الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٧
الحديث رقم ٦٧ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ رب مبلغ أوعى من سامع.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ:
خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، وذلك في حجة الوداع، فأخبر أن الزمان صادف في تلك السنة أن النسيء صار موافقًا لما شرعه الله عزّ وجلّ في الأشهر الحرم؛ لأنه كان قد غير وبدل في الجاهلية، حين كانوا يفعلون النسيء فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال، ولكن لما بيّن عليه الصلاة والسلام أن عدة الشهور اثنا عشر شهرًا هي: المحرم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الثاني، وجمادى الأولى، وجمادى الثانية، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة، هذه هي الأشهر الاثنا عشر شهرًا، التي جعلها الله أشهرًا لعباده منذ خلق السموات والأرض.
وبين عليه الصلاة والسلام، أن هذه الاثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم ثلاثة متوالية وواحد منفرد، الثلاثة المتوالية هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، جعلها الله تعالى أشهرا محرمة، يحرم فيها القتال، ولا يعتدي فيها أحد على أحد، لأن هذه الأشهر هي أشهر سير الناس إلى حج بيت الله الحرام، فجعلها الله عزّ وجلّ محرمة لئلا يقع القتال في هذه الأشهر والناس سائرون إلى بيت الله الحرام، وهذه من حكمة الله عزّ وجلّ.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: "ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" وهو الشهر الرابع، وكانوا في الجاهلية يؤدون العمرة فيه فيجعلون شهر رجب للعمرة، والأشهر الثلاثة للحج، فصار هذا الشهر محرمًا يحرم فيه القتال، كما يحرم في ذي القعدة وذي الحجة والمحرم.
ثم سألهم النبي عليه الصلاة والسلام: أي شهر هذا؟ وأي بلد هذا؟ وأي يوم هذا؟ سألهم عن ذلك من أجل استحضار هممهم، وانتباههم؛ لأن الأمر أمرٌ عظيمٌ فسألهم: "أي شهر هذا؟" قالوا: الله ورسوله أعلم؛ فإنهم استبعدوا أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهر وهو معروف أنه ذو الحجة، ولكن من أدبهم رضي الله عنهم أنهم لم يقولوا: هذا شهر ذي الحجة؛ لأن الأمر معلوم، بل من أدبهم أنهم قالوا: الله ورسوله أعلم.
ثم سكت لأجل أن الإنسان إذا تكلم ثم سكت انتبه الناس، فسكت النبي عليه الصلاة والسلام، يقول أبو بكرة: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، ثم قال: أليس ذا الحجة؟ " قالوا: بلى، ثم قال عليه الصلاة والسلام: "أي بلد هذا؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، هم يعلمون أنه مكة، لكن لأدبهم واحترامهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقولوا: هذا شيء معلوم يا رسول الله. كيف تسأل عنه؟ بل قالوا: الله ورسوله أعلم.
ثم سكت حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: "أليس البلدة؟" والبلدة اسم من أسماء مكة. قالوا: بلى. ثم قال: "أي يوم هذا؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، مثل ما قالوا في الأول، قال: "أليس يوم النحر؟" قالوا: بلى يا رسول الله، وهم يعلمون أن مكة حرام، وأن شهر ذي الحجة حرام، وأن يوم النحر حرامٌ، يعني كلها حرم محترمة.
فقال عليه الصلاة والسلام: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا" فأكد عليه الصلاة والسلام تحريم هذه الثلاثة: الدماء والأموال والأعراض، فكلها محرمة، والدماء تشمل النفوس وما دونها، والأموال تشمل القليل والكثير، والأعراض تشمل الزنا واللواط والقذف، وربما تشمل الغيبة والسب والشتم. فهذه الأشياء الثلاثة حرامٌ على المسلم أن ينتهكها من أخيه المسلم.
ثم قال: "ألا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض". لأن المسلمين لو صاروا يضرب بعضهم رقاب بعض صاروا كفارًا؛ لأنه لا يستحل دم المسلم إلا الكافر.
ثم أمر عليه الصلاة والسلام أن يبلغ الشاهد الغائب، يعني يبلغ من شهده وسمع خطبته باقي الأمة، وأخبر عليه الصلاة والسلام أنه ربما يكون مبلغ أوعى للحديث من سامع، وهذه الوصية من الرسول عليه الصلاة والسلام، وصية لمن حضر في ذلك اليوم، ووصية لمن سمع حديثه إلى يوم القيامة.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: "ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟". يسأل الصحابة رضي الله عنهم. قالوا: نعم، أي: بلغت.
فقال عليه الصلاة والسلام: "اللهم اشهد".
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
سَلَّمَا وَكَذَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَلَا فِي الصَّلَاةِ السَّلَامَ. وَكَذَا لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الدَّاخِلَ يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ، وَأَنَّ الْقَائِمَ يُسَلِّمُ عَلَى الْقَاعِدِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ رَدَّ السَّلَامِ عَلَيْهِمَا اكْتِفَاءً بِشُهْرَتِهِ، أَوْ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُسْتَغْرِقَ فِي الْعِبَادَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ الرَّدُّ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُمَا صَلَّيَا تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إِمَّا لِكَوْنِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُشْرَعَ أَوْ كَانَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ وَقَعَ فَلَمْ يُنْقَلْ لِلِاهْتِمَامِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقِصَّةِ أَوْ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ تَنَفُّلٍ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَنَّهَا لَا تُصَلَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ.
قَوْلُهُ: (فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) أَيْ: عَلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ عَلَى بِمَعْنَى عِنْدَ.
قَوْلُهُ: (فُرْجَةٌ) بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ مَعًا هِيَ الْخَلَلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وَالْحَلْقَةُ بِإِسْكَانِ اللَّامِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَدِيرٍ خَالِي الْوَسَطِ وَالْجَمْعُ حَلَقٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وَحُكِيَ فَتْحُ اللَّامِ فِي الْوَاحِدِ، وهو نَادِرٌ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّحْلِيقِ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا كَانَ أَحَقَّ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْآخَرُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى زَعَمَ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرِ لِإِطْلَاقِهِ هُنَا عَلَى الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِقَصْرِ الْأَوَّلِ وَمَدِّ الثَّانِي، وهو الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ، وَفِي الْقُرْآنِ ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ بِالْقَصْرِ، ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ بِالْمَدِّ، وَحُكِيَ فِي اللُّغَةِ الْقَصْرُ وَالْمَدُّ مَعًا فِيهِمَا. وَمَعْنَى أَوَى إِلَى اللَّهِ لَجَأَ إِلَى اللَّهِ، أَوْ عَلَى الْحَذْفِ أَيِ: انْضَمَّ إِلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَمَعْنَى فَآوَاهُ اللَّهُ أَيْ: جَازَاهُ بِنَظِيرِ فِعْلِهِ بِأَنْ ضَمَّهُ إِلَى رَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْأَدَبِ فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَفَضْلُ سَدِّ خَلَلِ الْحَلْقَةِ، كَمَا وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي سَدِّ خَلَلِ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ، وَجَوَازُ التَّخَطِّي لِسَدِّ الْخَلَلِ مَا لَمْ يُؤْذِ، فَإِنْ خُشِيَ اسْتُحِبَّ الْجُلُوسُ حَيْثُ يَنْتَهِي كَمَا فَعَلَ الثَّانِي. وَفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى مَنْ زَاحَمَ فِي طَلَبِ الْخَيْرِ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَحْيَا) أَيْ تَرَكَ الْمُزَاحَمَةَ كَمَا فَعَلَ رَفِيقُهُ حَيَاءً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَمِمَّنْ حَضَرَ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَقَدْ بَيَّنَ أَنَسٌ فِي رِوَايَتِهِ سَبَبَ اسْتِحْيَاءِ هَذَا الثَّانِي فَلَفْظُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ: وَمَضَى الثَّانِي قَلِيلًا ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ اسْتَحْيَا مِنَ الذَّهَابِ عَنِ الْمَجْلِسِ كَمَا فَعَلَ رَفِيقُهُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ) أَيْ: رَحِمَهُ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ) أَيْ: سَخِطَ عَلَيْهِ، وهو مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ ذَهَبَ مُعْرِضًا لَا لِعُذْرٍ، هَذَا إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُنَافِقًا، وَاطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَمْرِهِ، كَمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﷺ: فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ إِخْبَارًا أَوْ دُعَاءً. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: فَاسْتَغْنَى فَاسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ: وَهَذَا يُرَشِّحُ كَوْنَهُ خَبَرًا، وَإِطْلَاقُ الْإِعْرَاضِ وَغَيْرِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ وَالْمُشَاكَلَةِ، فَيُحْمَلُ كُلُّ لَفْظٍ مِنْهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ ﷾. وَفَائِدَةُ إِطْلَاقِ ذَلِكَ بَيَانُ الشَّيْءِ بِطَرِيقٍ وَاضِحٍ، وَفِيهِ جَوَازُ الْإِخْبَارِ عَنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَأَحْوَالِهِمْ لِلزَّجْرِ عَنْهَا وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ مِنَ الْغَيْبَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ مُلَازَمَةِ حَلَقِ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ وَجُلُوسُ الْعَالِمِ وَالْمُذَكِّرِ فِي الْمَسْجِدِ، وَفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى الْمُسْتَحِي. وَالْجُلُوسُ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ. وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَسْمِيَةِ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
٩ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ
٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حدثنا بِشْرٌ قال: حدثنا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ قَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟
فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ.
[الحديث ٦٧ - أطرافه في: ٧٤٤٧، ٧٠٧٨، ٥٥٥٠، ٤٦٦٢، ٤٤٠٦، ٣١٩٧، ١٧٤١، ١٠٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ) هَذَا الْحَدِيثُ الْمُعَلَّقُ، أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ مَعْنَاهُ، وَأَمَّا لَفْظُهُ فَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَهُ فِي بَابِ الْخُطْبَةِ بِمِنًى مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، أَوْرَدَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، وَرَجُلٌ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا وَفِي آخِرِهِ هَذَا اللَّفْظُ. وَغَفَلَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الشُّرَّاحِ فِي عَزْوِهِمْ لَهُ إِلَى تَخْرِيجِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَبْعَدُوا النُّجْعَةَ، وَأَوْهَمُوا عَدَمَ تَخْرِيجِ الْمُصَنِّفِ لَهُ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ورُبَّ لِلتَّقْلِيلِ، وَقَدْ تَرِدُ لِلتَّكْثِيرِ، ومُبَلَّغٌ بِفَتْحِ اللَّامِ وأَوْعَى نَعْتٌ لَهُ، وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ رُبَّ مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ يُوجَدُ أَوْ يَكُونُ، وَيَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فِي أَنَّ رُبَّ اسْمُ أَنْ تَكُونَ هِيَ مُبْتَدَأً وَأَوْعَى الْخَبَرُ فَلَا حَذْفَ وَلَا تَقْدِيرَ، وَالْمُرَادُ: رُبَّ مُبَلَّغٍ عَنِّي أَوْعَى - أَيْ: أَفْهَمُ - لِمَا أَقُولُ مِنْ سَامِعٍ مِنِّي. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ هَوْذَةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَلَفْظُهُ: فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ أَوْعَى لِمَا أَقُولُ مِنْ بَعْضِ مَنْ شَهِدَ.
قَوْلُهُ: (بِشْرٌ) هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ) بنَصَبَ النَّبِيَّ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَفِي ذَكَرَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الرَّاوِي، يَعْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُهُمْ فَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ. وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ. وَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ. فَالْوَاوُ إِمَّا حَالِيَّةٌ وَإِمَّا عَاطِفَةٌ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ) الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي، وَالزِّمَامُ وَالْخِطَامُ بِمَعْنًى، وهو الْخَيْطُ الَّذِي تُشَدُّ فِيهِ الْحَلْقَةُ الَّتِي تُسَمَّى بِالْبُرَةِ - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ - فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ. وَهَذَا الْمُمْسِكُ سَمَّاهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِلَالًا، وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: حَجَجْتُ فَرَأَيْتُ بِلَالًا يَقُودُ بِخِطَامِ رَاحِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِزِمَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى. فَذَكَرَ بَعْضَ الْخُطْبَةِ، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ الْمُبْهَمُ مِنْ بِلَالٍ، لَكِنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ هُنَا أَبُو بَكْرَةَ، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَلَفْظُهُ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَمْسَكْتُ - إِمَّا قَالَ بِخِطَامِهَا، وَإِمَّا قَالَ بِزِمَامِهَا - وَاسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّكَّ مِمَّنْ دُونَ أَبِي بَكْرَةَ لَا مِنْهُ. وَفَائِدَةُ إِمْسَاكِ الْخِطَامِ صَوْنُ الْبَعِيرِ عَنْ الِاضْطِرَابِ حَتَّى لَا يُشَوِّشَ عَلَى رَاكِبِهِ.
قَوْلُهُ: (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا) سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ السُّؤَالُ عَنِ الشَّهْرِ وَالْجَوَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فَصَارَ هَكَذَا: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ قَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَتَوْجِيهُهُ ظَاهِرٌ، وهو مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ ; وَلَكِنَّ الثَّابِتَ فِي الرِّوَايَاتِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَكَرِيمَةَ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ السُّؤَالُ عَنِ
الْبَلَدِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ، وَثَبَتَ السُّؤَالُ عَنِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَضَاحِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، وَفِي الْحَجِّ مِنْ رِوَايَةِ قُرَّةَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: سُؤَالُهُ ﷺ عَنِ الثَّلَاثَةِ وَسُكُوتُهُ بَعْدَ كُلِّ سُؤَالٍ مِنْهَا كَانَ لِاسْتِحْضَارِ فُهُومِهِمْ وَلِيُقْبِلُوا عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، وَلِيَسْتَشْعِرُوا عَظَمَةَ مَا يُخْبِرُهُمْ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَ هَذَا: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ إِلَخْ، مُبَالَغَةً فِي بَيَانِ تَحْرِيمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، انْتَهَى.
وَمَنَاطُ التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِهِ: كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ وَمَا بَعْدَهُ ظُهُورُهُ عِنْدَ السَّامِعِينَ ; لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْبَلَدِ وَالشَّهْرِ وَالْيَوْمِ كَانَ ثَابِتًا فِي نُفُوسِهِمْ، مُقَرَّرًا عِنْدَهُمْ، بِخِلَافِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ فَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَبِيحُونَهَا، فَطَرَأَ الشَّرْعُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ تَحْرِيمَ دَمِ الْمُسْلِمِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ أَعْظَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْبَلَدِ وَالشَّهْرِ وَالْيَوْمِ، فَلَا يَرِدُ كَوْنُ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَخَفْضَ رُتْبَةً مِنَ الْمُشَبَّهِ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ إِنَّمَا وَقَعَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا اعْتَادَهُ الْمُخَاطَبُونَ قَبْلَ تَقْرِيرِ الشَّرْعِ. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ أَجَابُوهُ عَنْ كُلِّ سُؤَالٍ بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. وَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ أَدَبِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنَ الْجَوَابِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ مُطْلَقَ الْإِخْبَارِ بِمَا يَعْرِفُونَهُ، وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ: حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ. فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَفْوِيضِ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ إِلَى الشَّارِعِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ الْحُجَّةُ لِمُثْبِتِي الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ إِلَخْ) هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: سَفْكَ دِمَائِكُمْ وَأَخْذَ أَمْوَالِكُمْ وَثَلْبَ أَعْرَاضِكُمْ. وَالْعِرْضُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنَ الْإِنْسَانِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِهِ أَوْ سَلَفِهِ.
قَوْلُهُ: (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) أَيِ: الْحَاضِرُ فِي الْمَجْلِسِ (الْغَائِبَ) أَيِ: الْغَائِبَ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ إِمَّا تَبْلِيغُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ أَوْ تَبْلِيغُ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ. وَقَوْلُهُ: مِنْهُ صِلَةٌ لِأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وَجَازَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ فِي الظَّرْفِ سَعَةً، وَلَيْسَ الْفَاصِلُ أَيْضًا أَجْنَبِيًّا.
(فَائِدَةٌ): وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: فَسَكَتْنَا بَعْدَ السُّؤَالِ. وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَجِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ. وَظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّائِفَةَ الَّذِينَ كَانَ فِيهِمْ ابْنُ عَبَّاسٍ أَجَابُوا، وَالطَّائِفَةُ الَّذِينَ كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرَةَ لَمْ يُجِيبُوا بَلْ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ. أَوْ تَكُونُ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَجِّ وَفِي الْفِتَنِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالُوا: بَلَى بِمَعْنَى قَوْلِهِمْ يَوْمٌ حَرَامٌ بِالِاسْتِلْزَامِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ نَقَلَ السِّيَاقَ بِتَمَامِهِ، وَاخْتَصَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِسَبَبِ قُرْبِ أَبِي بَكْرَةَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ كَانَ آخِذًا بِخِطَامِ النَّاقَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ كَرَّرَهَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ فَيَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَجِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي حَجَّتِهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ - غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ - الْحَثُّ عَلَى تَبْلِيغِ الْعِلْمِ، وَجَوَازُ التَّحَمُّلِ قَبْلَ كَمَالِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَنَّ الْفَهْمَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْأَدَاءِ، وَأَنَّهُ قَدْ يَأْتِي فِي الْآخِرِ مَنْ يَكُونُ أَفْهَمَ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ لَكِنْ بِقِلَّةٍ، وَاسْتَنْبَطَ ابْنُ الْمُنِيرِ مِنْ تَعْلِيلِ كَوْنِ الْمُتَأَخِّرِ أَرْجَحَ نَظَرًا مِنَ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ تَفْسِيرَ الرَّاوِي أَرْجَحُ مِنْ تَفْسِيرِ غَيْرِهِ.
وَفِيهِ جَوَازُ الْقُعُودِ عَلَى ظَهْرِ الدَّوَابِّ وَهِيَ وَاقِفَةٌ إِذَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ، وَحُمِلَ النَّهْيُ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ (١). وَفِيهِ الْخُطْبَةُ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي إِسْمَاعِهِ لِلنَّاسِ وَرُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُ.
١٠ - بَاب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ، وَأَنَّ
الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَرَّثُوا الْعِلْمَ مَنْ أَخَذَهُ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمْ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ حُكمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْعِلْمِ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، فَلَا يُعْتَبَرَانِ إِلَّا بِهِ، فَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ مُصَحِّحٌ لِلنِّيَّةِ الْمُصَحِّحَةِ لِلْعَمَلِ، فَنَبَّهَ الْمُصَنِّفٌ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَسْبِقُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْعِلْمَ لَا يَنْفَعُ إِلَّا بِالْعَمَلِ تَهْوِينُ أَمْرِ الْعِلْمِ وَالتَّسَاهُلُ فِي طَلَبِهِ.
قَوْلُهُ: (فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ) أَيْ: حَيْثُ قَالَ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وَالْخِطَابُ وَإِنْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِأُمَّتِهِ. وَاسْتَدَلَّ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فِي تَرْجَمَتِهِ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ نَافِعٍ عَنْهُ أَنَّهُ تَلَاهَا فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ بَدَأَ بِهِ فَقَالَ: اعْلَمْ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَمَلِ؟ وَيُنْتَزَعُ مِنْهَا دَلِيلُ مَا يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ وُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ ; لَكِنَّ النِّزَاعَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ فِي إِيجَابِ تَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْقَوَانِينِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ) بِفَتْحِ أَنَّ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَمِنْ هُنَا إِلَى قَوْلِهِ: وَافِرٍ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَحَسَّنَهُ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ، وَضَعَّفَهُ عِنْدَهُمْ بِاضْطِرَابٍ فِي سَنَدِهِ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ يَتَقَوَّى بِهَا، وَلَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ بِكَوْنِهِ حَدِيثًا، فَلِهَذَا لَا يُعَدُّ فِي تَعَالِيقِهِ، لَكِنْ إِيرَادُهُ لَهُ فِي التَّرْجَمَةِ يُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ أَصْلًا، وَشَاهِدُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْوَارِثَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ، فَلَهُ حُكْمُهُ فِيمَا قَامَ مَقَامَهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَرَّثُوا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ، أَيِ: الْأَنْبِيَاءُ. وَيُرْوَى بِتَخْفِيفِهَا مَعَ الْكَسْرِ أَيِ: الْعُلَمَاءُ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ فِيهِ: وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ.
قَوْلُهُ: (بِحَظٍّ) أَيْ: نَصِيبٍ (وَافِرٍ) أَيْ: كَامِلٍ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَخْرَجَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَيْضًا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثٍ غَيْرِ هَذَا، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ. قَالَ: وَلَمْ يُقَلْ لَهُ: صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ الْأَعْمَشَ دَلَّسَ فِيهِ، فَقَالَ: حَدَّثْتُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ. قُلْتُ: لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ فَانْتَفَتْ تُهْمَةُ تَدْلِيسِهِ.
قَوْلُهُ: (طَرِيقًا) نَكَّرَهَا وَنَكَّرَ عِلْمًا لِيتَنَاوُلِ أَنْوَاعِ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى تَحْصِيلِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ، وَلِيَنْدَرِجَ فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ.
قَوْلُهُ: (سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا) أَيْ: فِي الْآخِرَةِ، أَوْ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يُوَفِّقَهُ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَفِيهِ بِشَارَةٌ بِتَسْهِيلِ الْعِلْمِ عَلَى طَالِبِهِ، لِأَنَّ طَلَبَهُ مِنَ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ) أَيِ: اللَّهُ ﷿، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾ أَيْ: يَخَافُ مِنَ اللَّهِ مَنْ
عَلِمَ قُدْرَتَهُ وَسُلْطَانَهُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ أَيِ الْأَمْثَالَ الْمَضْرُوبَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ أَيْ: سَمْعَ مَنْ يَعِي وَيَفْهَمُ ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ عَقْلَ مَنْ يُمَيِّزُ، وَهَذِهِ أَوْصَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ. فَالْمَعْنَى لَوْ كُنَّا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَعَلِمْنَا مَا يَجِبُ عَلَيْنَا فَعَمِلْنَا بِهِ فَنَجَوْنَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: يُفَهِّمْهُ بِالْهَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مِيمٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ بَعْدَ هَذَا بِبَابَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا اللَّفْظُ الثَّانِي فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَالْفِقْهُ هُوَ الْفَهْمُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أَيْ: لَا يَفْهَمُونَ، وَالْمُرَادُ: الْفَهْمُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ) هُوَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَيْضًا، أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ أَيْضًا بِلَفْظِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَعَلَّمُوا، إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ مُبْهَمًا اعْتُضِدَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَرَوَى الْبَزَّارُ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ مَرْفُوعًا. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِ. فَلَا يَغْتَرُّ بِقَوْلِهِ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ الْعِلْمُ الْمُعْتَبَرُ إِلَّا الْمَأْخُوذَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَوَرَثَتِهِمْ عَلَى سَبِيلِ التَّعَلُّمِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ إِلَخْ) هَذَا التَّعْلِيقُ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ - يَعْنِي مَالِكَ بْنَ مَرْثَدٍ - عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَسْتَفْتُونَهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ تَنْهَ عَنِ الْفُتْيَا؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَرَقِيبٌ أَنْتَ عَلَيَّ؟ لَوْ وَضَعْتُمْ. . فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَرُوِّينَاهُ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِيَ خَاطَبَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَنَّ الَّذِي نَهَاهُ عَنِ الْفُتْيَا عُثْمَانُ ﵁. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفَ مَعَ مُعَاوِيَةَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: نَزَلَتْ فِيهِمْ وَفِينَا. فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَحَصَلَتْ مُنَازَعَةٌ أَدَّتْ إِلَى انْتِقَالِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ الْمَدِينَةِ فَسَكَنَ الرَّبَذَةَ - بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - إِلَى أَنْ مَاتَ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ لَا يَرَى بِطَاعَةِ الْإِمَامِ إِذَا نَهَاهُ عَنِ الْفُتْيَا ; لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَعَلَّهُ أَيْضًا سَمِعَ الْوَعِيدَ فِي حَقِّ مَنْ كَتَمَ عِلْمًا يَعْلَمُهُ، وَسَيَأْتِي لِعَلِيٍّ مَعَ عُثْمَانَ نَحْوُهُ. وَالصَّمْصَامَةُ بِمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ هُوَ السَّيْفُ الصَّارِمُ الَّذِي لَا يَنْثَنِي، وَقِيلَ: الَّذِي لَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (هَذِهِ) إِشَارَةٌ إِلَى الْقَفَا، وَهُوَ يُذَّكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَأُنْفِذُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: أُمْضِيَ، وَتُجِيزُوا بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْيَاءِ زَايٌ، أَيْ: تُكْمِلُوا قَتْلِي، وَنَكَّرَ كَلِمَةً لِيَشْمَلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ. وَالْمُرَادُ بِهِ يُبَلِّغُ مَا تَحَمَّلَهُ فِي كُلِّ حَالٍ وَلَا يَنْتَهِي عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلِ. وَلَوْ فِي كَلَامِهِ لِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلَاحَظَ الِامْتِنَاعُ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ الْإِنْفَاذَ حَاصِلٌ عَلَى تَقْدِيرِ وَضْعِ الصَّمْصَامَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ حُصُولِهِ أَوْلَى، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَاحْتِمَالُ الْمَشَقَّةِ فِيهِ وَالصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى طَلَبًا لِلثَّوَابِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَالْخَطِيبُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ حَسَنٍ. وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرَّبَّانِيَّ بِأَنَّهُ الْحَكِيمُ الْفَقِيهُ، وَوَافَقَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِيمَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِهِ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ الرَّبَّانِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى الرَّبِّ أَيْ: الَّذِي يَقْصِدُ مَا أَمَرَهُ الرَّبُّ بِقَصْدِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: قِيلَ لِلْعُلَمَاءِ رَبَّانِيُّونَ؛ لِأَنَّهُمْ يُرَبُّونَ الْعِلْمَ أَيْ: يَقُومُونَ بِهِ، وَزِيدَتِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المُعجَمَة، ابن المُفضَّل بن لاحقٍ الرَّقاشيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثمانين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بالنُّون، عبد الله بن أَرْطَبان البصريُّ، الثِّقة الفاضل من السَّادسة، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئةٍ، وقال ابن حجرٍ: سنة خمسين على الصَّحيح (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّدٍ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) بن الحارث الثَّقفيِّ البصريِّ، أوَّل من وُلِدَ في الإسلام بالبصرة سنة أربعَ عَشْرَةَ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين (عَنْ أَبِيهِ) أبي بَكْرةَ نُفَيعٍ؛ بضمِّ النُّون وفتح الفاء (ذَكَرَ) أي: أبو بكرة، أي: أنَّه كان يحدِّثهم فذكر (النَّبِيَّ ﷺ) وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت والأَصيليِّ: «عن أبيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ» وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت وابن عساكرَ في نسخةٍ: «قال: ذُكِرَ» بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه «النَّبيُّ ﷺ» بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، أي: قال أبو بكرة حالة (١) كونه قد ذكرَ النَّبيَّ ﷺ، وعند النَّسائيِّ: عن أبي بكرة قال: وذكر النَّبيَّ ﷺ (٢)، فالواو: للحال، ويجوز أن تكون للعطف على أن يكون المعطوف عليه محذوفًا (قَعَدَ) ﵊ (عَلَى بَعِيرِهِ) بمنى يوم النَّحر في حجَّة الوداع، وإنَّما قعد عليه لحاجته إلى إسماع النَّاس، فالنَّهيُ عن اتِّخاذ ظهورِها منابرَ محمولٌ على ما إذا لم
تَدْعُ الحاجة إليه (وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ) بكسر الخاء (أَوْ بِزِمَامِهِ) وهما بمعنًى، وإنَّما شكَّ الرَّاوي في اللَّفظ الذي سمعه؛ وهو الخيط الذي تُشدُّ فيه (١) الحلقة التي تُسمَّى البُرَة -بضمِّ المُوحَّدة وتخفيف الرَّاء المفتوحة- ثمَّ يُشَدُّ في طرفه المِقْود، والإنسان الممسك هنا هو أبو بكرة؛ لرواية الإسماعيليِّ الحديثَ بسنده إلى أبي بكرة، قال: خطب رسول الله ﷺ على راحلته وأمسكت -إمَّا (٢) قال-: بخطامها أو زمامها، أو كان الممسك بلالًا؛ لرواية النَّسائيِّ عن أمِّ الحصين قالت: حججت فرأيت بلالًا يقود بخطام راحلة النَّبيِّ ﷺ، أو عمرو بن خارجة؛ لِمَا في «السُّنن» من حديثه قال: كنت آخذًا بزمام ناقته ﵊، وفائدة إمساك الزِّمام: صون البعير عن الاضطراب والإزعاج لراكبه، ثمَّ (قَالَ) ﵊، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فقال»: (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) برفع «أيُّ»، والجملة وقعت مقول القول (فَسَكَتْنَا) عطفٌ على «قال» (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ) هو (يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا) وفي رواية أبي الوقت: «فقلنا»: (بَلَى) حرف يختصُّ بالنَّفيِ ويفيد إبطاله، وهو هنا مقول القول، أُقِيمَ مقام الجملة التي هي مقول القول (قَالَ) ﵊: (فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ) ﵊، ولأبي الوقت وابن عساكر: «قال»: (أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ؟) بكسر الحاء كما في «الصِّحاح»، وقال الزَّركشيُّ: هو المشهور، وأباه قومٌ، وقال القزَّاز: الأشهر فيه الفتح (قُلْنَا: بَلَى) وقد سقط من رواية الحَمُّويي والمُستملي والأَصيليِّ: السُّؤال عن الشَّهر، والجواب الذي قبله، ولفظهم: «أيُّ يومٍ هذا؟ فسكتنا حتَّى ظنَّنا أنَّه سيسمِّيه سوى اسمه، قال: أليس بذي الحجَّة؟» وتوجيهه ظاهرٌ؛ وهو من إطلاق الكلِّ على البعض، وفي رواية كريمة: «قال: فأيُّ بلدٍ هذا؟ فسكتنا حتَّى ظنَّنا أنَّه سيسمِّيه بغير اسمه، قال: أليس بمكَّة؟» وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ وكريمة: بالسُّؤال عن الشَّهر والجواب الذي قبله -كمسلمٍ (٣) وغيره (٤) - مع السُّؤال عن البلد، والثلاثة ثابتةٌ عند المؤلِّف في «الأضاحي» [خ¦٥٥٥٠]
و «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] (قَالَ) ﷺ: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) أي: فإنَّ سفكَ دمائِكم وأخذَ أموالِكم وثَلْبَ (١) أعراضِكم؛ لأنَّ الذَّوات لا تحرم فيه (٢)، فيُقدَّر لكلٍّ ما يناسبه، كذا قاله الزَّركشيُّ والبرماويُّ والعينيُّ والحافظ ابن حجرٍ، وفي إطلاقهم هذا اللَّفظ نظرٌ؛ لأنَّ سفك الدَّم وأخذَ المال وثلبَ العرض إنَّما يَحْرُم إذا كان بغير حقٍّ، فالإفصاح به مُتعيِّنٌ، والأَوْلى -كما أفاده في «مصابيح الجامع» - أن يُقدّر في الثَّلاثة كلمة واحدة، وهي لفظة «انتهاكٌ» التي موضوعها تناول (٣) الشَّيءِ بغير حقٍّ، كما نصَّ عليه القاضي، فكأنَّه قال: فإنَّ انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم، ولا حاجة إلى تقديره مع كلِّ واحدٍ من الثَّلاثة لصحَّة انسحابه على الجميع، وعدم احتياجه إلى التَّقييد بغير الحقِّيَّة، و «الأعراض» جمع عِرْضٍ؛ بكسر العين؛ وهو موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان، سواءٌ كان في نفسه أو في سلفه، وشبَّه «الدِّماء» و «الأموال» و «الأعراض» في الحرمة بـ «اليوم» و «الشَّهر» و «البلد» لاشتهار الحرمة فيها عندهم، وإِلَّا فالمُشبَّه إنَّما يكون دون المُشبَّه به، ولهذا قدَّم السُّؤال عنها مع شهرتها لأنَّ تحريمها أثبتُ في نفوسهم؛ إذ هي عادة سلفهم، وتحريم الشَّرع طارئٌ، وحينئذٍ فإنَّما شبَّه الشَّيء بما هو أعلى منه باعتبار ما هو مُقرَّرٌ عندهم (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) أي: الحاضرُ في المجلس (الغَائِبَ) عنه، ولامُ «لِيبلِّغِ» مكسورةٌ فعل أمرٍ، ظاهره الوجوب، وكُسِرَت غَينه لالتقاء الساكنين، والمُرَاد: تبليغ القول المذكور أو جميع الأحكام
(فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ) أي: الذي (هُوَ أَوْعَى لَهُ) أي: للحديث (مِنْهُ) صلةٌ لـ «أَفْعَلَ» التَّفضيل، وفصل بينهما بـ «له» للتَّوسُّع في الظَّرف، كما يُفصَل بين المُضَاف والمُضَاف إليه كقراءة ابن عامرٍ: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بضمِّ الزَّاي ورفع اللَّام ونصب الدَّال وخفض الهمزة، والفاصل غير أجنبيٍّ.
واستُنبِط من الحديث: أنَّ حامل الحديث يُؤخَذ عنه وإن كان جاهلًا بمعناه، وهو مأجورٌ بتبليغه، محسوبٌ في زمرة أهل العلم، وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، ورواته كلُّهم بصريُّون، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٦٢] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٨] و «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٧]، ومسلمٌ في «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ» و «العلم».
(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ (العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ) لتقدُّمه بالذَّات عليهما لأنَّه شرطٌ في صحَّتهما؛ إذ إنَّه مصحِّحٌ (١) للنِّيَّة المُصحِّحة للعمل، فنبَّه
المؤلِّف على مكانة العلم خوفًا من أن يَسبِق إلى الذِّهن -من قولهم: لا ينفع العلم إلَّا بالعمل- تَوهينُ أمر العلم والتَّساهل في طلبه (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: «﷿»: (﴿فَاعْلَمْ﴾) أي: يا محمَّد (﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ [محمد: ١٩] فَبَدَأَ) تعالى (بِالعِلْمِ) أوَّلًا حيث قال: ﴿فَاعْلَمْ﴾ ثمَّ قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ﴾ إشارةً إلى القول والعمل، وهذا وإن كان خطابًا له ﵊ فهو يتناول أمَّته، أوِ الأمر للدَّوام والثَّبات؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾ [الأحزاب: ١] أي: دُمْ على التَّقوى (وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ) بفتح همزة «أَنَّ» عطفًا على سابقه، أو -بكسرها- على الحكاية (وَرَّثُوا) بتشديد الرَّاء المفتوحة، أي: الأنبياء، أو بالتَّخفيف مع الكسر، وهو في «اليونينيَّة» من غير رقمٍ (١)، أي: العلماء وَرِثُوا (العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ) من ميراث النُّبوَّة (بِحَظٍّ وَافِرٍ) أي: بنصيبٍ كاملٍ، وهذا كلُّه قطعةٌ من حديثٍ عند أبي داودَ والتِّرمذيِّ وابن حبَّانَ والحاكم مُصحَّحًا من حديث أبي الدَّرداء، وضعَّفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكنْ له شواهدُ يتقوَّى بها، ومُناسَبَته للتَّرجمة من جهة أنَّ الوارث قائمٌ مقام المُورِّث، فله حكمه فيما قام مقامه فيه (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) حال كونه (يَطْلُبُ بِهِ) أي: السَّالك (عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا) أي: في الآخرة أو في الدُّنيا بأن يوفِّقه للأعمال الصَّالحة الموصلة (إِلَى الجَنَّةِ) أو هو بشارةٌ بتسهيل العلم على طالبه لأنَّ طلبه من الطُّرق الموصلة إلى الجنَّة، ونكَّر «علمًا» كـ «طريقًا» ليندرج فيه القليل والكثير، وليتناول أنواع الطُّرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينيَّة، وهذه الجملة أخرجها مسلمٌ من حديث الأعمش عن أبي صالحٍ، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ، وإنَّما لم يَقُلْ: صحيحٌ لتدليس الأعمش، لكنْ في رواية مسلمٍ عنِ الأعمش: حدَّثنا أبو صالحٍ، فانتفت تهمة تدليسه. وفي «مُسنَد الفردوس» بسنده إلى سعيد بن جبيرٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «ارحموا طالب العلم؛ فإنَّه متعوب البدن، لولا أنَّه يَأْخذُ بالعُجْب لصافحته الملائكة مُعايَنةً، ولكنْ يأخذ بالعُجْب ويريد أن يَقْهَرَ مَن هو أعلم منه» (٢) (وَقَالَ) الله (جَلَّ ذِكْرُهُ) وفي
روايةٍ: «جلَّ وعزَّ» (١): (﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ﴾) أي: يخافه (﴿مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨]) الذين علموا قدرته وسلطانه، فمن كان أَعْلَمَ كان أخشى لله؛ ولذا قال ﵊: «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له» (وَقَالَ) تعالى: (﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾) أي: الأمثالُ المضروبةُ وَحسنها وفائدتها (﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]) الذين يعقلون عن الله، فيتدبَّرون الأشياء على ما ينبغي، وقال تعالى حكايةً عن قول الكفَّار حين دخولهمُ النَّار: (﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾) أي: كلامَ الرُّسلِ فَنَقْبَلُه جملةً من غير بحثٍ وتفتيشٍ؛ اعتمادًا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات (﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾) فنفكِّر في حكمه ومعانيه تفكُّر المستبصرين (﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]) أي: في عدادهم وفي جملتهم (وَقَالَ) تعالى: (﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]) قال القاضي ناصر الدِّين رحمه الله تعالى: نفيٌ لاستواء الفريقين؛ باعتبار القوَّة العِلْميَّة بعد نفيها؛ باعتبار القوَّة العَمَليَّة على وجهٍ أبلغَ لمزيد فضل العلم (٢)، وقِيلَ: تقرير للأوَّل (٣) على سبيل التَّشبيه، أي: كما لا يستوي العالِمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصُون.
(وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) فيما وصله المؤلِّف بعد بابين [خ¦٧١]: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ) في الدِّين، وللمُستملي: «يُفهِّمه» بالهاء المُشدَّدة المكسورة بعدَها ميمٌ، وأخرجه بهذا اللَّفظ ابن أبي عاصمٍ في «كتاب العلم» بإسنادٍ حسنٍ، والتَّفقُّه: هو التَّفهُّم (وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ) بضمِّ اللَّام المُشدَّدة على الصَّواب، وليس هو من كلام المؤلِّف، فقد رواه ابن أبي عاصمٍ، والطَّبرانيُّ من
حديث معاويةَ مرفوعًا، وأبو نعيمٍ الأصفهانيُّ في «رياض المتعلِّمين» من حديث أبي الدَّرداء مرفوعًا: «إنَّما العلم بالتَّعلُّم، وإنَّما الحلم بالتَّحلُّم، ومن يتحرَّ (١) الخير يعطه»، وفي بعض النُّسخ -وهو في أصل فرع «اليونينيَّة» كهي (٢) -: «بالتَّعلِيم» بكسر اللَّام وبالمُثنَّاة التَّحتيَّة، وفي «هامشها»: «بالتَّعلُّم» بضمِّ اللَّام، قال: وهو الصَّواب.
(وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جنادة، فيما وصله الدَّارميُّ في «مُسنَده» وغيره من حديث أبي مَرْثَدٍ، لمَّا قال له رجلٌ والنَّاس مجتمعون عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه: ألم تُنْهَ عن الفتيا؟ -وكان الذي منعه عثمان لاختلافٍ حصل بينه وبين معاوية بالشَّام في تأويل: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصَّةً، وقال أبو ذَرٍّ: نزلت فينا وفيهم. وأدَّى ذلك إلى انتقال أبي ذرٍّ عن المدينة إلى الرَّبَذَة-[قال:] أرقيبٌ أنت عليَّ؟ (لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ) بالمُهمَلَتين الأولى مفتوحةٌ، أي: السَّيف الصَّارم الذي لا ينثني، أو الذي له حدٌّ واحد (عَلَى هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ) كذا في فرع «اليونينيَّة»، وفي غيره:
«إلى القفا» (١) وهو مقصورٌ يُذكَّر ويُؤنَّث (ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ) بضمِّ الهمزة وكسر الفاء آخره معجَمةٌ، أي: أُمْضِي (كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «رسول الله» (ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الجيم وبعد التَّحتيَّة زايٌ، الصَّمْصَامَة (عَلَيَّ) أي: على قفايَ؛ والمعنى: قبل أن تقطعوا رأسي (لأَنْفَذْتُهَا) بفتح الهمزة والفاء وتسكين الذَّال المُعجَمَة، وإنَّما فعل أبو ذرٍّ هذا حرصًا على تعليم العلم طلبًا للثَّواب، وهو يَعْظُم مع حصول المشقَّة، واستُشكِل الإتيانُ هنا بـ «لو» لأنَّها لامتناع الثَّاني لامتناع الأوَّل، وحينئذٍ فيكون المعنى انتفاء الإنفاذ لانتفاء الوضع، وليس المعنى عليه، وأُجِيب بأنَّ «لو» هنا لِمُجرَّد الشَّرط كـ (إن) من غير أن يُلاحَظ الامتناع، أو المُرَاد أنَّ الإنفاذ حاصلٌ على تقدير الوضع، فعلى تقدير عدم الوضع حصولُه أَوْلى؛ فهو مثل قوله ﵇: «نِعْمَ العبدُ صهيبٌ، لو لم يَخَفِ الله لم يَعْصِه»، ولأبي الوقت هنا زيادةٌ؛ وهي قول النَّبيِّ ﷺ: «ليُبَلِّغِ الشَّاهدُ الغائبَ» وتقدَّم قريبًا [خ¦٦٧].
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله ابن أبي عاصمٍ والخطيب بإسنادٍ حسنٍ: (﴿كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]) أي (حُلَمَاءَ) جمع حليمٍ باللَّام (فُقَهَاءَ) جمع فقيهٍ، وفي روايةٍ: «حكماء» -بالكاف- جمع حكيمٍ «علماء» جمع عالِمٍ، وهذا تفسير ابن عبَّاسٍ، وقال البيضاويُّ: و «الرَّبانيُّ»: المنسوب إلى الرَّبِّ؛ بزيادة الألف والنُّون، كاللِّحيانيِّ والرَّقَبانيِّ؛ وهو الكامل في العلم والعمل، وقال البخاريُّ حكايةً عن قول بعضهم: (وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ) أي: بجزئيَّات العلم قبل كليَّاته، أو بفروعه قبل أصوله، أو بوسائله قبل مقاصده، أو ما وَضُحَ من مسائله قبل ما دقَّ منها، ولم يذكر المؤلِّف حديثًا موصولًا، ولعلَّه اكتفى بما ذكره، أو غير ذلك من الاحتمالات، والله أعلم.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَيُقَال: مَعْنَاهُ استحيى من الذّهاب عَن الْمجْلس، كَمَا فعل رَفِيقه الثَّالِث، وَيُؤَيّد هَذَا الْمَعْنى مَا جَاءَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم الثَّانِي: (فَلبث ثمَّ جَاءَ فَجَلَسَ) . قَوْله: (فاستحيى مِنْهُ) . أَي: جازاه بِمثل فعله بِأَن رَحمَه وَلم يُعَاقِبهُ، وَهَذَا أَيْضا من بَاب المشاكلة، وَذَلِكَ لِأَن الْحيَاء تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يذم بِهِ، وَهَذَا محَال على الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن ترك الْعقَاب للاستحياء، فَيكون هَذَا أَيْضا من قبيل ذكر الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم. قَوْله: (وَأما الآخر فاعرض) أَي: عَن مجْلِس رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ، بل ولى مُدبرا. قَوْله: (فاعرض الله عَنهُ) أَي: جازاه بِأَن سخط عَلَيْهِ، وَهَذَا أَيْضا من بَاب المشاكلة، وَذَلِكَ لِأَن الْإِعْرَاض هُوَ الِالْتِفَات إِلَى جِهَة أُخْرَى، وَذَلِكَ لَا يَلِيق فِي حق الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن السخط وَالْغَضَب الْمجَاز عَن إِرَادَة الانتقام. وَالْقَاعِدَة فِي مثل هَذِه الإطلاقات الَّتِي لَا يُمكن حملهَا على ظواهرها أَن يُرَاد بِهِ غاياتها ولوازمها، والعلاقة بَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَالْمعْنَى الْمجَازِي: اللُّزُوم والقرينة الصارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة هُوَ الْعقل، إِذا لَا يتَصَوَّر الْعقل صُدُور هَذِه الْأَشْيَاء من الله تَعَالَى. فَإِن قلت: هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة إِخْبَار أَو دُعَاء. قلت: يحْتَمل الْمَعْنيين فِي لَفْظَة: الإيواء والإعراض، وَلَكِن مَا وَقع فِي رِوَايَة أنس: (وَأما الآخر فاستغنى فاستغنى الله عَنهُ) ، يُؤَيّد معنى الْإِخْبَار. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون من بَاب التَّشْبِيه، أَي: يفعل الله تَعَالَى كَمَا يفعل المؤوي والمستحي والمعرض. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يستحي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا} (آل عمرَان: ٥٤) فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ وصف الْقَدِيم بالاستحياء؟ قلت: هُوَ جَار على سَبِيل التَّمْثِيل، وَمثل تَركه يتْرك من يتْرك شَيْئا حَيَاء مِنْهُ.
ثمَّ اعْلَم أَن قَوْله: (فاعرض الله) ، مَحْمُول على من ذهب معرضًا، لَا لعذر. قَالَ القَاضِي عِيَاض: من أعرض عَن نبيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وزهد مِنْهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَإِن كَانَ هَذَا مُؤمنا وَذهب لحَاجَة دنياوية أَو ضَرُورِيَّة فإعراض الله عَنهُ ترك رَحمته وعفوه، فَلَا يثبت لَهُ حَسَنَة وَلَا يمحو عَنهُ سَيِّئَة. قلت: وَإِن كَانَ ذَاك منافقاً كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اطلع على أمره، فَلذَلِك قَالَ: فاعرض الله عَنهُ.
بَيَان استنباط الاحكام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ أَن من جلس إِلَى حَلقَة علم أَنه فِي كنف الله تَعَالَى وَفِي ايوائه، وَهُوَ مِمَّن تضع لَهُ الْمَلَائِكَة اجنحتها. وَقَالَ ابْن بطال: وَكَذَلِكَ يجب على الْعَالم أَن يؤوي المتعلم لقَوْله: (فآواه الله) . الثَّانِي: أَن فِيهِ أَن من قصد الْعَالم ومجالسته فاستحيى مِمَّن قَصده فَإِن الله يستحيي مِنْهُ فَلَا يعذبه. الثَّالِث: فِيهِ أَن من أعرض عَن مجالسة الْعَالم فَإِن الله يعرض عَنهُ، وَمن أعرض الله عَنهُ فقد تعرض لسخطه. الرَّابِع: اسْتِحْبَاب التحلق للْعلم وَالذكر فِي الْمَسْجِد. الْخَامِس: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْقرب من الْكَبِير فِي الْحلقَة ليسمع كَلَامه. السَّادِس: فِيهِ اسْتِحْبَاب الثَّنَاء على من فعل جميلاً. السَّابِع: فِيهِ أَن الْإِنْسَان إِذا فعل قبيحاً أَو مذموماً وباح بِهِ جَازَ أَن ينْسب إِلَيْهِ. الثَّامِن: فِيهِ أَن من حسن الْأَدَب أَن يجلس الْمَرْء حَيْثُ انْتهى مَجْلِسه، وَلَا يُقيم أحدا. وَقد رُوِيَ ذَلِك فِي الحَدِيث أَيْضا. التَّاسِع: فِيهِ ابْتِدَاء الْعَالم جلساءه بِالْعلمِ قبل أَن يسْأَل عَنهُ. الْعَاشِر: فِيهِ أَن من سبق إِلَى مَوضِع فِي مجْلِس كَانَ هُوَ أَحَق بِهِ، لتَعلق حَقه بِهِ فِي الْجُلُوس. الْحَادِي عشر: فِيهِ سد خلل الْحلقَة، كَمَا ورد التَّرْغِيب فِي سد خلل الصُّفُوف فِي الصَّلَاة. الثَّانِي عشر: فِيهِ جَوَاز التخطي لسد الْخلَل مَا لم يؤذ أحدا، فَإِن خشِي اسْتحبَّ أَن يجلس حَيْثُ يَنْتَهِي. الثَّالِث عشر: فِيهِ الثَّنَاء على من زاحم فِي طلب الْخَيْر.
٩ - (بَاب قَولِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سامِعٍ)
الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه: الأول: التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (رب مبلغ اوعى من سامع) ، وَالْبَاب مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى مَا بعده. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب حَال الْمبلغ، بِفَتْح اللَّام، وَمن جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق الْجَالِس فِي الْحلقَة، وَهُوَ أَيْضا من جملَة المبلغين، لِأَن حَلقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت مُشْتَمِلَة على الْعُلُوم، وَالْأَمر بتعلمها والتبليغ إِلَى الغائبين، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّبْوِيب الِاسْتِدْلَال على جَوَاز الْحمل على من لَيْسَ بفقيه من الشُّيُوخ الَّذين لَا علم عِنْدهم وَلَا فقه، إِذا ضبط مَا يحدث بِهِ. قلت: هَذَا بَيَان وَجه وضع هَذَا الْبَاب وَلَيْسَ فِيهِ تعرض إِلَى وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله، وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح
تعرض لهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ. الثَّالِث: قَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُعَلّقا، وَهُوَ إِمَّا بِمَعْنى الحَدِيث الَّذِي ذكره بعده بِالْإِسْنَادِ، فَهُوَ من بَاب نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى، وَإِمَّا أَنه ثَبت عِنْده بِهَذَا اللَّفْظ من طَرِيق آخر. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَقد جَاءَت لَفْظَة التَّرْجَمَة فِي التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عبد الرحمان بن عبد اللَّه بن مَسْعُود عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (نضر الله أمرأ سمع منَّا شَيْئا فَبَلغهُ كَمَا سمع، فَرب مبلغ اوعى من سامع) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. قلت: كل مِنْهُمَا قد أبعد وتعسف، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال هُوَ: إِن هَذَا حَدِيث مُعَلّق، أورد البُخَارِيّ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْبَاب، وَأما لَفظه: فَهُوَ مَوْصُول عِنْده فِي: بَاب الْخطْبَة بمنى، من كتاب الْحَج، أخرجه من طَرِيق قُرَّة بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، وَرجل آخر أفضل فِي نَفسِي من عبد الرَّحْمَن بن حميد بن عبد الرَّحْمَن، كِلَاهُمَا عَن أبي بكرَة، قَالَ: (خَطَبنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم النَّحْر، قَالَ: أَتَدْرُونَ أَي يَوْم هَذَا؟) وَفِي آخِره هَذَا اللَّفْظ. وَقد أخرج التِّرْمِذِيّ. فِي (جَامعه) وَابْن حباب وَالْحَاكِم فِي (صَحِيحَيْهِمَا) من حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (نصر الله أمرأ سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها فأداها إِلَى من لم يسْمعهَا، فَرب حَامِل فقه غير فَقِيه، وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. قَوْله: (نضر) بِالتَّشْدِيدِ أَكثر من التَّخْفِيف، أَي: حسن، وَيُقَال: نضر الله وَجهه، ونضر، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر، حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِي. قلت: وَجَاء: نضر، بِالْفَتْح أَيْضا، حَكَاهُ أَبُو عبيد. والمصدر: نضارة ونضرة أَيْضا، وَهُوَ: الْحسن والرونق. فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ التِّرْمِذِيّ لحَدِيث ابْن مَسْعُود: وَهُوَ حَدِيث حسن صَحِيح، وَقد تكلم النَّاس فِي سَماع عبد الرحمان عَن أَبِيه، فَقَالُوا: كَانَ صَغِيرا؟ وَقَالَ يحيى بن معِين: عبد الرَّحْمَن وَأَبُو عُبَيْدَة ابْنا عبد اللَّه ابْن مَسْعُود لم يسمعا من أَبِيهِمَا. وَقَالَ أَحْمد: مَاتَ عبد اللَّه ولعَبْد الرَّحْمَن ابْنه سِتّ سِنِين أَو نَحْوهَا؟ قلت: كَأَنَّهُ لم يعبأ بِمَا قيل فِي عدم سَماع عبد الرَّحْمَن من أَبِيه لصغره، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: لم يخرج البُخَارِيّ لأبي عُبَيْدَة شَيْئا، وَأخرج هُوَ وَمُسلم لعبد الرَّحْمَن عَن مَسْرُوق، فَلَمَّا كَانَ الحَدِيث لَيْسَ من شَرطه جعله فِي التَّرْجَمَة. قلت: هَذَا بِنَاء على تعسفه فِيمَا ذَكرْنَاهُ، وَالَّذِي جعله فِي التَّرْجَمَة قد ذكره فِي كتاب الْحَج على مَا ذكرنَا. الرَّابِع: قَوْله: (رب) هُوَ للتقليل، لكنه كثر فِي الِاسْتِعْمَال للتكثير بِحَيْثُ غلب حَتَّى صَارَت كَأَنَّهَا حَقِيقَة فِيهِ، وَهِي حرف خلافًا للكوفيين فِي دَعْوَى إسميته، وَقَالُوا: قد أخبر عَنهُ الشَّاعِر فِي قَوْله.
(وَرب قتل عَار)
وَأجِيب: بِأَن عَار، خبر لمبتدأ مَحْذُوف، وَالْجُمْلَة صفة للمجرور، أَو خبر للمجرور، إِذْ هُوَ فِي مَوضِع مُبْتَدأ، وينفرد: رب، بِوُجُوب تصديرها وتنكير مجرورها ونعته إِن كَانَ ظَاهرا، وإفراده وتذكيره وتمييزه بِمَا يُطَابق الْمَعْنى إِن كَانَ ضميراً، وَغَلَبَة حذف معداها ومضيه، وَوُجُوب كَون فعلهَا مَاضِيا لفظا أَو معنى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وفيهَا لُغَات عشر، ثمَّ عدهَا. قلت: فِيهَا سِتّ عشرَة لُغَة: ضم الرَّاء، وَفتحهَا، وَكِلَاهُمَا مَعَ التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف، وَالْأَوْجه الْأَرْبَعَة مَعَ تَاء التَّأْنِيث الساكنة أَو المتحركة، أَو مَعَ التجرد مِنْهَا، فَهَذِهِ اثْنَتَيْ عشرَة، وَالضَّم وَالْفَتْح مَعَ إسكان الْبَاء، وَضم الحرفين مَعَ التَّشْدِيد وَمَعَ التَّخْفِيف. قَوْله: (مبلغ) ، بِفَتْح اللَّام أَي: مبلغ إِلَيْهِ، فَحذف الْجَار وَالْمَجْرُور كَمَا يُقَال الْمُشْتَرك وَيُرَاد بِهِ الْمُشْتَرك فِيهِ. قَوْله: (أوعى) أفعل التَّفْضِيل من الوعي، وَهُوَ الْحِفْظ. فَإِن قلت: كَيفَ إِعْرَاب هَذَا الْكَلَام؟ قلت: إعرابه على مَذْهَب الْكُوفِيّين: أَن (رب مبلغ) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله (أوعى من سامع) خَبره، وَالْمعْنَى: رب مبلغ إِلَيْهِ عني أفهم وأضبط لما أَقُول من سامع مني، وَلَا بُد من هَذَا الْقَيْد لِأَن الْمَقْصُود ذَلِك، وَقد صرح بذلك ابْن مَنْدَه فِي رِوَايَته من طَرِيق هودة عَن ابْن عون، وَلَفظه: (فَإِنَّهُ عَسى أَن يكون بعض من لم يشْهد أوعى لما أَقُول من بعض من شهد) . وَأما على مَذْهَب الْبَصرِيين، فَإِن قَوْله: (مبلغ) ، وَإِن كَانَ مجروراً بِالْإِضَافَة، وَلكنه مَرْفُوع على الِابْتِدَاء محلا. وَقَوله: (أوعى) صفة لَهُ، وَالْخَبَر مَحْذُوف وَتَقْدِيره: يكون أَو يُوجد، أَو نَحْوهمَا. وَقَالَ النُّحَاة فِي نَحْو: رب رجل صَالح عِنْدِي، مَحل مجرورها رفع على الابتدائية وَفِي نَحْو: رب رجل لَقيته، نصب على المفعولية، وَفِي نَحْو: رب رجل صَالح لَقيته، رفع أَو نصب كَمَا فِي قَوْلك: هَذَا لَقيته.
٦٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حدّثنا بِشْرُ قَالَ: حدّثنا ابنُ عَوْنٍ عَن ابنِ سِيرِينَ عَن عبدِ الرَّحْمَنِ بن أبي بَكْرَةَ عَن أبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قعَدَ على بَعِيرِهِ وأمْسَك إنسانٌ بِخِطامِهِ
أوْ بِزِمامِهِ قَالَ: (أيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) فَسَكَتْنا حتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِيهِ سِوَى اسمِهِ؟ قَالَ: (ألَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ) قُلْنا: بَلَى. قَالَ: (فأَيّ شَهُرٍ هَذَا) فَسَكتنا حتَّى ظَنَنَّا أنهُ سَيُسَميِّهِ بِغَيْرِ اسمِهِ، فَقَالَ: (ألَيْسَ بِذِى الحِجةِ؟) قُلْنا: بَلَى. قَالَ: (فإنّ دِماءَكُمْ وَأَمُوالَكُمْ وأعْراضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرامُ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ فإنّ الشاهدَ عَسَى أَن يُبَلِّغَ مَن هُو أوْعَى لهُ مِنهُ) ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى كَمَا ذَكرْنَاهُ.
بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، ابْن الْمفضل بن لَاحق الرقاشِي أَبُو إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ، سمع ابْن الْمُنْكَدر وَعبد اللَّه بن عون وَغَيرهمَا، روى عَنهُ أَحْمد، وَقَالَ: إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي التثبت بِالْبَصْرَةِ. قَالَ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث عثمانياً، توفّي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَقَالَ: إِنَّه كَانَ يُصَلِّي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة رَكْعَة. يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عبد اللَّه بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ، وأرطبان مولى عبد اللَّه بن مُغفل الصَّحَابِيّ، رأى أنس بن مَالك وَلم يثبت لَهُ مِنْهُ سَماع، وَسمع الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين وَغَيرهم، روى عَنهُ شُعْبَة وَالثَّوْري وَابْن الْمُبَارك وَآخَرُونَ، وَعَن خَارِجَة قَالَ: صَحِبت ابْن عون أَرْبعا وَعشْرين سنة فَمَا أعلم أَن الْمَلَائِكَة كتبت عَلَيْهِ خَطِيئَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ عَمْرو بن عَليّ: ولد سنة سِتّ وَسِتِّينَ، وَمَات وَهُوَ ابْن خمس وَثَمَانِينَ، وَيُقَال: توفّي سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة نفيع بن الْحَارِث أَبُو عمر الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ، أَخُو عبيد اللَّه وَمُسلم ووراد، وَهُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بِالْبَصْرَةِ سنة أَربع عشرَة، سمع أَبَاهُ وعلياً وَغَيرهمَا، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي غير مَوضِع عَن ابْن سِيرِين وَعبد الْملك بن عُمَيْر وخَالِد الْحذاء، وَعنهُ عَن أَبِيه قَالَ ابْن معِين: توفّي سنة تسع وَتِسْعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: أَبوهُ أَبُو بكرَة، واسْمه نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء، ابْن الْحَارِث وَقد تقدم.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن فِي رُوَاته ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض، وهم: عبد اللَّه ابْن عون، وَابْن سِيرِين، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن قُرَّة بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة وَرجل آخر أفضل فِي نَفسِي من عبد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَن أبي بكرَة، وَزَاد فِي آخِره: قَالَ عبد الرَّحْمَن: حَدَّثتنِي أُمِّي عَن أبي بكرَة أَنه قَالَ: لَو دخلُوا عَليّ مَا نهشت لَهُم بقصبة، وَفِي الْحَج عَن عبد اللَّه بن مُحَمَّد عَليّ أبي عَامر الْعَقدي عَن قُرَّة بن خَالِد بِإِسْنَادِهِ نَحوه، وسمى الرجل حميد بن عبد الرَّحْمَن وَلم يذكر حَدِيث عبد الرَّحْمَن عَن أمه، وَفِي التَّفْسِير، وَفِي بَدْء الْخلق عَن أبي مُوسَى، وَفِي الْأَضَاحِي عَن مُحَمَّد بن سَلام كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَفِي الْعلم وَالتَّفْسِير أَيْضا عَن عبد اللَّه بن عبد الْوَهَّاب الحَجبي عَن حَمَّاد بن زيد، كِلَاهُمَا عَن أَيُّوب، وَأخرجه مُسلم فِي الدِّيات عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَيحيى بن حبيب ابْن عَرَبِيّ، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ بِهِ، وَعَن نصر بن عَليّ عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَعَن أبي مُوسَى عَن حَمَّاد بن مسْعدَة، كِلَاهُمَا عَن ابْن عون بِهِ، وَزَاد فِي آخِره: ثمَّ انكفأ إِلَى كبشين أملحين فذبحهما إِلَى جريعة من الْغنم، فَقَسمهَا بَيْننَا. وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى بن سعيد نَحوه، وَلم يذكر حَدِيث عبد الرَّحْمَن عَن أمه، وَعَن مُحَمَّد ابْن عَمْرو بن جبلة، وَأحمد بن الْحسن بن خرَاش، كِلَاهُمَا عَن أبي عَامر الْعَقدي نَحوه، وسمى حميد بن عبد الرحمان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود بن بشر بن الْمفضل نَحوه، وَعَن يحيى بن مسْعدَة عَن يزِيد بن زُرَيْع نَحوه، وَفِيه وَفِي الْعلم عَن أبي قدامَة السَّرخسِيّ عَن أبي عَامر الْعَقدي نَحوه، وَذكر حميد بن عبد الرَّحْمَن، وَعَن سُلَيْمَان بن مُسلم عَن النَّضر بن شُمَيْل عَن أبي عون. واخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُم، بِنَحْوِهِ، وَله طرق تَأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَذكره ابْن مَنْدَه فِي (مستخرجه) من حَدِيث سَبْعَة عشر صحابياً.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (على بعيره) الْبَعِير الْجمل الْبَاذِل، وَقيل: الْجذع، وَقد يكون للْأُنْثَى. وَحكي عَن بعض الْعَرَب: شربت من لبن بَعِيري وصرعتني بَعِيري. وَفِي (الْجَامِع) : الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان، يجمع الْمُذكر والمؤنث من النَّاس، إِذا
رَأَيْت جملا على الْبعد. قلت: هَذَا بعير فَإِذا استثبته قلت: جمل أَو نَاقَة، وَيجمع على: أَبْعِرَة وأباعر وأباعير وبعر وبعران. وَفِي (الْعباب) : يُقَال للجمل بعير وللناقة بعير، وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ: بعير وشعير، بِكَسْر الْبَاء والشين وَالْفَتْح هُوَ الصَّحِيح، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ: بعير إِذا جذع، وَالْجمع أَبْعِرَة فِي أدنى الْعدَد، وأباعر فِي الْكثير، وأباعير وبعران هَذِه عَن الْفراء. قَوْله: (أمسك إِنْسَان بخطامه) أَي: تمسك بِهِ، ومسكت بِهِ مثل أَمْسَكت بِهِ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَالَّذين يمسكون بِالْكتاب} (الْأَعْرَاف: ١٧٠) أَي: يتمسكون بِهِ، وَقَرَأَ البصريون: {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} (الممتحنه: ١٠) بِالتَّشْدِيدِ، والخطام، بِكَسْر الْخَاء: الزِّمَام الَّذِي يشد فِيهِ الْبرة، بِضَم الْبَاء وَفتح الرَّاء؛ حَلقَة من صفر تجْعَل فِي لحم أنف الْبَعِير. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: تجْعَل فِي إِحْدَى جَانِبي المنخرين. قَوْله: (بِذِي الْحجَّة) بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا وَالْكَسْر افصح، وَيجمع على: ذَوَات الْحجَّة، وَذي الْقعدَة، بِكَسْر الْقَاف، وَيجمع على ذَوَات الْعقْدَة. قَوْله: (وَأَعْرَاضكُمْ) جمع عرض، بِكَسْر الْعين، وَهُوَ مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان، سَوَاء كَانَ فِي نَفسه أَو فِي سلفه. وَقيل: الْعرض الْحسب، وَقيل: الْخلق، وَقيل: النَّفس. وَقد مر تَحْقِيق الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (الشَّاهِد) أَي الْحَاضِر، من: شهد إِذا حضر. قَوْله: (أوعى) أَي: أحفظ، من الوعي وَهُوَ: الْحِفْظ والفهم.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (ذكر النَّبِي) ، بِنصب: النَّبِي، لِأَنَّهُ مفعول: ذكر، وَالضَّمِير فِي ذكر يرجع إِلَى الرَّاوِي. الْمَعْنى عَن أبي بكرَة أَنه كَانَ يُحَدِّثهُمْ، فَذكر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقَالَ: (قعد على بعيره) ، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر عَن أبي بكرَة أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، (قعد) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، عَن أبي بكرَة، قَالَ وَذكر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فالواو: وَاو الْحَال، وَيجوز أَن تكون وَاو الْعَطف، على أَن يكون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ محذوفاً. فَافْهَم. قَوْله: (قعد على بعيره) جملَة وَقعت مقول قَالَ الْمُقدر. قَوْله: (وَأمْسك) يجوز أَن تكون الْوَاو، فِيهِ للْحَال. وَقد علم أَن الْمَاضِي إِذا وَقع حَالا تجوز فِيهِ الْوَاو وَتركهَا، وَلَكِن لَا بُد من قد، ظَاهِرَة أَو مقدرَة، وَيجوز أَن تكون للْعَطْف على قعد. قَوْله: (أَي يَوْم هَذَا؟) جملَة وَقعت مقول القَوْل. قَوْله: (فسكتنا) عطف على: قَالَ. قَوْله: (حَتَّى) للغاية بِمَعْنى: إِلَى. قَوْله: (أَنه) ، بِفَتْح الْهمزَة فِي مَحل النصب على المفعولية. قَوْله: (سيسميه) : السِّين فِيهِ تفِيد توكيد النِّسْبَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى {أُولَئِكَ سيرحمهم الله} (التَّوْبَة: ٧١) السِّين مفيدة وجود الرَّحْمَة لَا محَالة، فَهِيَ تؤكد الْوَعْد كَمَا تؤكد الْوَعيد إِذا قلت: سأنتقم مِنْك. قَوْله: (أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر؟) الْهمزَة فِيهِ لَيست للاستفهام الْحَقِيقِيّ، وَإِنَّمَا هِيَ تفِيد نفي مَا بعْدهَا، وَمَا بعْدهَا هَهُنَا منفي، فَتكون إِثْبَاتًا. لِأَن نفي النَّفْي إِثْبَات، فَيكون الْمَعْنى: هُوَ يَوْم النَّحْر. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَلَيْسَ الله بكاف عَبده} (الزمر: ٣٩) أَي: الله كَاف عَبده، وَكَذَلِكَ قَوْله: {ألم نشرح لَك صدرك} (الإنشراح: ١) فَمَعْنَاه: شرحنا صدرك، وَلِهَذَا عطف عَلَيْهِ قَوْله: {ووضعنا} (الإنشراح: ٢) . قَوْله: (فَقُلْنَا) عطف على قَوْله: قَالَ. قَوْله: (بلَى) مقول القَوْل أقيم مقَام الْجُمْلَة الَّتِي هِيَ مقول القَوْل، وَهِي حرف يخْتَص بِالنَّفْيِ ويفيد إِبْطَاله سَوَاء كَانَ مُجَردا نَحْو: {زعم الَّذين كفرُوا أَن لن يبعثوا قل بلَى وربي} (التغابن: ٧) أَو مَقْرُونا بالاستفهام حَقِيقِيًّا كَانَ نَحْو: أَلَيْسَ زيد بقائم، فَتَقول: بلَى، أَو توبيخاً نَحْو: {أم يحسبون أَنا لَا نسْمع سرهم ونجواهم بلَى} (الزخرف: ٨٠) . {أيحسب الْإِنْسَان أَن لن نجمع عِظَامه بلَى} (الْقِيَامَة: ٣) . أَو تقريراً نَحْو: {ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى} (الْملك: ٨ ٩) . {أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى} (الْأَعْرَاف: ١٧٢) . أجروا النَّفْي مَعَ التَّقْدِير مجْرى النَّفْي الْمُجَرّد فِي رده ببلى، وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس: لَو قَالُوا: نعم كفرُوا، لِأَن: نعم، تَصْدِيق للْخَبَر بِنَفْي أَو إِيجَاب، وَلذَلِك قَالَت جمَاعَة من الْفُقَهَاء: لَو قَالَ: أَلَيْسَ لي عَلَيْك ألف؟ فَقَالَ: بلَى، لَزِمته. وَلَو قَالَ: نعم، لم تلْزمهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: تلْزمهُ فيهمَا، وجروا فِي ذَلِك على مُقْتَضى الْعرف لَا اللُّغَة. قَوْله: (حرَام) خبر: إِن، قَوْله: (ليبلغ) ، بِكَسْر الْغَيْن، لِأَنَّهُ أَمر، وَلكنه لما وصل بِمَا بعده حرك بِالْكَسْرِ، لِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن إِذا حرك أَن يُحَرك بِالْكَسْرِ. قَوْله: (عَسى أَن يبلغ) ، فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر: إِن، وَقد علم أَن لعسى استعمالان: أَحدهمَا: أَن يكون فَاعله إسماً نَحْو: عَسى زيد أَن يخرج، فزيد مَرْفُوع بالفاعلية، و: أَن يخرج، فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة: قَارب زيد الْخُرُوج. وَالْآخر: أَن تكون أَن مَعَ صلتها فِي مَوضِع الرّفْع نَحْو: عَسى أَن يخرج زيد، فَيكون إِذْ ذَاك بِمَنْزِلَة: قرب أَن يخرج، أَي: خُرُوجه. وَمَا فِي الحَدِيث من هَذَا الْقَبِيل. قَوْله: (مِنْهُ) ، صلَة لأَفْعَل التَّفْضِيل، أَعنِي قَوْله: (أوعى) . فَإِن قلت: صلته كالمضاف إِلَيْهِ، فَكيف جَازَ الْفَصْل بَينهمَا بِلَفْظَة: لَهُ؟ قلت: جَازَ، لِأَن فِي الظّرْف سَعَة كَمَا جَازَ الْفَصْل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بِهِ، قَالَ.
(فرشني بِخَير لأكونن ومدحتي ... كناحت يَوْمًا صَخْرَة بعسيل)
فَإِن قَوْله: يَوْمًا، فصل بَين: ناحت، الَّذِي هُوَ مُضَاف، وَبَين صَخْرَة، الَّذِي هُوَ مُضَاف إِلَيْهِ. وَقَوله: (فرشني) أَمر من راش
يريش، يُقَال: رَشَّتْ فلَانا إِذا أصلحت حَاله، والعسيل، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة، مكنسة الْعَطَّار الَّذِي يجمع بِهِ الْعطر.
بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (قعد على بعيره) ، وَذَلِكَ كَانَ بمنى فِي يَوْم النَّحْر فِي حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (وَأمْسك إِنْسَان بخطامه) قيل: هَذَا الممسك كَانَ بِلَالًا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق أم الْحصين، قَالَت: حججْت فَرَأَيْت بِلَالًا يَقُود بِخِطَام رَاحِلَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَيُقَال: كَانَ الممسك عَمْرو بن خَارِجَة، فَإِنَّهُ وَقع فِي السّنَن من حَدِيثه، قَالَ: كنت آخذ بزمام نَاقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... فَذكر الْخطْبَة. قيل: هُوَ أولى أَن يُفَسر بِهِ الْمُبْهم، لِأَنَّهُ أخبر عَن نَفسه أَنه كَانَ ممسكاً بزمام نَاقَته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَيُقَال: كَانَ الممسك هُوَ أَبَا بكرَة الرَّاوِي، لما روى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْحُسَيْن عَن سُفْيَان عَن حبَان عَن ابْن الْمُبَارك عَن أبي عون بِسَنَدِهِ إِلَى أبي بكرَة. قَالَ: (خطب رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على رَاحِلَته يَوْم النَّحْر، وَأَمْسَكت، إِمَّا قَالَ: بخطامها أَو بزمامها) . قَوْله: (أَي يَوْم) ، هَذَا؟ لَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والأصيلي والحموي السُّؤَال عَن الشَّهْر، وَالْجَوَاب الَّذِي قبله وَلَفْظهمَا: (أَي يَوْم هَذَا؟ فسكتنا حَتَّى ظننا أَنه سيسميه سوى اسْمه، قَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحجَّة؟) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وكريمة بالسؤال عَن الشَّهْر وَالْجَوَاب الَّذِي قبله، وَهِي أَيْضا كَذَلِك فِي مُسلم وَغَيره، وَكَذَا وَقع فِي مُسلم وَغَيره السُّؤَال عَن الْبَلَد، فَهَذِهِ ثَلَاثَة اسئلة عَن الْيَوْم والشهر والبلد، وَهِي ثَابِتَة عِنْد البُخَارِيّ فِي الْأَضَاحِي من رِوَايَة أَيُّوب، وَفِي الْحَج أَيْضا من رِوَايَة قُرَّة، كِلَاهُمَا عَن ابْن سِيرِين. وَذكر فِي أول حَدِيثه: (خَطَبنَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَوْم النَّحْر، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَي يَوْم هَذَا؟ قُلْنَا: الله وَرَسُوله أعلم، فَسكت حَتَّى ظننا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه) . وَذكر قَوْله: الله وَرَسُوله أعلم فِي الْجَواب عَن الأسئلة الثَّلَاثَة، وَكَذَلِكَ أوردهُ من رِوَايَة ابْن عمر، وَجَاء من رِوَايَة ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: (خَطَبنَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَوْم النَّحْر، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس! أَي يَوْم هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْم حرَام. قَالَ: فَأَي بلد هَذَا؟ قَالُوا: بلد حرَام. قَالَ: فَأَي شهر هَذَا؟ قَالُوا: شهر حرَام) . فَإِن قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس يشْعر بِأَنَّهُم أجابوه بقَوْلهمْ: هَذَا يَوْم حرَام وبلد حرَام وَشهر حرَام، وَهُوَ مُخَالف للمذكور هُنَا من حَدِيث أبي بكرَة، وَمن حَدِيث ابْن عمر أَيْضا أَنهم سكتوا حَتَّى ظنُّوا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه، الْجَواب أَنه يحْتَمل أَن تكون الْخطْبَة مُتعَدِّدَة، فَأجَاب فِي الثَّانِيَة من علم فِي الأولى، وَلم يجب من لم يعلم فَنقل كل من الروَاة مَا سمع، وَيُقَال: إِن حَدِيث أبي بكرَة من رِوَايَة مُسَدّد وَقع نَاقِصا مخروماً لنسيان وَقع من بعض الروَاة. قَوْله: (فَإِن دماءكم) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: سفك دمائكم، وَكَذَا فِي: أَمْوَالكُم، التَّقْدِير: أَخذ أَمْوَالكُم، وَكَذَا فِي: أعراضكم، التَّقْدِير: سلب أعراضكم. قَوْله: (ليبلغ الشَّاهِد) ، أَي الْحَاضِر فِي الْمجْلس الْغَائِب عَنهُ، وَالْمرَاد مِنْهُ إِمَّا تَبْلِيغ القَوْل الْمَذْكُور، أَو تَبْلِيغ جَمِيع الْأَحْكَام. فَافْهَم.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: هُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ أَن الْعَالم يجب عَلَيْهِ تَبْلِيغ الْعلم لمن لم يبلغهُ، وتبيينه لمن لَا يفهمهُ، وَهُوَ الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه الله تَعَالَى على الْعلمَاء. {ليبيننه للنَّاس وَلَا يكتمونه} (آل عمرَان: ١٨٧) . الثَّانِي: فِيهِ أَنه يَأْتِي فِي آخر الزَّمَان من يكون لَهُ من الْفَهم فِي الْعلم من لَيْسَ لمن تقدمه، وَأَن ذَلِك يكون فِي الْأَقَل، لِأَن: رب، مَوْضُوعَة للتقليل، و: عَسى، موضعهَا الإطماع، وَلَيْسَت لتحقيق الشَّيْء. الثَّالِث: فِيهِ أَن حَامِل الحَدِيث يجوز أَن يُؤْخَذ عَنهُ، وَإِن كَانَ جَاهِلا بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ مَأْخُوذ من تبليغه، مَحْسُوب فِي زمرة أهل الْعلم. الرَّابِع: فِيهِ أَن مَا كَانَ حَرَامًا يجب على الْعَالم أَن يُؤَكد حرمته، ويغلظ عَلَيْهِ بأبلغ مَا يُوجد، كَمَا فعل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي المتشابهات. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز الْقعُود على ظهر الدَّوَابّ إِذا احْتِيجَ إِلَى ذَلِك، لَا للأشر والبطر، وَالنَّهْي فِي قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (لَا تَتَّخِذُوا ظُهُور الدَّوَابّ مجَالِس) ، مَخْصُوص بِغَيْر الْحَاجة. السَّادِس: فِيهِ الْخطْبَة على مَوضِع عَال ليَكُون أبلغ فِي سماعهَا للنَّاس، ورؤيتهم إِيَّاه. السَّابِع: فِيهِ مُسَاوَاة المَال وَالدَّم وَالْعرض فِي الْحُرْمَة. الثَّامِن: فِيهِ تَشْبِيه الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض بِالْيَوْمِ وبالشهر وبالبلد فِي الْحُرْمَة دَلِيل على اسْتِحْبَاب ضرب الْأَمْثَال، وإلحاق النظير بالنظير قِيَاسا، قَالَه النَّوَوِيّ.
الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: لِمَ شبه الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض فِي الْحُرْمَة بِالْيَوْمِ والشهر والبلد فِي غير هَذِه الرِّوَايَة؟ أُجِيب: بِأَنَّهُم كَانُوا لَا يرَوْنَ اسْتِبَاحَة هَذِه الْأَشْيَاء وانتهاك حرمتهَا بِحَال، وَكَانَ تَحْرِيمهَا ثَابتا فِي نُفُوسهم مقرراً عِنْدهم بِخِلَاف الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض، فَإِنَّهُم فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يستبيحونها. وَقَالَ بَعضهم: أعلمهم الشَّارِع بِأَن تَحْرِيم دم الْمُسلم وَمَاله وَعرضه أعظم من تَحْرِيم الْبَلَد والشهر وَالْيَوْم، فَلَا يرد كَون الْمُشبه بِهِ أَخفض رُتْبَة من الْمُشبه لِأَن الْخطاب إِنَّمَا وَقع
بِالنِّسْبَةِ لما اعتاده المخاطبون قبل تَقْرِير الشَّرْع. قلت: لَا نسلم أَن الشَّارِع قَالَ: حُرْمَة هَذِه الْأَشْيَاء أعظم من حُرْمَة تِلْكَ الْأَشْيَاء حَتَّى يرد السُّؤَال بِكَوْن الْمُشبه بِهِ أَخفض رُتْبَة من الْمُشبه، وَإِنَّمَا الشَّارِع شبه حُرْمَة تِلْكَ بِحرْمَة هَذِه، لما ذكرنَا من وَجه التَّشْبِيه من غير تعرض إِلَى غير ذَلِك. وَمِنْهَا مَا قيل: لمَ سَأَلَ، عَلَيْهِ السَّلَام، عَن هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة وَسكت بعد كل سُؤال مِنْهَا؟ أُجِيب: لاستحضار فهومهم وليقبلوا عَلَيْهِ بكليتهم وليعلموا عَظمَة مَا يُخْبِرهُمْ عَنهُ، وَلذَلِك قَالَ بعد هَذَا: (فَإِن دماكم)
إِلَى آخِره، مُبَالغَة فِي تَحْرِيم الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ كَانَ جوابهم عَن كل سُؤال بقَوْلهمْ: الله وَرَسُوله أعلم، على مَا ثَبت فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى للْبُخَارِيّ وَغَيره؟ أُجِيب: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لحسن أدبهم. لأَنهم كَانُوا يعلمُونَ أَنه لَا يخفى عَلَيْهِ مَا يعرفونه من الْجَواب، وَأَنه لَيْسَ مُرَاد مُطلق الْإِخْبَار بِمَا يعرفونه، وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَة الْبَاب: (حَتَّى ظننا أَنه سيسميه سوى اسْمه) وَفِيه إِشَارَة إِلَى تَفْوِيض الْأُمُور بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى الشَّارِع، والانعزال عَمَّا ألفوه من الْمُتَعَارف الْمَشْهُور. وَمِنْهَا مَا قيل: لم أمسك الممسك بِخِطَام نَاقَته؟ أُجِيب: لصونه الْبَعِير عَن الِاضْطِرَاب والتشويش على رَاكِبه.
١٠ - (بابٌ العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ والعَمَلِ لِقولِهِ تَعَالَى {فاعلَمْ أنَّهُ لَا إلَهَ إلَاّ الله} (مُحَمَّد: ١٩) فبَدَأ بالعلْمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْعلم قبل القَوْل وَالْعَمَل، أَرَادَ أَن الشَّيْء يعلم أَولا، ثمَّ يُقَال وَيعْمل بِهِ، فالعلم مقدم عَلَيْهِمَا بِالذَّاتِ، وَكَذَا مقدم عَلَيْهِمَا بالشرف، لِأَنَّهُ عمل الْقلب، وَهُوَ أشرف أَعْضَاء الْبدن. وَقَالَ ابْن بطال: الْعَمَل لَا يكون إلَاّ مَقْصُودا، يَعْنِي مُتَقَدما، وَذَلِكَ الْمَعْنى هُوَ علم مَا وعد الله عَلَيْهِ بالثواب. وَقَالَ ابْن الْمُنِير، أَرَادَ أَن الْعلم شَرط فِي صِحَة القَوْل وَالْعَمَل، فَلَا يعتبران إلَاّ بِهِ، فَهُوَ مُتَقَدم عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مصحح النِّيَّة المصححة للْعَمَل، فنبه البُخَارِيّ على ذَلِك حَتَّى لَا يسْبق إِلَى الذِّهْن من قَوْلهم: إِن الْعلم لَا يُفِيد إلَاّ بِالْعَمَلِ تهوين أَمر الْعلم والتساهل فِي طلبه. قَوْله: (فَبَدَأَ بِالْعلمِ) أَي: بَدَأَ الله تَعَالَى بِالْعلمِ أَولا حَيْثُ قَالَ: {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله} (مُحَمَّد: ١٩) ثمَّ قَالَ: {واستغفر لذنبك} (مُحَمَّد: ١٩) الاسْتِغْفَار إِشَارَة إِلَى القَوْل وَالْعَمَل؛ وَالْخطاب، وَإِن كَانَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَهُوَ متناول لأمته. وَقَالَ الزّجاج: هُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف؛ الْمَعْنى، قد بَينا وَقُلْنَا مَا يدل على أَن الله تَعَالَى وَاحِد، فَاعْلَم ذَلِك. وَالنَّبِيّ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قد علم ذَلِك، وَلكنه خطاب يدْخل النَّاس مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فطلقوهن} (الطَّلَاق: ١) ، وَالْمعْنَى: من علم فَليقمْ على ذَلِك الْعلم، كَقَوْلِه تَعَالَى {اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم} (الْفَاتِحَة: ٦) أَي ثبتنا. وَقيل: يتَعَلَّق بِمَا قبله، وَالْمعْنَى: إِذا جَاءَتْهُم السَّاعَة فَاعْلَم أَن لَا ملك وَلَا حكم لأحد إلاّ لله، وَيبْطل مَا عداهُ. وَسُئِلَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن فضل الْعلم، فَقَالَ: ألم تسمع قَوْله تَعَالَى حِين بَدَأَ بِهِ فَقَالَ: {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله واستغفر لذنبك} (مُحَمَّد: ١٩) فَأمره بِالْعَمَلِ بعد الْعلم، وَيعلم من الْآيَة أَن التَّوْحِيد مِمَّا يجب الْعلم بِهِ، وَلَا يجوز فِيهِ تَقْلِيد. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَكْفِي الِاعْتِقَاد الْجَازِم، وَإِن لم يعرف الْأَدِلَّة، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف من سيرة السّلف. وَمذهب أَكثر الْمُتَكَلِّمين أَن إِيمَان الْمُقَلّد فِي أصُول الدّين غير صَحِيح. وَقَالَ محيي السّنة: يجب على كل مُكَلّف معرفَة علم الْأُصُول، وَلَا يسع فِيهِ التَّقْلِيد لظُهُور دلائله. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ حَال الْمبلغ وَالسَّامِع، والمبلغ، بِكَسْر اللَّام، والمبلغ، بِفَتْحِهَا، لَا يقدران على التَّعْلِيم والتعلم إِلَّا بِالْعلمِ، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان الْعلم قبل القَوْل وَالْعَمَل.
وأنّ العُلَماءَ هُمْ ورَثَةُ الأنْبِياءِ ورَّثُوا العِلْمَ، مَن أخَذَهُ أخَذَ بِحَظِّ وافِرٍ.
يجوز فِي: أَن، الْكسر وَالْفَتْح، أما الْفَتْح فبالعطف على مَا قبله، وَأما الْكسر فعلى سَبِيل الْحِكَايَة، أَو على تَقْدِير بَاب هَذِه الْجُمْلَة، وَهَذَا من حَدِيث مطول أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مَحْمُود بن خِدَاش عَن مُحَمَّد بن يزِيد الوَاسِطِيّ عَن عَاصِم بن رَجَاء بن حَيْوَة عَن قيس بن كثير عَن أبي الدَّرْدَاء، رَضِي الله عَنهُ، أَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، قَالَ: (من سلك طَرِيقا يطْلب فِيهِ علما سهل الله لَهُ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة، وَأَن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا رَضِي لطَالب الْعلم، وَأَن الْعَالم ليَسْتَغْفِر لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض، حَتَّى الْحيتَان فِي المَاء. وَفضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر على سَائِر الْكَوَاكِب، وَأَن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء، وَأَن الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما، وَإِنَّمَا ورثوا الْعلم فَمن أَخذه أَخذ بحظ وافر) . ثمَّ قَالَ: كَذَا حَدثنَا مَحْمُود، وَإِنَّمَا يرْوى هَذَا
الحَدِيث عَن عَاصِم عَن دَاوُد بن جميل عَن كثير بن قيس عَن أبي الدَّرْدَاء، وَهَذَا أصح من حَدِيث مَحْمُود، وَلَا يعرف هَذَا الحَدِيث إلَاّ من حَدِيث عَاصِم. وَلَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي بمتصلٍ وَفِي (علل) الدَّارَقُطْنِيّ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن كثير بن قيس، عَن يزِيد بن سَمُرَة عَن أبي الدَّرْدَاء. قَالَ: وَلَيْسَ بِمَحْفُوظ. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لم يقمه الْأَوْزَاعِيّ، وَقد خلط فِيهِ. وَقَالَ حَمْزَة: رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن عبد السَّلَام بن سليم عَن يزِيد بن سَمُرَة وَغَيره من أهل الْعلم عَن كثير بن قيس. قَالَ أَبُو عمر: وَعَاصِم بن رَجَاء، هَذَا ثِقَة مَشْهُور، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: عَاصِم بن رَجَاء وَمن فَوْقه إِلَى أبي الدَّرْدَاء ضعفاء، وَلَا يثبت. قَالَ: دَاوُد بن جميل، مَجْهُول، وَقَالَ الْبَزَّار: دَاوُد بن جميل وَكثير بن قيس لَا يعلمَانِ فِي غير هَذَا الحَدِيث، وَلَا نعلم روى عَن كثير غير دَاوُد والوليد بن مرّة، وَلَا نعلم روى عَن دَاوُد عَن غير عَاصِم. قَالَ ابْن الْقطَّان: اضْطربَ فِيهِ عَاصِم، فَعَنْهُ فِي ذَلِك ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: قَول عبد اللَّه بن دَاوُد عَن عَاصِم بن دَاوُد عَن كثير بن قيس. الثَّانِي: قَول أبي نعيم عَن عَاصِم عَمَّن حَدثهُ عَن كثير. الثَّالِث: قَول مُحَمَّد بن يزِيد الوَاسِطِيّ عَن عَاصِم عَن كثير، لم يذكر بَينهمَا أحد. والمتحصل من حَال هَذَا الْخَبَر هُوَ الْجَهْل بِحَال رَاوِيَيْنِ من رُوَاته، وَالِاضْطِرَاب فِيهِ مِمَّن لم يثبت عَدَالَته. انْتهى. وَقد مر من عِنْد التِّرْمِذِيّ أَن مُحَمَّد بن يزِيد روى عَن مَحْمُود بن خِدَاش فَسَماهُ قيس بن كثير، فَصَارَ اضطراباً رَابِعا، وَالْخَامِس: قَالَ فِي (التَّهْذِيب) : دَاوُد بن جميل، وَقَالَ بَعضهم: الْوَلِيد بن جميل. وَفِي (جَامع بَيَان الْعلم) لِابْنِ عبد الْبر، من رِوَايَة ابْن عَبَّاس عَن عَاصِم عَن جميل بن قيس، ثمَّ قَالَ: قَالَ حَمْزَة بن مُحَمَّد، كَذَا قَالَ ابْن عَيَّاش: فِي هَذَا الْخَبَر جميل بن قيس. وَقَالَ مُحَمَّد بن يزِيد وَغَيره عَن عَاصِم عَن كثير بن قيس، قَالَ: وَالْقلب إِلَى مَا قَالَه مُحَمَّد بن يزِيد أميل، وَهَذَا اضْطِرَاب سادس. وسابع: ذكره الدَّارَقُطْنِيّ، وَقد تقدم. وثامن: ذكره ابْن قَانِع فِي كتاب الصَّحَابَة، وَزعم أَن كثير بن قيس صَحَابِيّ، وَأَنه هُوَ الرَّاوِي عَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، هَذَا الحَدِيث، وَتبع ابْن القانع ابْن الْأَثِير على هَذَا. وَقَول ابْن الْقطَّان: لَا يعلم كثير فِي غير هَذَا الحَدِيث يردهُ قَول أبي عمر: روى عَن أبي الدَّرْدَاء، وَعبد اللَّه بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَمَعَ ذَلِك فقد قَالَ أَبُو عمر: قَالَ حَمْزَة: وَهُوَ حَدِيث حسن غَرِيب. وَالْتزم الْحَاكِم صِحَّته، وَكَذَلِكَ ابْن حبَان رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الثَّقَفِيّ: ثَنَا عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد، قَالَ: ثَنَا عبد اللَّه بن دَاوُد، فَذكره مطولا. وَلما ذكر فِي (كتاب الضُّعَفَاء) تأليفه حَدِيث جَابر بن عبد اللَّه قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أكْرمُوا الْعلمَاء فَإِنَّهُم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء) قَالَ: فِيهِ الضَّحَّاك بِهِ حَمْزَة، وَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ. وَقد رُوِيَ: (الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء) بأسانيد صَالِحَة، وَرَوَاهُ أَبُو عمر من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم عَن خَالِد بن يزِيد عَن عُثْمَان بن أَيمن عَن أبي الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ، وَلما ذكر الْخَطِيب فِي (تَارِيخه) حَدِيث نَافِع عَن مَوْلَاهُ ابْن عمر أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (حَملَة الْعلم فِي الدُّنْيَا خلفاء الْأَنْبِيَاء، وَفِي الْآخِرَة من الشُّهَدَاء) . قَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر لم نَكْتُبهُ إلَاّ بِهَذَا السَّنَد، وَهُوَ غير ثَابت، وَإِنَّمَا سمى الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء لقَوْله تَعَالَى: {ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا} (فاطر: ٣٢) . قَوْله: (ورثوا الْعلم) ، بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء من التوريث. وَيجوز بِفَتْح الْوَاو وَكسر الرَّاء المخففة، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى الْأَنْبِيَاء فِي قِرَاءَة التَّشْدِيد، وَإِلَى الْعلمَاء فِي قِرَاءَة التَّخْفِيف، وَأعَاد بَعضهم الضَّمِير إِلَى الْعلمَاء فِي الْوَجْهَيْنِ وَلَيْسَ بِصَحِيح، وَيجوز ضم الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة أَيْضا، فعلى هَذَا يرجع الضَّمِير أَيْضا إِلَى الْعلمَاء. قَوْله: (من أَخذه) أَي: من أَخذ الْعلم من مِيرَاث النُّبُوَّة أَخذ بحظ، أَي: بِنَصِيب وافر كثير كَامِل، فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يفصح البُخَارِيّ بِكَوْن هَذَا حَدِيثا. قلت: للعلل الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَلذَا لَا يعد أَيْضا من تعاليقه، وَلَكِن إِيرَاده فِي التَّرْجَمَة يشْعر بِأَن لَهُ أصلا، وَشَاهده فِي الْقُرْآن.
ومَنَ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ بِهِ عِلْماً سَهَّلَ الله لَهُ طَرِيقاً إِلى الجَنةِ
هَذَا أخرجه مُسلم من حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ حَدِيث طَوِيل أَوله: (من نفس عَن مُؤمن كربَة)
الحَدِيث، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَقَالَ: حَدِيث حسن. فَإِن قلت: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَلذَا أخرجه مُسلم، فَكيف اقْتصر التِّرْمِذِيّ على قَوْله: حسن، وَلم يقل: حسن صَحِيح؟ قلت: لِأَنَّهُ يُقَال: إِن الْأَعْمَش دلّس فِيهِ، فَقَالَ: حدثت عَن أبي صَالح، وَلَكِن فِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي أُسَامَة عَن الْأَعْمَش: حَدثنَا أَبُو صَالح، فانتفت تُهْمَة تدليسه. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن أبي الْأَحْوَص عَن هَارُون بن عنترة عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، مَوْقُوفا. قَوْله: (يطْلب) جملَة وَقعت حَالا، وَالضَّمِير فِي: بِهِ، رَجَعَ إِلَى المسلك الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: سلك، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} (الْمَائِدَة: ٨) . قَوْله: (علما) ، إِنَّمَا نكره ليتناول
أَنْوَاع الْعُلُوم الدِّينِيَّة، وليندرج فِيهِ الْقَلِيل وَالْكثير. قَوْله: (سهل الله لَهُ) ، أَي فِي الْآخِرَة، أَو المُرَاد مِنْهُ: وَفقه الله للأعمال الصَّالِحَة فيوصله بهَا إِلَى الْجنَّة أَو: سهل عَلَيْهِ مَا يزِيد بِهِ علمه، لِأَنَّهُ أَيْضا من طرق الْجنَّة بل أقربها.
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ {إنَّما يَخْشَى الله مِن عِبادِهِ العُلَماءُ} (فاطر: ٢٨)
هَذَا فِي الْمَعْنى عطف على قَوْله: لقَوْل الله تَعَالَى: {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله} (مُحَمَّد: ١٩) . الْمَعْنى؛ إِنَّمَا يخَاف الله من عباده الْعلمَاء، أَي: من علم قدرته وسلطانه، وهم الْعلمَاء. قَالَه ابْن عَبَّاس. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: المُرَاد الْعلمَاء الَّذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده، وَمَا يجوز عَلَيْهِ وَمَا لَا يجوز، فعظموه وقدروه وخشوه حق خَشيته، وَمن ازْدَادَ بِهِ علما ازْدَادَ مِنْهُ خوفًا، وَمن كَانَ عَالما بِهِ كَانَ آمنا. وَفِي الحَدِيث: (أعلمكُم بِاللَّه أَشدّكُم لَهُ خشيَة) . وَقَالَ رجل لِلشَّعْبِيِّ: افتني أَيهَا الْعَالم؟ فَقَالَ: الْعَالم من خشِي الله. وَقيل: نزلت فِي أبي بكر الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، وَقد ظهر عَلَيْهِ الخشية حَتَّى عرفت. انْتهى. وقرىء: (إِنَّمَا يخْشَى الله) بِرَفْع لَفْظَة: الله، وَنصب: الْعلمَاء، وَهُوَ قِرَاءَة عمر بن عبد الْعَزِيز وَأبي حنيفَة، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَوجه هَذِه الْقِرَاءَة أَن الخشية فِيهَا تكون اسْتِعَارَة، وَالْمعْنَى: إِنَّمَا يجلهم ويعظمهم، وَمن لَوَازِم الخشية التَّعْظِيم، فَيكون هَذَا من قبيل ذكر الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم. وَفِي أَيَّام اشتغالي على الإِمَام الْعَلامَة أبي الرّوح شرف الدّين عِيسَى السِّرّ ماري فِي علمي التَّفْسِير والمعاني وَالْبَيَان، تغمده الله برحمته، حضر شخص من أهل الْعلم وَقت الدَّرْس وَسَأَلَهُ عَن هَذِه الْآيَة، فَقَالَ: خشيَة الله تَعَالَى مَقْصُورَة على الْعلمَاء بقضية الْكَلَام، وَقد ذكر الله تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى أَن الْجنَّة لمن خشِي، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك لمن خشِي ربه} (الْبَيِّنَة: ٨) فليزم من ذَلِك أَن لَا تكون الْجنَّة إِلَّا للْعُلَمَاء خَاصَّة، فَسكت جَمِيع من كَانَ هُنَاكَ من الْفُضَلَاء الأذكياء الَّذين كَانَ كل مِنْهُم يزْعم أَنه المفلق فِي العلمين الْمَذْكُورين، فَأجَاب الشَّيْخ، رَحمَه الله: إِن المُرَاد من الْعلمَاء: الموحدون، وَإِن الْجنَّة لَيست إلَاّ للموحدين الَّذين يَخْشونَ الله تَعَالَى. فَإِن قلت: مَا وَجه إِدْخَال هَذِه الْآيَة فِي التَّرْجَمَة؟ قلت: هُوَ ظَاهر، وَذَلِكَ أَن الْبَاب فِي الْعلم، وَالْآيَة فِي مدح الْعلمَاء، وَلم يستحقوا هَذَا الْمَدْح إلَاّ بِالْعلمِ.
وَقَالَ {وَمَا يَعْقِلُها إِلَاّ العالِمُون} (العنكبوت: ٤٣)
أَي: وَمَا يعقل الْأَمْثَال المضروبة إلَاّ الْعلمَاء الَّذين يعْقلُونَ عَن الله، وروى جَابر، رَضِي الله عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما تَلا هَذِه الْآيَة، فَقَالَ: الْعَالم الَّذِي عقل عَن الله فَعمل بِطَاعَتِهِ واجتنب سخطه) . وَوجه إدخالها فِي التَّرْجَمَة مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْآيَة السَّابِقَة.
وَقَالُوا: {لَو كُنّا نَسْمَعُ أَو نَعقِلُ مَا كُنَّا فِي أصْحابِ السَّعِيرِ} (الْملك: ١٠)
هَذَا حِكَايَة عَن قَول الْكفَّار حِين دُخُولهمْ النَّار، أَي: لَو كُنَّا نسْمع الْإِنْذَار سَماع طَالِبين للحق، أَو نعقله عقل متأملين، وَإِنَّمَا حذف مفعول نعقل لِأَنَّهُ جعل كالفعل اللَّازِم، وَالْمعْنَى: لَو كُنَّا من أهل الْعلم لما كُنَّا من أهل النَّار، وَإِنَّمَا جمع بَين السّمع وَالْعقل لِأَن مدَار التَّكْلِيف على أَدِلَّة السّمع وَالْعقل. وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ لَو كُنَّا نسْمع سمع من يعي، أَو نعقل عقل من يُمَيّز وَينظر، مَا كُنَّا من أهل النَّار. وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا: (إِن لكل شَيْء دعامة، ودعامة الْمُؤمن عقله) . فبقدر مَا يعقل يعبد ربه، وَلَقَد نَدم الْفجار يَوْم الْقِيَامَة فَقَالُوا: {لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير} (الْملك: ١٠) روى أنس، رَضِي الله عَنهُ، مَرْفُوعا؛ (إِن الأحمق ليصيب بحمقه أعظم من فجور الْفَاجِر، وَإِنَّمَا يرْتَفع الْعباد غَدا فِي الدَّرَجَات، وينالون الزلفى من رَبهم على قدر عُقُولهمْ. فَإِن قلت: مَا وَجه إِدْخَال هَذِه الْآيَة فِي التَّرْجَمَة؟ قلت: وَجهه أَن المُرَاد من الْعقل الْعلم هَهُنَا، فَإِن الْكفَّار تمنوا أَن لَو كَانَ لَهُم الْعلم لما دخلُوا النَّار.
وَقَالَ {هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعلَمُون والذِينَ لَا يَعلمُون} (الزمر: ٩)
أَرَادَ بالذين يعلمُونَ: العاملين من عُلَمَاء الدّيانَة، كَأَنَّهُ جعل من لَا يعْمل غير عَالم، وَفِيه ازدراء عَظِيم بالذين يقتنون الْعُلُوم ثمَّ يفتنون بالدنيا، وَوجه دُخُولهَا فِي التَّرْجَمَة هُوَ أَن الله تَعَالَى نفى الْمُسَاوَاة بَين الْعلم وَالْجَاهِل، وَيَقْتَضِي نفي الْمُسَاوَاة أَيْضا بَين الْعَالم وَالْجَاهِل، وَفِيه مدح للْعلم وذم للْجَهْل.
وَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَن يُرِدِ الله بِهِ خَيراً يُفَقِّههُ
ذكره مُعَلّقا، وَقد علم أَن مَا كَانَ من هَذَا فَهُوَ عِنْده فِي حكم الْمُتَّصِل لإيراده لَهُ بِصِيغَة الْجَزْم، مَعَ أَنه ذكره مَوْصُولا بعد هَذَا ببابين، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، من حَدِيث مُعَاوِيَة، رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (يفقهه) أَي: يفهمهُ، إِذْ الْفِقْه فِي اللُّغَة الْفَهم. قَالَ تَعَالَى {يفقهوا قولي} (طه: ٢٨) أَي: يفهموا قولي، من فقه يفقه، من بَاب: علم يعلم، ثمَّ خص بِهِ علم الشَّرِيعَة، والعالم بِهِ يُسمى فَقِيها. وَجَاء: فقه، بِالضَّمِّ، فقاهة، وَهَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين: يفقه، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بِالْهَاءِ الْمُشَدّدَة الْمَكْسُورَة بعْدهَا مِيم، وَأخرجه ابْن أبي عَاصِم بِهَذَا اللَّفْظ فِي كتاب الْعلم من طَرِيق ابْن عمر عَن عمر، رَضِي الله عَنهُ، مَرْفُوعا بِإِسْنَاد حسن.
{وَإِنَّمَا العِلم بالتَّعَلُّمِ}
قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ. قلت: هَذَا حَدِيث مَرْفُوع أوردهُ ابْن أبي عَاصِم وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث مُعَاوِيَة، رَضِي الله عَنهُ، بِلَفْظ: (يَا أَيهَا النَّاس تعلمُوا إِنَّمَا الْعلم بالتعلم، وَالْفِقْه بالتفقه وَمن يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين) ، إِسْنَاده حسن، والمبهم الَّذِي فِيهِ اعتضد بمجيئه من وَجه آخر، وَرَوَاهُ الْخَطِيب فِي كتاب (الْفَقِيه والمتفقه) من حَدِيث مَكْحُول عَن مُعَاوِيَة وَلم يسمع مِنْهُ. قَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا الْعلم بالتعلم وَالْفِقْه بالتفقه) . وروى الْبَزَّار نَحوه من حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَوْقُوفا: (بالتعلم) ، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد اللَّام، وَفِي بعض النّسخ بالتعليم، أَي لَيْسَ الْعلم المعتد إلَاّ الْمَأْخُوذ عَن الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، على سَبِيل التَّعَلُّم والتعليم، فيفهم مِنْهُ أَن الْعلم لَا يُطلق إلَاّ على علم الشَّرِيعَة، وَلِهَذَا لَو أوصى رجل للْعُلَمَاء لَا ينْصَرف إلَاّ على أَصْحَاب الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه.
وَقَالَ أبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصمَّصْامَةَ على هَذِه، وأشارَ إِلَى قَفَاهُ، ثمَّ ظَنَنْتُ أنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُها مِنَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَبْلَ أَن تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُها.
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الدَّارمِيّ مَوْصُولا فِي (مُسْنده) من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ: حَدثنِي مرْثَد بن أبي مرْثَد عَن أَبِيه قَالَ: (أتيت أَبَا ذَر وَهُوَ جَالس عِنْد الْجَمْرَة الْوُسْطَى، وَقد اجْتمع النَّاس عَلَيْهِ يستفتونه، فَأَتَاهُ رجل فَوقف عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: ألَمْ تُنْهَ عَن الْفتيا؟ فَرفع رَأسه إِلَيْهِ، فَقَالَ: أرقيب أَنْت عَليّ؟ لَو وضعتم) فَذكر مثله. وَرَوَاهُ أَحْمد بن منيع عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن الدِّمَشْقِي، عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن مرْثَد بن أبي مرْثَد عَن أَبِيه قَالَ: (جَلَست إِلَى أبي ذَر الْغِفَارِيّ، رَضِي الله عَنهُ، إِذْ وقف عَلَيْهِ رجل فَقَالَ: ألم ينهك أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن الْفتيا؟ فَقَالَ أَبُو ذَر: وَالله لَو وضعتم الصمصامة على هَذِه، وَأَشَارَ إِلَى حلقه، على أَن أترك كلمة سَمعتهَا من رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لأنفذتها قبل أَن يكون ذَلِك) . قلت: كَانَ سَبَب ذَلِك أَن أَبَا ذَر كَانَ بِالشَّام، وَاخْتلف مَعَ مُعَاوِيَة فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة} (التَّوْبَة: ٢٤) فَقَالَ مُعَاوِيَة: نزلت فِي أهل الْكتاب خَاصَّة، وَقَالَ أَبُو ذَر: نزلت فِينَا وَفِيهِمْ، فَكتب مُعَاوِيَة إِلَى عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، فَأرْسل إِلَى أبي ذَر، فحصلت مُنَازعَة أدَّت إِلَى انْتِقَال أبي ذَر عَن الْمَدِينَة، فسكن الربذَة، بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة، إِلَى أَن مَاتَ، وَقد ذَكرْنَاهُ، واسْمه جند بن جُنَادَة. قَوْله: (الصمصامة) قَالَ الْجَوْهَرِي: الصمصام والصمصامة: السَّيْف الصارم الَّذِي لَا ينثني، وَأَشَارَ بقوله: هَذِه، إِلَى: الْقَفَا، والقفا: يذكر وَيُؤَنث، وَهُوَ مَقْصُور مُؤخر الْعُنُق. قَوْله: (أنفذ) ، بِضَم الْهمزَة والذال الْمُعْجَمَة، أَي ظَنَنْت أَنِّي أقدر على إِنْفَاذ كلمة أَي: تبليغها. وَقَوله: (قبل أَن تجيزوا) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْجِيم وَبعد الْيَاء زَاي مُعْجمَة، أَي قبل أَن يقطعوا عَليّ، أَرَادَ بِهِ: قبل أَن يقطعوا رَأْسِي. وَقَالَ الصغاني: والتركيب يدل على قطع الشَّيْء. قلت: وَمِنْه قَوْله:
(حَتَّى أجَاز الْوَادي)
أَي: قطعه.
(فَأَكُون أول من يُجِيز)
أَي: أول من يقطع مَسَافَة الصِّرَاط. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وتجيزوا، أَي الصمصامة عَليّ، أَي: على قفاي. قلت: هُوَ من أجَاز الشَّيْء إِذا انفذه، و: الصمصامة، مَفْعُوله، وَكلمَة: على لَيست صلَة لأجل التَّعَدِّي. وَحَاصِل الْمَعْنى: أَنه يبلغ مَا يحملهُ فِي كل حَال، وَلَا ينثني عَن ذَلِك، وَلَو عرض عَلَيْهِ الْقَتْل أَو وضع على قَفاهُ السَّيْف، وَفِيه دَلِيل على أَن أَبَا ذَر، رَضِي الله عَنهُ، كَانَ لَا يرى بِطَاعَة الإِمَام إِذا نَهَاهُ عَن الْفتيا، لِأَنَّهُ كَانَ يرى أَن ذَلِك وَاجِب عَلَيْهِ لأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالتبليغ عَنهُ، وَلَعَلَّه أَيْضا سمع الْوَعيد فِي حق من كتم علما يُعلمهُ. فَإِن قلت: لَو لِامْتِنَاع الثَّانِي لِامْتِنَاع الأول على الْمَشْهُور، فَمَعْنَاه: انْتَفَى الإنفاذ لانْتِفَاء الْوَضع، وَلَيْسَ الْمَعْنى عَلَيْهِ. قلت: هُوَ مثل: (لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ) . يَعْنِي: يكون الحكم ثَابتا على تَقْدِير النقيض بِالطَّرِيقِ الأولى، فَالْمُرَاد أَن الإنفاذ حَاصِل على تَقْدِير الْوَضع، وعَلى تَقْدِير عدم الْوَضع حُصُوله أولى، أَو إِن: لَو هَهُنَا لمُجَرّد الشَّرْط يَعْنِي حكمهَا حكم: إِن، من
غير مُلَاحظَة الِامْتِنَاع. وَفِيه من الْفِقْه أَنه يجوز للْعَالم أَن يَأْخُذ فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بالشدة، ويتحمل الْأَذَى، ويحتسب رَجَاء ثَوَاب الله تَعَالَى، وَيُبَاح لَهُ أَن يسكت إِذا خَافَ الْأَذَى كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ: لَو حدثتكم بِكُل مَا سَمِعت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقطع هَذَا البلعوم، وَعنهُ: لَو حدثتكم بِكُل مَا فِي جوفي لرميتموني بالبعر. وَقَالَ الْحسن: صدق، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَا يتَعَلَّق بالفتن مِمَّا لَا يتَعَلَّق بِذكرِهِ مصلحَة شَرْعِيَّة.
وَقَالَ ابنُ عَباسٍ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ حُلَماءَ فُقَهاءَ
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْخَطِيب فِي كتاب (الْفَقِيه والمتفقه) بِسَنَد صَحِيح عَن أبي بكر الْحَرْبِيّ: ثَنَا أَبُو مُحَمَّد حَاجِب ابْن أَحْمد الطوسي، ثَنَا عبد الرَّحِيم بن حبيب، ثَنَا الفضيل ابْن عِيَاض عَن عَطاء عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ. وَرَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب (الْعلم) عَن الْمقدمِي: ثَنَا أَبُو دَاوُد عَن معَاذ عَن سماك عَن عِكْرِمَة عَنهُ، وَقد فسر ابْن عَبَّاس: الرباني بِأَنَّهُ الْحَكِيم الْفَقِيه، وَوَافَقَهُ ابْن مَسْعُود فِيمَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي غَرِيبه عَنهُ بِإِسْنَاد صَحِيح، والرباني: مَنْسُوب إِلَى الرب، وَأَصله الربي، فزيدت فِيهِ الْألف وَالنُّون للتَّأْكِيد وَالْمُبَالغَة فِي النِّسْبَة. وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي كِتَابه (الْمُنْتَهى) : فِي اللُّغَة الرباني: المتأله الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى، وربيت الْقَوْم سستهم أَي: كنت فَوْقهم. وَقَالَ أَبُو نصر: هُوَ من الربوبية، وَعَن ابْن الْأَعرَابِي لَا يُقَال للْعَالم رباني حَتَّى يكون عَالما معلما. وَيُقَال: هُوَ العالي الدرجَة فِي الْعلم، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: الرباني مَنْسُوب إِلَى الرب كَأَنَّهُ الَّذِي يقْصد مَا أمره الرب، وَفِي كتاب (الْفَقِيه) للخطيب عَن مُجَاهِد: الربانيون الْفُقَهَاء، وهم فَوق الْأَحْبَار. وَقَالَ نفطويه: قَالَ أَحْمد بن يحيى: إِنَّمَا قيل للْعُلَمَاء ربانيون لأَنهم يربون الْعلم، أَي: يقومُونَ بِهِ. وَفِي كتاب (الْفِقْه) عَنهُ إِذا كَانَ الرجل عَالما عَاملا معلما قيل لَهُ: هَذَا رباني. فَإِن خرم خصْلَة مِنْهَا لم يقل لَهُ رباني. وَعند الطَّبَرِيّ عَن ابْن زيد: الربيون الأتباع، والربانيون الْوُلَاة، والربيون الرّعية. وَعَن الْأَزْهَرِي: هم أَرْبَاب الْعلم الَّذين يعلمُونَ مَا يعلمُونَ. وَقَالَ أَبُو عبيد: سَمِعت رجلا عَالما بالكتب يَقُول: الربانيون الْعلمَاء بالحلال وَالْحرَام. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الربي، وَالْجمع: ربيون: هم الْعباد الَّذين يصحبون الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، ويصبرون مَعَهم، وهم الربانيون، نسبوا إِلَى عبَادَة الرب، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقيل: هم الْعلمَاء الصَّبْر. وَقيل: لَيْسَ ربيون بلغَة الْعَرَب، إِنَّمَا هِيَ سريانية أَو عبرانية. وَحكي عَن بعض اللغويين أَن الْعَرَب لَا تعرف الرباني، وَقَالَ: إِنَّمَا فسره الْفُقَهَاء. قَالَ الْقَزاز: وَأَنا أرى أَن يكون عَرَبيا. قَوْله: (حكماء) جمع حَكِيم، وَالْحكمَة صِحَة القَوْل وَالْعقد وَالْفِعْل، وَيُقَال: الْحِكْمَة، الْفِقْه فِي الدّين. وَقيل: الْحِكْمَة معرفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَالْفُقَهَاء جمع فَقِيه، وَالْفِقْه: الْفَهم لُغَة، وَفِي الِاصْطِلَاح: الْعلم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة العملية من أدلتها التفصيلية، وَفِي بعض النّسخ: (حلماء) ، جمع حَلِيم بِاللَّامِ، والحلم هُوَ الطُّمَأْنِينَة عِنْد الْغَضَب، وَفِي بَعْضهَا عُلَمَاء، وَهُوَ من بَاب ذكر الْخَاص بعد الْعَام، وَالظَّاهِر أَن حكماء وفقهاء تَفْسِير للربانيين.
ويُقالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ
هَذَا حِكَايَة البُخَارِيّ عَن قَول بَعضهم، وَهُوَ من التربية أَي: الَّذِي يُربي النَّاس بجزئيات الْعلم قبل كلياته، أَو بفروعه قبل أُصُوله، أَو بمقدماته قبل مقاصده. فَإِن قلت: هَذَا كُله هُوَ التَّرْجَمَة، فَأَيْنَ مَا هَذِه تَرْجَمته؟ قلت: إِمَّا أَنه أَرَادَ أَن يلْحق الْأَحَادِيث الْمُنَاسبَة إِلَيْهَا، فَلم يتَّفق لَهُ. وَإِمَّا أَنه للإشعار بِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده بِشَرْطِهِ مَا يُنَاسِبهَا، وَإِمَّا أَنه اكْتفى بِمَا ذكره تَعْلِيقا، لِأَن الْمَقْصُود من الْبَاب بَيَان فَضِيلَة الْعلم، وَيعلم ذَلِك من الْمَذْكُور آيَة وحديثاً وإجماعاً سكوتياً من الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، بِحَيْثُ انْتهى إِلَى حد علم الضَّرُورَة فَلم يحْتَج إِلَى الزِّيَادَة، أَو لسَبَب آخر، وَالله أعلم.
١١ - (بَاب مَا كانَ النبيُّ يَتَخَوَّلُهُمْ بالموْعِظَةِ والعِلْمِ كَي لَا يَنْفِرُوا)
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول: إِن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، يَتَخَوَّلُ الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، بِالْمَوْعِظَةِ، وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَهُوَ مُضَاف إِلَى مَا بعده من الْجُمْلَة، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: بَاب كَون النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام يتخولهم. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ الْعلم، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التخول بِالْعلمِ. الثَّالِث: قَوْله: يتخولهم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره اللَّام، مَعْنَاهُ: يتعهدهم، وَهُوَ من التخول، وَهُوَ التعهد
يَعْنِي: كَانَ يتعهدهم ويراعي الْأَوْقَات فِي وعظهم، ويتحرى مِنْهَا مَا كَانَ مَظَنَّة الْقبُول، وَلَا يَفْعَله كل يَوْم لِئَلَّا يسأم. والخائل الْقَائِم المتعهد للْحَال، ذكره الْخطابِيّ. والآن يَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) قَالَ الصغاني: الْوَعْظ والعظة وَالْمَوْعِظَة مصَادر قَوْلك: وعظته أعظه. والوعظ: هُوَ النصح والتذكير بالعواقب، وَعطف الْعلم على الموعظة من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، عكس: وَمَلَائِكَته وَجِبْرِيل. وَذكره الموعظة لكَونهَا مَذْكُورَة فِي الحَدِيث، وَأما الْعلم فَإِنَّمَا ذكره استنباطاً. قَوْله: (كي لَا ينفروا) : أَي: لِئَلَّا يملوا عَنهُ ويتباعدوا مِنْهُ، يُقَال: نفر ينفر، من بَاب: ضرب يضْرب، وَنَفر ينفر من بَاب نصر ينصر نفوراً بِالضَّمِّ، ونفار بِالْفَتْح، والنفور أَيْضا جمع نافر كشاهد وشهود، وَيُقَال: فِي الدَّابَّة نفار، بِكَسْر النُّون، وَهُوَ اسْم مثل الحران، والتركيب يدل على تجافٍ وتباعد.
٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبَرَنا سُفْيانُ عَن الأعْمَشِ عَن أبي وائِلٍ عنِ ابْنِ مَسْعُودَ قَالَ كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَخَوَّلُنا بالمَوْعِظَةِ فِي الأيَّامِ كَرَاهةَ السَّآمَة عَلَيْنا.
مُطَابقَة الحَدِيث لإحدى الترجمتين وَهِي قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) ظَاهِرَة، وَالْبَاب مترجم بترجمتين إِحْدَاهمَا: قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) وَالْأُخْرَى: قَوْله: (كي لَا ينفروا) ، فأورد فِيهِ حديثين كل مِنْهُمَا يُطَابق وَاحِدَة مِنْهُمَا.
بَيَان رِجَاله: وهم خسمة: الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف، قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي (شَرحه) : هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف بن وَاقد الْفرْيَابِيّ، أَبُو عبد اللَّه الضَّبِّيّ، مَوْلَاهُم، سكن قيسارية من سَاحل الشَّام، أدْرك الْأَعْمَش وروى عَنهُ وَعَن السفيانين وَغَيرهم، وروى عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد الذهلي وَمُحَمّد بن مُسلم ابْن وارة وَغَيرهم، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، وروى فِي كتاب الصَدَاق عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب عَنهُ، وروى بَقِيَّة الْجَمَاعَة عَن رجل عَنهُ. قَالَ أَحْمد: كَانَ رجلا صَالحا. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ البُخَارِيّ: كَانَ من أفضل أهل زَمَانه، مَاتَ فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف أَبُو أَحْمد البيكندي، وَهَذَا وهم، لِأَن البُخَارِيّ حَيْثُ يُطلق مُحَمَّد بن يُوسُف لَا يُرِيد بِهِ، إلَاّ الْفرْيَابِيّ، وَإِن كَانَ يروي أَيْضا عَن البيكندي. فَافْهَم. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ: فَإِن قلت: مُحَمَّد بن الْفرْيَابِيّ يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَيْضا كَمَا ذكرنَا، فَمَا الْمُرَجح هَهُنَا لِسُفْيَان الثَّوْريّ؟ قلت: الْفرْيَابِيّ، وَإِن كَانَ يروي عَن السفيانين، وَلكنه حَيْثُ يُطلق لَا يُرِيد بِهِ، إلَاّ الثَّوْريّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن مهْرَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: أَبُو واثل، شَقِيق بن سَلمَة الْكُوفِي. الْخَامِس: عبد اللَّه بن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ.
بَيَان الْأَنْسَاب: الْفرْيَابِيّ، بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة نِسْبَة إِلَى فرياب، اسْم مَدِينَة من نواحي بَلخ. قَالَ الصغاني: فرياب مثل جربال، وَيُقَال: فيرياب مثل: كيمياء، وَيُقَال: فارياب، مثل: قاصعاء، وَأما: فاراب، فَهِيَ نَاحيَة وَرَاء نهر سيحون فِي تخوم بِلَاد التّرْك، وفراب مثل سَحَاب قَرْيَة فِي سفح جبل على ثَمَانِيَة فراسخ من سَمَرْقَنْد، وفراب مثل: كفار، قَرْيَة من قرى أَصْبَهَان. الضَّبِّيّ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبة بن اد بن طابخة بن الياس بن مُضر، وَفِي قُرَيْش أَيْضا: ضبة بن الْحَارِث بن فهر، ذكره ابْن حبيب. وَفِي هُذَيْل أَيْضا: ضبة بن عَمْرو ابْن الْحَارِث بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل. البيكندي، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة وَفتح الْكَاف وَسُكُون النُّون بعْدهَا الدَّال الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى بيكند، قَرْيَة من قرى بُخَارى.
بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كوفيون مَا خلا الْفرْيَابِيّ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. فَإِن قلت: الْأَعْمَش مُدَلّس وَقد عنعن هُنَا، وَقد روى مُسلم من طَرِيق عَليّ بن مسْهر عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه، فَذكر الحَدِيث: قَالَ عَليّ بن مسْهر قَالَ الْأَعْمَش: وحَدثني عَمْرو بن مرّة عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه مثله، فقد يُوهم هَذَا أَن الْأَعْمَش دلسه، أَولا عَن شَقِيق، ثمَّ سمى الْوَاسِطَة بَينهمَا. قلت: صرح أَحْمد فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث بِسَمَاع الْأَعْمَش عَن شَقِيق، فَقَالَ: سَمِعت شقيقاً، وَهُوَ أَبُو وَائِل، وَكَذَا صرح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ عِنْد البُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات من رِوَايَة حَفْص بن غياث عَنهُ، قَالَ: حَدثنِي شَقِيق، وَزَاد فِي أَوله: إِنَّهُم كَانُوا ينتظرون عبد اللَّه بن مَسْعُود ليخرج إِلَيْهِم فيذكرهم، وَإنَّهُ لما خرج قَالَ: أما إِنِّي أخبر بمكانكم، وَلكنه يَمْنعنِي من الْخُرُوج إِلَيْكُم ... فَذكر الحَدِيث.
بَيَان تعد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود بِهِ، وَأخرجه أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش، وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَأَبُو مُعَاوِيَة وَمُحَمّد بن نمير عَن أبي مُعَاوِيَة، وَعَن الْأَشَج عَن ابْن إِدْرِيس، وَعَن منْجَاب عَن عَليّ بن مسْهر، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن خشرم عَن عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان، كلهم عَن الْأَعْمَش. زَاد الْأَعْمَش فِي رِوَايَة ابْن مسْهر: وحَدثني عَمْرو بن مرّة عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه مثله. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن مُحَمَّد بن غيلَان عَن أبي أَحْمد الزبيرِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى بن سعيد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش بِهِ، وَفِي نُسْخَة عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (يَتَخَوَّلنَا) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وباللام، من التخول، وَهُوَ: التعهد، من: خَال المَال، وخال على الشَّيْء خولاً، إِذا تعهد، وَيُقَال: خَال المَال يخوله خولاً إِذا ساسه وَأحسن الْقيام عَلَيْهِ، والخائل المتعاهد للشَّيْء المصلح لَهُ، وخول الله الشَّيْء أَي: ملكه إِيَّاه، وخول الرجل حشمه، الْوَاحِد خائل، وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: الصَّوَاب يتحولهم، بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: يطْلب أَحْوَالهم الَّتِي ينشطون فِيهَا للموعظة، فيعظهم وَلَا يكثر عَلَيْهِم فيملوا. وَكَانَ الْأَصْمَعِي يرويهِ: يتخوننا، بالنُّون وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، أَي: يتعهدنا. حَكَاهُ عَنْهُمَا صَاحب (نِهَايَة الْغَرِيب) . وَفِي (مجمع الغرائب) قَالَ الْأَصْمَعِي: أَظُنهُ يتخونهم، بالنُّون، وَهُوَ بِمَعْنى: التعهد. وَقيل: إِن أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء سمع الْأَعْمَش يحدث هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: يَتَخَوَّلنَا، بِاللَّامِ، فَرده عَلَيْهِ بالنُّون فَلم يرجع لأجل الرِّوَايَة، وكلا اللَّفْظَيْنِ جَائِز، وَالصَّوَاب: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وباللام، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: مَعْنَاهُ يتخذنا خولاً. وَيُقَال: يناجينا بهَا. وَقيل: يُصْلِحنَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يذللنا بهَا، يُقَال: خول الله لَك أَي: ذلله لَك وسخره. وَقيل: يحبسهم عَلَيْهَا كَمَا يحبس الخول. قَوْله: (كَرَاهِيَة السَّآمَة) من كرهت الشَّيْء أكرهه كَرَاهَة وكراهية، والسآمة مثل الملالة، بِنَاء وَمعنى، وَقَالَ أَبُو زيد: سئمت من الشَّيْء أسأم سأماً وسآمةً وسآماً: إِذا مللته، وَرجل سؤوم.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (النَّبِي) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم كَانَ. وَقَوله: (يَتَخَوَّلنَا) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ. فَإِن قلت: كَانَ لثُبُوت خَبَرهَا مَاضِيا، و: يَتَخَوَّلنَا، إِمَّا حَال وَإِمَّا اسْتِقْبَال، فَمَا وَجه الْجمع بَينهمَا؟ قلت: كَانَ يُرَاد بِهِ الِاسْتِمْرَار، وَكَذَا الْفِعْل الْمُضَارع، فاجتماعهما يُفِيد شُمُول الْأَزْمِنَة. وَقَالَ الأصوليون: قَوْله: كَانَ حَاتِم يكرم الضَّيْف، يُفِيد تكْرَار الْفِعْل فِي الْأَزْمَان، وَالْبَاء فِي: بِالْمَوْعِظَةِ، تتَعَلَّق: بيتخولنا، قَوْله: (فِي الْأَيَّام) ، صفة لموعظة أَي: بِالْمَوْعِظَةِ الكائنة فِي الْأَيَّام. قَوْله: (كَرَاهِيَة السَّآمَة) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه مفعول لَهُ، أَي: لأجل كَرَاهِيَة السَّآمَة، وصلَة السَّآمَة محذوفة، لِأَنَّهُ يُقَال: سأمت من الشَّيْء، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة من الموعظة. وَقَوله: (علينا) إِمَّا يتَعَلَّق بالسآمة على تضمين السَّآمَة معنى الْمَشَقَّة، أَي: كَرَاهَة الْمَشَقَّة علينا، إِذْ الْمَقْصُود بَيَان رفق النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، بالأمة وشفقته عَلَيْهِم ليأخذوا مِنْهُ بنشاط وحرص لَا عَن ضجر وملل، وَإِمَّا يَجْعَل صفة، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة الطارئة علينا. وَإِمَّا يَجْعَل حَالا، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة حَال كَونهَا طارئة علينا. وَإِمَّا يتَعَلَّق بالمحذوف، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة شَفَقَة علينا. فَافْهَم.
بَيَان الْمعَانِي: الْمَعْنى: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يعظ الصَّحَابَة فِي أَوْقَات مَعْلُومَة، وَلم يكن يسْتَغْرق الْأَوْقَات خوفًا عَلَيْهِم من الْملَل والضجر، كَمَا كَانَ نَهَاهُم بقوله: (لَا يُصَلِّي أحد خاماً وركيه) . وكما قَالَ: (ابدأوا بالعشاء لِئَلَّا تشْغَلُوا عَن الإقبال على الله تَعَالَى بِغَيْرِهِ) . وَعَن الصَّلَاة وَعَن النِّيَّة، وَقد وَصفه الله تَعَالَى بالرفق بأمته فَقَالَ: {عَزِيز عَلَيْهِ ماعنتم} (التَّوْبَة: ١٢٨) الْآيَة: فَإِن قلت: أَيجوزُ أَن يكون المُرَاد من السَّآمَة سآمة رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من القَوْل؟ قلت: لَا يجوز، وَيدل عَلَيْهِ السِّيَاق وقرينة الْحَال.
٦٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ: حدّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ: حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ: حدّثنيأبو التَّيَّاح عَن أنسٍ، رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وبشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا) .
(الحَدِيث ٦٩ طرفه فِي: ٦١٢٥) .
هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة كَمَا ذَكرْنَاهُ.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد
الشين الْمُعْجَمَة، ابْن عُثْمَان بن دَاوُد بن كيسَان الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، كنيته أَبُو بكر ولقبه بنْدَار، واشتهر بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ بنداراً فِي الحَدِيث، جمع حَدِيث بَلَده، وَبُنْدَار، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون النُّون وَالدَّال الْمُهْملَة وبالراء: الْحَافِظ. وَقَالَ أَحْمد: كتبت عَنهُ نَحوا من خمسين ألف حَدِيث، روى عَنهُ السِّتَّة وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم الرازيان وَعبد اللَّه بن مُحَمَّد الْبَغَوِيّ وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، وَعنهُ قَالَ: كتب عني خَمْسَة قُرُون، وسألوني الحَدِيث وَأَنا ابْن ثَمَان عشرَة سنة. وَقَالَ: ولدت سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَقَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين يَعْنِي وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان الْأَحول. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: أَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، واسْمه يزِيد بن حميد، بِالتَّصْغِيرِ، الضبعِي من أنفسهم، سمع أنسا وَعمْرَان بن حُصَيْن من الصَّحَابَة، وخلقاً من التَّابِعين وَمن بعدهمْ، قَالَ أَحْمد: هُوَ ثِقَة ثَبت. وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: هُوَ مَعْرُوف ثِقَة، مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك.
بَيَان الْأَنْسَاب: الْعَبْدي: نِسْبَة إِلَى عبد بن نصر بن كلاب بن مرّة فِي قُرَيْش، وَفِي ربيعَة بن نزار عبد الْقَيْس بن أفصى، وَفِي تَمِيم عبد اللَّه بن دارم، وَفِي خولان عبد اللَّه بن جَبَّار، وَفِي هَمدَان عبد بن غيلَان بن أرحب. الضبعِي، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبيعة بن زيد بن مَالك فِي الْأَنْصَار، وَفِي ربيعَة بن نزار ضبيعة بن ربيعَة بن نزار، وَفِي بني ثَعْلَبَة ضبيعة بن قيس.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِالْجمعِ والإفراد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن آدم عَن شُعْبَة بِهِ، وَرَوَاهُ مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبد اللَّه بن معَاذ عَن أَبِيه، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبيد بن سعيد، وَعَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد عَن غنْدر، كلهم عَن شُعْبَة بِهِ، فَوَقع للْبُخَارِيّ عَالِيا رباعياً من طَرِيق آدم، وآدَم مِمَّن انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن بنْدَار بِهِ.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (يسروا) ، أَمر من: يسر ييسر تيسيراً من الْيُسْر، وَهُوَ نقيض الْعسر. قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) ، من عسر تعسيراً. يُقَال: عسرت الْغَرِيم أعسره عسراً، إِذا طلبت مِنْهُ الدّين على عسرته. وَقَالَ ابْن طريف: هَذَا مِمَّا جَاءَ على فعل وأفعل: كعسرتك عسراً وأعسرتك، إِذا طلبت مِنْك الدّين على عسرة، وعسر الشَّيْء وعسر، بِضَم السِّين وَكسرهَا، عسراً وعسارة، وعسر الرجل: قل سماحه وضاق خلقه، وأعسر الرجل: افْتقر. وَفِي (الْعباب) : قد عسر الْأَمر، بِالضَّمِّ، عسراً فَهُوَ عسر وعسير، وعسر عَلَيْهِ الْأَمر، بِالْكَسْرِ، يعسر عسراً، بِالتَّحْرِيكِ، أَي: التاث، فَهُوَ عسر. وَيُقَال: عسرت النَّاقة بذنبها تعسر عسراً أَو عسراناً، مِثَال: ضرب يضْرب ضربا وضربانا: إِذا شالت بِهِ، وعسرت الْمَرْأَة إِذا عسر ولادها، وعسرني فلَان إِذا جَاءَ على يساري، والمعسور ضد الميسور، والمعسرة ضد الميسرة، وهما مصدران. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: هما صفتان، والعسرى نقيض الْيُسْرَى. قَوْله: (وبشروا) ، من الْبشَارَة وَهِي الْإِخْبَار بِالْخَيرِ، وَهِي نقيض: النذارة، وَهِي الْإِخْبَار بِالشَّرِّ. يُقَال: بشرت الرجل أُبَشِّرهُ، بِالضَّمِّ، بشرا وبشوراً من الْبشرَة، وَكَذَلِكَ الإبشار والتبشير. يُقَال: أبشر وَبشر. قَالَ الله تَعَالَى: {وابشروا بِالْجنَّةِ} (فصلت: ٣٠) {وبشروا الَّذين آمنُوا} (الْبَقَرَة: ٢٥، وَيُونُس: ٢) {ذَلِك الَّذِي يبشر} (الشورى: ٢٣) ثَلَاث لُغَات فِي الْقُرْآن أبشر وَبشر وَبشر بِالتَّخْفِيفِ، وَالِاسْم: الْبشَارَة والبشارة، بِالْكَسْرِ وَالضَّم، تَقول: بَشرته بمولود، وأبشرتك بِالْخَيرِ، وبشرتك. وَقَالَ الصغاني: الْبشَارَة، بِالْكَسْرِ وَالضَّم، أَي حق مَا يعْطى على التبشير. وَقَالَ اللحياني، رَحمَه الله تَعَالَى: الْبشَارَة مَا بشرت من بطن الْأَدِيم، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْبشَارَة والقشارة والخسارة. إِسْقَاط النَّاس، وبشرت بِكَذَا، بِكَسْر الشين، أبشر، أَي: استبشرت. قَوْله: (وَلَا تنفرُوا) ، من: نفر، بِالتَّشْدِيدِ، تنفيراً. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (يسروا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل مقول القَوْل. قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) عطف على: يسروا، وَيجوز عطف النَّهْي على الْأَمر كَمَا بِالْعَكْسِ، وَالْخلاف فِي عطف الْخَبَر على الْإِنْشَاء وَبِالْعَكْسِ، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَكَذَا الْكَلَام فِي قَوْله: (بشروا وَلَا تنفرُوا) .
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (يسروا) أَمر بالتيسير، لَا يُقَال: الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه، فَمَا الْفَائِدَة فِي قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) ؟ لأَنا نقُول: لَا نسلم ذَلِك، وَلَئِن سلمنَا فالغرض التَّصْرِيح بِمَا لزم ضمنا للتَّأْكِيد. وَيُقَال: لَو اقْتصر على
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
سَلَّمَا وَكَذَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَلَا فِي الصَّلَاةِ السَّلَامَ. وَكَذَا لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الدَّاخِلَ يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ، وَأَنَّ الْقَائِمَ يُسَلِّمُ عَلَى الْقَاعِدِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ رَدَّ السَّلَامِ عَلَيْهِمَا اكْتِفَاءً بِشُهْرَتِهِ، أَوْ يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُسْتَغْرِقَ فِي الْعِبَادَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ الرَّدُّ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُمَا صَلَّيَا تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إِمَّا لِكَوْنِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُشْرَعَ أَوْ كَانَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ وَقَعَ فَلَمْ يُنْقَلْ لِلِاهْتِمَامِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقِصَّةِ أَوْ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ تَنَفُّلٍ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَنَّهَا لَا تُصَلَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ.
قَوْلُهُ: (فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) أَيْ: عَلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ عَلَى بِمَعْنَى عِنْدَ.
قَوْلُهُ: (فُرْجَةٌ) بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ مَعًا هِيَ الْخَلَلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وَالْحَلْقَةُ بِإِسْكَانِ اللَّامِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَدِيرٍ خَالِي الْوَسَطِ وَالْجَمْعُ حَلَقٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وَحُكِيَ فَتْحُ اللَّامِ فِي الْوَاحِدِ، وهو نَادِرٌ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّحْلِيقِ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا كَانَ أَحَقَّ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْآخَرُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى زَعَمَ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرِ لِإِطْلَاقِهِ هُنَا عَلَى الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِقَصْرِ الْأَوَّلِ وَمَدِّ الثَّانِي، وهو الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ، وَفِي الْقُرْآنِ ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ بِالْقَصْرِ، ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ بِالْمَدِّ، وَحُكِيَ فِي اللُّغَةِ الْقَصْرُ وَالْمَدُّ مَعًا فِيهِمَا. وَمَعْنَى أَوَى إِلَى اللَّهِ لَجَأَ إِلَى اللَّهِ، أَوْ عَلَى الْحَذْفِ أَيِ: انْضَمَّ إِلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَمَعْنَى فَآوَاهُ اللَّهُ أَيْ: جَازَاهُ بِنَظِيرِ فِعْلِهِ بِأَنْ ضَمَّهُ إِلَى رَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْأَدَبِ فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَفَضْلُ سَدِّ خَلَلِ الْحَلْقَةِ، كَمَا وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي سَدِّ خَلَلِ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ، وَجَوَازُ التَّخَطِّي لِسَدِّ الْخَلَلِ مَا لَمْ يُؤْذِ، فَإِنْ خُشِيَ اسْتُحِبَّ الْجُلُوسُ حَيْثُ يَنْتَهِي كَمَا فَعَلَ الثَّانِي. وَفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى مَنْ زَاحَمَ فِي طَلَبِ الْخَيْرِ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَحْيَا) أَيْ تَرَكَ الْمُزَاحَمَةَ كَمَا فَعَلَ رَفِيقُهُ حَيَاءً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَمِمَّنْ حَضَرَ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَقَدْ بَيَّنَ أَنَسٌ فِي رِوَايَتِهِ سَبَبَ اسْتِحْيَاءِ هَذَا الثَّانِي فَلَفْظُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ: وَمَضَى الثَّانِي قَلِيلًا ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ اسْتَحْيَا مِنَ الذَّهَابِ عَنِ الْمَجْلِسِ كَمَا فَعَلَ رَفِيقُهُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ) أَيْ: رَحِمَهُ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ) أَيْ: سَخِطَ عَلَيْهِ، وهو مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ ذَهَبَ مُعْرِضًا لَا لِعُذْرٍ، هَذَا إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُنَافِقًا، وَاطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَمْرِهِ، كَمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﷺ: فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ إِخْبَارًا أَوْ دُعَاءً. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: فَاسْتَغْنَى فَاسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ: وَهَذَا يُرَشِّحُ كَوْنَهُ خَبَرًا، وَإِطْلَاقُ الْإِعْرَاضِ وَغَيْرِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ وَالْمُشَاكَلَةِ، فَيُحْمَلُ كُلُّ لَفْظٍ مِنْهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ ﷾. وَفَائِدَةُ إِطْلَاقِ ذَلِكَ بَيَانُ الشَّيْءِ بِطَرِيقٍ وَاضِحٍ، وَفِيهِ جَوَازُ الْإِخْبَارِ عَنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَأَحْوَالِهِمْ لِلزَّجْرِ عَنْهَا وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ مِنَ الْغَيْبَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ مُلَازَمَةِ حَلَقِ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ وَجُلُوسُ الْعَالِمِ وَالْمُذَكِّرِ فِي الْمَسْجِدِ، وَفِيهِ الثَّنَاءُ عَلَى الْمُسْتَحِي. وَالْجُلُوسُ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ. وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَسْمِيَةِ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
٩ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ
٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قال: حدثنا بِشْرٌ قال: حدثنا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ قَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟
فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ.
[الحديث ٦٧ - أطرافه في: ٧٤٤٧، ٧٠٧٨، ٥٥٥٠، ٤٦٦٢، ٤٤٠٦، ٣١٩٧، ١٧٤١، ١٠٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ) هَذَا الْحَدِيثُ الْمُعَلَّقُ، أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ مَعْنَاهُ، وَأَمَّا لَفْظُهُ فَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَهُ فِي بَابِ الْخُطْبَةِ بِمِنًى مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، أَوْرَدَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، وَرَجُلٌ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا وَفِي آخِرِهِ هَذَا اللَّفْظُ. وَغَفَلَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الشُّرَّاحِ فِي عَزْوِهِمْ لَهُ إِلَى تَخْرِيجِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَبْعَدُوا النُّجْعَةَ، وَأَوْهَمُوا عَدَمَ تَخْرِيجِ الْمُصَنِّفِ لَهُ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ورُبَّ لِلتَّقْلِيلِ، وَقَدْ تَرِدُ لِلتَّكْثِيرِ، ومُبَلَّغٌ بِفَتْحِ اللَّامِ وأَوْعَى نَعْتٌ لَهُ، وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ رُبَّ مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ يُوجَدُ أَوْ يَكُونُ، وَيَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فِي أَنَّ رُبَّ اسْمُ أَنْ تَكُونَ هِيَ مُبْتَدَأً وَأَوْعَى الْخَبَرُ فَلَا حَذْفَ وَلَا تَقْدِيرَ، وَالْمُرَادُ: رُبَّ مُبَلَّغٍ عَنِّي أَوْعَى - أَيْ: أَفْهَمُ - لِمَا أَقُولُ مِنْ سَامِعٍ مِنِّي. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ هَوْذَةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَلَفْظُهُ: فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ أَوْعَى لِمَا أَقُولُ مِنْ بَعْضِ مَنْ شَهِدَ.
قَوْلُهُ: (بِشْرٌ) هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ) بنَصَبَ النَّبِيَّ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَفِي ذَكَرَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الرَّاوِي، يَعْنِي أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُهُمْ فَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ. وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ. وَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ. فَالْوَاوُ إِمَّا حَالِيَّةٌ وَإِمَّا عَاطِفَةٌ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ أَوْ بِزِمَامِهِ) الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي، وَالزِّمَامُ وَالْخِطَامُ بِمَعْنًى، وهو الْخَيْطُ الَّذِي تُشَدُّ فِيهِ الْحَلْقَةُ الَّتِي تُسَمَّى بِالْبُرَةِ - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ - فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ. وَهَذَا الْمُمْسِكُ سَمَّاهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِلَالًا، وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: حَجَجْتُ فَرَأَيْتُ بِلَالًا يَقُودُ بِخِطَامِ رَاحِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِزِمَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى. فَذَكَرَ بَعْضَ الْخُطْبَةِ، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ الْمُبْهَمُ مِنْ بِلَالٍ، لَكِنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ هُنَا أَبُو بَكْرَةَ، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَلَفْظُهُ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَمْسَكْتُ - إِمَّا قَالَ بِخِطَامِهَا، وَإِمَّا قَالَ بِزِمَامِهَا - وَاسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّكَّ مِمَّنْ دُونَ أَبِي بَكْرَةَ لَا مِنْهُ. وَفَائِدَةُ إِمْسَاكِ الْخِطَامِ صَوْنُ الْبَعِيرِ عَنْ الِاضْطِرَابِ حَتَّى لَا يُشَوِّشَ عَلَى رَاكِبِهِ.
قَوْلُهُ: (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا) سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ السُّؤَالُ عَنِ الشَّهْرِ وَالْجَوَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فَصَارَ هَكَذَا: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ قَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَتَوْجِيهُهُ ظَاهِرٌ، وهو مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ ; وَلَكِنَّ الثَّابِتَ فِي الرِّوَايَاتِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَكَرِيمَةَ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ السُّؤَالُ عَنِ
الْبَلَدِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ، وَثَبَتَ السُّؤَالُ عَنِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَضَاحِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ، وَفِي الْحَجِّ مِنْ رِوَايَةِ قُرَّةَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: سُؤَالُهُ ﷺ عَنِ الثَّلَاثَةِ وَسُكُوتُهُ بَعْدَ كُلِّ سُؤَالٍ مِنْهَا كَانَ لِاسْتِحْضَارِ فُهُومِهِمْ وَلِيُقْبِلُوا عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِمْ، وَلِيَسْتَشْعِرُوا عَظَمَةَ مَا يُخْبِرُهُمْ عَنْهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَ هَذَا: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ إِلَخْ، مُبَالَغَةً فِي بَيَانِ تَحْرِيمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، انْتَهَى.
وَمَنَاطُ التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِهِ: كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ وَمَا بَعْدَهُ ظُهُورُهُ عِنْدَ السَّامِعِينَ ; لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْبَلَدِ وَالشَّهْرِ وَالْيَوْمِ كَانَ ثَابِتًا فِي نُفُوسِهِمْ، مُقَرَّرًا عِنْدَهُمْ، بِخِلَافِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ فَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَبِيحُونَهَا، فَطَرَأَ الشَّرْعُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ تَحْرِيمَ دَمِ الْمُسْلِمِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ أَعْظَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْبَلَدِ وَالشَّهْرِ وَالْيَوْمِ، فَلَا يَرِدُ كَوْنُ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَخَفْضَ رُتْبَةً مِنَ الْمُشَبَّهِ ; لِأَنَّ الْخِطَابَ إِنَّمَا وَقَعَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا اعْتَادَهُ الْمُخَاطَبُونَ قَبْلَ تَقْرِيرِ الشَّرْعِ. وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ أَجَابُوهُ عَنْ كُلِّ سُؤَالٍ بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. وَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ أَدَبِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنَ الْجَوَابِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ مُطْلَقَ الْإِخْبَارِ بِمَا يَعْرِفُونَهُ، وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ: حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ. فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَفْوِيضِ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ إِلَى الشَّارِعِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ الْحُجَّةُ لِمُثْبِتِي الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ إِلَخْ) هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: سَفْكَ دِمَائِكُمْ وَأَخْذَ أَمْوَالِكُمْ وَثَلْبَ أَعْرَاضِكُمْ. وَالْعِرْضُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنَ الْإِنْسَانِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِهِ أَوْ سَلَفِهِ.
قَوْلُهُ: (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) أَيِ: الْحَاضِرُ فِي الْمَجْلِسِ (الْغَائِبَ) أَيِ: الْغَائِبَ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ إِمَّا تَبْلِيغُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ أَوْ تَبْلِيغُ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ. وَقَوْلُهُ: مِنْهُ صِلَةٌ لِأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وَجَازَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ فِي الظَّرْفِ سَعَةً، وَلَيْسَ الْفَاصِلُ أَيْضًا أَجْنَبِيًّا.
(فَائِدَةٌ): وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: فَسَكَتْنَا بَعْدَ السُّؤَالِ. وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَجِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ. وَظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الطَّائِفَةَ الَّذِينَ كَانَ فِيهِمْ ابْنُ عَبَّاسٍ أَجَابُوا، وَالطَّائِفَةُ الَّذِينَ كَانَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرَةَ لَمْ يُجِيبُوا بَلْ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ. أَوْ تَكُونُ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَجِّ وَفِي الْفِتَنِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالُوا: بَلَى بِمَعْنَى قَوْلِهِمْ يَوْمٌ حَرَامٌ بِالِاسْتِلْزَامِ، وَغَايَتُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ نَقَلَ السِّيَاقَ بِتَمَامِهِ، وَاخْتَصَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَكَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِسَبَبِ قُرْبِ أَبِي بَكْرَةَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ كَانَ آخِذًا بِخِطَامِ النَّاقَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ كَرَّرَهَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ فَيَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَجِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي حَجَّتِهِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ - غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ - الْحَثُّ عَلَى تَبْلِيغِ الْعِلْمِ، وَجَوَازُ التَّحَمُّلِ قَبْلَ كَمَالِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَنَّ الْفَهْمَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْأَدَاءِ، وَأَنَّهُ قَدْ يَأْتِي فِي الْآخِرِ مَنْ يَكُونُ أَفْهَمَ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ لَكِنْ بِقِلَّةٍ، وَاسْتَنْبَطَ ابْنُ الْمُنِيرِ مِنْ تَعْلِيلِ كَوْنِ الْمُتَأَخِّرِ أَرْجَحَ نَظَرًا مِنَ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ تَفْسِيرَ الرَّاوِي أَرْجَحُ مِنْ تَفْسِيرِ غَيْرِهِ.
وَفِيهِ جَوَازُ الْقُعُودِ عَلَى ظَهْرِ الدَّوَابِّ وَهِيَ وَاقِفَةٌ إِذَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ، وَحُمِلَ النَّهْيُ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ (١). وَفِيهِ الْخُطْبَةُ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي إِسْمَاعِهِ لِلنَّاسِ وَرُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُ.
١٠ - بَاب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ، وَأَنَّ
الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَرَّثُوا الْعِلْمَ مَنْ أَخَذَهُ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمْ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ حُكمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْعِلْمِ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، فَلَا يُعْتَبَرَانِ إِلَّا بِهِ، فَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ مُصَحِّحٌ لِلنِّيَّةِ الْمُصَحِّحَةِ لِلْعَمَلِ، فَنَبَّهَ الْمُصَنِّفٌ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَسْبِقُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْعِلْمَ لَا يَنْفَعُ إِلَّا بِالْعَمَلِ تَهْوِينُ أَمْرِ الْعِلْمِ وَالتَّسَاهُلُ فِي طَلَبِهِ.
قَوْلُهُ: (فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ) أَيْ: حَيْثُ قَالَ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وَالْخِطَابُ وَإِنْ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِأُمَّتِهِ. وَاسْتَدَلَّ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فِي تَرْجَمَتِهِ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ نَافِعٍ عَنْهُ أَنَّهُ تَلَاهَا فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ بَدَأَ بِهِ فَقَالَ: اعْلَمْ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَمَلِ؟ وَيُنْتَزَعُ مِنْهَا دَلِيلُ مَا يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ وُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ ; لَكِنَّ النِّزَاعَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ فِي إِيجَابِ تَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْقَوَانِينِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ) بِفَتْحِ أَنَّ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَمِنْ هُنَا إِلَى قَوْلِهِ: وَافِرٍ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَحَسَّنَهُ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ، وَضَعَّفَهُ عِنْدَهُمْ بِاضْطِرَابٍ فِي سَنَدِهِ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ يَتَقَوَّى بِهَا، وَلَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ بِكَوْنِهِ حَدِيثًا، فَلِهَذَا لَا يُعَدُّ فِي تَعَالِيقِهِ، لَكِنْ إِيرَادُهُ لَهُ فِي التَّرْجَمَةِ يُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ أَصْلًا، وَشَاهِدُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْوَارِثَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ، فَلَهُ حُكْمُهُ فِيمَا قَامَ مَقَامَهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَرَّثُوا) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ، أَيِ: الْأَنْبِيَاءُ. وَيُرْوَى بِتَخْفِيفِهَا مَعَ الْكَسْرِ أَيِ: الْعُلَمَاءُ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ فِيهِ: وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ.
قَوْلُهُ: (بِحَظٍّ) أَيْ: نَصِيبٍ (وَافِرٍ) أَيْ: كَامِلٍ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَخْرَجَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَيْضًا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثٍ غَيْرِ هَذَا، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ. قَالَ: وَلَمْ يُقَلْ لَهُ: صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ الْأَعْمَشَ دَلَّسَ فِيهِ، فَقَالَ: حَدَّثْتُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ. قُلْتُ: لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ فَانْتَفَتْ تُهْمَةُ تَدْلِيسِهِ.
قَوْلُهُ: (طَرِيقًا) نَكَّرَهَا وَنَكَّرَ عِلْمًا لِيتَنَاوُلِ أَنْوَاعِ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى تَحْصِيلِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ، وَلِيَنْدَرِجَ فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ.
قَوْلُهُ: (سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا) أَيْ: فِي الْآخِرَةِ، أَوْ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يُوَفِّقَهُ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَفِيهِ بِشَارَةٌ بِتَسْهِيلِ الْعِلْمِ عَلَى طَالِبِهِ، لِأَنَّ طَلَبَهُ مِنَ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ) أَيِ: اللَّهُ ﷿، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾ أَيْ: يَخَافُ مِنَ اللَّهِ مَنْ
عَلِمَ قُدْرَتَهُ وَسُلْطَانَهُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ أَيِ الْأَمْثَالَ الْمَضْرُوبَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ أَيْ: سَمْعَ مَنْ يَعِي وَيَفْهَمُ ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ عَقْلَ مَنْ يُمَيِّزُ، وَهَذِهِ أَوْصَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ. فَالْمَعْنَى لَوْ كُنَّا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَعَلِمْنَا مَا يَجِبُ عَلَيْنَا فَعَمِلْنَا بِهِ فَنَجَوْنَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: يُفَهِّمْهُ بِالْهَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مِيمٌ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ بَعْدَ هَذَا بِبَابَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا اللَّفْظُ الثَّانِي فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَالْفِقْهُ هُوَ الْفَهْمُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أَيْ: لَا يَفْهَمُونَ، وَالْمُرَادُ: الْفَهْمُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ) هُوَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَيْضًا، أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ أَيْضًا بِلَفْظِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَعَلَّمُوا، إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ مُبْهَمًا اعْتُضِدَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَرَوَى الْبَزَّارُ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ مَرْفُوعًا. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِ. فَلَا يَغْتَرُّ بِقَوْلِهِ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ الْعِلْمُ الْمُعْتَبَرُ إِلَّا الْمَأْخُوذَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَوَرَثَتِهِمْ عَلَى سَبِيلِ التَّعَلُّمِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ إِلَخْ) هَذَا التَّعْلِيقُ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ - يَعْنِي مَالِكَ بْنَ مَرْثَدٍ - عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَسْتَفْتُونَهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ تَنْهَ عَنِ الْفُتْيَا؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَرَقِيبٌ أَنْتَ عَلَيَّ؟ لَوْ وَضَعْتُمْ. . فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَرُوِّينَاهُ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِيَ خَاطَبَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَنَّ الَّذِي نَهَاهُ عَنِ الْفُتْيَا عُثْمَانُ ﵁. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفَ مَعَ مُعَاوِيَةَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: نَزَلَتْ فِيهِمْ وَفِينَا. فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَحَصَلَتْ مُنَازَعَةٌ أَدَّتْ إِلَى انْتِقَالِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ الْمَدِينَةِ فَسَكَنَ الرَّبَذَةَ - بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - إِلَى أَنْ مَاتَ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ لَا يَرَى بِطَاعَةِ الْإِمَامِ إِذَا نَهَاهُ عَنِ الْفُتْيَا ; لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَعَلَّهُ أَيْضًا سَمِعَ الْوَعِيدَ فِي حَقِّ مَنْ كَتَمَ عِلْمًا يَعْلَمُهُ، وَسَيَأْتِي لِعَلِيٍّ مَعَ عُثْمَانَ نَحْوُهُ. وَالصَّمْصَامَةُ بِمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ هُوَ السَّيْفُ الصَّارِمُ الَّذِي لَا يَنْثَنِي، وَقِيلَ: الَّذِي لَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (هَذِهِ) إِشَارَةٌ إِلَى الْقَفَا، وَهُوَ يُذَّكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَأُنْفِذُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: أُمْضِيَ، وَتُجِيزُوا بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْيَاءِ زَايٌ، أَيْ: تُكْمِلُوا قَتْلِي، وَنَكَّرَ كَلِمَةً لِيَشْمَلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ. وَالْمُرَادُ بِهِ يُبَلِّغُ مَا تَحَمَّلَهُ فِي كُلِّ حَالٍ وَلَا يَنْتَهِي عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلِ. وَلَوْ فِي كَلَامِهِ لِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلَاحَظَ الِامْتِنَاعُ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ الْإِنْفَاذَ حَاصِلٌ عَلَى تَقْدِيرِ وَضْعِ الصَّمْصَامَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ حُصُولِهِ أَوْلَى، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَاحْتِمَالُ الْمَشَقَّةِ فِيهِ وَالصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى طَلَبًا لِلثَّوَابِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَالْخَطِيبُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ حَسَنٍ. وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرَّبَّانِيَّ بِأَنَّهُ الْحَكِيمُ الْفَقِيهُ، وَوَافَقَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِيمَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِهِ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ الرَّبَّانِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى الرَّبِّ أَيْ: الَّذِي يَقْصِدُ مَا أَمَرَهُ الرَّبُّ بِقَصْدِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: قِيلَ لِلْعُلَمَاءِ رَبَّانِيُّونَ؛ لِأَنَّهُمْ يُرَبُّونَ الْعِلْمَ أَيْ: يَقُومُونَ بِهِ، وَزِيدَتِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المُعجَمَة، ابن المُفضَّل بن لاحقٍ الرَّقاشيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثمانين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بالنُّون، عبد الله بن أَرْطَبان البصريُّ، الثِّقة الفاضل من السَّادسة، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئةٍ، وقال ابن حجرٍ: سنة خمسين على الصَّحيح (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّدٍ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) بن الحارث الثَّقفيِّ البصريِّ، أوَّل من وُلِدَ في الإسلام بالبصرة سنة أربعَ عَشْرَةَ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين (عَنْ أَبِيهِ) أبي بَكْرةَ نُفَيعٍ؛ بضمِّ النُّون وفتح الفاء (ذَكَرَ) أي: أبو بكرة، أي: أنَّه كان يحدِّثهم فذكر (النَّبِيَّ ﷺ) وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت والأَصيليِّ: «عن أبيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ» وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت وابن عساكرَ في نسخةٍ: «قال: ذُكِرَ» بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه «النَّبيُّ ﷺ» بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، أي: قال أبو بكرة حالة (١) كونه قد ذكرَ النَّبيَّ ﷺ، وعند النَّسائيِّ: عن أبي بكرة قال: وذكر النَّبيَّ ﷺ (٢)، فالواو: للحال، ويجوز أن تكون للعطف على أن يكون المعطوف عليه محذوفًا (قَعَدَ) ﵊ (عَلَى بَعِيرِهِ) بمنى يوم النَّحر في حجَّة الوداع، وإنَّما قعد عليه لحاجته إلى إسماع النَّاس، فالنَّهيُ عن اتِّخاذ ظهورِها منابرَ محمولٌ على ما إذا لم
تَدْعُ الحاجة إليه (وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ) بكسر الخاء (أَوْ بِزِمَامِهِ) وهما بمعنًى، وإنَّما شكَّ الرَّاوي في اللَّفظ الذي سمعه؛ وهو الخيط الذي تُشدُّ فيه (١) الحلقة التي تُسمَّى البُرَة -بضمِّ المُوحَّدة وتخفيف الرَّاء المفتوحة- ثمَّ يُشَدُّ في طرفه المِقْود، والإنسان الممسك هنا هو أبو بكرة؛ لرواية الإسماعيليِّ الحديثَ بسنده إلى أبي بكرة، قال: خطب رسول الله ﷺ على راحلته وأمسكت -إمَّا (٢) قال-: بخطامها أو زمامها، أو كان الممسك بلالًا؛ لرواية النَّسائيِّ عن أمِّ الحصين قالت: حججت فرأيت بلالًا يقود بخطام راحلة النَّبيِّ ﷺ، أو عمرو بن خارجة؛ لِمَا في «السُّنن» من حديثه قال: كنت آخذًا بزمام ناقته ﵊، وفائدة إمساك الزِّمام: صون البعير عن الاضطراب والإزعاج لراكبه، ثمَّ (قَالَ) ﵊، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فقال»: (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) برفع «أيُّ»، والجملة وقعت مقول القول (فَسَكَتْنَا) عطفٌ على «قال» (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ) هو (يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا) وفي رواية أبي الوقت: «فقلنا»: (بَلَى) حرف يختصُّ بالنَّفيِ ويفيد إبطاله، وهو هنا مقول القول، أُقِيمَ مقام الجملة التي هي مقول القول (قَالَ) ﵊: (فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ) ﵊، ولأبي الوقت وابن عساكر: «قال»: (أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ؟) بكسر الحاء كما في «الصِّحاح»، وقال الزَّركشيُّ: هو المشهور، وأباه قومٌ، وقال القزَّاز: الأشهر فيه الفتح (قُلْنَا: بَلَى) وقد سقط من رواية الحَمُّويي والمُستملي والأَصيليِّ: السُّؤال عن الشَّهر، والجواب الذي قبله، ولفظهم: «أيُّ يومٍ هذا؟ فسكتنا حتَّى ظنَّنا أنَّه سيسمِّيه سوى اسمه، قال: أليس بذي الحجَّة؟» وتوجيهه ظاهرٌ؛ وهو من إطلاق الكلِّ على البعض، وفي رواية كريمة: «قال: فأيُّ بلدٍ هذا؟ فسكتنا حتَّى ظنَّنا أنَّه سيسمِّيه بغير اسمه، قال: أليس بمكَّة؟» وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ وكريمة: بالسُّؤال عن الشَّهر والجواب الذي قبله -كمسلمٍ (٣) وغيره (٤) - مع السُّؤال عن البلد، والثلاثة ثابتةٌ عند المؤلِّف في «الأضاحي» [خ¦٥٥٥٠]
و «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] (قَالَ) ﷺ: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) أي: فإنَّ سفكَ دمائِكم وأخذَ أموالِكم وثَلْبَ (١) أعراضِكم؛ لأنَّ الذَّوات لا تحرم فيه (٢)، فيُقدَّر لكلٍّ ما يناسبه، كذا قاله الزَّركشيُّ والبرماويُّ والعينيُّ والحافظ ابن حجرٍ، وفي إطلاقهم هذا اللَّفظ نظرٌ؛ لأنَّ سفك الدَّم وأخذَ المال وثلبَ العرض إنَّما يَحْرُم إذا كان بغير حقٍّ، فالإفصاح به مُتعيِّنٌ، والأَوْلى -كما أفاده في «مصابيح الجامع» - أن يُقدّر في الثَّلاثة كلمة واحدة، وهي لفظة «انتهاكٌ» التي موضوعها تناول (٣) الشَّيءِ بغير حقٍّ، كما نصَّ عليه القاضي، فكأنَّه قال: فإنَّ انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم، ولا حاجة إلى تقديره مع كلِّ واحدٍ من الثَّلاثة لصحَّة انسحابه على الجميع، وعدم احتياجه إلى التَّقييد بغير الحقِّيَّة، و «الأعراض» جمع عِرْضٍ؛ بكسر العين؛ وهو موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان، سواءٌ كان في نفسه أو في سلفه، وشبَّه «الدِّماء» و «الأموال» و «الأعراض» في الحرمة بـ «اليوم» و «الشَّهر» و «البلد» لاشتهار الحرمة فيها عندهم، وإِلَّا فالمُشبَّه إنَّما يكون دون المُشبَّه به، ولهذا قدَّم السُّؤال عنها مع شهرتها لأنَّ تحريمها أثبتُ في نفوسهم؛ إذ هي عادة سلفهم، وتحريم الشَّرع طارئٌ، وحينئذٍ فإنَّما شبَّه الشَّيء بما هو أعلى منه باعتبار ما هو مُقرَّرٌ عندهم (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) أي: الحاضرُ في المجلس (الغَائِبَ) عنه، ولامُ «لِيبلِّغِ» مكسورةٌ فعل أمرٍ، ظاهره الوجوب، وكُسِرَت غَينه لالتقاء الساكنين، والمُرَاد: تبليغ القول المذكور أو جميع الأحكام
(فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ) أي: الذي (هُوَ أَوْعَى لَهُ) أي: للحديث (مِنْهُ) صلةٌ لـ «أَفْعَلَ» التَّفضيل، وفصل بينهما بـ «له» للتَّوسُّع في الظَّرف، كما يُفصَل بين المُضَاف والمُضَاف إليه كقراءة ابن عامرٍ: ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] بضمِّ الزَّاي ورفع اللَّام ونصب الدَّال وخفض الهمزة، والفاصل غير أجنبيٍّ.
واستُنبِط من الحديث: أنَّ حامل الحديث يُؤخَذ عنه وإن كان جاهلًا بمعناه، وهو مأجورٌ بتبليغه، محسوبٌ في زمرة أهل العلم، وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، ورواته كلُّهم بصريُّون، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] و «التَّفسير» [خ¦٤٦٦٢] و «الفتن» [خ¦٧٠٧٨] و «بدء الخلق» [خ¦٣١٩٧]، ومسلمٌ في «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ» و «العلم».
(١٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ (العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ) لتقدُّمه بالذَّات عليهما لأنَّه شرطٌ في صحَّتهما؛ إذ إنَّه مصحِّحٌ (١) للنِّيَّة المُصحِّحة للعمل، فنبَّه
المؤلِّف على مكانة العلم خوفًا من أن يَسبِق إلى الذِّهن -من قولهم: لا ينفع العلم إلَّا بالعمل- تَوهينُ أمر العلم والتَّساهل في طلبه (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: «﷿»: (﴿فَاعْلَمْ﴾) أي: يا محمَّد (﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ [محمد: ١٩] فَبَدَأَ) تعالى (بِالعِلْمِ) أوَّلًا حيث قال: ﴿فَاعْلَمْ﴾ ثمَّ قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ﴾ إشارةً إلى القول والعمل، وهذا وإن كان خطابًا له ﵊ فهو يتناول أمَّته، أوِ الأمر للدَّوام والثَّبات؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ﴾ [الأحزاب: ١] أي: دُمْ على التَّقوى (وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ) بفتح همزة «أَنَّ» عطفًا على سابقه، أو -بكسرها- على الحكاية (وَرَّثُوا) بتشديد الرَّاء المفتوحة، أي: الأنبياء، أو بالتَّخفيف مع الكسر، وهو في «اليونينيَّة» من غير رقمٍ (١)، أي: العلماء وَرِثُوا (العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ) من ميراث النُّبوَّة (بِحَظٍّ وَافِرٍ) أي: بنصيبٍ كاملٍ، وهذا كلُّه قطعةٌ من حديثٍ عند أبي داودَ والتِّرمذيِّ وابن حبَّانَ والحاكم مُصحَّحًا من حديث أبي الدَّرداء، وضعَّفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكنْ له شواهدُ يتقوَّى بها، ومُناسَبَته للتَّرجمة من جهة أنَّ الوارث قائمٌ مقام المُورِّث، فله حكمه فيما قام مقامه فيه (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا) حال كونه (يَطْلُبُ بِهِ) أي: السَّالك (عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا) أي: في الآخرة أو في الدُّنيا بأن يوفِّقه للأعمال الصَّالحة الموصلة (إِلَى الجَنَّةِ) أو هو بشارةٌ بتسهيل العلم على طالبه لأنَّ طلبه من الطُّرق الموصلة إلى الجنَّة، ونكَّر «علمًا» كـ «طريقًا» ليندرج فيه القليل والكثير، وليتناول أنواع الطُّرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينيَّة، وهذه الجملة أخرجها مسلمٌ من حديث الأعمش عن أبي صالحٍ، والتِّرمذيُّ وقال: حسنٌ، وإنَّما لم يَقُلْ: صحيحٌ لتدليس الأعمش، لكنْ في رواية مسلمٍ عنِ الأعمش: حدَّثنا أبو صالحٍ، فانتفت تهمة تدليسه. وفي «مُسنَد الفردوس» بسنده إلى سعيد بن جبيرٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «ارحموا طالب العلم؛ فإنَّه متعوب البدن، لولا أنَّه يَأْخذُ بالعُجْب لصافحته الملائكة مُعايَنةً، ولكنْ يأخذ بالعُجْب ويريد أن يَقْهَرَ مَن هو أعلم منه» (٢) (وَقَالَ) الله (جَلَّ ذِكْرُهُ) وفي
روايةٍ: «جلَّ وعزَّ» (١): (﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ﴾) أي: يخافه (﴿مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨]) الذين علموا قدرته وسلطانه، فمن كان أَعْلَمَ كان أخشى لله؛ ولذا قال ﵊: «أنا أخشاكم لله وأتقاكم له» (وَقَالَ) تعالى: (﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾) أي: الأمثالُ المضروبةُ وَحسنها وفائدتها (﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]) الذين يعقلون عن الله، فيتدبَّرون الأشياء على ما ينبغي، وقال تعالى حكايةً عن قول الكفَّار حين دخولهمُ النَّار: (﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾) أي: كلامَ الرُّسلِ فَنَقْبَلُه جملةً من غير بحثٍ وتفتيشٍ؛ اعتمادًا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات (﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾) فنفكِّر في حكمه ومعانيه تفكُّر المستبصرين (﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]) أي: في عدادهم وفي جملتهم (وَقَالَ) تعالى: (﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]) قال القاضي ناصر الدِّين رحمه الله تعالى: نفيٌ لاستواء الفريقين؛ باعتبار القوَّة العِلْميَّة بعد نفيها؛ باعتبار القوَّة العَمَليَّة على وجهٍ أبلغَ لمزيد فضل العلم (٢)، وقِيلَ: تقرير للأوَّل (٣) على سبيل التَّشبيه، أي: كما لا يستوي العالِمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصُون.
(وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) فيما وصله المؤلِّف بعد بابين [خ¦٧١]: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ) في الدِّين، وللمُستملي: «يُفهِّمه» بالهاء المُشدَّدة المكسورة بعدَها ميمٌ، وأخرجه بهذا اللَّفظ ابن أبي عاصمٍ في «كتاب العلم» بإسنادٍ حسنٍ، والتَّفقُّه: هو التَّفهُّم (وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ) بضمِّ اللَّام المُشدَّدة على الصَّواب، وليس هو من كلام المؤلِّف، فقد رواه ابن أبي عاصمٍ، والطَّبرانيُّ من
حديث معاويةَ مرفوعًا، وأبو نعيمٍ الأصفهانيُّ في «رياض المتعلِّمين» من حديث أبي الدَّرداء مرفوعًا: «إنَّما العلم بالتَّعلُّم، وإنَّما الحلم بالتَّحلُّم، ومن يتحرَّ (١) الخير يعطه»، وفي بعض النُّسخ -وهو في أصل فرع «اليونينيَّة» كهي (٢) -: «بالتَّعلِيم» بكسر اللَّام وبالمُثنَّاة التَّحتيَّة، وفي «هامشها»: «بالتَّعلُّم» بضمِّ اللَّام، قال: وهو الصَّواب.
(وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جنادة، فيما وصله الدَّارميُّ في «مُسنَده» وغيره من حديث أبي مَرْثَدٍ، لمَّا قال له رجلٌ والنَّاس مجتمعون عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه: ألم تُنْهَ عن الفتيا؟ -وكان الذي منعه عثمان لاختلافٍ حصل بينه وبين معاوية بالشَّام في تأويل: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصَّةً، وقال أبو ذَرٍّ: نزلت فينا وفيهم. وأدَّى ذلك إلى انتقال أبي ذرٍّ عن المدينة إلى الرَّبَذَة-[قال:] أرقيبٌ أنت عليَّ؟ (لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ) بالمُهمَلَتين الأولى مفتوحةٌ، أي: السَّيف الصَّارم الذي لا ينثني، أو الذي له حدٌّ واحد (عَلَى هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ) كذا في فرع «اليونينيَّة»، وفي غيره:
«إلى القفا» (١) وهو مقصورٌ يُذكَّر ويُؤنَّث (ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ) بضمِّ الهمزة وكسر الفاء آخره معجَمةٌ، أي: أُمْضِي (كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «رسول الله» (ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر الجيم وبعد التَّحتيَّة زايٌ، الصَّمْصَامَة (عَلَيَّ) أي: على قفايَ؛ والمعنى: قبل أن تقطعوا رأسي (لأَنْفَذْتُهَا) بفتح الهمزة والفاء وتسكين الذَّال المُعجَمَة، وإنَّما فعل أبو ذرٍّ هذا حرصًا على تعليم العلم طلبًا للثَّواب، وهو يَعْظُم مع حصول المشقَّة، واستُشكِل الإتيانُ هنا بـ «لو» لأنَّها لامتناع الثَّاني لامتناع الأوَّل، وحينئذٍ فيكون المعنى انتفاء الإنفاذ لانتفاء الوضع، وليس المعنى عليه، وأُجِيب بأنَّ «لو» هنا لِمُجرَّد الشَّرط كـ (إن) من غير أن يُلاحَظ الامتناع، أو المُرَاد أنَّ الإنفاذ حاصلٌ على تقدير الوضع، فعلى تقدير عدم الوضع حصولُه أَوْلى؛ فهو مثل قوله ﵇: «نِعْمَ العبدُ صهيبٌ، لو لم يَخَفِ الله لم يَعْصِه»، ولأبي الوقت هنا زيادةٌ؛ وهي قول النَّبيِّ ﷺ: «ليُبَلِّغِ الشَّاهدُ الغائبَ» وتقدَّم قريبًا [خ¦٦٧].
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ فيما وصله ابن أبي عاصمٍ والخطيب بإسنادٍ حسنٍ: (﴿كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]) أي (حُلَمَاءَ) جمع حليمٍ باللَّام (فُقَهَاءَ) جمع فقيهٍ، وفي روايةٍ: «حكماء» -بالكاف- جمع حكيمٍ «علماء» جمع عالِمٍ، وهذا تفسير ابن عبَّاسٍ، وقال البيضاويُّ: و «الرَّبانيُّ»: المنسوب إلى الرَّبِّ؛ بزيادة الألف والنُّون، كاللِّحيانيِّ والرَّقَبانيِّ؛ وهو الكامل في العلم والعمل، وقال البخاريُّ حكايةً عن قول بعضهم: (وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ) أي: بجزئيَّات العلم قبل كليَّاته، أو بفروعه قبل أصوله، أو بوسائله قبل مقاصده، أو ما وَضُحَ من مسائله قبل ما دقَّ منها، ولم يذكر المؤلِّف حديثًا موصولًا، ولعلَّه اكتفى بما ذكره، أو غير ذلك من الاحتمالات، والله أعلم.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَيُقَال: مَعْنَاهُ استحيى من الذّهاب عَن الْمجْلس، كَمَا فعل رَفِيقه الثَّالِث، وَيُؤَيّد هَذَا الْمَعْنى مَا جَاءَ فِي رِوَايَة الْحَاكِم الثَّانِي: (فَلبث ثمَّ جَاءَ فَجَلَسَ) . قَوْله: (فاستحيى مِنْهُ) . أَي: جازاه بِمثل فعله بِأَن رَحمَه وَلم يُعَاقِبهُ، وَهَذَا أَيْضا من بَاب المشاكلة، وَذَلِكَ لِأَن الْحيَاء تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يذم بِهِ، وَهَذَا محَال على الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن ترك الْعقَاب للاستحياء، فَيكون هَذَا أَيْضا من قبيل ذكر الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم. قَوْله: (وَأما الآخر فاعرض) أَي: عَن مجْلِس رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ، بل ولى مُدبرا. قَوْله: (فاعرض الله عَنهُ) أَي: جازاه بِأَن سخط عَلَيْهِ، وَهَذَا أَيْضا من بَاب المشاكلة، وَذَلِكَ لِأَن الْإِعْرَاض هُوَ الِالْتِفَات إِلَى جِهَة أُخْرَى، وَذَلِكَ لَا يَلِيق فِي حق الله تَعَالَى، فَيكون مجَازًا عَن السخط وَالْغَضَب الْمجَاز عَن إِرَادَة الانتقام. وَالْقَاعِدَة فِي مثل هَذِه الإطلاقات الَّتِي لَا يُمكن حملهَا على ظواهرها أَن يُرَاد بِهِ غاياتها ولوازمها، والعلاقة بَين الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَالْمعْنَى الْمجَازِي: اللُّزُوم والقرينة الصارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة هُوَ الْعقل، إِذا لَا يتَصَوَّر الْعقل صُدُور هَذِه الْأَشْيَاء من الله تَعَالَى. فَإِن قلت: هَذِه الْأَلْفَاظ الثَّلَاثَة إِخْبَار أَو دُعَاء. قلت: يحْتَمل الْمَعْنيين فِي لَفْظَة: الإيواء والإعراض، وَلَكِن مَا وَقع فِي رِوَايَة أنس: (وَأما الآخر فاستغنى فاستغنى الله عَنهُ) ، يُؤَيّد معنى الْإِخْبَار. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يكون من بَاب التَّشْبِيه، أَي: يفعل الله تَعَالَى كَمَا يفعل المؤوي والمستحي والمعرض. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الله لَا يستحي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا} (آل عمرَان: ٥٤) فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ وصف الْقَدِيم بالاستحياء؟ قلت: هُوَ جَار على سَبِيل التَّمْثِيل، وَمثل تَركه يتْرك من يتْرك شَيْئا حَيَاء مِنْهُ.
ثمَّ اعْلَم أَن قَوْله: (فاعرض الله) ، مَحْمُول على من ذهب معرضًا، لَا لعذر. قَالَ القَاضِي عِيَاض: من أعرض عَن نبيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وزهد مِنْهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِن وَإِن كَانَ هَذَا مُؤمنا وَذهب لحَاجَة دنياوية أَو ضَرُورِيَّة فإعراض الله عَنهُ ترك رَحمته وعفوه، فَلَا يثبت لَهُ حَسَنَة وَلَا يمحو عَنهُ سَيِّئَة. قلت: وَإِن كَانَ ذَاك منافقاً كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اطلع على أمره، فَلذَلِك قَالَ: فاعرض الله عَنهُ.
بَيَان استنباط الاحكام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ أَن من جلس إِلَى حَلقَة علم أَنه فِي كنف الله تَعَالَى وَفِي ايوائه، وَهُوَ مِمَّن تضع لَهُ الْمَلَائِكَة اجنحتها. وَقَالَ ابْن بطال: وَكَذَلِكَ يجب على الْعَالم أَن يؤوي المتعلم لقَوْله: (فآواه الله) . الثَّانِي: أَن فِيهِ أَن من قصد الْعَالم ومجالسته فاستحيى مِمَّن قَصده فَإِن الله يستحيي مِنْهُ فَلَا يعذبه. الثَّالِث: فِيهِ أَن من أعرض عَن مجالسة الْعَالم فَإِن الله يعرض عَنهُ، وَمن أعرض الله عَنهُ فقد تعرض لسخطه. الرَّابِع: اسْتِحْبَاب التحلق للْعلم وَالذكر فِي الْمَسْجِد. الْخَامِس: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْقرب من الْكَبِير فِي الْحلقَة ليسمع كَلَامه. السَّادِس: فِيهِ اسْتِحْبَاب الثَّنَاء على من فعل جميلاً. السَّابِع: فِيهِ أَن الْإِنْسَان إِذا فعل قبيحاً أَو مذموماً وباح بِهِ جَازَ أَن ينْسب إِلَيْهِ. الثَّامِن: فِيهِ أَن من حسن الْأَدَب أَن يجلس الْمَرْء حَيْثُ انْتهى مَجْلِسه، وَلَا يُقيم أحدا. وَقد رُوِيَ ذَلِك فِي الحَدِيث أَيْضا. التَّاسِع: فِيهِ ابْتِدَاء الْعَالم جلساءه بِالْعلمِ قبل أَن يسْأَل عَنهُ. الْعَاشِر: فِيهِ أَن من سبق إِلَى مَوضِع فِي مجْلِس كَانَ هُوَ أَحَق بِهِ، لتَعلق حَقه بِهِ فِي الْجُلُوس. الْحَادِي عشر: فِيهِ سد خلل الْحلقَة، كَمَا ورد التَّرْغِيب فِي سد خلل الصُّفُوف فِي الصَّلَاة. الثَّانِي عشر: فِيهِ جَوَاز التخطي لسد الْخلَل مَا لم يؤذ أحدا، فَإِن خشِي اسْتحبَّ أَن يجلس حَيْثُ يَنْتَهِي. الثَّالِث عشر: فِيهِ الثَّنَاء على من زاحم فِي طلب الْخَيْر.
٩ - (بَاب قَولِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سامِعٍ)
الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه: الأول: التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَوْله النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (رب مبلغ اوعى من سامع) ، وَالْبَاب مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى مَا بعده. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب حَال الْمبلغ، بِفَتْح اللَّام، وَمن جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق الْجَالِس فِي الْحلقَة، وَهُوَ أَيْضا من جملَة المبلغين، لِأَن حَلقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت مُشْتَمِلَة على الْعُلُوم، وَالْأَمر بتعلمها والتبليغ إِلَى الغائبين، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّبْوِيب الِاسْتِدْلَال على جَوَاز الْحمل على من لَيْسَ بفقيه من الشُّيُوخ الَّذين لَا علم عِنْدهم وَلَا فقه، إِذا ضبط مَا يحدث بِهِ. قلت: هَذَا بَيَان وَجه وضع هَذَا الْبَاب وَلَيْسَ فِيهِ تعرض إِلَى وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله، وَلم أر أحدا من الشُّرَّاح
تعرض لهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ. الثَّالِث: قَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُعَلّقا، وَهُوَ إِمَّا بِمَعْنى الحَدِيث الَّذِي ذكره بعده بِالْإِسْنَادِ، فَهُوَ من بَاب نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى، وَإِمَّا أَنه ثَبت عِنْده بِهَذَا اللَّفْظ من طَرِيق آخر. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: وَقد جَاءَت لَفْظَة التَّرْجَمَة فِي التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عبد الرحمان بن عبد اللَّه بن مَسْعُود عَن أَبِيه، قَالَ: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (نضر الله أمرأ سمع منَّا شَيْئا فَبَلغهُ كَمَا سمع، فَرب مبلغ اوعى من سامع) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. قلت: كل مِنْهُمَا قد أبعد وتعسف، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال هُوَ: إِن هَذَا حَدِيث مُعَلّق، أورد البُخَارِيّ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْبَاب، وَأما لَفظه: فَهُوَ مَوْصُول عِنْده فِي: بَاب الْخطْبَة بمنى، من كتاب الْحَج، أخرجه من طَرِيق قُرَّة بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، وَرجل آخر أفضل فِي نَفسِي من عبد الرَّحْمَن بن حميد بن عبد الرَّحْمَن، كِلَاهُمَا عَن أبي بكرَة، قَالَ: (خَطَبنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم النَّحْر، قَالَ: أَتَدْرُونَ أَي يَوْم هَذَا؟) وَفِي آخِره هَذَا اللَّفْظ. وَقد أخرج التِّرْمِذِيّ. فِي (جَامعه) وَابْن حباب وَالْحَاكِم فِي (صَحِيحَيْهِمَا) من حَدِيث زيد بن ثَابت، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (نصر الله أمرأ سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها فأداها إِلَى من لم يسْمعهَا، فَرب حَامِل فقه غير فَقِيه، وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ. قَوْله: (نضر) بِالتَّشْدِيدِ أَكثر من التَّخْفِيف، أَي: حسن، وَيُقَال: نضر الله وَجهه، ونضر، بِالضَّمِّ وَالْكَسْر، حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِي. قلت: وَجَاء: نضر، بِالْفَتْح أَيْضا، حَكَاهُ أَبُو عبيد. والمصدر: نضارة ونضرة أَيْضا، وَهُوَ: الْحسن والرونق. فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ التِّرْمِذِيّ لحَدِيث ابْن مَسْعُود: وَهُوَ حَدِيث حسن صَحِيح، وَقد تكلم النَّاس فِي سَماع عبد الرحمان عَن أَبِيه، فَقَالُوا: كَانَ صَغِيرا؟ وَقَالَ يحيى بن معِين: عبد الرَّحْمَن وَأَبُو عُبَيْدَة ابْنا عبد اللَّه ابْن مَسْعُود لم يسمعا من أَبِيهِمَا. وَقَالَ أَحْمد: مَاتَ عبد اللَّه ولعَبْد الرَّحْمَن ابْنه سِتّ سِنِين أَو نَحْوهَا؟ قلت: كَأَنَّهُ لم يعبأ بِمَا قيل فِي عدم سَماع عبد الرَّحْمَن من أَبِيه لصغره، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: لم يخرج البُخَارِيّ لأبي عُبَيْدَة شَيْئا، وَأخرج هُوَ وَمُسلم لعبد الرَّحْمَن عَن مَسْرُوق، فَلَمَّا كَانَ الحَدِيث لَيْسَ من شَرطه جعله فِي التَّرْجَمَة. قلت: هَذَا بِنَاء على تعسفه فِيمَا ذَكرْنَاهُ، وَالَّذِي جعله فِي التَّرْجَمَة قد ذكره فِي كتاب الْحَج على مَا ذكرنَا. الرَّابِع: قَوْله: (رب) هُوَ للتقليل، لكنه كثر فِي الِاسْتِعْمَال للتكثير بِحَيْثُ غلب حَتَّى صَارَت كَأَنَّهَا حَقِيقَة فِيهِ، وَهِي حرف خلافًا للكوفيين فِي دَعْوَى إسميته، وَقَالُوا: قد أخبر عَنهُ الشَّاعِر فِي قَوْله.
(وَرب قتل عَار)
وَأجِيب: بِأَن عَار، خبر لمبتدأ مَحْذُوف، وَالْجُمْلَة صفة للمجرور، أَو خبر للمجرور، إِذْ هُوَ فِي مَوضِع مُبْتَدأ، وينفرد: رب، بِوُجُوب تصديرها وتنكير مجرورها ونعته إِن كَانَ ظَاهرا، وإفراده وتذكيره وتمييزه بِمَا يُطَابق الْمَعْنى إِن كَانَ ضميراً، وَغَلَبَة حذف معداها ومضيه، وَوُجُوب كَون فعلهَا مَاضِيا لفظا أَو معنى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وفيهَا لُغَات عشر، ثمَّ عدهَا. قلت: فِيهَا سِتّ عشرَة لُغَة: ضم الرَّاء، وَفتحهَا، وَكِلَاهُمَا مَعَ التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف، وَالْأَوْجه الْأَرْبَعَة مَعَ تَاء التَّأْنِيث الساكنة أَو المتحركة، أَو مَعَ التجرد مِنْهَا، فَهَذِهِ اثْنَتَيْ عشرَة، وَالضَّم وَالْفَتْح مَعَ إسكان الْبَاء، وَضم الحرفين مَعَ التَّشْدِيد وَمَعَ التَّخْفِيف. قَوْله: (مبلغ) ، بِفَتْح اللَّام أَي: مبلغ إِلَيْهِ، فَحذف الْجَار وَالْمَجْرُور كَمَا يُقَال الْمُشْتَرك وَيُرَاد بِهِ الْمُشْتَرك فِيهِ. قَوْله: (أوعى) أفعل التَّفْضِيل من الوعي، وَهُوَ الْحِفْظ. فَإِن قلت: كَيفَ إِعْرَاب هَذَا الْكَلَام؟ قلت: إعرابه على مَذْهَب الْكُوفِيّين: أَن (رب مبلغ) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله (أوعى من سامع) خَبره، وَالْمعْنَى: رب مبلغ إِلَيْهِ عني أفهم وأضبط لما أَقُول من سامع مني، وَلَا بُد من هَذَا الْقَيْد لِأَن الْمَقْصُود ذَلِك، وَقد صرح بذلك ابْن مَنْدَه فِي رِوَايَته من طَرِيق هودة عَن ابْن عون، وَلَفظه: (فَإِنَّهُ عَسى أَن يكون بعض من لم يشْهد أوعى لما أَقُول من بعض من شهد) . وَأما على مَذْهَب الْبَصرِيين، فَإِن قَوْله: (مبلغ) ، وَإِن كَانَ مجروراً بِالْإِضَافَة، وَلكنه مَرْفُوع على الِابْتِدَاء محلا. وَقَوله: (أوعى) صفة لَهُ، وَالْخَبَر مَحْذُوف وَتَقْدِيره: يكون أَو يُوجد، أَو نَحْوهمَا. وَقَالَ النُّحَاة فِي نَحْو: رب رجل صَالح عِنْدِي، مَحل مجرورها رفع على الابتدائية وَفِي نَحْو: رب رجل لَقيته، نصب على المفعولية، وَفِي نَحْو: رب رجل صَالح لَقيته، رفع أَو نصب كَمَا فِي قَوْلك: هَذَا لَقيته.
٦٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حدّثنا بِشْرُ قَالَ: حدّثنا ابنُ عَوْنٍ عَن ابنِ سِيرِينَ عَن عبدِ الرَّحْمَنِ بن أبي بَكْرَةَ عَن أبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قعَدَ على بَعِيرِهِ وأمْسَك إنسانٌ بِخِطامِهِ
أوْ بِزِمامِهِ قَالَ: (أيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) فَسَكَتْنا حتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِيهِ سِوَى اسمِهِ؟ قَالَ: (ألَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ) قُلْنا: بَلَى. قَالَ: (فأَيّ شَهُرٍ هَذَا) فَسَكتنا حتَّى ظَنَنَّا أنهُ سَيُسَميِّهِ بِغَيْرِ اسمِهِ، فَقَالَ: (ألَيْسَ بِذِى الحِجةِ؟) قُلْنا: بَلَى. قَالَ: (فإنّ دِماءَكُمْ وَأَمُوالَكُمْ وأعْراضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرامُ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ فإنّ الشاهدَ عَسَى أَن يُبَلِّغَ مَن هُو أوْعَى لهُ مِنهُ) ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ الْمَعْنى كَمَا ذَكرْنَاهُ.
بَيَان رِجَاله: وهم سِتَّة. الأول: مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي: بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، ابْن الْمفضل بن لَاحق الرقاشِي أَبُو إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ، سمع ابْن الْمُنْكَدر وَعبد اللَّه بن عون وَغَيرهمَا، روى عَنهُ أَحْمد، وَقَالَ: إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي التثبت بِالْبَصْرَةِ. قَالَ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث عثمانياً، توفّي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَقَالَ: إِنَّه كَانَ يُصَلِّي كل يَوْم أَرْبَعمِائَة رَكْعَة. يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عبد اللَّه بن عون بن أرطبان الْبَصْرِيّ، وأرطبان مولى عبد اللَّه بن مُغفل الصَّحَابِيّ، رأى أنس بن مَالك وَلم يثبت لَهُ مِنْهُ سَماع، وَسمع الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين وَغَيرهم، روى عَنهُ شُعْبَة وَالثَّوْري وَابْن الْمُبَارك وَآخَرُونَ، وَعَن خَارِجَة قَالَ: صَحِبت ابْن عون أَرْبعا وَعشْرين سنة فَمَا أعلم أَن الْمَلَائِكَة كتبت عَلَيْهِ خَطِيئَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ عَمْرو بن عَليّ: ولد سنة سِتّ وَسِتِّينَ، وَمَات وَهُوَ ابْن خمس وَثَمَانِينَ، وَيُقَال: توفّي سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: مُحَمَّد بن سِيرِين. الْخَامِس: عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة نفيع بن الْحَارِث أَبُو عمر الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ، أَخُو عبيد اللَّه وَمُسلم ووراد، وَهُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بِالْبَصْرَةِ سنة أَربع عشرَة، سمع أَبَاهُ وعلياً وَغَيرهمَا، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي غير مَوضِع عَن ابْن سِيرِين وَعبد الْملك بن عُمَيْر وخَالِد الْحذاء، وَعنهُ عَن أَبِيه قَالَ ابْن معِين: توفّي سنة تسع وَتِسْعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. السَّادِس: أَبوهُ أَبُو بكرَة، واسْمه نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء، ابْن الْحَارِث وَقد تقدم.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن فِي رُوَاته ثَلَاثَة من التَّابِعين يروي بَعضهم عَن بعض، وهم: عبد اللَّه ابْن عون، وَابْن سِيرِين، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد عَن قُرَّة بن خَالِد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة وَرجل آخر أفضل فِي نَفسِي من عبد الرَّحْمَن كِلَاهُمَا عَن أبي بكرَة، وَزَاد فِي آخِره: قَالَ عبد الرَّحْمَن: حَدَّثتنِي أُمِّي عَن أبي بكرَة أَنه قَالَ: لَو دخلُوا عَليّ مَا نهشت لَهُم بقصبة، وَفِي الْحَج عَن عبد اللَّه بن مُحَمَّد عَليّ أبي عَامر الْعَقدي عَن قُرَّة بن خَالِد بِإِسْنَادِهِ نَحوه، وسمى الرجل حميد بن عبد الرَّحْمَن وَلم يذكر حَدِيث عبد الرَّحْمَن عَن أمه، وَفِي التَّفْسِير، وَفِي بَدْء الْخلق عَن أبي مُوسَى، وَفِي الْأَضَاحِي عَن مُحَمَّد بن سَلام كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَفِي الْعلم وَالتَّفْسِير أَيْضا عَن عبد اللَّه بن عبد الْوَهَّاب الحَجبي عَن حَمَّاد بن زيد، كِلَاهُمَا عَن أَيُّوب، وَأخرجه مُسلم فِي الدِّيات عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَيحيى بن حبيب ابْن عَرَبِيّ، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ بِهِ، وَعَن نصر بن عَليّ عَن يزِيد بن زُرَيْع، وَعَن أبي مُوسَى عَن حَمَّاد بن مسْعدَة، كِلَاهُمَا عَن ابْن عون بِهِ، وَزَاد فِي آخِره: ثمَّ انكفأ إِلَى كبشين أملحين فذبحهما إِلَى جريعة من الْغنم، فَقَسمهَا بَيْننَا. وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن يحيى بن سعيد نَحوه، وَلم يذكر حَدِيث عبد الرَّحْمَن عَن أمه، وَعَن مُحَمَّد ابْن عَمْرو بن جبلة، وَأحمد بن الْحسن بن خرَاش، كِلَاهُمَا عَن أبي عَامر الْعَقدي نَحوه، وسمى حميد بن عبد الرحمان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود بن بشر بن الْمفضل نَحوه، وَعَن يحيى بن مسْعدَة عَن يزِيد بن زُرَيْع نَحوه، وَفِيه وَفِي الْعلم عَن أبي قدامَة السَّرخسِيّ عَن أبي عَامر الْعَقدي نَحوه، وَذكر حميد بن عبد الرَّحْمَن، وَعَن سُلَيْمَان بن مُسلم عَن النَّضر بن شُمَيْل عَن أبي عون. واخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُم، بِنَحْوِهِ، وَله طرق تَأتي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَذكره ابْن مَنْدَه فِي (مستخرجه) من حَدِيث سَبْعَة عشر صحابياً.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (على بعيره) الْبَعِير الْجمل الْبَاذِل، وَقيل: الْجذع، وَقد يكون للْأُنْثَى. وَحكي عَن بعض الْعَرَب: شربت من لبن بَعِيري وصرعتني بَعِيري. وَفِي (الْجَامِع) : الْبَعِير بِمَنْزِلَة الْإِنْسَان، يجمع الْمُذكر والمؤنث من النَّاس، إِذا
رَأَيْت جملا على الْبعد. قلت: هَذَا بعير فَإِذا استثبته قلت: جمل أَو نَاقَة، وَيجمع على: أَبْعِرَة وأباعر وأباعير وبعر وبعران. وَفِي (الْعباب) : يُقَال للجمل بعير وللناقة بعير، وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ: بعير وشعير، بِكَسْر الْبَاء والشين وَالْفَتْح هُوَ الصَّحِيح، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ: بعير إِذا جذع، وَالْجمع أَبْعِرَة فِي أدنى الْعدَد، وأباعر فِي الْكثير، وأباعير وبعران هَذِه عَن الْفراء. قَوْله: (أمسك إِنْسَان بخطامه) أَي: تمسك بِهِ، ومسكت بِهِ مثل أَمْسَكت بِهِ. قَالَ الله تَعَالَى: {وَالَّذين يمسكون بِالْكتاب} (الْأَعْرَاف: ١٧٠) أَي: يتمسكون بِهِ، وَقَرَأَ البصريون: {وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر} (الممتحنه: ١٠) بِالتَّشْدِيدِ، والخطام، بِكَسْر الْخَاء: الزِّمَام الَّذِي يشد فِيهِ الْبرة، بِضَم الْبَاء وَفتح الرَّاء؛ حَلقَة من صفر تجْعَل فِي لحم أنف الْبَعِير. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: تجْعَل فِي إِحْدَى جَانِبي المنخرين. قَوْله: (بِذِي الْحجَّة) بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا وَالْكَسْر افصح، وَيجمع على: ذَوَات الْحجَّة، وَذي الْقعدَة، بِكَسْر الْقَاف، وَيجمع على ذَوَات الْعقْدَة. قَوْله: (وَأَعْرَاضكُمْ) جمع عرض، بِكَسْر الْعين، وَهُوَ مَوضِع الْمَدْح والذم من الْإِنْسَان، سَوَاء كَانَ فِي نَفسه أَو فِي سلفه. وَقيل: الْعرض الْحسب، وَقيل: الْخلق، وَقيل: النَّفس. وَقد مر تَحْقِيق الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (الشَّاهِد) أَي الْحَاضِر، من: شهد إِذا حضر. قَوْله: (أوعى) أَي: أحفظ، من الوعي وَهُوَ: الْحِفْظ والفهم.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (ذكر النَّبِي) ، بِنصب: النَّبِي، لِأَنَّهُ مفعول: ذكر، وَالضَّمِير فِي ذكر يرجع إِلَى الرَّاوِي. الْمَعْنى عَن أبي بكرَة أَنه كَانَ يُحَدِّثهُمْ، فَذكر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقَالَ: (قعد على بعيره) ، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر عَن أبي بكرَة أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، (قعد) . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ، عَن أبي بكرَة، قَالَ وَذكر النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فالواو: وَاو الْحَال، وَيجوز أَن تكون وَاو الْعَطف، على أَن يكون الْمَعْطُوف عَلَيْهِ محذوفاً. فَافْهَم. قَوْله: (قعد على بعيره) جملَة وَقعت مقول قَالَ الْمُقدر. قَوْله: (وَأمْسك) يجوز أَن تكون الْوَاو، فِيهِ للْحَال. وَقد علم أَن الْمَاضِي إِذا وَقع حَالا تجوز فِيهِ الْوَاو وَتركهَا، وَلَكِن لَا بُد من قد، ظَاهِرَة أَو مقدرَة، وَيجوز أَن تكون للْعَطْف على قعد. قَوْله: (أَي يَوْم هَذَا؟) جملَة وَقعت مقول القَوْل. قَوْله: (فسكتنا) عطف على: قَالَ. قَوْله: (حَتَّى) للغاية بِمَعْنى: إِلَى. قَوْله: (أَنه) ، بِفَتْح الْهمزَة فِي مَحل النصب على المفعولية. قَوْله: (سيسميه) : السِّين فِيهِ تفِيد توكيد النِّسْبَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى {أُولَئِكَ سيرحمهم الله} (التَّوْبَة: ٧١) السِّين مفيدة وجود الرَّحْمَة لَا محَالة، فَهِيَ تؤكد الْوَعْد كَمَا تؤكد الْوَعيد إِذا قلت: سأنتقم مِنْك. قَوْله: (أَلَيْسَ يَوْم النَّحْر؟) الْهمزَة فِيهِ لَيست للاستفهام الْحَقِيقِيّ، وَإِنَّمَا هِيَ تفِيد نفي مَا بعْدهَا، وَمَا بعْدهَا هَهُنَا منفي، فَتكون إِثْبَاتًا. لِأَن نفي النَّفْي إِثْبَات، فَيكون الْمَعْنى: هُوَ يَوْم النَّحْر. كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَلَيْسَ الله بكاف عَبده} (الزمر: ٣٩) أَي: الله كَاف عَبده، وَكَذَلِكَ قَوْله: {ألم نشرح لَك صدرك} (الإنشراح: ١) فَمَعْنَاه: شرحنا صدرك، وَلِهَذَا عطف عَلَيْهِ قَوْله: {ووضعنا} (الإنشراح: ٢) . قَوْله: (فَقُلْنَا) عطف على قَوْله: قَالَ. قَوْله: (بلَى) مقول القَوْل أقيم مقَام الْجُمْلَة الَّتِي هِيَ مقول القَوْل، وَهِي حرف يخْتَص بِالنَّفْيِ ويفيد إِبْطَاله سَوَاء كَانَ مُجَردا نَحْو: {زعم الَّذين كفرُوا أَن لن يبعثوا قل بلَى وربي} (التغابن: ٧) أَو مَقْرُونا بالاستفهام حَقِيقِيًّا كَانَ نَحْو: أَلَيْسَ زيد بقائم، فَتَقول: بلَى، أَو توبيخاً نَحْو: {أم يحسبون أَنا لَا نسْمع سرهم ونجواهم بلَى} (الزخرف: ٨٠) . {أيحسب الْإِنْسَان أَن لن نجمع عِظَامه بلَى} (الْقِيَامَة: ٣) . أَو تقريراً نَحْو: {ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى} (الْملك: ٨ ٩) . {أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى} (الْأَعْرَاف: ١٧٢) . أجروا النَّفْي مَعَ التَّقْدِير مجْرى النَّفْي الْمُجَرّد فِي رده ببلى، وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس: لَو قَالُوا: نعم كفرُوا، لِأَن: نعم، تَصْدِيق للْخَبَر بِنَفْي أَو إِيجَاب، وَلذَلِك قَالَت جمَاعَة من الْفُقَهَاء: لَو قَالَ: أَلَيْسَ لي عَلَيْك ألف؟ فَقَالَ: بلَى، لَزِمته. وَلَو قَالَ: نعم، لم تلْزمهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: تلْزمهُ فيهمَا، وجروا فِي ذَلِك على مُقْتَضى الْعرف لَا اللُّغَة. قَوْله: (حرَام) خبر: إِن، قَوْله: (ليبلغ) ، بِكَسْر الْغَيْن، لِأَنَّهُ أَمر، وَلكنه لما وصل بِمَا بعده حرك بِالْكَسْرِ، لِأَن الأَصْل فِي السَّاكِن إِذا حرك أَن يُحَرك بِالْكَسْرِ. قَوْله: (عَسى أَن يبلغ) ، فِي مَحل الرّفْع على أَنه خبر: إِن، وَقد علم أَن لعسى استعمالان: أَحدهمَا: أَن يكون فَاعله إسماً نَحْو: عَسى زيد أَن يخرج، فزيد مَرْفُوع بالفاعلية، و: أَن يخرج، فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة: قَارب زيد الْخُرُوج. وَالْآخر: أَن تكون أَن مَعَ صلتها فِي مَوضِع الرّفْع نَحْو: عَسى أَن يخرج زيد، فَيكون إِذْ ذَاك بِمَنْزِلَة: قرب أَن يخرج، أَي: خُرُوجه. وَمَا فِي الحَدِيث من هَذَا الْقَبِيل. قَوْله: (مِنْهُ) ، صلَة لأَفْعَل التَّفْضِيل، أَعنِي قَوْله: (أوعى) . فَإِن قلت: صلته كالمضاف إِلَيْهِ، فَكيف جَازَ الْفَصْل بَينهمَا بِلَفْظَة: لَهُ؟ قلت: جَازَ، لِأَن فِي الظّرْف سَعَة كَمَا جَازَ الْفَصْل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ بِهِ، قَالَ.
(فرشني بِخَير لأكونن ومدحتي ... كناحت يَوْمًا صَخْرَة بعسيل)
فَإِن قَوْله: يَوْمًا، فصل بَين: ناحت، الَّذِي هُوَ مُضَاف، وَبَين صَخْرَة، الَّذِي هُوَ مُضَاف إِلَيْهِ. وَقَوله: (فرشني) أَمر من راش
يريش، يُقَال: رَشَّتْ فلَانا إِذا أصلحت حَاله، والعسيل، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر السِّين الْمُهْملَة، مكنسة الْعَطَّار الَّذِي يجمع بِهِ الْعطر.
بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (قعد على بعيره) ، وَذَلِكَ كَانَ بمنى فِي يَوْم النَّحْر فِي حجَّة الْوَدَاع. قَوْله: (وَأمْسك إِنْسَان بخطامه) قيل: هَذَا الممسك كَانَ بِلَالًا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق أم الْحصين، قَالَت: حججْت فَرَأَيْت بِلَالًا يَقُود بِخِطَام رَاحِلَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَيُقَال: كَانَ الممسك عَمْرو بن خَارِجَة، فَإِنَّهُ وَقع فِي السّنَن من حَدِيثه، قَالَ: كنت آخذ بزمام نَاقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... فَذكر الْخطْبَة. قيل: هُوَ أولى أَن يُفَسر بِهِ الْمُبْهم، لِأَنَّهُ أخبر عَن نَفسه أَنه كَانَ ممسكاً بزمام نَاقَته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَيُقَال: كَانَ الممسك هُوَ أَبَا بكرَة الرَّاوِي، لما روى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْحُسَيْن عَن سُفْيَان عَن حبَان عَن ابْن الْمُبَارك عَن أبي عون بِسَنَدِهِ إِلَى أبي بكرَة. قَالَ: (خطب رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على رَاحِلَته يَوْم النَّحْر، وَأَمْسَكت، إِمَّا قَالَ: بخطامها أَو بزمامها) . قَوْله: (أَي يَوْم) ، هَذَا؟ لَيْسَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والأصيلي والحموي السُّؤَال عَن الشَّهْر، وَالْجَوَاب الَّذِي قبله وَلَفْظهمَا: (أَي يَوْم هَذَا؟ فسكتنا حَتَّى ظننا أَنه سيسميه سوى اسْمه، قَالَ: أَلَيْسَ بِذِي الْحجَّة؟) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وكريمة بالسؤال عَن الشَّهْر وَالْجَوَاب الَّذِي قبله، وَهِي أَيْضا كَذَلِك فِي مُسلم وَغَيره، وَكَذَا وَقع فِي مُسلم وَغَيره السُّؤَال عَن الْبَلَد، فَهَذِهِ ثَلَاثَة اسئلة عَن الْيَوْم والشهر والبلد، وَهِي ثَابِتَة عِنْد البُخَارِيّ فِي الْأَضَاحِي من رِوَايَة أَيُّوب، وَفِي الْحَج أَيْضا من رِوَايَة قُرَّة، كِلَاهُمَا عَن ابْن سِيرِين. وَذكر فِي أول حَدِيثه: (خَطَبنَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَوْم النَّحْر، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ أَي يَوْم هَذَا؟ قُلْنَا: الله وَرَسُوله أعلم، فَسكت حَتَّى ظننا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه) . وَذكر قَوْله: الله وَرَسُوله أعلم فِي الْجَواب عَن الأسئلة الثَّلَاثَة، وَكَذَلِكَ أوردهُ من رِوَايَة ابْن عمر، وَجَاء من رِوَايَة ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: (خَطَبنَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يَوْم النَّحْر، فَقَالَ: أَيهَا النَّاس! أَي يَوْم هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْم حرَام. قَالَ: فَأَي بلد هَذَا؟ قَالُوا: بلد حرَام. قَالَ: فَأَي شهر هَذَا؟ قَالُوا: شهر حرَام) . فَإِن قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس يشْعر بِأَنَّهُم أجابوه بقَوْلهمْ: هَذَا يَوْم حرَام وبلد حرَام وَشهر حرَام، وَهُوَ مُخَالف للمذكور هُنَا من حَدِيث أبي بكرَة، وَمن حَدِيث ابْن عمر أَيْضا أَنهم سكتوا حَتَّى ظنُّوا أَنه سيسميه بِغَيْر اسْمه، الْجَواب أَنه يحْتَمل أَن تكون الْخطْبَة مُتعَدِّدَة، فَأجَاب فِي الثَّانِيَة من علم فِي الأولى، وَلم يجب من لم يعلم فَنقل كل من الروَاة مَا سمع، وَيُقَال: إِن حَدِيث أبي بكرَة من رِوَايَة مُسَدّد وَقع نَاقِصا مخروماً لنسيان وَقع من بعض الروَاة. قَوْله: (فَإِن دماءكم) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: سفك دمائكم، وَكَذَا فِي: أَمْوَالكُم، التَّقْدِير: أَخذ أَمْوَالكُم، وَكَذَا فِي: أعراضكم، التَّقْدِير: سلب أعراضكم. قَوْله: (ليبلغ الشَّاهِد) ، أَي الْحَاضِر فِي الْمجْلس الْغَائِب عَنهُ، وَالْمرَاد مِنْهُ إِمَّا تَبْلِيغ القَوْل الْمَذْكُور، أَو تَبْلِيغ جَمِيع الْأَحْكَام. فَافْهَم.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: هُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ أَن الْعَالم يجب عَلَيْهِ تَبْلِيغ الْعلم لمن لم يبلغهُ، وتبيينه لمن لَا يفهمهُ، وَهُوَ الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه الله تَعَالَى على الْعلمَاء. {ليبيننه للنَّاس وَلَا يكتمونه} (آل عمرَان: ١٨٧) . الثَّانِي: فِيهِ أَنه يَأْتِي فِي آخر الزَّمَان من يكون لَهُ من الْفَهم فِي الْعلم من لَيْسَ لمن تقدمه، وَأَن ذَلِك يكون فِي الْأَقَل، لِأَن: رب، مَوْضُوعَة للتقليل، و: عَسى، موضعهَا الإطماع، وَلَيْسَت لتحقيق الشَّيْء. الثَّالِث: فِيهِ أَن حَامِل الحَدِيث يجوز أَن يُؤْخَذ عَنهُ، وَإِن كَانَ جَاهِلا بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ مَأْخُوذ من تبليغه، مَحْسُوب فِي زمرة أهل الْعلم. الرَّابِع: فِيهِ أَن مَا كَانَ حَرَامًا يجب على الْعَالم أَن يُؤَكد حرمته، ويغلظ عَلَيْهِ بأبلغ مَا يُوجد، كَمَا فعل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي المتشابهات. الْخَامِس: فِيهِ جَوَاز الْقعُود على ظهر الدَّوَابّ إِذا احْتِيجَ إِلَى ذَلِك، لَا للأشر والبطر، وَالنَّهْي فِي قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (لَا تَتَّخِذُوا ظُهُور الدَّوَابّ مجَالِس) ، مَخْصُوص بِغَيْر الْحَاجة. السَّادِس: فِيهِ الْخطْبَة على مَوضِع عَال ليَكُون أبلغ فِي سماعهَا للنَّاس، ورؤيتهم إِيَّاه. السَّابِع: فِيهِ مُسَاوَاة المَال وَالدَّم وَالْعرض فِي الْحُرْمَة. الثَّامِن: فِيهِ تَشْبِيه الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض بِالْيَوْمِ وبالشهر وبالبلد فِي الْحُرْمَة دَلِيل على اسْتِحْبَاب ضرب الْأَمْثَال، وإلحاق النظير بالنظير قِيَاسا، قَالَه النَّوَوِيّ.
الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: لِمَ شبه الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض فِي الْحُرْمَة بِالْيَوْمِ والشهر والبلد فِي غير هَذِه الرِّوَايَة؟ أُجِيب: بِأَنَّهُم كَانُوا لَا يرَوْنَ اسْتِبَاحَة هَذِه الْأَشْيَاء وانتهاك حرمتهَا بِحَال، وَكَانَ تَحْرِيمهَا ثَابتا فِي نُفُوسهم مقرراً عِنْدهم بِخِلَاف الدِّمَاء وَالْأَمْوَال والأعراض، فَإِنَّهُم فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يستبيحونها. وَقَالَ بَعضهم: أعلمهم الشَّارِع بِأَن تَحْرِيم دم الْمُسلم وَمَاله وَعرضه أعظم من تَحْرِيم الْبَلَد والشهر وَالْيَوْم، فَلَا يرد كَون الْمُشبه بِهِ أَخفض رُتْبَة من الْمُشبه لِأَن الْخطاب إِنَّمَا وَقع
بِالنِّسْبَةِ لما اعتاده المخاطبون قبل تَقْرِير الشَّرْع. قلت: لَا نسلم أَن الشَّارِع قَالَ: حُرْمَة هَذِه الْأَشْيَاء أعظم من حُرْمَة تِلْكَ الْأَشْيَاء حَتَّى يرد السُّؤَال بِكَوْن الْمُشبه بِهِ أَخفض رُتْبَة من الْمُشبه، وَإِنَّمَا الشَّارِع شبه حُرْمَة تِلْكَ بِحرْمَة هَذِه، لما ذكرنَا من وَجه التَّشْبِيه من غير تعرض إِلَى غير ذَلِك. وَمِنْهَا مَا قيل: لمَ سَأَلَ، عَلَيْهِ السَّلَام، عَن هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة وَسكت بعد كل سُؤال مِنْهَا؟ أُجِيب: لاستحضار فهومهم وليقبلوا عَلَيْهِ بكليتهم وليعلموا عَظمَة مَا يُخْبِرهُمْ عَنهُ، وَلذَلِك قَالَ بعد هَذَا: (فَإِن دماكم)
إِلَى آخِره، مُبَالغَة فِي تَحْرِيم الْأَشْيَاء الْمَذْكُورَة. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ كَانَ جوابهم عَن كل سُؤال بقَوْلهمْ: الله وَرَسُوله أعلم، على مَا ثَبت فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى للْبُخَارِيّ وَغَيره؟ أُجِيب: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك لحسن أدبهم. لأَنهم كَانُوا يعلمُونَ أَنه لَا يخفى عَلَيْهِ مَا يعرفونه من الْجَواب، وَأَنه لَيْسَ مُرَاد مُطلق الْإِخْبَار بِمَا يعرفونه، وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَة الْبَاب: (حَتَّى ظننا أَنه سيسميه سوى اسْمه) وَفِيه إِشَارَة إِلَى تَفْوِيض الْأُمُور بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى الشَّارِع، والانعزال عَمَّا ألفوه من الْمُتَعَارف الْمَشْهُور. وَمِنْهَا مَا قيل: لم أمسك الممسك بِخِطَام نَاقَته؟ أُجِيب: لصونه الْبَعِير عَن الِاضْطِرَاب والتشويش على رَاكِبه.
١٠ - (بابٌ العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ والعَمَلِ لِقولِهِ تَعَالَى {فاعلَمْ أنَّهُ لَا إلَهَ إلَاّ الله} (مُحَمَّد: ١٩) فبَدَأ بالعلْمِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن الْعلم قبل القَوْل وَالْعَمَل، أَرَادَ أَن الشَّيْء يعلم أَولا، ثمَّ يُقَال وَيعْمل بِهِ، فالعلم مقدم عَلَيْهِمَا بِالذَّاتِ، وَكَذَا مقدم عَلَيْهِمَا بالشرف، لِأَنَّهُ عمل الْقلب، وَهُوَ أشرف أَعْضَاء الْبدن. وَقَالَ ابْن بطال: الْعَمَل لَا يكون إلَاّ مَقْصُودا، يَعْنِي مُتَقَدما، وَذَلِكَ الْمَعْنى هُوَ علم مَا وعد الله عَلَيْهِ بالثواب. وَقَالَ ابْن الْمُنِير، أَرَادَ أَن الْعلم شَرط فِي صِحَة القَوْل وَالْعَمَل، فَلَا يعتبران إلَاّ بِهِ، فَهُوَ مُتَقَدم عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مصحح النِّيَّة المصححة للْعَمَل، فنبه البُخَارِيّ على ذَلِك حَتَّى لَا يسْبق إِلَى الذِّهْن من قَوْلهم: إِن الْعلم لَا يُفِيد إلَاّ بِالْعَمَلِ تهوين أَمر الْعلم والتساهل فِي طلبه. قَوْله: (فَبَدَأَ بِالْعلمِ) أَي: بَدَأَ الله تَعَالَى بِالْعلمِ أَولا حَيْثُ قَالَ: {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله} (مُحَمَّد: ١٩) ثمَّ قَالَ: {واستغفر لذنبك} (مُحَمَّد: ١٩) الاسْتِغْفَار إِشَارَة إِلَى القَوْل وَالْعَمَل؛ وَالْخطاب، وَإِن كَانَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَهُوَ متناول لأمته. وَقَالَ الزّجاج: هُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف؛ الْمَعْنى، قد بَينا وَقُلْنَا مَا يدل على أَن الله تَعَالَى وَاحِد، فَاعْلَم ذَلِك. وَالنَّبِيّ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قد علم ذَلِك، وَلكنه خطاب يدْخل النَّاس مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فطلقوهن} (الطَّلَاق: ١) ، وَالْمعْنَى: من علم فَليقمْ على ذَلِك الْعلم، كَقَوْلِه تَعَالَى {اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم} (الْفَاتِحَة: ٦) أَي ثبتنا. وَقيل: يتَعَلَّق بِمَا قبله، وَالْمعْنَى: إِذا جَاءَتْهُم السَّاعَة فَاعْلَم أَن لَا ملك وَلَا حكم لأحد إلاّ لله، وَيبْطل مَا عداهُ. وَسُئِلَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن فضل الْعلم، فَقَالَ: ألم تسمع قَوْله تَعَالَى حِين بَدَأَ بِهِ فَقَالَ: {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله واستغفر لذنبك} (مُحَمَّد: ١٩) فَأمره بِالْعَمَلِ بعد الْعلم، وَيعلم من الْآيَة أَن التَّوْحِيد مِمَّا يجب الْعلم بِهِ، وَلَا يجوز فِيهِ تَقْلِيد. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَكْفِي الِاعْتِقَاد الْجَازِم، وَإِن لم يعرف الْأَدِلَّة، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف من سيرة السّلف. وَمذهب أَكثر الْمُتَكَلِّمين أَن إِيمَان الْمُقَلّد فِي أصُول الدّين غير صَحِيح. وَقَالَ محيي السّنة: يجب على كل مُكَلّف معرفَة علم الْأُصُول، وَلَا يسع فِيهِ التَّقْلِيد لظُهُور دلائله. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ حَال الْمبلغ وَالسَّامِع، والمبلغ، بِكَسْر اللَّام، والمبلغ، بِفَتْحِهَا، لَا يقدران على التَّعْلِيم والتعلم إِلَّا بِالْعلمِ، وَهَذَا الْبَاب فِي بَيَان الْعلم قبل القَوْل وَالْعَمَل.
وأنّ العُلَماءَ هُمْ ورَثَةُ الأنْبِياءِ ورَّثُوا العِلْمَ، مَن أخَذَهُ أخَذَ بِحَظِّ وافِرٍ.
يجوز فِي: أَن، الْكسر وَالْفَتْح، أما الْفَتْح فبالعطف على مَا قبله، وَأما الْكسر فعلى سَبِيل الْحِكَايَة، أَو على تَقْدِير بَاب هَذِه الْجُمْلَة، وَهَذَا من حَدِيث مطول أخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مَحْمُود بن خِدَاش عَن مُحَمَّد بن يزِيد الوَاسِطِيّ عَن عَاصِم بن رَجَاء بن حَيْوَة عَن قيس بن كثير عَن أبي الدَّرْدَاء، رَضِي الله عَنهُ، أَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، قَالَ: (من سلك طَرِيقا يطْلب فِيهِ علما سهل الله لَهُ طَرِيقا إِلَى الْجنَّة، وَأَن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا رَضِي لطَالب الْعلم، وَأَن الْعَالم ليَسْتَغْفِر لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض، حَتَّى الْحيتَان فِي المَاء. وَفضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر على سَائِر الْكَوَاكِب، وَأَن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء، وَأَن الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما، وَإِنَّمَا ورثوا الْعلم فَمن أَخذه أَخذ بحظ وافر) . ثمَّ قَالَ: كَذَا حَدثنَا مَحْمُود، وَإِنَّمَا يرْوى هَذَا
الحَدِيث عَن عَاصِم عَن دَاوُد بن جميل عَن كثير بن قيس عَن أبي الدَّرْدَاء، وَهَذَا أصح من حَدِيث مَحْمُود، وَلَا يعرف هَذَا الحَدِيث إلَاّ من حَدِيث عَاصِم. وَلَيْسَ إِسْنَاده عِنْدِي بمتصلٍ وَفِي (علل) الدَّارَقُطْنِيّ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن كثير بن قيس، عَن يزِيد بن سَمُرَة عَن أبي الدَّرْدَاء. قَالَ: وَلَيْسَ بِمَحْفُوظ. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لم يقمه الْأَوْزَاعِيّ، وَقد خلط فِيهِ. وَقَالَ حَمْزَة: رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن عبد السَّلَام بن سليم عَن يزِيد بن سَمُرَة وَغَيره من أهل الْعلم عَن كثير بن قيس. قَالَ أَبُو عمر: وَعَاصِم بن رَجَاء، هَذَا ثِقَة مَشْهُور، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: عَاصِم بن رَجَاء وَمن فَوْقه إِلَى أبي الدَّرْدَاء ضعفاء، وَلَا يثبت. قَالَ: دَاوُد بن جميل، مَجْهُول، وَقَالَ الْبَزَّار: دَاوُد بن جميل وَكثير بن قيس لَا يعلمَانِ فِي غير هَذَا الحَدِيث، وَلَا نعلم روى عَن كثير غير دَاوُد والوليد بن مرّة، وَلَا نعلم روى عَن دَاوُد عَن غير عَاصِم. قَالَ ابْن الْقطَّان: اضْطربَ فِيهِ عَاصِم، فَعَنْهُ فِي ذَلِك ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: قَول عبد اللَّه بن دَاوُد عَن عَاصِم بن دَاوُد عَن كثير بن قيس. الثَّانِي: قَول أبي نعيم عَن عَاصِم عَمَّن حَدثهُ عَن كثير. الثَّالِث: قَول مُحَمَّد بن يزِيد الوَاسِطِيّ عَن عَاصِم عَن كثير، لم يذكر بَينهمَا أحد. والمتحصل من حَال هَذَا الْخَبَر هُوَ الْجَهْل بِحَال رَاوِيَيْنِ من رُوَاته، وَالِاضْطِرَاب فِيهِ مِمَّن لم يثبت عَدَالَته. انْتهى. وَقد مر من عِنْد التِّرْمِذِيّ أَن مُحَمَّد بن يزِيد روى عَن مَحْمُود بن خِدَاش فَسَماهُ قيس بن كثير، فَصَارَ اضطراباً رَابِعا، وَالْخَامِس: قَالَ فِي (التَّهْذِيب) : دَاوُد بن جميل، وَقَالَ بَعضهم: الْوَلِيد بن جميل. وَفِي (جَامع بَيَان الْعلم) لِابْنِ عبد الْبر، من رِوَايَة ابْن عَبَّاس عَن عَاصِم عَن جميل بن قيس، ثمَّ قَالَ: قَالَ حَمْزَة بن مُحَمَّد، كَذَا قَالَ ابْن عَيَّاش: فِي هَذَا الْخَبَر جميل بن قيس. وَقَالَ مُحَمَّد بن يزِيد وَغَيره عَن عَاصِم عَن كثير بن قيس، قَالَ: وَالْقلب إِلَى مَا قَالَه مُحَمَّد بن يزِيد أميل، وَهَذَا اضْطِرَاب سادس. وسابع: ذكره الدَّارَقُطْنِيّ، وَقد تقدم. وثامن: ذكره ابْن قَانِع فِي كتاب الصَّحَابَة، وَزعم أَن كثير بن قيس صَحَابِيّ، وَأَنه هُوَ الرَّاوِي عَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، هَذَا الحَدِيث، وَتبع ابْن القانع ابْن الْأَثِير على هَذَا. وَقَول ابْن الْقطَّان: لَا يعلم كثير فِي غير هَذَا الحَدِيث يردهُ قَول أبي عمر: روى عَن أبي الدَّرْدَاء، وَعبد اللَّه بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَمَعَ ذَلِك فقد قَالَ أَبُو عمر: قَالَ حَمْزَة: وَهُوَ حَدِيث حسن غَرِيب. وَالْتزم الْحَاكِم صِحَّته، وَكَذَلِكَ ابْن حبَان رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الثَّقَفِيّ: ثَنَا عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد، قَالَ: ثَنَا عبد اللَّه بن دَاوُد، فَذكره مطولا. وَلما ذكر فِي (كتاب الضُّعَفَاء) تأليفه حَدِيث جَابر بن عبد اللَّه قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أكْرمُوا الْعلمَاء فَإِنَّهُم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء) قَالَ: فِيهِ الضَّحَّاك بِهِ حَمْزَة، وَلَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ. وَقد رُوِيَ: (الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء) بأسانيد صَالِحَة، وَرَوَاهُ أَبُو عمر من حَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم عَن خَالِد بن يزِيد عَن عُثْمَان بن أَيمن عَن أبي الدَّرْدَاء رَضِي الله عَنهُ، وَلما ذكر الْخَطِيب فِي (تَارِيخه) حَدِيث نَافِع عَن مَوْلَاهُ ابْن عمر أَن رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (حَملَة الْعلم فِي الدُّنْيَا خلفاء الْأَنْبِيَاء، وَفِي الْآخِرَة من الشُّهَدَاء) . قَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر لم نَكْتُبهُ إلَاّ بِهَذَا السَّنَد، وَهُوَ غير ثَابت، وَإِنَّمَا سمى الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء لقَوْله تَعَالَى: {ثمَّ أَوْرَثنَا الْكتاب الَّذين اصْطَفَيْنَا من عبادنَا} (فاطر: ٣٢) . قَوْله: (ورثوا الْعلم) ، بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء من التوريث. وَيجوز بِفَتْح الْوَاو وَكسر الرَّاء المخففة، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى الْأَنْبِيَاء فِي قِرَاءَة التَّشْدِيد، وَإِلَى الْعلمَاء فِي قِرَاءَة التَّخْفِيف، وَأعَاد بَعضهم الضَّمِير إِلَى الْعلمَاء فِي الْوَجْهَيْنِ وَلَيْسَ بِصَحِيح، وَيجوز ضم الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء الْمَكْسُورَة أَيْضا، فعلى هَذَا يرجع الضَّمِير أَيْضا إِلَى الْعلمَاء. قَوْله: (من أَخذه) أَي: من أَخذ الْعلم من مِيرَاث النُّبُوَّة أَخذ بحظ، أَي: بِنَصِيب وافر كثير كَامِل، فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يفصح البُخَارِيّ بِكَوْن هَذَا حَدِيثا. قلت: للعلل الَّتِي ذَكرنَاهَا، وَلذَا لَا يعد أَيْضا من تعاليقه، وَلَكِن إِيرَاده فِي التَّرْجَمَة يشْعر بِأَن لَهُ أصلا، وَشَاهده فِي الْقُرْآن.
ومَنَ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ بِهِ عِلْماً سَهَّلَ الله لَهُ طَرِيقاً إِلى الجَنةِ
هَذَا أخرجه مُسلم من حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَهُوَ حَدِيث طَوِيل أَوله: (من نفس عَن مُؤمن كربَة)
الحَدِيث، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا، وَقَالَ: حَدِيث حسن. فَإِن قلت: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَلذَا أخرجه مُسلم، فَكيف اقْتصر التِّرْمِذِيّ على قَوْله: حسن، وَلم يقل: حسن صَحِيح؟ قلت: لِأَنَّهُ يُقَال: إِن الْأَعْمَش دلّس فِيهِ، فَقَالَ: حدثت عَن أبي صَالح، وَلَكِن فِي رِوَايَة مُسلم عَن أبي أُسَامَة عَن الْأَعْمَش: حَدثنَا أَبُو صَالح، فانتفت تُهْمَة تدليسه. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن أبي الْأَحْوَص عَن هَارُون بن عنترة عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، مَوْقُوفا. قَوْله: (يطْلب) جملَة وَقعت حَالا، وَالضَّمِير فِي: بِهِ، رَجَعَ إِلَى المسلك الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله: سلك، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} (الْمَائِدَة: ٨) . قَوْله: (علما) ، إِنَّمَا نكره ليتناول
أَنْوَاع الْعُلُوم الدِّينِيَّة، وليندرج فِيهِ الْقَلِيل وَالْكثير. قَوْله: (سهل الله لَهُ) ، أَي فِي الْآخِرَة، أَو المُرَاد مِنْهُ: وَفقه الله للأعمال الصَّالِحَة فيوصله بهَا إِلَى الْجنَّة أَو: سهل عَلَيْهِ مَا يزِيد بِهِ علمه، لِأَنَّهُ أَيْضا من طرق الْجنَّة بل أقربها.
وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ {إنَّما يَخْشَى الله مِن عِبادِهِ العُلَماءُ} (فاطر: ٢٨)
هَذَا فِي الْمَعْنى عطف على قَوْله: لقَوْل الله تَعَالَى: {فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله} (مُحَمَّد: ١٩) . الْمَعْنى؛ إِنَّمَا يخَاف الله من عباده الْعلمَاء، أَي: من علم قدرته وسلطانه، وهم الْعلمَاء. قَالَه ابْن عَبَّاس. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: المُرَاد الْعلمَاء الَّذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده، وَمَا يجوز عَلَيْهِ وَمَا لَا يجوز، فعظموه وقدروه وخشوه حق خَشيته، وَمن ازْدَادَ بِهِ علما ازْدَادَ مِنْهُ خوفًا، وَمن كَانَ عَالما بِهِ كَانَ آمنا. وَفِي الحَدِيث: (أعلمكُم بِاللَّه أَشدّكُم لَهُ خشيَة) . وَقَالَ رجل لِلشَّعْبِيِّ: افتني أَيهَا الْعَالم؟ فَقَالَ: الْعَالم من خشِي الله. وَقيل: نزلت فِي أبي بكر الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، وَقد ظهر عَلَيْهِ الخشية حَتَّى عرفت. انْتهى. وقرىء: (إِنَّمَا يخْشَى الله) بِرَفْع لَفْظَة: الله، وَنصب: الْعلمَاء، وَهُوَ قِرَاءَة عمر بن عبد الْعَزِيز وَأبي حنيفَة، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَوجه هَذِه الْقِرَاءَة أَن الخشية فِيهَا تكون اسْتِعَارَة، وَالْمعْنَى: إِنَّمَا يجلهم ويعظمهم، وَمن لَوَازِم الخشية التَّعْظِيم، فَيكون هَذَا من قبيل ذكر الْمَلْزُوم وَإِرَادَة اللَّازِم. وَفِي أَيَّام اشتغالي على الإِمَام الْعَلامَة أبي الرّوح شرف الدّين عِيسَى السِّرّ ماري فِي علمي التَّفْسِير والمعاني وَالْبَيَان، تغمده الله برحمته، حضر شخص من أهل الْعلم وَقت الدَّرْس وَسَأَلَهُ عَن هَذِه الْآيَة، فَقَالَ: خشيَة الله تَعَالَى مَقْصُورَة على الْعلمَاء بقضية الْكَلَام، وَقد ذكر الله تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى أَن الْجنَّة لمن خشِي، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {ذَلِك لمن خشِي ربه} (الْبَيِّنَة: ٨) فليزم من ذَلِك أَن لَا تكون الْجنَّة إِلَّا للْعُلَمَاء خَاصَّة، فَسكت جَمِيع من كَانَ هُنَاكَ من الْفُضَلَاء الأذكياء الَّذين كَانَ كل مِنْهُم يزْعم أَنه المفلق فِي العلمين الْمَذْكُورين، فَأجَاب الشَّيْخ، رَحمَه الله: إِن المُرَاد من الْعلمَاء: الموحدون، وَإِن الْجنَّة لَيست إلَاّ للموحدين الَّذين يَخْشونَ الله تَعَالَى. فَإِن قلت: مَا وَجه إِدْخَال هَذِه الْآيَة فِي التَّرْجَمَة؟ قلت: هُوَ ظَاهر، وَذَلِكَ أَن الْبَاب فِي الْعلم، وَالْآيَة فِي مدح الْعلمَاء، وَلم يستحقوا هَذَا الْمَدْح إلَاّ بِالْعلمِ.
وَقَالَ {وَمَا يَعْقِلُها إِلَاّ العالِمُون} (العنكبوت: ٤٣)
أَي: وَمَا يعقل الْأَمْثَال المضروبة إلَاّ الْعلمَاء الَّذين يعْقلُونَ عَن الله، وروى جَابر، رَضِي الله عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما تَلا هَذِه الْآيَة، فَقَالَ: الْعَالم الَّذِي عقل عَن الله فَعمل بِطَاعَتِهِ واجتنب سخطه) . وَوجه إدخالها فِي التَّرْجَمَة مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْآيَة السَّابِقَة.
وَقَالُوا: {لَو كُنّا نَسْمَعُ أَو نَعقِلُ مَا كُنَّا فِي أصْحابِ السَّعِيرِ} (الْملك: ١٠)
هَذَا حِكَايَة عَن قَول الْكفَّار حِين دُخُولهمْ النَّار، أَي: لَو كُنَّا نسْمع الْإِنْذَار سَماع طَالِبين للحق، أَو نعقله عقل متأملين، وَإِنَّمَا حذف مفعول نعقل لِأَنَّهُ جعل كالفعل اللَّازِم، وَالْمعْنَى: لَو كُنَّا من أهل الْعلم لما كُنَّا من أهل النَّار، وَإِنَّمَا جمع بَين السّمع وَالْعقل لِأَن مدَار التَّكْلِيف على أَدِلَّة السّمع وَالْعقل. وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ لَو كُنَّا نسْمع سمع من يعي، أَو نعقل عقل من يُمَيّز وَينظر، مَا كُنَّا من أهل النَّار. وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا: (إِن لكل شَيْء دعامة، ودعامة الْمُؤمن عقله) . فبقدر مَا يعقل يعبد ربه، وَلَقَد نَدم الْفجار يَوْم الْقِيَامَة فَقَالُوا: {لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير} (الْملك: ١٠) روى أنس، رَضِي الله عَنهُ، مَرْفُوعا؛ (إِن الأحمق ليصيب بحمقه أعظم من فجور الْفَاجِر، وَإِنَّمَا يرْتَفع الْعباد غَدا فِي الدَّرَجَات، وينالون الزلفى من رَبهم على قدر عُقُولهمْ. فَإِن قلت: مَا وَجه إِدْخَال هَذِه الْآيَة فِي التَّرْجَمَة؟ قلت: وَجهه أَن المُرَاد من الْعقل الْعلم هَهُنَا، فَإِن الْكفَّار تمنوا أَن لَو كَانَ لَهُم الْعلم لما دخلُوا النَّار.
وَقَالَ {هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعلَمُون والذِينَ لَا يَعلمُون} (الزمر: ٩)
أَرَادَ بالذين يعلمُونَ: العاملين من عُلَمَاء الدّيانَة، كَأَنَّهُ جعل من لَا يعْمل غير عَالم، وَفِيه ازدراء عَظِيم بالذين يقتنون الْعُلُوم ثمَّ يفتنون بالدنيا، وَوجه دُخُولهَا فِي التَّرْجَمَة هُوَ أَن الله تَعَالَى نفى الْمُسَاوَاة بَين الْعلم وَالْجَاهِل، وَيَقْتَضِي نفي الْمُسَاوَاة أَيْضا بَين الْعَالم وَالْجَاهِل، وَفِيه مدح للْعلم وذم للْجَهْل.
وَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَن يُرِدِ الله بِهِ خَيراً يُفَقِّههُ
ذكره مُعَلّقا، وَقد علم أَن مَا كَانَ من هَذَا فَهُوَ عِنْده فِي حكم الْمُتَّصِل لإيراده لَهُ بِصِيغَة الْجَزْم، مَعَ أَنه ذكره مَوْصُولا بعد هَذَا ببابين، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، من حَدِيث مُعَاوِيَة، رَضِي الله عَنهُ. قَوْله: (يفقهه) أَي: يفهمهُ، إِذْ الْفِقْه فِي اللُّغَة الْفَهم. قَالَ تَعَالَى {يفقهوا قولي} (طه: ٢٨) أَي: يفهموا قولي، من فقه يفقه، من بَاب: علم يعلم، ثمَّ خص بِهِ علم الشَّرِيعَة، والعالم بِهِ يُسمى فَقِيها. وَجَاء: فقه، بِالضَّمِّ، فقاهة، وَهَكَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين: يفقه، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: بِالْهَاءِ الْمُشَدّدَة الْمَكْسُورَة بعْدهَا مِيم، وَأخرجه ابْن أبي عَاصِم بِهَذَا اللَّفْظ فِي كتاب الْعلم من طَرِيق ابْن عمر عَن عمر، رَضِي الله عَنهُ، مَرْفُوعا بِإِسْنَاد حسن.
{وَإِنَّمَا العِلم بالتَّعَلُّمِ}
قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يكون هَذَا من كَلَام البُخَارِيّ. قلت: هَذَا حَدِيث مَرْفُوع أوردهُ ابْن أبي عَاصِم وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث مُعَاوِيَة، رَضِي الله عَنهُ، بِلَفْظ: (يَا أَيهَا النَّاس تعلمُوا إِنَّمَا الْعلم بالتعلم، وَالْفِقْه بالتفقه وَمن يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين) ، إِسْنَاده حسن، والمبهم الَّذِي فِيهِ اعتضد بمجيئه من وَجه آخر، وَرَوَاهُ الْخَطِيب فِي كتاب (الْفَقِيه والمتفقه) من حَدِيث مَكْحُول عَن مُعَاوِيَة وَلم يسمع مِنْهُ. قَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا الْعلم بالتعلم وَالْفِقْه بالتفقه) . وروى الْبَزَّار نَحوه من حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مَوْقُوفا: (بالتعلم) ، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد اللَّام، وَفِي بعض النّسخ بالتعليم، أَي لَيْسَ الْعلم المعتد إلَاّ الْمَأْخُوذ عَن الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، على سَبِيل التَّعَلُّم والتعليم، فيفهم مِنْهُ أَن الْعلم لَا يُطلق إلَاّ على علم الشَّرِيعَة، وَلِهَذَا لَو أوصى رجل للْعُلَمَاء لَا ينْصَرف إلَاّ على أَصْحَاب الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالْفِقْه.
وَقَالَ أبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصمَّصْامَةَ على هَذِه، وأشارَ إِلَى قَفَاهُ، ثمَّ ظَنَنْتُ أنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُها مِنَ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَبْلَ أَن تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُها.
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الدَّارمِيّ مَوْصُولا فِي (مُسْنده) من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ: حَدثنِي مرْثَد بن أبي مرْثَد عَن أَبِيه قَالَ: (أتيت أَبَا ذَر وَهُوَ جَالس عِنْد الْجَمْرَة الْوُسْطَى، وَقد اجْتمع النَّاس عَلَيْهِ يستفتونه، فَأَتَاهُ رجل فَوقف عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: ألَمْ تُنْهَ عَن الْفتيا؟ فَرفع رَأسه إِلَيْهِ، فَقَالَ: أرقيب أَنْت عَليّ؟ لَو وضعتم) فَذكر مثله. وَرَوَاهُ أَحْمد بن منيع عَن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن الدِّمَشْقِي، عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن مرْثَد بن أبي مرْثَد عَن أَبِيه قَالَ: (جَلَست إِلَى أبي ذَر الْغِفَارِيّ، رَضِي الله عَنهُ، إِذْ وقف عَلَيْهِ رجل فَقَالَ: ألم ينهك أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن الْفتيا؟ فَقَالَ أَبُو ذَر: وَالله لَو وضعتم الصمصامة على هَذِه، وَأَشَارَ إِلَى حلقه، على أَن أترك كلمة سَمعتهَا من رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لأنفذتها قبل أَن يكون ذَلِك) . قلت: كَانَ سَبَب ذَلِك أَن أَبَا ذَر كَانَ بِالشَّام، وَاخْتلف مَعَ مُعَاوِيَة فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى {وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة} (التَّوْبَة: ٢٤) فَقَالَ مُعَاوِيَة: نزلت فِي أهل الْكتاب خَاصَّة، وَقَالَ أَبُو ذَر: نزلت فِينَا وَفِيهِمْ، فَكتب مُعَاوِيَة إِلَى عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، فَأرْسل إِلَى أبي ذَر، فحصلت مُنَازعَة أدَّت إِلَى انْتِقَال أبي ذَر عَن الْمَدِينَة، فسكن الربذَة، بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة والذال الْمُعْجَمَة، إِلَى أَن مَاتَ، وَقد ذَكرْنَاهُ، واسْمه جند بن جُنَادَة. قَوْله: (الصمصامة) قَالَ الْجَوْهَرِي: الصمصام والصمصامة: السَّيْف الصارم الَّذِي لَا ينثني، وَأَشَارَ بقوله: هَذِه، إِلَى: الْقَفَا، والقفا: يذكر وَيُؤَنث، وَهُوَ مَقْصُور مُؤخر الْعُنُق. قَوْله: (أنفذ) ، بِضَم الْهمزَة والذال الْمُعْجَمَة، أَي ظَنَنْت أَنِّي أقدر على إِنْفَاذ كلمة أَي: تبليغها. وَقَوله: (قبل أَن تجيزوا) ، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الْجِيم وَبعد الْيَاء زَاي مُعْجمَة، أَي قبل أَن يقطعوا عَليّ، أَرَادَ بِهِ: قبل أَن يقطعوا رَأْسِي. وَقَالَ الصغاني: والتركيب يدل على قطع الشَّيْء. قلت: وَمِنْه قَوْله:
(حَتَّى أجَاز الْوَادي)
أَي: قطعه.
(فَأَكُون أول من يُجِيز)
أَي: أول من يقطع مَسَافَة الصِّرَاط. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وتجيزوا، أَي الصمصامة عَليّ، أَي: على قفاي. قلت: هُوَ من أجَاز الشَّيْء إِذا انفذه، و: الصمصامة، مَفْعُوله، وَكلمَة: على لَيست صلَة لأجل التَّعَدِّي. وَحَاصِل الْمَعْنى: أَنه يبلغ مَا يحملهُ فِي كل حَال، وَلَا ينثني عَن ذَلِك، وَلَو عرض عَلَيْهِ الْقَتْل أَو وضع على قَفاهُ السَّيْف، وَفِيه دَلِيل على أَن أَبَا ذَر، رَضِي الله عَنهُ، كَانَ لَا يرى بِطَاعَة الإِمَام إِذا نَهَاهُ عَن الْفتيا، لِأَنَّهُ كَانَ يرى أَن ذَلِك وَاجِب عَلَيْهِ لأمر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالتبليغ عَنهُ، وَلَعَلَّه أَيْضا سمع الْوَعيد فِي حق من كتم علما يُعلمهُ. فَإِن قلت: لَو لِامْتِنَاع الثَّانِي لِامْتِنَاع الأول على الْمَشْهُور، فَمَعْنَاه: انْتَفَى الإنفاذ لانْتِفَاء الْوَضع، وَلَيْسَ الْمَعْنى عَلَيْهِ. قلت: هُوَ مثل: (لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ) . يَعْنِي: يكون الحكم ثَابتا على تَقْدِير النقيض بِالطَّرِيقِ الأولى، فَالْمُرَاد أَن الإنفاذ حَاصِل على تَقْدِير الْوَضع، وعَلى تَقْدِير عدم الْوَضع حُصُوله أولى، أَو إِن: لَو هَهُنَا لمُجَرّد الشَّرْط يَعْنِي حكمهَا حكم: إِن، من
غير مُلَاحظَة الِامْتِنَاع. وَفِيه من الْفِقْه أَنه يجوز للْعَالم أَن يَأْخُذ فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بالشدة، ويتحمل الْأَذَى، ويحتسب رَجَاء ثَوَاب الله تَعَالَى، وَيُبَاح لَهُ أَن يسكت إِذا خَافَ الْأَذَى كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ: لَو حدثتكم بِكُل مَا سَمِعت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقطع هَذَا البلعوم، وَعنهُ: لَو حدثتكم بِكُل مَا فِي جوفي لرميتموني بالبعر. وَقَالَ الْحسن: صدق، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَا يتَعَلَّق بالفتن مِمَّا لَا يتَعَلَّق بِذكرِهِ مصلحَة شَرْعِيَّة.
وَقَالَ ابنُ عَباسٍ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ حُلَماءَ فُقَهاءَ
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْخَطِيب فِي كتاب (الْفَقِيه والمتفقه) بِسَنَد صَحِيح عَن أبي بكر الْحَرْبِيّ: ثَنَا أَبُو مُحَمَّد حَاجِب ابْن أَحْمد الطوسي، ثَنَا عبد الرَّحِيم بن حبيب، ثَنَا الفضيل ابْن عِيَاض عَن عَطاء عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ. وَرَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب (الْعلم) عَن الْمقدمِي: ثَنَا أَبُو دَاوُد عَن معَاذ عَن سماك عَن عِكْرِمَة عَنهُ، وَقد فسر ابْن عَبَّاس: الرباني بِأَنَّهُ الْحَكِيم الْفَقِيه، وَوَافَقَهُ ابْن مَسْعُود فِيمَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي غَرِيبه عَنهُ بِإِسْنَاد صَحِيح، والرباني: مَنْسُوب إِلَى الرب، وَأَصله الربي، فزيدت فِيهِ الْألف وَالنُّون للتَّأْكِيد وَالْمُبَالغَة فِي النِّسْبَة. وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي كِتَابه (الْمُنْتَهى) : فِي اللُّغَة الرباني: المتأله الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى، وربيت الْقَوْم سستهم أَي: كنت فَوْقهم. وَقَالَ أَبُو نصر: هُوَ من الربوبية، وَعَن ابْن الْأَعرَابِي لَا يُقَال للْعَالم رباني حَتَّى يكون عَالما معلما. وَيُقَال: هُوَ العالي الدرجَة فِي الْعلم، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: الرباني مَنْسُوب إِلَى الرب كَأَنَّهُ الَّذِي يقْصد مَا أمره الرب، وَفِي كتاب (الْفَقِيه) للخطيب عَن مُجَاهِد: الربانيون الْفُقَهَاء، وهم فَوق الْأَحْبَار. وَقَالَ نفطويه: قَالَ أَحْمد بن يحيى: إِنَّمَا قيل للْعُلَمَاء ربانيون لأَنهم يربون الْعلم، أَي: يقومُونَ بِهِ. وَفِي كتاب (الْفِقْه) عَنهُ إِذا كَانَ الرجل عَالما عَاملا معلما قيل لَهُ: هَذَا رباني. فَإِن خرم خصْلَة مِنْهَا لم يقل لَهُ رباني. وَعند الطَّبَرِيّ عَن ابْن زيد: الربيون الأتباع، والربانيون الْوُلَاة، والربيون الرّعية. وَعَن الْأَزْهَرِي: هم أَرْبَاب الْعلم الَّذين يعلمُونَ مَا يعلمُونَ. وَقَالَ أَبُو عبيد: سَمِعت رجلا عَالما بالكتب يَقُول: الربانيون الْعلمَاء بالحلال وَالْحرَام. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الربي، وَالْجمع: ربيون: هم الْعباد الَّذين يصحبون الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، ويصبرون مَعَهم، وهم الربانيون، نسبوا إِلَى عبَادَة الرب، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقيل: هم الْعلمَاء الصَّبْر. وَقيل: لَيْسَ ربيون بلغَة الْعَرَب، إِنَّمَا هِيَ سريانية أَو عبرانية. وَحكي عَن بعض اللغويين أَن الْعَرَب لَا تعرف الرباني، وَقَالَ: إِنَّمَا فسره الْفُقَهَاء. قَالَ الْقَزاز: وَأَنا أرى أَن يكون عَرَبيا. قَوْله: (حكماء) جمع حَكِيم، وَالْحكمَة صِحَة القَوْل وَالْعقد وَالْفِعْل، وَيُقَال: الْحِكْمَة، الْفِقْه فِي الدّين. وَقيل: الْحِكْمَة معرفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَالْفُقَهَاء جمع فَقِيه، وَالْفِقْه: الْفَهم لُغَة، وَفِي الِاصْطِلَاح: الْعلم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة العملية من أدلتها التفصيلية، وَفِي بعض النّسخ: (حلماء) ، جمع حَلِيم بِاللَّامِ، والحلم هُوَ الطُّمَأْنِينَة عِنْد الْغَضَب، وَفِي بَعْضهَا عُلَمَاء، وَهُوَ من بَاب ذكر الْخَاص بعد الْعَام، وَالظَّاهِر أَن حكماء وفقهاء تَفْسِير للربانيين.
ويُقالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ
هَذَا حِكَايَة البُخَارِيّ عَن قَول بَعضهم، وَهُوَ من التربية أَي: الَّذِي يُربي النَّاس بجزئيات الْعلم قبل كلياته، أَو بفروعه قبل أُصُوله، أَو بمقدماته قبل مقاصده. فَإِن قلت: هَذَا كُله هُوَ التَّرْجَمَة، فَأَيْنَ مَا هَذِه تَرْجَمته؟ قلت: إِمَّا أَنه أَرَادَ أَن يلْحق الْأَحَادِيث الْمُنَاسبَة إِلَيْهَا، فَلم يتَّفق لَهُ. وَإِمَّا أَنه للإشعار بِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده بِشَرْطِهِ مَا يُنَاسِبهَا، وَإِمَّا أَنه اكْتفى بِمَا ذكره تَعْلِيقا، لِأَن الْمَقْصُود من الْبَاب بَيَان فَضِيلَة الْعلم، وَيعلم ذَلِك من الْمَذْكُور آيَة وحديثاً وإجماعاً سكوتياً من الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، بِحَيْثُ انْتهى إِلَى حد علم الضَّرُورَة فَلم يحْتَج إِلَى الزِّيَادَة، أَو لسَبَب آخر، وَالله أعلم.
١١ - (بَاب مَا كانَ النبيُّ يَتَخَوَّلُهُمْ بالموْعِظَةِ والعِلْمِ كَي لَا يَنْفِرُوا)
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول: إِن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، يَتَخَوَّلُ الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، بِالْمَوْعِظَةِ، وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَهُوَ مُضَاف إِلَى مَا بعده من الْجُمْلَة، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: بَاب كَون النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام يتخولهم. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ الْعلم، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التخول بِالْعلمِ. الثَّالِث: قَوْله: يتخولهم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره اللَّام، مَعْنَاهُ: يتعهدهم، وَهُوَ من التخول، وَهُوَ التعهد
يَعْنِي: كَانَ يتعهدهم ويراعي الْأَوْقَات فِي وعظهم، ويتحرى مِنْهَا مَا كَانَ مَظَنَّة الْقبُول، وَلَا يَفْعَله كل يَوْم لِئَلَّا يسأم. والخائل الْقَائِم المتعهد للْحَال، ذكره الْخطابِيّ. والآن يَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) قَالَ الصغاني: الْوَعْظ والعظة وَالْمَوْعِظَة مصَادر قَوْلك: وعظته أعظه. والوعظ: هُوَ النصح والتذكير بالعواقب، وَعطف الْعلم على الموعظة من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، عكس: وَمَلَائِكَته وَجِبْرِيل. وَذكره الموعظة لكَونهَا مَذْكُورَة فِي الحَدِيث، وَأما الْعلم فَإِنَّمَا ذكره استنباطاً. قَوْله: (كي لَا ينفروا) : أَي: لِئَلَّا يملوا عَنهُ ويتباعدوا مِنْهُ، يُقَال: نفر ينفر، من بَاب: ضرب يضْرب، وَنَفر ينفر من بَاب نصر ينصر نفوراً بِالضَّمِّ، ونفار بِالْفَتْح، والنفور أَيْضا جمع نافر كشاهد وشهود، وَيُقَال: فِي الدَّابَّة نفار، بِكَسْر النُّون، وَهُوَ اسْم مثل الحران، والتركيب يدل على تجافٍ وتباعد.
٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبَرَنا سُفْيانُ عَن الأعْمَشِ عَن أبي وائِلٍ عنِ ابْنِ مَسْعُودَ قَالَ كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَخَوَّلُنا بالمَوْعِظَةِ فِي الأيَّامِ كَرَاهةَ السَّآمَة عَلَيْنا.
مُطَابقَة الحَدِيث لإحدى الترجمتين وَهِي قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) ظَاهِرَة، وَالْبَاب مترجم بترجمتين إِحْدَاهمَا: قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) وَالْأُخْرَى: قَوْله: (كي لَا ينفروا) ، فأورد فِيهِ حديثين كل مِنْهُمَا يُطَابق وَاحِدَة مِنْهُمَا.
بَيَان رِجَاله: وهم خسمة: الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف، قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي (شَرحه) : هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف بن وَاقد الْفرْيَابِيّ، أَبُو عبد اللَّه الضَّبِّيّ، مَوْلَاهُم، سكن قيسارية من سَاحل الشَّام، أدْرك الْأَعْمَش وروى عَنهُ وَعَن السفيانين وَغَيرهم، وروى عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد الذهلي وَمُحَمّد بن مُسلم ابْن وارة وَغَيرهم، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، وروى فِي كتاب الصَدَاق عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب عَنهُ، وروى بَقِيَّة الْجَمَاعَة عَن رجل عَنهُ. قَالَ أَحْمد: كَانَ رجلا صَالحا. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ البُخَارِيّ: كَانَ من أفضل أهل زَمَانه، مَاتَ فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف أَبُو أَحْمد البيكندي، وَهَذَا وهم، لِأَن البُخَارِيّ حَيْثُ يُطلق مُحَمَّد بن يُوسُف لَا يُرِيد بِهِ، إلَاّ الْفرْيَابِيّ، وَإِن كَانَ يروي أَيْضا عَن البيكندي. فَافْهَم. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ: فَإِن قلت: مُحَمَّد بن الْفرْيَابِيّ يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَيْضا كَمَا ذكرنَا، فَمَا الْمُرَجح هَهُنَا لِسُفْيَان الثَّوْريّ؟ قلت: الْفرْيَابِيّ، وَإِن كَانَ يروي عَن السفيانين، وَلكنه حَيْثُ يُطلق لَا يُرِيد بِهِ، إلَاّ الثَّوْريّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن مهْرَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: أَبُو واثل، شَقِيق بن سَلمَة الْكُوفِي. الْخَامِس: عبد اللَّه بن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ.
بَيَان الْأَنْسَاب: الْفرْيَابِيّ، بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة نِسْبَة إِلَى فرياب، اسْم مَدِينَة من نواحي بَلخ. قَالَ الصغاني: فرياب مثل جربال، وَيُقَال: فيرياب مثل: كيمياء، وَيُقَال: فارياب، مثل: قاصعاء، وَأما: فاراب، فَهِيَ نَاحيَة وَرَاء نهر سيحون فِي تخوم بِلَاد التّرْك، وفراب مثل سَحَاب قَرْيَة فِي سفح جبل على ثَمَانِيَة فراسخ من سَمَرْقَنْد، وفراب مثل: كفار، قَرْيَة من قرى أَصْبَهَان. الضَّبِّيّ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبة بن اد بن طابخة بن الياس بن مُضر، وَفِي قُرَيْش أَيْضا: ضبة بن الْحَارِث بن فهر، ذكره ابْن حبيب. وَفِي هُذَيْل أَيْضا: ضبة بن عَمْرو ابْن الْحَارِث بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل. البيكندي، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة وَفتح الْكَاف وَسُكُون النُّون بعْدهَا الدَّال الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى بيكند، قَرْيَة من قرى بُخَارى.
بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كوفيون مَا خلا الْفرْيَابِيّ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. فَإِن قلت: الْأَعْمَش مُدَلّس وَقد عنعن هُنَا، وَقد روى مُسلم من طَرِيق عَليّ بن مسْهر عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه، فَذكر الحَدِيث: قَالَ عَليّ بن مسْهر قَالَ الْأَعْمَش: وحَدثني عَمْرو بن مرّة عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه مثله، فقد يُوهم هَذَا أَن الْأَعْمَش دلسه، أَولا عَن شَقِيق، ثمَّ سمى الْوَاسِطَة بَينهمَا. قلت: صرح أَحْمد فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث بِسَمَاع الْأَعْمَش عَن شَقِيق، فَقَالَ: سَمِعت شقيقاً، وَهُوَ أَبُو وَائِل، وَكَذَا صرح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ عِنْد البُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات من رِوَايَة حَفْص بن غياث عَنهُ، قَالَ: حَدثنِي شَقِيق، وَزَاد فِي أَوله: إِنَّهُم كَانُوا ينتظرون عبد اللَّه بن مَسْعُود ليخرج إِلَيْهِم فيذكرهم، وَإنَّهُ لما خرج قَالَ: أما إِنِّي أخبر بمكانكم، وَلكنه يَمْنعنِي من الْخُرُوج إِلَيْكُم ... فَذكر الحَدِيث.
بَيَان تعد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود بِهِ، وَأخرجه أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش، وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَأَبُو مُعَاوِيَة وَمُحَمّد بن نمير عَن أبي مُعَاوِيَة، وَعَن الْأَشَج عَن ابْن إِدْرِيس، وَعَن منْجَاب عَن عَليّ بن مسْهر، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن خشرم عَن عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان، كلهم عَن الْأَعْمَش. زَاد الْأَعْمَش فِي رِوَايَة ابْن مسْهر: وحَدثني عَمْرو بن مرّة عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه مثله. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن مُحَمَّد بن غيلَان عَن أبي أَحْمد الزبيرِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى بن سعيد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش بِهِ، وَفِي نُسْخَة عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (يَتَخَوَّلنَا) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وباللام، من التخول، وَهُوَ: التعهد، من: خَال المَال، وخال على الشَّيْء خولاً، إِذا تعهد، وَيُقَال: خَال المَال يخوله خولاً إِذا ساسه وَأحسن الْقيام عَلَيْهِ، والخائل المتعاهد للشَّيْء المصلح لَهُ، وخول الله الشَّيْء أَي: ملكه إِيَّاه، وخول الرجل حشمه، الْوَاحِد خائل، وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: الصَّوَاب يتحولهم، بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: يطْلب أَحْوَالهم الَّتِي ينشطون فِيهَا للموعظة، فيعظهم وَلَا يكثر عَلَيْهِم فيملوا. وَكَانَ الْأَصْمَعِي يرويهِ: يتخوننا، بالنُّون وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، أَي: يتعهدنا. حَكَاهُ عَنْهُمَا صَاحب (نِهَايَة الْغَرِيب) . وَفِي (مجمع الغرائب) قَالَ الْأَصْمَعِي: أَظُنهُ يتخونهم، بالنُّون، وَهُوَ بِمَعْنى: التعهد. وَقيل: إِن أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء سمع الْأَعْمَش يحدث هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: يَتَخَوَّلنَا، بِاللَّامِ، فَرده عَلَيْهِ بالنُّون فَلم يرجع لأجل الرِّوَايَة، وكلا اللَّفْظَيْنِ جَائِز، وَالصَّوَاب: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وباللام، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: مَعْنَاهُ يتخذنا خولاً. وَيُقَال: يناجينا بهَا. وَقيل: يُصْلِحنَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يذللنا بهَا، يُقَال: خول الله لَك أَي: ذلله لَك وسخره. وَقيل: يحبسهم عَلَيْهَا كَمَا يحبس الخول. قَوْله: (كَرَاهِيَة السَّآمَة) من كرهت الشَّيْء أكرهه كَرَاهَة وكراهية، والسآمة مثل الملالة، بِنَاء وَمعنى، وَقَالَ أَبُو زيد: سئمت من الشَّيْء أسأم سأماً وسآمةً وسآماً: إِذا مللته، وَرجل سؤوم.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (النَّبِي) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم كَانَ. وَقَوله: (يَتَخَوَّلنَا) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ. فَإِن قلت: كَانَ لثُبُوت خَبَرهَا مَاضِيا، و: يَتَخَوَّلنَا، إِمَّا حَال وَإِمَّا اسْتِقْبَال، فَمَا وَجه الْجمع بَينهمَا؟ قلت: كَانَ يُرَاد بِهِ الِاسْتِمْرَار، وَكَذَا الْفِعْل الْمُضَارع، فاجتماعهما يُفِيد شُمُول الْأَزْمِنَة. وَقَالَ الأصوليون: قَوْله: كَانَ حَاتِم يكرم الضَّيْف، يُفِيد تكْرَار الْفِعْل فِي الْأَزْمَان، وَالْبَاء فِي: بِالْمَوْعِظَةِ، تتَعَلَّق: بيتخولنا، قَوْله: (فِي الْأَيَّام) ، صفة لموعظة أَي: بِالْمَوْعِظَةِ الكائنة فِي الْأَيَّام. قَوْله: (كَرَاهِيَة السَّآمَة) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه مفعول لَهُ، أَي: لأجل كَرَاهِيَة السَّآمَة، وصلَة السَّآمَة محذوفة، لِأَنَّهُ يُقَال: سأمت من الشَّيْء، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة من الموعظة. وَقَوله: (علينا) إِمَّا يتَعَلَّق بالسآمة على تضمين السَّآمَة معنى الْمَشَقَّة، أَي: كَرَاهَة الْمَشَقَّة علينا، إِذْ الْمَقْصُود بَيَان رفق النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، بالأمة وشفقته عَلَيْهِم ليأخذوا مِنْهُ بنشاط وحرص لَا عَن ضجر وملل، وَإِمَّا يَجْعَل صفة، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة الطارئة علينا. وَإِمَّا يَجْعَل حَالا، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة حَال كَونهَا طارئة علينا. وَإِمَّا يتَعَلَّق بالمحذوف، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة شَفَقَة علينا. فَافْهَم.
بَيَان الْمعَانِي: الْمَعْنى: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يعظ الصَّحَابَة فِي أَوْقَات مَعْلُومَة، وَلم يكن يسْتَغْرق الْأَوْقَات خوفًا عَلَيْهِم من الْملَل والضجر، كَمَا كَانَ نَهَاهُم بقوله: (لَا يُصَلِّي أحد خاماً وركيه) . وكما قَالَ: (ابدأوا بالعشاء لِئَلَّا تشْغَلُوا عَن الإقبال على الله تَعَالَى بِغَيْرِهِ) . وَعَن الصَّلَاة وَعَن النِّيَّة، وَقد وَصفه الله تَعَالَى بالرفق بأمته فَقَالَ: {عَزِيز عَلَيْهِ ماعنتم} (التَّوْبَة: ١٢٨) الْآيَة: فَإِن قلت: أَيجوزُ أَن يكون المُرَاد من السَّآمَة سآمة رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من القَوْل؟ قلت: لَا يجوز، وَيدل عَلَيْهِ السِّيَاق وقرينة الْحَال.
٦٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ: حدّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ: حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ: حدّثنيأبو التَّيَّاح عَن أنسٍ، رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وبشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا) .
(الحَدِيث ٦٩ طرفه فِي: ٦١٢٥) .
هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة كَمَا ذَكرْنَاهُ.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد
الشين الْمُعْجَمَة، ابْن عُثْمَان بن دَاوُد بن كيسَان الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، كنيته أَبُو بكر ولقبه بنْدَار، واشتهر بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ بنداراً فِي الحَدِيث، جمع حَدِيث بَلَده، وَبُنْدَار، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون النُّون وَالدَّال الْمُهْملَة وبالراء: الْحَافِظ. وَقَالَ أَحْمد: كتبت عَنهُ نَحوا من خمسين ألف حَدِيث، روى عَنهُ السِّتَّة وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم الرازيان وَعبد اللَّه بن مُحَمَّد الْبَغَوِيّ وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، وَعنهُ قَالَ: كتب عني خَمْسَة قُرُون، وسألوني الحَدِيث وَأَنا ابْن ثَمَان عشرَة سنة. وَقَالَ: ولدت سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَقَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين يَعْنِي وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان الْأَحول. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: أَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، واسْمه يزِيد بن حميد، بِالتَّصْغِيرِ، الضبعِي من أنفسهم، سمع أنسا وَعمْرَان بن حُصَيْن من الصَّحَابَة، وخلقاً من التَّابِعين وَمن بعدهمْ، قَالَ أَحْمد: هُوَ ثِقَة ثَبت. وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: هُوَ مَعْرُوف ثِقَة، مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك.
بَيَان الْأَنْسَاب: الْعَبْدي: نِسْبَة إِلَى عبد بن نصر بن كلاب بن مرّة فِي قُرَيْش، وَفِي ربيعَة بن نزار عبد الْقَيْس بن أفصى، وَفِي تَمِيم عبد اللَّه بن دارم، وَفِي خولان عبد اللَّه بن جَبَّار، وَفِي هَمدَان عبد بن غيلَان بن أرحب. الضبعِي، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبيعة بن زيد بن مَالك فِي الْأَنْصَار، وَفِي ربيعَة بن نزار ضبيعة بن ربيعَة بن نزار، وَفِي بني ثَعْلَبَة ضبيعة بن قيس.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِالْجمعِ والإفراد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن آدم عَن شُعْبَة بِهِ، وَرَوَاهُ مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبد اللَّه بن معَاذ عَن أَبِيه، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبيد بن سعيد، وَعَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد عَن غنْدر، كلهم عَن شُعْبَة بِهِ، فَوَقع للْبُخَارِيّ عَالِيا رباعياً من طَرِيق آدم، وآدَم مِمَّن انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن بنْدَار بِهِ.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (يسروا) ، أَمر من: يسر ييسر تيسيراً من الْيُسْر، وَهُوَ نقيض الْعسر. قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) ، من عسر تعسيراً. يُقَال: عسرت الْغَرِيم أعسره عسراً، إِذا طلبت مِنْهُ الدّين على عسرته. وَقَالَ ابْن طريف: هَذَا مِمَّا جَاءَ على فعل وأفعل: كعسرتك عسراً وأعسرتك، إِذا طلبت مِنْك الدّين على عسرة، وعسر الشَّيْء وعسر، بِضَم السِّين وَكسرهَا، عسراً وعسارة، وعسر الرجل: قل سماحه وضاق خلقه، وأعسر الرجل: افْتقر. وَفِي (الْعباب) : قد عسر الْأَمر، بِالضَّمِّ، عسراً فَهُوَ عسر وعسير، وعسر عَلَيْهِ الْأَمر، بِالْكَسْرِ، يعسر عسراً، بِالتَّحْرِيكِ، أَي: التاث، فَهُوَ عسر. وَيُقَال: عسرت النَّاقة بذنبها تعسر عسراً أَو عسراناً، مِثَال: ضرب يضْرب ضربا وضربانا: إِذا شالت بِهِ، وعسرت الْمَرْأَة إِذا عسر ولادها، وعسرني فلَان إِذا جَاءَ على يساري، والمعسور ضد الميسور، والمعسرة ضد الميسرة، وهما مصدران. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: هما صفتان، والعسرى نقيض الْيُسْرَى. قَوْله: (وبشروا) ، من الْبشَارَة وَهِي الْإِخْبَار بِالْخَيرِ، وَهِي نقيض: النذارة، وَهِي الْإِخْبَار بِالشَّرِّ. يُقَال: بشرت الرجل أُبَشِّرهُ، بِالضَّمِّ، بشرا وبشوراً من الْبشرَة، وَكَذَلِكَ الإبشار والتبشير. يُقَال: أبشر وَبشر. قَالَ الله تَعَالَى: {وابشروا بِالْجنَّةِ} (فصلت: ٣٠) {وبشروا الَّذين آمنُوا} (الْبَقَرَة: ٢٥، وَيُونُس: ٢) {ذَلِك الَّذِي يبشر} (الشورى: ٢٣) ثَلَاث لُغَات فِي الْقُرْآن أبشر وَبشر وَبشر بِالتَّخْفِيفِ، وَالِاسْم: الْبشَارَة والبشارة، بِالْكَسْرِ وَالضَّم، تَقول: بَشرته بمولود، وأبشرتك بِالْخَيرِ، وبشرتك. وَقَالَ الصغاني: الْبشَارَة، بِالْكَسْرِ وَالضَّم، أَي حق مَا يعْطى على التبشير. وَقَالَ اللحياني، رَحمَه الله تَعَالَى: الْبشَارَة مَا بشرت من بطن الْأَدِيم، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْبشَارَة والقشارة والخسارة. إِسْقَاط النَّاس، وبشرت بِكَذَا، بِكَسْر الشين، أبشر، أَي: استبشرت. قَوْله: (وَلَا تنفرُوا) ، من: نفر، بِالتَّشْدِيدِ، تنفيراً. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (يسروا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل مقول القَوْل. قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) عطف على: يسروا، وَيجوز عطف النَّهْي على الْأَمر كَمَا بِالْعَكْسِ، وَالْخلاف فِي عطف الْخَبَر على الْإِنْشَاء وَبِالْعَكْسِ، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَكَذَا الْكَلَام فِي قَوْله: (بشروا وَلَا تنفرُوا) .
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (يسروا) أَمر بالتيسير، لَا يُقَال: الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه، فَمَا الْفَائِدَة فِي قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) ؟ لأَنا نقُول: لَا نسلم ذَلِك، وَلَئِن سلمنَا فالغرض التَّصْرِيح بِمَا لزم ضمنا للتَّأْكِيد. وَيُقَال: لَو اقْتصر على