«هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ،» وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٨٣

الحديث رقم ٦٨٨٣ من كتاب «كتاب الديات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب العفو في الخطإ بعد الموت.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «هزم المشركون يوم أحد،» وحدثني محمد بن حرب…

«هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ،» وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي النَّاسِ: يَا عِبَادَ اللهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ، حَتَّى قَتَلُوا الْيَمَانِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي أَبِي، فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ.

سند حديث: ٦٨٨٣ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ حَدَّثَنَا…

٦٨٨٣ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث

شرح حديث: «هزم المشركون يوم أحد،» وحدثني محمد بن حرب…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ مَوْقُوفًا، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ فِعْلَ الصَّغِيرَةِ فِي الْحَرَمِ أَشَدُّ مِنْ فِعْلِ الْكَبِيرَةِ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِلْحَادِ فِعْلُ الْكَبِيرَةِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ؛ فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الْآيَةَ يُفِيدُ ثُبُوتَ الْإِلْحَادِ وَدَوَامَهُ، وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أَيْ مَنْ يَكُونُ إِلْحَادُهُ عَظِيمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عِنْدَ شَخْصٍ فَيَطْلُبُهُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ مُشَارَكَةٌ كَوَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ قَرِيبِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مَنْ يُرِيدُ بَقَاءَ سِيرَةِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ إِشَاعَتَهَا أَوْ تَنْفِيذَهَا.

وَسُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَمِدُونَهُ مِنْ أَخْذِ الْجَارِ بِجَارِهِ وَالْحَلِيفِ بِحَلِيفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا جَاءَ الْإِسْلَامُ بِتَرْكِهِ كَالطِّيَرَةِ وَالْكَهَانَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ رَفَعَهُ: إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ طَلَبَ بِدَمِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ سُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَمُطَّلِبٌ) بِالتَّشْدِيدِ مُفْتَعِلٌ مِنَ الطَّلَبِ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً وَأُدْغِمَتْ وَالْمُرَادُ مَنْ يُبَالِغُ فِي الطَّلَبِ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمَعْنَى الْمُتَكَلِّفُ لِلطَّلَبِ، وَالْمُرَادُ الطَّلَبُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ لَا مُجَرَّدُ الطَّلَبِ، أَوْ ذَكَرَ الطَّلَبَ لِيَلْزَمَ الزَّجْرُ فِي الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ حَقٍّ احْتِرَازٌ عَمَّنْ يَقَعُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ لَكِنْ بِحَقٍّ كَطَلَبِ الْقِصَاصِ مَثَلًا. وَقَوْلُهُ: لِيُهَرِيقَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْعَزْمَ الْمُصَمَّمَ يُؤَاخَذُ بِهِ، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَفْتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى سَبَبٍ فَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ مَكَّةَ لِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ يَعْنِي فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْتَى عَلَى اللَّهِ مِنْ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ أَوْ قَتَلَ بِذَحْلٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

وَمِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ: إِنَّ أَجْرَأَ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ فِيهِ: وَطَلَبَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّةِ.

١٠ - بَاب الْعَفْوِ فِي الْخَطَأ بَعْدَ الْمَوْتِ

٦٨٨٣ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا - يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ -، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي النَّاسِ يَا عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ حَتَّى قَتَلُوا الْيَمَانِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي أَبِي، فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَفْوِ فِي الْخَطَأ بَعْدَ الْمَوْتِ) أَيْ عَفْوِ الْوَلِيِّ لَا عَفْوِ الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُ مُحَالٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلَ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ إِلَّا فِيهِ؛ إِذْ لَوْ عَفَا الْمَقْتُولُ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَظْهَرْ لِعَفْوِهِ أَثَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ تَبَيَّنَ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ يَعْفُو عَنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَفْوَ الْوَلِيِّ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَالْعَفْوُ لِلْقَتِيلِ، خِلَافًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ أَبْطَلُوا عَفْوَ الْقَتِيلِ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَلِيَّ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْمَقْتُولِ فِي طَلَبِ

مَا يَسْتَحِقُّهُ فَإِذَا جُعِلَ لَهُ الْعَفْوُ كَانَ ذَلِكَ لِلْأَصِيلِ أَوْلَى، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ لَمَّا دَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَرُمِيَ بِسَهْمٍ فَقُتِلَ عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَأَجَازَ النَّبِيُّ عَفْوَهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) بِفَاءٍ هُوَ ابْنُ أَبِي الْمَغْرَاءَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ) سَقَطَ هَذَا الْقَدْرُ لِأَبِي ذَرٍّ وَتَحَوَّلَ إِلَى السَّنَدِ الْآخَرِ فَصَارَ ظَاهِرُهُ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ سَوَاءٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا فِي السَّنَدِ الثَّانِي هُوَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ، وَسَاقَ الْمَتْنَ هُنَا عَلَى لَفْظِهِ، وَأَمَّا لَفْظُ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ فَتَقَدَّمَ فِي بَابِ مَنْ حَنِثَ نَاسِيًا مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ حُذَيْفَةُ غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ دِيَتَهُ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ حَضَرَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ، وَهُوَ لَا يَعْفُو إِلَّا عَنْ شَيْءٍ اسْتُحِقَّ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي السُّنَنِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْطَأَ الْمُسْلِمُونَ بِأَبِي حُذَيْفَةَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَبَلَغَتِ النَّبِيَّ فَزَادَهُ عِنْدَهُ خَيْرًا وَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَرُدُّ قَوْلَ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ: فَلَمْ يَزَلْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ عَلَى الْحُزْنِ عَلَى أَبِيهِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ الرَّدَّ عَلَيْهِ فِي بَابِ مَنْ حَنِثَ نَاسِيًا.

وَيُؤْخَذُ مِنْهَا أَيْضًا التَّعَقُّبُ عَلَى الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ حَيْثُ قَالَ: حَمَلَ الْبُخَارِيُّ قَوْلَ حُذَيْفَةَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَى الْعَفْوِ عَنِ الضَّمَانِ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ، فَيُجَابُ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِهَذَا الَّذِي هُوَ غَيْرُ صَرِيحٍ إِلَى مَا وَرَدَ صَرِيحًا وَإِنْ كَانَ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ.

١١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَابْنِ عَسَاكِرَ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ الْآيَةَ إِلَى ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ مُعْظَمُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ سَبَبَ نُزُولِهَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ أَيِ ابْنِ رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي جَدِّكَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ يُؤْذِيهِمْ بِمَكَّةَ وَهُوَ كَافِرٌ، فَلَمَّا هَاجَرَ الْمُسْلِمُونَ أَسْلَمَ الْحَارِثُ وَأَقْبَلَ مُهَاجِرًا حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْحَرَّةِ لَقِيَهُ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ فَظَنَّهُ عَلَى شِرْكِهِ فَعَلَاهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ، فَنَزَلَتْ.

رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهَا مُرْسَلَةً أَيْضًا وَزَادَ فِي السَّنَدِ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ الْحَارِثَ بْنَ يَزِيدَ إِنْ ظَفِرَ بِهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الْحَارِثَ، وَفِي سِيَاقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَقِيَ النَّبِيَّ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ ثُمَّ خَرَجَ فَقَتَلَهُ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَقِيلَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ.

قَوْلُهُ: إِلَّا خَطَأً هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِنْ أُرِيدَ بِالنَّفْيِ مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ مُتَّصِلًا لَكَانَ مَفْهُومُهُ فَلَهُ قَتْلُهُ، وَانْفَصَلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٨٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) بفتح الفاء وسكون الراء، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «فروةُ بنُ أبي المَغْرَاء» -بفتح الميم وسكون الغين المعجمة بعدها راء ممدودًا-، الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون السين المهملة وبعد الهاء المكسورة راء، أبو الحسن الكوفيُّ الحافظ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ، أنَّها قالت: (هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ) وقعةِ (أُحُدٍ) بضم الهاء وكسر الزاي، وسقط لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ من قولهِ «عن أبيه … » إلى آخره، ولفظ عليِّ بن مُسْهِر سبق (١) في «باب من حنثَ ناسيًا»، من «كتاب الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٦٨].

وحوَّل المصنِّف السَّند فقال: (وَ (٢) حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الواسطيُّ النِّشائيُّ -بالنون المكسورة والشين المعجمة بعدها مدَّة- كان يبيعُ النِّشاء، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا) وزاد ابنُ عساكرَ وأبو ذرٍّ عن المُستملي: «يعني: الواسطي» واللَّفظ له لا لعليِّ بن مُسْهر (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ) بفتح الصاد المهملة والراء المخففة بعدها معجمة (يَوْمَ) وقعة (أُحُدٍ فِي النَّاسِ) الَّذين يقاتلون: (يَا عِبَادَ اللهِ) احذروا، أو اقتلوا (أُخْرَاكُمْ) بضم الهمزة وسكون الخاء المعجمة (فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ) بضم الهمزة فيها (حَتَّى قَتَلُوا اليَمَانِ) بفتح التحتية والميم المخففة وبعد الألف نون مكسورة، مصحَّحٌ عليها في الفرع، وفي غيرهِ (٣) بفتحها مصحَّح (٤) عليها أيضًا، أي: قتل المسلمون اليمانَ والد حذيفة (فَقَالَ حُذَيْفَةُ): هذا (أَبِي أَبِي) مرَّتين لا تقتلوهُ، فلم يسمعوا منه (فَقَتَلُوهُ) خطأ ظانِّين أنَّه من المشركين (فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ) قال في «الكواكب»: فدعا لهم وتصدَّق بديتهِ على المسلمين (قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ) أي: من المشركين (قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ) البلد المشهور.

والحديث سبقَ في «باب صفة إبليس»، من «كتاب بدء الخلق» [خ¦٣٢٩٠].

(١١) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النساء: (﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾) وما صحَّ له ولا (١) استقامَ وليس من شأنهِ (﴿أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾) ابتداءً بغير حقٍّ (﴿إِلاَّ خَطَئًا﴾) صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: قتلًا خطأ، أو على الحال، أي: لا يقتلهُ في شيءٍ من الأحوالِ إلَّا حال الخطأ، أو مفعول له، أي: لا يقتله لعلَّة إلَّا للخطأ (﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾) قتلًا (﴿خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾) مبتدأ، والخبر محذوفٌ، أي: فعليه تحريرُ رقبةٍ، أي: عتقها، والرَّقبة: النَّسمة (﴿مُّؤْمِنَةٍ﴾) محكوم بإسلامها، قيل: لما أخرج نفسًا مؤمنةً من جملة الأحياء لزمَه أن يُدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار؛ لأنَّ إطلاقَها من قيد الرِّقِّ كإحيائها من قبل أنَّ الرَّقيق ملحقٌ بالأموات؛ إذ الرِّقُّ أثرٌ من آثار الكفر، والكفرُ موتٌ حكمًا ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وإنَّما وجب عليه ذلك لما ارتكبه من الذَّنب العظيم وإن كان خطأً (﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾) مؤدَّاة إلى ورثتهِ عوضًا عمَّا فاتَهُم من قريبهِم يقتسمونها كما يقتسمون الميراثَ لا فرق بينها وبين سائر التَّرِكات، فيقضى منها الدَّين وتنفَّذ الوصية … إلى آخره، وإنَّما تجب على عاقلةِ القاتلِ لا في ماله (﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾) أي: يتصدَّقوا عليه بالدِّية، أي: يعفوا عنه فلا تجب (﴿فَإِن كَانَ﴾) المقتول خطأً (﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾) أعداءً لكم، أي: كفرةً محاربين والعدوُّ يُطلق على الجمع (﴿وَهُوَ﴾) أي: المقتولُ (﴿مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾) فعلى قاتلهِ الكفَّارة دون الدِّية لأهله؛ إذ لا وراثةَ بينه وبينهم؛ لأنَّهم محاربون (﴿وَإِن كَانَ﴾) أي: المقتول (﴿مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾) بين المسلمين (﴿وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾) عهد ذمَّةٍ أو هدنةٍ (﴿فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾) كالمسلم ولعلَّه فيما إذا كان المقتولُ معاهدًا، أو كان له وارثٌ مسلم (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) رقبةً بأن لم (٢) يملكْها ولا ما يتوصَّل به إليها (﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾) فعليه صيام شهرين (﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾) لا إفطارَ بينهما، بل يسردُ صومَهما

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مثلا. قَوْله: ليهريق بِفَتْح الْهَاء وسكونها وَقَالَ الْكرْمَانِي: الإهراق هُوَ الْمَحْظُور الْمُسْتَحق لمثل هَذَا الْوَعيد لَا مُجَرّد الطّلب، ثمَّ أجَاب بقوله: المُرَاد الطّلب الْمُرَتّب عَلَيْهِ الْمَطْلُوب، أَو ذكر الطّلب ليلزم فِي الإهراق بِالطَّرِيقِ الأولى، وَقَالَ الْمُهلب: المُرَاد بهؤلاء الثَّلَاثَة أَنهم أبْغض أهل الْمعاصِي إِلَى الله تَعَالَى فَهُوَ كَقَوْلِه: أكبر الْكَبَائِر، وإلَاّ فالشرك أبْغض إِلَى الله من جَمِيع الْمعاصِي.

١٠ - (بابُ العَفْوِ فِي الخَطَإِ بَعْدَ المَوْتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عَفْو ولي الْمَقْتُول عَن الْقَاتِل فِي الْقَتْل الْخَطَأ بعد موت الْمَقْتُول، وَلَيْسَ المُرَاد عَفْو الْمَقْتُول لِأَنَّهُ محَال، وَإِنَّمَا قَيده بِمَا بعد الْمَوْت لِأَنَّهُ لَا يظْهر أَثَره إلَاّ فِيهِ إِذْ لَو عَفا الْمَقْتُول ثمَّ مَاتَ لم يظْهر لعفوه أثر لِأَنَّهُ لَو عَاشَ تبين أَن لَا شَيْء لَهُ بعفوه عَنهُ. وَقَالَ ابْن بطال: أَجمعُوا على أَن عَفْو الْوَلِيّ إِنَّمَا يكون بعد موت الْمَقْتُول، وَأما قبل ذَلِك فالعفو للقتيل خلافًا لأهل الظَّاهِر فَإِنَّهُم أبطلوا عَفْو الْقَتِيل.

٦٨٨٣ - حدّثنا فَرْوَةُ، حدّثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عنْ هِشَام، عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ: هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ.

وحدّثني مُحَمَّدُ بنُ حَرْبٍ، حدّثنا أبُو مَرْوانَ يَحْيى بنُ أبي زَكَرِيَّاءَ، عنْ هِشامٍ، عنْ عُرْوَةَ، عنْ عائِشَةَ، رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: صَرَخَ إبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي النَّاسِ: يَا عِبادَ الله أُخْراكُمْ. فَرَجَعَتْ أُولاهُمْ عَلى أُخْرَاهُمْ حتَّى قَتَلُوا اليَمانَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أبي أبي فَقَتَلُوهُ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ: وقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُم قَوْمٌ حتَّى لَحِقوا بالطائِفِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: غفر الله لكم لِأَن مَعْنَاهُ: عَفَوْت عَنْكُم، لِأَن الْمُسلمين كَانُوا قتلوا الْيَمَان أَبَا حُذَيْفَة خطأ يَوْم أحد فَعَفَا حُذَيْفَة عَنْهُم بعد قَتله.

وَقد أخرج أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ فِي السّير عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: أَخطَأ الْمُسلمُونَ بِأبي حُذَيْفَة يَوْم أحد حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَة: يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ: فبلغت النَّبِي فزاده عِنْده خيرا ووداه من عِنْده.

وفروة شيخ البُخَارِيّ بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وبالواو ابْن أبي المغراء أَبُو الْقَاسِم الْكِنْدِيّ الْكُوفِي وَعلي بن مسْهر بِضَم الْمِيم اسْم فَاعل من الإسهار بِالسِّين المهلمة وَالرَّاء، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَسقط هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَالثَّانِي: عَن مُحَمَّد بن حَرْب بياع النشا بالنُّون والشين الْمُعْجَمَة الوَاسِطِيّ عَن أبي مَرْوَان يحيى بن أبي زَكَرِيَّا الغساني الشَّامي سكن وَاسِط. قيل: ظَاهره أَن الرِّوَايَتَيْنِ سَوَاء، وَلَيْسَ كَذَلِك، وسَاق الْمَتْن هُنَا على لفظ أبي مَرْوَان، وَأما لفظ عَليّ بن مسْهر فقد تقدم فِي: بَاب من حنث نَاسِيا، فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور. وَمر الحَدِيث فِي: بَاب صفة إِبْلِيس فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن أبي أُسَامَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: أخراكم أَي: اقْتُلُوا أَو احْذَرُوا. قَوْله: حَتَّى قتلوا الْيَمَان أَي: قتل الْمُسلمُونَ الْيَمَان بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم وبالنون وَهُوَ وَالِد حُذَيْفَة. قَوْله: أبي أبي أَي: قَالَ حُذَيْفَة: هَذَا أبي، أبي لَا تقتلوه، وَلم يسمعوا مِنْهُ فَقَتَلُوهُ ظانين أَنه من الْمُشْركين فَدَعَا لَهُم حُذَيْفَة. قَالَ الْكرْمَانِي: فَدَعَا لَهُم وَتصدق بديته على الْمُسلمين. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: أَن الْمُسلم إِذا قتل صَاحبه خطأ عِنْد اشتباك الْحَرْب لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيع الازدحامات إلَاّ إِذا فعله قَاصِدا لهلاكه. قَوْله: مِنْهُم أَي: من الْمُشْركين. قَوْله: بِالطَّائِف وَهُوَ الْبَلَد الْمَشْهُور وَرَاء مَكَّة، شرفها الله.

(بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا إِلَّا خطئا وَمن قتل مُؤمنا خطئاً فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة ودية مسلمة إِلَى أَهله إِلَّا أَن يصدقُوا فَإِن كَانَ من قوم عَدو لكم وَهُوَ مُؤمن فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة وَإِن كَانَ من قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق فديَة مسلمة إِلَى ؤهله

وتحرير رَقَبَة مُؤمنَة فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين تَوْبَة من الله وَكَانَ الله عليماً حكيماً} )

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله عز وَجل. . إِلَى آخِره، كَذَا سيقت الْآيَة بِتَمَامِهَا عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا: بَاب قَول الله تَعَالَى: {مَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا إِلَّا خطأ} وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر، وَلم يذكر معظمهم فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا هَذِه الْآيَة أصل فِي الدِّيات فَذكر فِيهَا ديتين وَثَلَاث كَفَّارَات ذكر الدِّيَة وَالْكَفَّارَة بقتل الْمُؤمن فِي دَار الْإِسْلَام وَذكر الْكَفَّارَة دون الدِّيَة بقتل الْمُؤمن فِي دَار الْحَرْب فِي صف الْمُشْركين إِذا حضر مَعَهم الصَّفّ فَقتله مُسلم، وَذكر الدِّيَة وَالْكَفَّارَة بقتل الذِّمِّيّ فِي دَار الْإِسْلَام، وَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة: هَذِه الْآيَة نزلت فِي عَيَّاش بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي، قتل رجلا مُسلما وَلم يعلم بِإِسْلَامِهِ وَكَانَ ذَلِك الرجل يعذبه بِمَكَّة مَعَ أبي جهل ثمَّ أسلم وَخرج مُهَاجرا إِلَى النَّبِي فَلَقِيَهُ عَيَّاش فِي الطَّرِيق فَقتله وَهُوَ يحسبه كَافِرًا، ثمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، فَأخْبرهُ بذلك فَأمره أَن يعْتق رَقَبَة، وَنزلت الْآيَة، حَكَاهُ الطَّبَرِيّ عَنْهُمَا. وَقَالَ السّديّ: قَتله يَوْم الْفَتْح، وَقد خرج من مَكَّة وَلَا يعلم بِإِسْلَامِهِ، وَقيل: نزلت فِي أبي عَامر وَالِد أبي الدَّرْدَاء، خرج إِلَى سَرِيَّة فَعدل إِلَى شعب فَوجدَ رجلا فِي غنم فَقتله وَأَخذهَا، وَكَانَ يَقُول: لَا إلاه إلَاّ الله، فَوجدَ فِي نَفسه من ذَلِك فَذكره لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأنْكر عَلَيْهِ قَتله إِذْ قَالَ: لَا إلاه إِلَّا الله، فَنزلت الْآيَة. وَقيل: نزلت فِي وَالِد حُذَيْفَة بن الْيَمَان قتل خطأ يَوْم أحد، وَقد مضى عَن قريب.

قَوْله: إلَاّ خطأ ظَاهره غير مُرَاد فَإِنَّهُ لَا يشرع قَتله خطأ وَلَا عمدا لَكِن تَقْدِيره: إِن قَتله خطأ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَأَبُو عبيد: الْمَعْنى إلَاّ أَن يقْتله مخطئاً، وَهُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع. قَوْله: ٠ لَا تجوز الْكَافِرَة، وَحكى ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَنهم قَالُوا: لَا يجزىء الصَّغِير إلَاّ أَن يكون قَاصِدا للْإيمَان، وَاخْتَارَ ابْن جرير أَنه إِن كَانَ مولوداً بَين أبوين مُسلمين جَازَ وإلَاّ فَلَا، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنه مَتى كَانَ مُسلما صَحَّ عتقه عَن الْكَفَّارَة سَوَاء كَانَ صَغِيرا أَو كَبِيرا. قَوْله: {إِلَّا أَن يصدقُوا} أَي: إلَاّ أَن يتصدقوا بِالدِّيَةِ فَلَا يجب. قَوْله: {فَإِن كَانَ من قوم عدوٍ لكم} أَي: إِذا كَانَ الْقَتِيل مُؤمنا وَلَكِن أولياؤه من الْكفَّار أهل الْحَرْب فَلَا دِيَة لَهُم وعَلى قَاتله تَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة لَا غير. قَوْله: مِيثَاق أَي: عهد وهدنة فَالْوَاجِب دِيَة مسلمة إِلَى أهل الْقَتِيل وتحرير رَقَبَة. قَوْله: مُتَتَابعين يَعْنِي لَا إفطار بَينهمَا فَإِن أفطر من غير عذر من مرض أَو حيض أَو نِفَاس اسْتَأْنف الصَّوْم. وَاخْتلفُوا فِي السّفر: هَل يقطع أم لَا؟ عل قَوْلَيْنِ. قَوْله: تَوْبَة أَي: رَحْمَة رَحْمَة من الله بكم أَي: التَّيْسِير عَلَيْكُم بتَخْفِيف عَنْكُم بتحرير الرَّقَبَة المؤمنة إِذا أيسرتم بهَا. قَوْله: {وَكَانَ الله عليماً حكيماً} أَي: لم يزل عليماً بِمَا يصلح عباده فِيمَا يكلفهم من فَرَائِضه، حكيماً بِمَا يقْضِي فِيهِ وَيَأْمُر.

١٢ - (بابٌ إِذا أقَرَّ بالقَتْلِ مَرَّةً قُتلَ بِهِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أقرّ شخص بِالْقَتْلِ مرّة وَاحِدَة قتل بِهِ أَي: بذلك الْإِقْرَار، كَذَا وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لم تذكر هَذِه التَّرْجَمَة بل قَالَ بعد قَوْله خطأ: الْآيَة وَإِذا أقرّ إِلَى آخِره.

٦٨٨٤ - حدّثني إسْحَاقُ، أخبرنَا حَبَّانُ، حدّثنا هَمَّامٌ، حدّثنا قتادَةُ، حدّثنا أنَسُ بنُ مالِكٍ: أنَّ يَهُودِياً رَضَّ رَأسَ جَارِيةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَها: مَنْ فَعَلَ بِكِ هاذا؟ أفُلانٌ أفُلانٌ؟ حتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ فأوْمَأتْ بِرَأسِها، فَجِيءَ باليَهُودِيِّ فاعْتَرَفَ، فأمَرَ بِهِ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرُضَّ رَأسُهُ بالحِجارَةِ وقَدْ قَالَ هَمَّامٌ: بِحَجَرَيْنِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق شيخ البُخَارِيّ قَالَ الغساني: لم أَجِدهُ مَنْسُوبا عِنْد أحد، وَيُشبه أَن يكون ابْن مَنْصُور. قلت: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، انْتقل بآخرة إِلَى نيسابور وَهُوَ شيخ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ مَوْقُوفًا، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ فِعْلَ الصَّغِيرَةِ فِي الْحَرَمِ أَشَدُّ مِنْ فِعْلِ الْكَبِيرَةِ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِلْحَادِ فِعْلُ الْكَبِيرَةِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ؛ فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الْآيَةَ يُفِيدُ ثُبُوتَ الْإِلْحَادِ وَدَوَامَهُ، وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أَيْ مَنْ يَكُونُ إِلْحَادُهُ عَظِيمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عِنْدَ شَخْصٍ فَيَطْلُبُهُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ مُشَارَكَةٌ كَوَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ قَرِيبِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مَنْ يُرِيدُ بَقَاءَ سِيرَةِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ إِشَاعَتَهَا أَوْ تَنْفِيذَهَا.

وَسُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَمِدُونَهُ مِنْ أَخْذِ الْجَارِ بِجَارِهِ وَالْحَلِيفِ بِحَلِيفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا جَاءَ الْإِسْلَامُ بِتَرْكِهِ كَالطِّيَرَةِ وَالْكَهَانَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ رَفَعَهُ: إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ طَلَبَ بِدَمِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ سُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَمُطَّلِبٌ) بِالتَّشْدِيدِ مُفْتَعِلٌ مِنَ الطَّلَبِ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً وَأُدْغِمَتْ وَالْمُرَادُ مَنْ يُبَالِغُ فِي الطَّلَبِ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمَعْنَى الْمُتَكَلِّفُ لِلطَّلَبِ، وَالْمُرَادُ الطَّلَبُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ لَا مُجَرَّدُ الطَّلَبِ، أَوْ ذَكَرَ الطَّلَبَ لِيَلْزَمَ الزَّجْرُ فِي الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ حَقٍّ احْتِرَازٌ عَمَّنْ يَقَعُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ لَكِنْ بِحَقٍّ كَطَلَبِ الْقِصَاصِ مَثَلًا. وَقَوْلُهُ: لِيُهَرِيقَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْعَزْمَ الْمُصَمَّمَ يُؤَاخَذُ بِهِ، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَفْتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى سَبَبٍ فَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ مَكَّةَ لِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ يَعْنِي فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْتَى عَلَى اللَّهِ مِنْ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ أَوْ قَتَلَ بِذَحْلٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

وَمِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ: إِنَّ أَجْرَأَ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ فِيهِ: وَطَلَبَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّةِ.

١٠ - بَاب الْعَفْوِ فِي الْخَطَأ بَعْدَ الْمَوْتِ

٦٨٨٣ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا - يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ -، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي النَّاسِ يَا عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ حَتَّى قَتَلُوا الْيَمَانِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي أَبِي، فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَفْوِ فِي الْخَطَأ بَعْدَ الْمَوْتِ) أَيْ عَفْوِ الْوَلِيِّ لَا عَفْوِ الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُ مُحَالٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلَ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ إِلَّا فِيهِ؛ إِذْ لَوْ عَفَا الْمَقْتُولُ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَظْهَرْ لِعَفْوِهِ أَثَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ تَبَيَّنَ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ يَعْفُو عَنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَفْوَ الْوَلِيِّ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَالْعَفْوُ لِلْقَتِيلِ، خِلَافًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ أَبْطَلُوا عَفْوَ الْقَتِيلِ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَلِيَّ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْمَقْتُولِ فِي طَلَبِ

مَا يَسْتَحِقُّهُ فَإِذَا جُعِلَ لَهُ الْعَفْوُ كَانَ ذَلِكَ لِلْأَصِيلِ أَوْلَى، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ لَمَّا دَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَرُمِيَ بِسَهْمٍ فَقُتِلَ عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَأَجَازَ النَّبِيُّ عَفْوَهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) بِفَاءٍ هُوَ ابْنُ أَبِي الْمَغْرَاءَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ) سَقَطَ هَذَا الْقَدْرُ لِأَبِي ذَرٍّ وَتَحَوَّلَ إِلَى السَّنَدِ الْآخَرِ فَصَارَ ظَاهِرُهُ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ سَوَاءٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا فِي السَّنَدِ الثَّانِي هُوَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ، وَسَاقَ الْمَتْنَ هُنَا عَلَى لَفْظِهِ، وَأَمَّا لَفْظُ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ فَتَقَدَّمَ فِي بَابِ مَنْ حَنِثَ نَاسِيًا مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ حُذَيْفَةُ غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ دِيَتَهُ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ حَضَرَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ، وَهُوَ لَا يَعْفُو إِلَّا عَنْ شَيْءٍ اسْتُحِقَّ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي السُّنَنِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْطَأَ الْمُسْلِمُونَ بِأَبِي حُذَيْفَةَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَبَلَغَتِ النَّبِيَّ فَزَادَهُ عِنْدَهُ خَيْرًا وَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَرُدُّ قَوْلَ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ: فَلَمْ يَزَلْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ عَلَى الْحُزْنِ عَلَى أَبِيهِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ الرَّدَّ عَلَيْهِ فِي بَابِ مَنْ حَنِثَ نَاسِيًا.

وَيُؤْخَذُ مِنْهَا أَيْضًا التَّعَقُّبُ عَلَى الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ حَيْثُ قَالَ: حَمَلَ الْبُخَارِيُّ قَوْلَ حُذَيْفَةَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَى الْعَفْوِ عَنِ الضَّمَانِ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ، فَيُجَابُ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِهَذَا الَّذِي هُوَ غَيْرُ صَرِيحٍ إِلَى مَا وَرَدَ صَرِيحًا وَإِنْ كَانَ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ.

١١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَابْنِ عَسَاكِرَ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ الْآيَةَ إِلَى ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ مُعْظَمُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ سَبَبَ نُزُولِهَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ أَيِ ابْنِ رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي جَدِّكَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ يُؤْذِيهِمْ بِمَكَّةَ وَهُوَ كَافِرٌ، فَلَمَّا هَاجَرَ الْمُسْلِمُونَ أَسْلَمَ الْحَارِثُ وَأَقْبَلَ مُهَاجِرًا حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْحَرَّةِ لَقِيَهُ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ فَظَنَّهُ عَلَى شِرْكِهِ فَعَلَاهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ، فَنَزَلَتْ.

رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهَا مُرْسَلَةً أَيْضًا وَزَادَ فِي السَّنَدِ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ الْحَارِثَ بْنَ يَزِيدَ إِنْ ظَفِرَ بِهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الْحَارِثَ، وَفِي سِيَاقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَقِيَ النَّبِيَّ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ ثُمَّ خَرَجَ فَقَتَلَهُ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَقِيلَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ.

قَوْلُهُ: إِلَّا خَطَأً هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِنْ أُرِيدَ بِالنَّفْيِ مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ مُتَّصِلًا لَكَانَ مَفْهُومُهُ فَلَهُ قَتْلُهُ، وَانْفَصَلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٨٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) بفتح الفاء وسكون الراء، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «فروةُ بنُ أبي المَغْرَاء» -بفتح الميم وسكون الغين المعجمة بعدها راء ممدودًا-، الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون السين المهملة وبعد الهاء المكسورة راء، أبو الحسن الكوفيُّ الحافظ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ، أنَّها قالت: (هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ) وقعةِ (أُحُدٍ) بضم الهاء وكسر الزاي، وسقط لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ من قولهِ «عن أبيه … » إلى آخره، ولفظ عليِّ بن مُسْهِر سبق (١) في «باب من حنثَ ناسيًا»، من «كتاب الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٦٨].

وحوَّل المصنِّف السَّند فقال: (وَ (٢) حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الواسطيُّ النِّشائيُّ -بالنون المكسورة والشين المعجمة بعدها مدَّة- كان يبيعُ النِّشاء، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا) وزاد ابنُ عساكرَ وأبو ذرٍّ عن المُستملي: «يعني: الواسطي» واللَّفظ له لا لعليِّ بن مُسْهر (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ) بفتح الصاد المهملة والراء المخففة بعدها معجمة (يَوْمَ) وقعة (أُحُدٍ فِي النَّاسِ) الَّذين يقاتلون: (يَا عِبَادَ اللهِ) احذروا، أو اقتلوا (أُخْرَاكُمْ) بضم الهمزة وسكون الخاء المعجمة (فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ) بضم الهمزة فيها (حَتَّى قَتَلُوا اليَمَانِ) بفتح التحتية والميم المخففة وبعد الألف نون مكسورة، مصحَّحٌ عليها في الفرع، وفي غيرهِ (٣) بفتحها مصحَّح (٤) عليها أيضًا، أي: قتل المسلمون اليمانَ والد حذيفة (فَقَالَ حُذَيْفَةُ): هذا (أَبِي أَبِي) مرَّتين لا تقتلوهُ، فلم يسمعوا منه (فَقَتَلُوهُ) خطأ ظانِّين أنَّه من المشركين (فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ) قال في «الكواكب»: فدعا لهم وتصدَّق بديتهِ على المسلمين (قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ) أي: من المشركين (قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ) البلد المشهور.

والحديث سبقَ في «باب صفة إبليس»، من «كتاب بدء الخلق» [خ¦٣٢٩٠].

(١١) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النساء: (﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾) وما صحَّ له ولا (١) استقامَ وليس من شأنهِ (﴿أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾) ابتداءً بغير حقٍّ (﴿إِلاَّ خَطَئًا﴾) صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: قتلًا خطأ، أو على الحال، أي: لا يقتلهُ في شيءٍ من الأحوالِ إلَّا حال الخطأ، أو مفعول له، أي: لا يقتله لعلَّة إلَّا للخطأ (﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾) قتلًا (﴿خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾) مبتدأ، والخبر محذوفٌ، أي: فعليه تحريرُ رقبةٍ، أي: عتقها، والرَّقبة: النَّسمة (﴿مُّؤْمِنَةٍ﴾) محكوم بإسلامها، قيل: لما أخرج نفسًا مؤمنةً من جملة الأحياء لزمَه أن يُدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار؛ لأنَّ إطلاقَها من قيد الرِّقِّ كإحيائها من قبل أنَّ الرَّقيق ملحقٌ بالأموات؛ إذ الرِّقُّ أثرٌ من آثار الكفر، والكفرُ موتٌ حكمًا ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وإنَّما وجب عليه ذلك لما ارتكبه من الذَّنب العظيم وإن كان خطأً (﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾) مؤدَّاة إلى ورثتهِ عوضًا عمَّا فاتَهُم من قريبهِم يقتسمونها كما يقتسمون الميراثَ لا فرق بينها وبين سائر التَّرِكات، فيقضى منها الدَّين وتنفَّذ الوصية … إلى آخره، وإنَّما تجب على عاقلةِ القاتلِ لا في ماله (﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾) أي: يتصدَّقوا عليه بالدِّية، أي: يعفوا عنه فلا تجب (﴿فَإِن كَانَ﴾) المقتول خطأً (﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾) أعداءً لكم، أي: كفرةً محاربين والعدوُّ يُطلق على الجمع (﴿وَهُوَ﴾) أي: المقتولُ (﴿مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾) فعلى قاتلهِ الكفَّارة دون الدِّية لأهله؛ إذ لا وراثةَ بينه وبينهم؛ لأنَّهم محاربون (﴿وَإِن كَانَ﴾) أي: المقتول (﴿مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾) بين المسلمين (﴿وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾) عهد ذمَّةٍ أو هدنةٍ (﴿فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾) كالمسلم ولعلَّه فيما إذا كان المقتولُ معاهدًا، أو كان له وارثٌ مسلم (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) رقبةً بأن لم (٢) يملكْها ولا ما يتوصَّل به إليها (﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾) فعليه صيام شهرين (﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾) لا إفطارَ بينهما، بل يسردُ صومَهما

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مثلا. قَوْله: ليهريق بِفَتْح الْهَاء وسكونها وَقَالَ الْكرْمَانِي: الإهراق هُوَ الْمَحْظُور الْمُسْتَحق لمثل هَذَا الْوَعيد لَا مُجَرّد الطّلب، ثمَّ أجَاب بقوله: المُرَاد الطّلب الْمُرَتّب عَلَيْهِ الْمَطْلُوب، أَو ذكر الطّلب ليلزم فِي الإهراق بِالطَّرِيقِ الأولى، وَقَالَ الْمُهلب: المُرَاد بهؤلاء الثَّلَاثَة أَنهم أبْغض أهل الْمعاصِي إِلَى الله تَعَالَى فَهُوَ كَقَوْلِه: أكبر الْكَبَائِر، وإلَاّ فالشرك أبْغض إِلَى الله من جَمِيع الْمعاصِي.

١٠ - (بابُ العَفْوِ فِي الخَطَإِ بَعْدَ المَوْتِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عَفْو ولي الْمَقْتُول عَن الْقَاتِل فِي الْقَتْل الْخَطَأ بعد موت الْمَقْتُول، وَلَيْسَ المُرَاد عَفْو الْمَقْتُول لِأَنَّهُ محَال، وَإِنَّمَا قَيده بِمَا بعد الْمَوْت لِأَنَّهُ لَا يظْهر أَثَره إلَاّ فِيهِ إِذْ لَو عَفا الْمَقْتُول ثمَّ مَاتَ لم يظْهر لعفوه أثر لِأَنَّهُ لَو عَاشَ تبين أَن لَا شَيْء لَهُ بعفوه عَنهُ. وَقَالَ ابْن بطال: أَجمعُوا على أَن عَفْو الْوَلِيّ إِنَّمَا يكون بعد موت الْمَقْتُول، وَأما قبل ذَلِك فالعفو للقتيل خلافًا لأهل الظَّاهِر فَإِنَّهُم أبطلوا عَفْو الْقَتِيل.

٦٨٨٣ - حدّثنا فَرْوَةُ، حدّثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عنْ هِشَام، عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ: هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ.

وحدّثني مُحَمَّدُ بنُ حَرْبٍ، حدّثنا أبُو مَرْوانَ يَحْيى بنُ أبي زَكَرِيَّاءَ، عنْ هِشامٍ، عنْ عُرْوَةَ، عنْ عائِشَةَ، رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: صَرَخَ إبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي النَّاسِ: يَا عِبادَ الله أُخْراكُمْ. فَرَجَعَتْ أُولاهُمْ عَلى أُخْرَاهُمْ حتَّى قَتَلُوا اليَمانَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أبي أبي فَقَتَلُوهُ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ: وقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُم قَوْمٌ حتَّى لَحِقوا بالطائِفِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: غفر الله لكم لِأَن مَعْنَاهُ: عَفَوْت عَنْكُم، لِأَن الْمُسلمين كَانُوا قتلوا الْيَمَان أَبَا حُذَيْفَة خطأ يَوْم أحد فَعَفَا حُذَيْفَة عَنْهُم بعد قَتله.

وَقد أخرج أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ فِي السّير عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: أَخطَأ الْمُسلمُونَ بِأبي حُذَيْفَة يَوْم أحد حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَة: يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ: فبلغت النَّبِي فزاده عِنْده خيرا ووداه من عِنْده.

وفروة شيخ البُخَارِيّ بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وبالواو ابْن أبي المغراء أَبُو الْقَاسِم الْكِنْدِيّ الْكُوفِي وَعلي بن مسْهر بِضَم الْمِيم اسْم فَاعل من الإسهار بِالسِّين المهلمة وَالرَّاء، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

وَأخرجه من طَرِيقين: أَحدهمَا: هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَسقط هَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر. وَالثَّانِي: عَن مُحَمَّد بن حَرْب بياع النشا بالنُّون والشين الْمُعْجَمَة الوَاسِطِيّ عَن أبي مَرْوَان يحيى بن أبي زَكَرِيَّا الغساني الشَّامي سكن وَاسِط. قيل: ظَاهره أَن الرِّوَايَتَيْنِ سَوَاء، وَلَيْسَ كَذَلِك، وسَاق الْمَتْن هُنَا على لفظ أبي مَرْوَان، وَأما لفظ عَليّ بن مسْهر فقد تقدم فِي: بَاب من حنث نَاسِيا، فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور. وَمر الحَدِيث فِي: بَاب صفة إِبْلِيس فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن أبي أُسَامَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَمر الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: أخراكم أَي: اقْتُلُوا أَو احْذَرُوا. قَوْله: حَتَّى قتلوا الْيَمَان أَي: قتل الْمُسلمُونَ الْيَمَان بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم وبالنون وَهُوَ وَالِد حُذَيْفَة. قَوْله: أبي أبي أَي: قَالَ حُذَيْفَة: هَذَا أبي، أبي لَا تقتلوه، وَلم يسمعوا مِنْهُ فَقَتَلُوهُ ظانين أَنه من الْمُشْركين فَدَعَا لَهُم حُذَيْفَة. قَالَ الْكرْمَانِي: فَدَعَا لَهُم وَتصدق بديته على الْمُسلمين. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: أَن الْمُسلم إِذا قتل صَاحبه خطأ عِنْد اشتباك الْحَرْب لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيع الازدحامات إلَاّ إِذا فعله قَاصِدا لهلاكه. قَوْله: مِنْهُم أَي: من الْمُشْركين. قَوْله: بِالطَّائِف وَهُوَ الْبَلَد الْمَشْهُور وَرَاء مَكَّة، شرفها الله.

(بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا إِلَّا خطئا وَمن قتل مُؤمنا خطئاً فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة ودية مسلمة إِلَى أَهله إِلَّا أَن يصدقُوا فَإِن كَانَ من قوم عَدو لكم وَهُوَ مُؤمن فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة وَإِن كَانَ من قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق فديَة مسلمة إِلَى ؤهله

وتحرير رَقَبَة مُؤمنَة فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين تَوْبَة من الله وَكَانَ الله عليماً حكيماً} )

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله عز وَجل. . إِلَى آخِره، كَذَا سيقت الْآيَة بِتَمَامِهَا عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر هَكَذَا: بَاب قَول الله تَعَالَى: {مَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا إِلَّا خطأ} وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر، وَلم يذكر معظمهم فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا هَذِه الْآيَة أصل فِي الدِّيات فَذكر فِيهَا ديتين وَثَلَاث كَفَّارَات ذكر الدِّيَة وَالْكَفَّارَة بقتل الْمُؤمن فِي دَار الْإِسْلَام وَذكر الْكَفَّارَة دون الدِّيَة بقتل الْمُؤمن فِي دَار الْحَرْب فِي صف الْمُشْركين إِذا حضر مَعَهم الصَّفّ فَقتله مُسلم، وَذكر الدِّيَة وَالْكَفَّارَة بقتل الذِّمِّيّ فِي دَار الْإِسْلَام، وَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة: هَذِه الْآيَة نزلت فِي عَيَّاش بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي، قتل رجلا مُسلما وَلم يعلم بِإِسْلَامِهِ وَكَانَ ذَلِك الرجل يعذبه بِمَكَّة مَعَ أبي جهل ثمَّ أسلم وَخرج مُهَاجرا إِلَى النَّبِي فَلَقِيَهُ عَيَّاش فِي الطَّرِيق فَقتله وَهُوَ يحسبه كَافِرًا، ثمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، فَأخْبرهُ بذلك فَأمره أَن يعْتق رَقَبَة، وَنزلت الْآيَة، حَكَاهُ الطَّبَرِيّ عَنْهُمَا. وَقَالَ السّديّ: قَتله يَوْم الْفَتْح، وَقد خرج من مَكَّة وَلَا يعلم بِإِسْلَامِهِ، وَقيل: نزلت فِي أبي عَامر وَالِد أبي الدَّرْدَاء، خرج إِلَى سَرِيَّة فَعدل إِلَى شعب فَوجدَ رجلا فِي غنم فَقتله وَأَخذهَا، وَكَانَ يَقُول: لَا إلاه إلَاّ الله، فَوجدَ فِي نَفسه من ذَلِك فَذكره لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأنْكر عَلَيْهِ قَتله إِذْ قَالَ: لَا إلاه إِلَّا الله، فَنزلت الْآيَة. وَقيل: نزلت فِي وَالِد حُذَيْفَة بن الْيَمَان قتل خطأ يَوْم أحد، وَقد مضى عَن قريب.

قَوْله: إلَاّ خطأ ظَاهره غير مُرَاد فَإِنَّهُ لَا يشرع قَتله خطأ وَلَا عمدا لَكِن تَقْدِيره: إِن قَتله خطأ. وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَأَبُو عبيد: الْمَعْنى إلَاّ أَن يقْتله مخطئاً، وَهُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع. قَوْله: ٠ لَا تجوز الْكَافِرَة، وَحكى ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَنهم قَالُوا: لَا يجزىء الصَّغِير إلَاّ أَن يكون قَاصِدا للْإيمَان، وَاخْتَارَ ابْن جرير أَنه إِن كَانَ مولوداً بَين أبوين مُسلمين جَازَ وإلَاّ فَلَا، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنه مَتى كَانَ مُسلما صَحَّ عتقه عَن الْكَفَّارَة سَوَاء كَانَ صَغِيرا أَو كَبِيرا. قَوْله: {إِلَّا أَن يصدقُوا} أَي: إلَاّ أَن يتصدقوا بِالدِّيَةِ فَلَا يجب. قَوْله: {فَإِن كَانَ من قوم عدوٍ لكم} أَي: إِذا كَانَ الْقَتِيل مُؤمنا وَلَكِن أولياؤه من الْكفَّار أهل الْحَرْب فَلَا دِيَة لَهُم وعَلى قَاتله تَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة لَا غير. قَوْله: مِيثَاق أَي: عهد وهدنة فَالْوَاجِب دِيَة مسلمة إِلَى أهل الْقَتِيل وتحرير رَقَبَة. قَوْله: مُتَتَابعين يَعْنِي لَا إفطار بَينهمَا فَإِن أفطر من غير عذر من مرض أَو حيض أَو نِفَاس اسْتَأْنف الصَّوْم. وَاخْتلفُوا فِي السّفر: هَل يقطع أم لَا؟ عل قَوْلَيْنِ. قَوْله: تَوْبَة أَي: رَحْمَة رَحْمَة من الله بكم أَي: التَّيْسِير عَلَيْكُم بتَخْفِيف عَنْكُم بتحرير الرَّقَبَة المؤمنة إِذا أيسرتم بهَا. قَوْله: {وَكَانَ الله عليماً حكيماً} أَي: لم يزل عليماً بِمَا يصلح عباده فِيمَا يكلفهم من فَرَائِضه، حكيماً بِمَا يقْضِي فِيهِ وَيَأْمُر.

١٢ - (بابٌ إِذا أقَرَّ بالقَتْلِ مَرَّةً قُتلَ بِهِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا أقرّ شخص بِالْقَتْلِ مرّة وَاحِدَة قتل بِهِ أَي: بذلك الْإِقْرَار، كَذَا وَقعت هَذِه التَّرْجَمَة عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ لم تذكر هَذِه التَّرْجَمَة بل قَالَ بعد قَوْله خطأ: الْآيَة وَإِذا أقرّ إِلَى آخِره.

٦٨٨٤ - حدّثني إسْحَاقُ، أخبرنَا حَبَّانُ، حدّثنا هَمَّامٌ، حدّثنا قتادَةُ، حدّثنا أنَسُ بنُ مالِكٍ: أنَّ يَهُودِياً رَضَّ رَأسَ جَارِيةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَها: مَنْ فَعَلَ بِكِ هاذا؟ أفُلانٌ أفُلانٌ؟ حتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ فأوْمَأتْ بِرَأسِها، فَجِيءَ باليَهُودِيِّ فاعْتَرَفَ، فأمَرَ بِهِ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرُضَّ رَأسُهُ بالحِجارَةِ وقَدْ قَالَ هَمَّامٌ: بِحَجَرَيْنِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِسْحَاق شيخ البُخَارِيّ قَالَ الغساني: لم أَجِدهُ مَنْسُوبا عِنْد أحد، وَيُشبه أَن يكون ابْن مَنْصُور. قلت: إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام الكوسج أَبُو يَعْقُوب الْمروزِي، انْتقل بآخرة إِلَى نيسابور وَهُوَ شيخ

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل