«لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٥٧

الحديث رقم ٦٥٧ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل العشاء في الجماعة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٥٧ في صحيح البخاري

«لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ.»

بَابٌ: اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ

إسناد حديث رقم ٦٥٧ من صحيح البخاري

٦٥٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٥٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى نَفْسِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُمْ طَلَبُوا السُّكْنَى بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ لِلْفَضْلِ الَّذِي عَلِمُوهُ مِنْهُ، فَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ذَلِكَ، بَلْ رَجَّحَ دَرْءَ الْمَفْسَدَةِ بِإِخْلَائِهِمْ جَوَانِبَ الْمَدِينَةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَعْلَمَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ فِي التَّرَدُّدِ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنَ الْفَضْلِ مَا يَقُومُ مَقَامَ السُّكْنَى بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ.

وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ كَانَتْ دَارُهُ قَرِيبَةً مِنَ الْمَسْجِدِ فَقَارَبَ الْخُطَا بِحَيْثُ تُسَاوِي خُطًا مِنْ دَارِهِ بَعِيدَةً هَلْ يُسَاوِيهِ فِي الْفَضْلِ أَوْ لَا؟ وَإِلَى الْمُسَاوَاةِ جَنَحَ الطَّبَرِيُّ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ قَالَ: مَشَيْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَارَبَ بَيْنَ الْخُطَا وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ تَكْثُرَ خُطَانَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْفَضْلِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي كَثْرَةِ الْخَطَّا فَضِيلَةً، لِأَنَّ ثَوَابَ الْخُطَا الشَّاقَّةِ لَيْسَ كَثَوَابِ الْخُطَا السَّهْلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْمَاضِي قَبْلَ بَابٍ حَيْثُ جَعَلَ أَبْعَدَهُمْ مَمْشًى أَعْظَمَهُمْ أَجْرًا، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمُ اسْتِحْبَابَ قَصْدِ الْمَسْجِدِ الْبَعِيدِ وَلَوْ كَانَ بِجَنْبِهِ مَسْجِدٌ قَرِيبٌ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَهَابِهِ إِلَى الْبَعِيدِ هَجْرُ الْقَرِيبِ وَإِلَّا فَإِحْيَاؤُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْلَى، وَكَذَا إِذَا كَانَ فِي الْبَعِيدِ مَانِعٌ مِنَ الْكَمَالِ كَأَنْ يَكُونَ إِمَامُهُ مُبْتَدِعًا.

٣٤ - بَاب فَضْلِ الْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ

٦٥٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ الْحَدِيثَ الدَّالَّ عَلَى فَضْلِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ التَّرْجَمَةِ إِثْبَاتُ فَضْلِ الْعِشَاءِ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ إِثْبَاتُ أَفْضَلِيَّتِهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، وَوَجْهُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ ثَبَتَتْ أَفْضَلِيَّتُهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَوَّى فِي هَذَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ، وَمُسَاوِي الْأَفْضَلِ يَكُونُ أَفْضَلَ جَزْمًا.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ أَثْقَلَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الِاسْمِ، وَبَيَّنَهُ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ عَنْهُ فَقَالَ لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ كُلَّهَا ثَقِيلَةٌ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى﴾ وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ أَثْقَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِهِمَا لِقُوَّةِ الدَّاعِي إِلَى تَرْكِهِمَا، لِأَنَّ الْعِشَاءَ وَقْتُ السُّكُونِ وَالرَّاحَةِ وَالصُّبْحُ وَقْتُ لَذَّةِ النَّوْمِ. وَقِيلَ: وَجْهُهُ كَوْنُ الْمُؤْمِنِينَ يَفُوزُونَ بِمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَضْلِ لِقِيَامِهِمْ بِحَقِّهِمَا دُونَ الْمُنَافِقِينَ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا) أَيْ مِنْ مَزِيدِ الْفَضْلِ (لَأَتَوْهُمَا) أَيِ الصَّلَاتَيْنِ، وَالْمُرَادُ لَأَتَوْا إِلَى الْمَحَلِّ الَّذِي يُصَلَّيَانِ فِيهِ جَمَاعَةً وَهُوَ الْمَسْجِدُ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَبْوًا) أَيْ يَزْحَفُونَ إِذَا مَنَعَهُمْ مَانِعٌ مِنَ الْمَشْيِ كَمَا يَزْحَفُ الصَّغِيرُ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الْمَرَافِقِ وَالرُّكَبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَاقِي الْحَدِيثِ فِي بَابِ وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.

قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ (عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ بَعْدُ ضِدِّ قَبْلُ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الضَّمِّ، وَمَعْنَاهُ بَعْدَ أَنْ يَسْمَعَ النِّدَاءَ إِلَيْهَا أَوْ بَعْدَ أَنْ يَبْلُغَهُ التَّهْدِيدُ الْمَذْكُورُ، وَلِلكُشْمِيهَنِيِّ بَدَلَهَا يَقْدِرُ أَيْ لَا يَخْرُجُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَجِيءِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَلَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ وَوَقَعَ عِنْدَ الدَّاوُدِيِّ لِلشَّارِحِ هُنَا لَا لِعُذْرٍ وَهِيَ أَوْضَحُ مِنْ غَيْرِهَا لَكِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ غَيْرِهِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ابن ماجه بإسنادٍ قويٍّ، وكذا عند ابن أبي حاتمٍ، قال الحافظ ابن كثيرٍ: وفيه غرابةٌ من حيث ذكر (١) نزول هذه الآية، والسُّورة بكمالها مكِّيَّةٌ. انتهى. قلت: قال أبو حيَّان: السُّورة كلُّها (٢) مكِّيَّةٌ، لكن زعمت فرقةٌ أنَّ قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] نزلت (٣) في بني سَلِمَة من الأنصار، وليس هذا (٤) زعمًا صحيحًا. انتهى. لكن يترجَّح الأوَّل بقوَّة إسناده.

ورواة هذا الحديث ما بين طائفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول (٥).

(٣٤) (بابُ فَضْلِ) صلاة (العِشَاءِ) حال كونها (فِي الجَمَاعَةِ) وسقط لفظ «صلاة» لابن عساكر.

٦٥٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضمِّ العين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النَّخعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ) بالنَّصب خبر «ليس» كذا في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ، وفي رواية أبي ذَرٍّ وكريمة عنه

وللأكثرين: «ليس أثقلُ» (عَلَى المُنَافِقِينَ) بحذف اسم «ليس» (مِنَ الفَجْرِ) ولأبي الوقت وابن عساكر: «من صلاة الفجر» (وَ) صلاة (العِشَاءِ) لأنَّ وقتَ الأولى وقتُ لذَّة النَّوم، والثَّانية وقت سكونٍ واستراحةٍ، وفي تعبيره بـ «أفعل» التَّفضيل دلالةٌ على أنَّ الصَّلاة جميعها ثقيلةٌ على المنافقين، والصَّلاتان (١) المذكورتان أثقل من غيرهما لقوّة الدَّاعي المذكور إلى تركهما، وأطلق عليهم النِّفاق -وهم مؤمنون- على سبيل المبالغة في التَّهديد لكونهم لا يحضرون الجماعة ويصلُّون في بيوتهم من غير عذرٍ ولا علَّةٍ، وقد تقدَّم التَّنبيه على ذلك في «باب وجوب الجماعة» [خ¦٦٤٤] (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا) أي: في (٢) الفجر والعشاء (٣) من مزيد الفضل (لأَتَوْهُمَا) إلى المسجد للجماعة (وَلَوْ) كان إتيانهم (حَبْوًا) يزحفون إذا تعذَّر مشيهم كما يزحف الصَّغير، ولم يفوِّتوا ما في مسجد الجماعة من الفضل والخير، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في (٤) الجزء الثَّاني: (لَقَدْ) بغير واوٍ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «ولقد» (هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ) بالمدِّ وضمِّ الميم (المُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ) بالنَّصب عطفًا على «آمُرَ» المنصوب، بـ «أنْ» مثل «فيقيمَ» (رَجُلًا يَؤُمُّ) برفع الميم (النَّاسَ) بنصب (٥) السِّين، والجملة في موضع نصبٍ منه صفةً لرجلٍ المنصوب بـ «ثمَّ» آمر (٦) (ثُمَّ

آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ) بضم الشِّين المعجمة وفتح العين، والنَّصب مفعول «آخذ» المنصوب عطفًا على «ثمَّ آمر» (فَأُحَرِّقَ) بفتح الحاء وتشديد الرَّاء المكسورة، نُصِب عطفًا على «آخذ»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأُحْرِقَ» بسكون الحاء (عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ) نقيض «قبلُ» مبنيٌّ على الضَّمِّ، أي: بعد أن يسمع النَّداء إلى الصَّلاة، ولأبي الوقت (١) والأَصيليِّ وابن عساكر: «يَقْدِرُ» بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ (٢) فقافٍ ساكنةٍ فدالٍ مكسورةٍ فراءٍ، بدل «بعد» أي: لا يخرج إلى الصَّلاة حال كونه يقدر، وفي روايةٍ -ادَّعى في «المصابيح» أنَّها للجمهور-: «إلى الصَّلاة بعذرٍ» بمُوحَّدةٍ ثمَّ عينٍ مهملةٍ مضمومةٍ فذالٍ معجمةٍ فراءٍ، وهي مشكلةٌ كما (٣) لا يخفى، لاسيَّما ولم أرَها في شيءٍ من النُّسخ، نعم وقع (٤) عند الدَّاوديِّ الشَّارح (٥) فيما نقله الزَّركشيُّ والحافظ ابن حجرٍ: «لا لعذرٍ» بحرف النَّفي، وهي واضحةٌ، لكن قال في «الفتح»: لم نقف عليها في شيءٍ من الرِّوايات عند غيره، ولأبي داود من حديث أبي هريرة: «ثمَّ آتيَ قومًا يصلُّون في بيوتهم ليست بهم علَّةٌ فأحرِّقها عليهم».

(٣٥) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ) كذا رواه ابن ماجه من حديث أبي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى نَفْسِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُمْ طَلَبُوا السُّكْنَى بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ لِلْفَضْلِ الَّذِي عَلِمُوهُ مِنْهُ، فَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ذَلِكَ، بَلْ رَجَّحَ دَرْءَ الْمَفْسَدَةِ بِإِخْلَائِهِمْ جَوَانِبَ الْمَدِينَةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَعْلَمَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ فِي التَّرَدُّدِ إِلَى الْمَسْجِدِ مِنَ الْفَضْلِ مَا يَقُومُ مَقَامَ السُّكْنَى بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ.

وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ كَانَتْ دَارُهُ قَرِيبَةً مِنَ الْمَسْجِدِ فَقَارَبَ الْخُطَا بِحَيْثُ تُسَاوِي خُطًا مِنْ دَارِهِ بَعِيدَةً هَلْ يُسَاوِيهِ فِي الْفَضْلِ أَوْ لَا؟ وَإِلَى الْمُسَاوَاةِ جَنَحَ الطَّبَرِيُّ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ قَالَ: مَشَيْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَارَبَ بَيْنَ الْخُطَا وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ تَكْثُرَ خُطَانَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْفَضْلِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي كَثْرَةِ الْخَطَّا فَضِيلَةً، لِأَنَّ ثَوَابَ الْخُطَا الشَّاقَّةِ لَيْسَ كَثَوَابِ الْخُطَا السَّهْلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْمَاضِي قَبْلَ بَابٍ حَيْثُ جَعَلَ أَبْعَدَهُمْ مَمْشًى أَعْظَمَهُمْ أَجْرًا، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمُ اسْتِحْبَابَ قَصْدِ الْمَسْجِدِ الْبَعِيدِ وَلَوْ كَانَ بِجَنْبِهِ مَسْجِدٌ قَرِيبٌ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَهَابِهِ إِلَى الْبَعِيدِ هَجْرُ الْقَرِيبِ وَإِلَّا فَإِحْيَاؤُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْلَى، وَكَذَا إِذَا كَانَ فِي الْبَعِيدِ مَانِعٌ مِنَ الْكَمَالِ كَأَنْ يَكُونَ إِمَامُهُ مُبْتَدِعًا.

٣٤ - بَاب فَضْلِ الْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ

٦٥٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ) أَوْرَدَ فِيهِ الْحَدِيثَ الدَّالَّ عَلَى فَضْلِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ التَّرْجَمَةِ إِثْبَاتُ فَضْلِ الْعِشَاءِ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ إِثْبَاتُ أَفْضَلِيَّتِهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، وَوَجْهُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ ثَبَتَتْ أَفْضَلِيَّتُهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَوَّى فِي هَذَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ، وَمُسَاوِي الْأَفْضَلِ يَكُونُ أَفْضَلَ جَزْمًا.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ أَثْقَلَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الِاسْمِ، وَبَيَّنَهُ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ عَنْهُ فَقَالَ لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ كُلَّهَا ثَقِيلَةٌ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى﴾ وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ أَثْقَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِهِمَا لِقُوَّةِ الدَّاعِي إِلَى تَرْكِهِمَا، لِأَنَّ الْعِشَاءَ وَقْتُ السُّكُونِ وَالرَّاحَةِ وَالصُّبْحُ وَقْتُ لَذَّةِ النَّوْمِ. وَقِيلَ: وَجْهُهُ كَوْنُ الْمُؤْمِنِينَ يَفُوزُونَ بِمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَضْلِ لِقِيَامِهِمْ بِحَقِّهِمَا دُونَ الْمُنَافِقِينَ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا) أَيْ مِنْ مَزِيدِ الْفَضْلِ (لَأَتَوْهُمَا) أَيِ الصَّلَاتَيْنِ، وَالْمُرَادُ لَأَتَوْا إِلَى الْمَحَلِّ الَّذِي يُصَلَّيَانِ فِيهِ جَمَاعَةً وَهُوَ الْمَسْجِدُ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَبْوًا) أَيْ يَزْحَفُونَ إِذَا مَنَعَهُمْ مَانِعٌ مِنَ الْمَشْيِ كَمَا يَزْحَفُ الصَّغِيرُ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الْمَرَافِقِ وَالرُّكَبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَاقِي الْحَدِيثِ فِي بَابِ وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.

قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ (عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ بَعْدُ ضِدِّ قَبْلُ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الضَّمِّ، وَمَعْنَاهُ بَعْدَ أَنْ يَسْمَعَ النِّدَاءَ إِلَيْهَا أَوْ بَعْدَ أَنْ يَبْلُغَهُ التَّهْدِيدُ الْمَذْكُورُ، وَلِلكُشْمِيهَنِيِّ بَدَلَهَا يَقْدِرُ أَيْ لَا يَخْرُجُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَجِيءِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَلَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ وَوَقَعَ عِنْدَ الدَّاوُدِيِّ لِلشَّارِحِ هُنَا لَا لِعُذْرٍ وَهِيَ أَوْضَحُ مِنْ غَيْرِهَا لَكِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ غَيْرِهِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ابن ماجه بإسنادٍ قويٍّ، وكذا عند ابن أبي حاتمٍ، قال الحافظ ابن كثيرٍ: وفيه غرابةٌ من حيث ذكر (١) نزول هذه الآية، والسُّورة بكمالها مكِّيَّةٌ. انتهى. قلت: قال أبو حيَّان: السُّورة كلُّها (٢) مكِّيَّةٌ، لكن زعمت فرقةٌ أنَّ قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] نزلت (٣) في بني سَلِمَة من الأنصار، وليس هذا (٤) زعمًا صحيحًا. انتهى. لكن يترجَّح الأوَّل بقوَّة إسناده.

ورواة هذا الحديث ما بين طائفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول (٥).

(٣٤) (بابُ فَضْلِ) صلاة (العِشَاءِ) حال كونها (فِي الجَمَاعَةِ) وسقط لفظ «صلاة» لابن عساكر.

٦٥٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بضمِّ العين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النَّخعيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ) بالنَّصب خبر «ليس» كذا في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ، وفي رواية أبي ذَرٍّ وكريمة عنه

وللأكثرين: «ليس أثقلُ» (عَلَى المُنَافِقِينَ) بحذف اسم «ليس» (مِنَ الفَجْرِ) ولأبي الوقت وابن عساكر: «من صلاة الفجر» (وَ) صلاة (العِشَاءِ) لأنَّ وقتَ الأولى وقتُ لذَّة النَّوم، والثَّانية وقت سكونٍ واستراحةٍ، وفي تعبيره بـ «أفعل» التَّفضيل دلالةٌ على أنَّ الصَّلاة جميعها ثقيلةٌ على المنافقين، والصَّلاتان (١) المذكورتان أثقل من غيرهما لقوّة الدَّاعي المذكور إلى تركهما، وأطلق عليهم النِّفاق -وهم مؤمنون- على سبيل المبالغة في التَّهديد لكونهم لا يحضرون الجماعة ويصلُّون في بيوتهم من غير عذرٍ ولا علَّةٍ، وقد تقدَّم التَّنبيه على ذلك في «باب وجوب الجماعة» [خ¦٦٤٤] (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا) أي: في (٢) الفجر والعشاء (٣) من مزيد الفضل (لأَتَوْهُمَا) إلى المسجد للجماعة (وَلَوْ) كان إتيانهم (حَبْوًا) يزحفون إذا تعذَّر مشيهم كما يزحف الصَّغير، ولم يفوِّتوا ما في مسجد الجماعة من الفضل والخير، ومطابقة الحديث للتَّرجمة في (٤) الجزء الثَّاني: (لَقَدْ) بغير واوٍ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «ولقد» (هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ) بالمدِّ وضمِّ الميم (المُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ) بالنَّصب عطفًا على «آمُرَ» المنصوب، بـ «أنْ» مثل «فيقيمَ» (رَجُلًا يَؤُمُّ) برفع الميم (النَّاسَ) بنصب (٥) السِّين، والجملة في موضع نصبٍ منه صفةً لرجلٍ المنصوب بـ «ثمَّ» آمر (٦) (ثُمَّ

آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ) بضم الشِّين المعجمة وفتح العين، والنَّصب مفعول «آخذ» المنصوب عطفًا على «ثمَّ آمر» (فَأُحَرِّقَ) بفتح الحاء وتشديد الرَّاء المكسورة، نُصِب عطفًا على «آخذ»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأُحْرِقَ» بسكون الحاء (عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ) نقيض «قبلُ» مبنيٌّ على الضَّمِّ، أي: بعد أن يسمع النَّداء إلى الصَّلاة، ولأبي الوقت (١) والأَصيليِّ وابن عساكر: «يَقْدِرُ» بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ (٢) فقافٍ ساكنةٍ فدالٍ مكسورةٍ فراءٍ، بدل «بعد» أي: لا يخرج إلى الصَّلاة حال كونه يقدر، وفي روايةٍ -ادَّعى في «المصابيح» أنَّها للجمهور-: «إلى الصَّلاة بعذرٍ» بمُوحَّدةٍ ثمَّ عينٍ مهملةٍ مضمومةٍ فذالٍ معجمةٍ فراءٍ، وهي مشكلةٌ كما (٣) لا يخفى، لاسيَّما ولم أرَها في شيءٍ من النُّسخ، نعم وقع (٤) عند الدَّاوديِّ الشَّارح (٥) فيما نقله الزَّركشيُّ والحافظ ابن حجرٍ: «لا لعذرٍ» بحرف النَّفي، وهي واضحةٌ، لكن قال في «الفتح»: لم نقف عليها في شيءٍ من الرِّوايات عند غيره، ولأبي داود من حديث أبي هريرة: «ثمَّ آتيَ قومًا يصلُّون في بيوتهم ليست بهم علَّةٌ فأحرِّقها عليهم».

(٣٥) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين (اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ) كذا رواه ابن ماجه من حديث أبي

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله