجبروتِي لأُخرجنَّ من قال: لا إله إلَّا الله» قال البيضاويُّ: أي: أنا أفعلُ ذلك تعظيمًا لاسمِي وإجلالًا لتوحيدِي، وهو مخصِّصٌ لعمومِ حديث: «أسعدُ النَّاسِ بشفاعَتِي من قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهَ» [خ¦٩٩] وحمله في «الفتح» على أنَّ المرادَ ليس لك مباشرةُ الإخراج (٤) لا أصل
الشَّفاعة، وتكون هذه الشَّفاعة الأخيرة وقعتْ في إخراج المذكورين، فأُجيب إلى أصل الإخراج ومُنِعَ من مباشرتهِ، فنُسِبت إلى شفاعتهِ (فَيُخْرِجُونَهُمْ) من النَّار، حال كونهم (قَدِ امْتُحِشُوا) بضم الفوقية وكسر المهملة وضم المعجمة في الفرع. قال في «المطالع»: وهي لأكثرهِم، وعند أبي ذرٍّ (١) والأَصيليِّ: «امتَحَشوا» بفتحهما يقال: مَحَشته النَّار، وامتَحَش هو. قال يعقوبُ بن السِّكِّيت: لا يقال: مَحَشته، إنَّما هو أَمحَشته، والصَّحيح أنَّهما لغتان، والرُّباعيُّ أكثر، وامتَحَش غضبًا، أي: احترق. قال (٢) الدَّاوديُّ: معناه: انقبضُوا (٣) واسودُّوا. انتهى. وقال في «النِّهاية»: والمَحش: احتراقُ الجلد، وظُهور العظم (فَيُصَبُّ) بضم التحتية وفتح الصاد المهملة (عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الحَيَاةِ) بتاء التأنيث في آخره، ضدُّ الموت (فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الحِبَّةِ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة، من بزورِ (٤) الصَّحراء (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم، أي: ما يحملُه، وذلك أنَّ الغُثاء الَّذي يجيءُ به السَّيل تكون فيه الحبَّة، فتقع في جانبِ الوادي، فتصبح من يومها نابتةً. شُبِّه بها لأنَّها أسرعُ في النَّبات من غيرها، وفي السَّيل أسرعُ لِمَا يجتمعُ فيه من الطِّين الرَّخو الحادث مع الماء (وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ويبقى رجلٌ منهم مُقبلٌ» (بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ) وهو آخر أهل النَّار دخولًا الجنَّة، وفي حديث حذيفة في «أخبار بني إسرائيل» [خ¦٣٤٥٢] «إنَّه كان نبَّاشًا (٥) وأنَّه قال لأهله: أَحرقوني» وفي «غرائب مالك» للدَّارقطنيِّ من طريق عبدِ الملك بن الحكم -وهو واهٍ- عن مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر مرفوعًا: «إنَّ آخرَ من يدخلِ الجنَّةَ رجلٌ من جهينَةَ يقالُ لهُ: جهينة، فيقولُ أهلُ الجنَّةِ: عندَ جهينةَ الخبرُ اليقِينُ» وحكى السُّهيليُّ أنَّه جاء أنَّ اسمَه هناد، وجوَّز غيره أن يكون أحد الاسمين لأحدِ المذكورين والآخرُ للآخر. وفي «نوادر الأصول» للتِّرمذيِّ الحكيم من حديثِ أبي هريرة بسندٍ واهٍ: «أنَّ أطول أهل النَّار فيها مكثًا مَن يَمكث سبعة آلاف سنةٍ» (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ قَشَبَنِي) بفتح القاف والمعجمة والموحدة وكسر النون مخففًا،
أي: آذانِي وأهلكنِي (رِيحُهَا) أي: النَّار (وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) بفتح الذال المعجمة (١) وبالهمزِ والمدِّ (٢). قال في «الفتح»: كذا للأَصيليِّ وكريمة، ولأبي ذرٍّ: «ذكاهَا» بالقصر، وهو الأشهرُ في اللُّغة، أي: لَهبها واشتعالها وشدَّةُ وهجِهَا (فَاصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) واستُشكل بأنَّه ممَّن يمرُّ على الصِّراط طالبًا الجنَّة فوجهه إلى الجنَّة. وأُجيب بأنَّه سأل أن يُديم عليه صَرف وجههِ عنها (فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ) تعالى أن يصرفَ وجهه عن النَّار (فَيَقُولُ) تعالى له: (لَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ) ذلك (أَنْ تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ) استفهامُ تقرير؛ لأنَّ ذلك من عادةِ بني آدم، والتَّرجِّي (٣) راجعٌ إلى المخاطبِ لا إلى الرَّبِّ تعالى (فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. فَيَصْرِفُ) الله
تعالى (وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ) قال في «الفتح»: فـ «يُصرف» بضم أوله على البناء للمجهول، وفي رواية شعيبٍ: «فيَصْرفُ الله وجهَهُ عن النَّار (١)» [خ¦٨٠٦] قلتُ: والأوَّل هو الَّذي في الفرع (ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا رَبِّ قَرِّبْنِي إِلَى بَابِ الجَنَّةِ. فَيَقُولُ) الله تعالى: (أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ) وفي رواية شعيبٍ السَّابقة في «فضل السُّجود» [خ¦٨٠٦] «أليسَ قد أَعْطَيتَ العهدَ والميثاقَ» (أَنْ لَا تَسْأَلْنِي غَيْرَهُ) أي: غيرَ صَرف وجهكَ عن النَّار (وَيْلَكَ ابْنَ (٢) آدَمَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يا ابن آدم» (مَا أَغْدَرَكَ) بالغين المعجمة والدال المهملة، فعل تعجُّب من الغدرِ ونقضِ العهد وتركِ الوفاء (فَلَا يَزَالُ (٣) يَدْعُو) الله تعالى (فَيَقُولُ) تعالى له: (لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَ) بتحتية (٤) ثمَّ فوقية، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أن أُعطيكَ (٥)» بضم الهمزة (ذَلِكَ) الَّذي طلبته (تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ. فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. فَيُعْطِي اللهَ) ﷿ (مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكشميهنيِّ: «وميثاق» بالإفراد (أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهُ، فَيُقَرِّبُهُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا رَأَى مَا فِيهَا) في رواية شعيبٍ: «فإذا بَلغ بابها ورأى زَهْرتها و (٦) ما فيها من النُّضرة» [خ¦٨٠٦] ورؤيته لها يحتملُ أن تكون بمعنى: العِلم بسطوعِ (٧) ريحها الطَّيِّب وأنوارها المضيئةِ، كما كان يحصلُ له أذى لفح النَّار وهو من خارجِها، أو لأنَّ جدارها شفَّافٌ فيُرَى ظاهِرُهَا من باطِنِها، كما رُوي في غُرفها (سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ) ﷿ (أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ثمَّ (٨) قال»: (رَبِّ (٩) أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ. ثُمَّ يَقُولُ) الله تعالى له: (أَوَلَيْسَ) بواو بعد الهمزة، ولأبي ذرٍّ:
«أولست» بالمثنَّاة الفوقية بعد السين (قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهُ، وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ) ممَّن دخل الجنَّة، فهو لفظٌ عامٌّ أُريد به الخاصُّ، ومرادُه: أنَّه يصيرُ إذا استمرَّ خارجًا عن (١) الجنَّة أشقاهم، وكونه أشقاهُم ظاهرٌ لو استمرَّ خارج الجنَّة وهُم من داخلها (فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ) الله ﷿ منه، وهو مجازٌ عن لازمه، وهو الرِّضا (فَإِذَا ضَحِكَ) رضي (مِنْهُ أَذِنَ) بفتح الهمزة (لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قِيلَ: تَمَنَّ) ولأبي ذرٍّ: «قيل له: تمنَّ» (مِنْ كَذَا) أي: من الجنس الفلانيِّ. وقال المظهريُّ: «مِن» فيه للبيان؛ يعني: تمنَّ من كلِّ جنسٍ ما تشتهِي منه. قال الطِّيبيُّ: ونحوه ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] ويُحتمل أن تكون «من» زائدة في الإثبات على مذهبِ الأخفش (فَيَتَمَنَّى، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا. فَيَتَمَنَّى حَتَّى تَنْقَطِعَ بِهِ الأَمَانِيُّ) وفي رواية أبي سعيدٍ عند أحمد: «فيسأل ويتمنَّى مقدارَ ثلاثة أيَّامٍ من أيَّام (٢) الدُّنيا» وفي رواية «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٧] «حتَّى إنَّ الله ليذكره كذا (٣) من كذا» (فَيَقُولُ) أي: الله: (هَذَا) وللكُشميهنيِّ: «فيقول له هذا» (لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ).
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) بالسَّند السَّابق: (وَذَلِكَ الرَّجُلُ) المذكور (آخِرُ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا) الجنَّة.
(قَالَ عَطَاءٌ) بن يزيد الرَّاوي: (وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ) سقط لأبي ذرٍّ «الخدريُّ» (جَالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) وهو يُحدِّث بهذا الحديث (لَا يُغَيِّرُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ) ولا يردُّه عليه (حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: حَفِظْتُ: مِثْلُهُ مَعَهُ) أي: هذا لك ومثلُه معه، وجمع القاضِي عياض بينهمَا باحتمالِ أن يكون أبو هريرةَ سمع أوَّلًا قوله: «ومثله معَه» فحدَّث به، ثمَّ إنَّ النَّبيَّ ﷺ حدَّث بالزِّيادة فسمعَه أبو سعيدٍ، والله أعلم.
والحديثُ أخرجهُ أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٤٣٨]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة والتَّفسير».
(٥٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الحَوْضِ) الَّذي لنبيِّنا ﷺ في الآخرة. قال في «الصِّحاح»: الحوض: واحد الأحواضِ والحياض، وحضتُ أحوضُ (١) اتَّخذتُ حوضًا، واستحوضَ الماء اجتمعَ، والمحوَّض -بالتَّشديد-: شيءٌ كالحوضِ يجعل للنَّخلة تشربُ منه. وقال ابنُ قُرْقُول: والحوض حيث تستقرُّ (٢) المياه، أي: تجتمعُ لتشرب منها الإبل.
واختُلف في حوضهِ ﷺ هل هو قبل الصِّراط أو بعدَه. قال أبو الحسن القابسيُّ: الصَّحيح أنَّ الحوض قَبْلُ. قال القرطبيُّ في «تذكرته»: والمعنى يقتضيهِ، فإنَّ النَّاس يخرجون عطاشًا من قبورهم، واستدلَّ بما في البخاريِّ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «بينَا أنا قائِمٌ على الحوضِ إذا زمرة حتَّى إذا عرفتُهُم خرجَ رجلٌ من بينِي وبينهم فقالَ: هلمَّ. فقلتُ: أينَ؟ قالَ: إلى النَّارِ … » الحديث. ويأتي -إن شاء الله تعالى- في هذا الباب [خ¦٦٥٨٧] قال القرطبيُّ: فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ الحوض يكون في الموقف قبل الصِّراط؛ لأنَّ الصِّراط إنَّما هو جسرٌ على جهنَّم ممدودٌ يُجاز عليه، فمن جازه سَلِم من النَّار. انتهى.
وقال آخرون: إنَّه بعد الصِّراط، وصنيع البخاريِّ في إيرادهِ لأحاديث الحوض بعدَ أحاديث الشَّفاعة بعد نصب الصِّراط مُشعِرٌ بذلك، وفي حديث أنسٍ عند التِّرمذيِّ ما يدلُّ له، ولفظه: سألت رسول الله ﷺ أن يشفعَ لي فقال: «أنا فاعلٌ» فقلت: أين أطلبُك؟ قال: «اطلُبْنِي أوَّلَ ما تطلبنِي على الصِّراطِ» قلتُ: فإن لم ألقَكَ؟ قال: «أنَا عندَ الميزَانِ» قلتُ: فإن لم ألقَكَ؟ قال «أنا عندَ الحوضِ» ويؤيِّدُه ظاهر قوله ﷺ في حديثِ الحوض: «من شربَ منهُ لم يظمأْ أبدًا» لأنَّه يدلُّ على أنَّ الشُّرب منه يكون بعد الحساب والنَّجاة من النَّار؛ لأنَّ ظاهر حالِ من لا (٣) يظمأُ أن لا يُعذَّب بالنَّار.
وأما حديثُ أبي هريرة السَّابق [خ¦٦٥٧٣] المستدَلُّ به على القَبْليَّة، فأُجيب عنه باحتمال
أنَّهم يقربون من الحوضِ بحيث يرونَهُ ويرومونه (١)، فيُدفعون في النَّار قبل أن يخلصُوا من بقيَّة الصِّراط، فليتأمَّل.
وأما قول (٢) صاحب «التَّذكرة»: والصَّحيح أنَّ له ﷺ حوضين: أحدهما في الموقف قبل الصِّراط، والآخر داخل الجنَّة، وكلاهما (٣) يسمَّى كوثرًا، متعقَّبٌ (٤) بأنَّ الكوثر نهرٌ داخل الجنَّة وماؤه يصبُّ (٥) في الحوضِ، ويُطلق على الحوض كوثرٌ لكونه يُمَدُّ منه، وفي حديث أبي ذرٍّ -عند مسلمٍ-: «أنَّ الحوضَ يشخبُ فيه ميزابان من الجنَّة»، وقد سبق أنَّ الصِّراط جسر جهنَّم وأنَّه بين الجنَّة والموقف، فلو كان الحوض دونهُ لحالت النَّار بينه وبين الماء الَّذي يصبُّ من الكوثرِ في الحوض، والله أعلم.
وفي التِّرمذيِّ عن سَمُرة رفعه: «إنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا» وأشار إلى أنَّه اختلف في وصله وإرساله، وأنَّ المرسل أصحُّ، والمرسل أخرجه ابن أبي الدُّنيا بسندٍ صحيحٍ عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «وإنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا وهو قائِمٌ على حوضهِ بيدهِ عصا يدعُو من عرفَ من أمَّتهِ إلَّا أنَّهم يتباهونَ أيُّهم أكثر تبعًا، وإنِّي لأرجُو أن أكونَ أكثرهُم تبعًا» وأخرجهُ الطَّبرانيُّ من وجهٍ آخر عن سَمُرةَ موصولًا مرفوعًا مثله وفي سنده لينٌ، وعند ابنِ أبي الدُّنيا عن أبي سعيدٍ رفعه: «وكلُّ نبيٍّ يدعُو أمَّتهُ، ولكلِّ نبيٍّ حوض … » الحديث. وفي إسناده لينٌ، فالمختصُّ به نبيُّنا محمَّد ﷺ الكوثر الَّذي يصبُّ من مائه في حوضهِ، ولم ينقلْ نظيره لغيرهِ، ولذا امتنَّ الله تعالى عليه به في التَّنزيل.
(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]) وهو فَوْعل، من الكثرة، وهو المفرطُ الكثرة، واختُلف في تفسيرهِ فقيل: نهرٌ في الجنَّة، وهو المشهورُ المستفيضُ عند السَّلف والخَلَف، وقيل: أولاده؛ لأنَّ السُّورة (٦) نزلتْ ردًّا على من عابهُ بعدمِ الأولاد، وقيل: الخيرُ