«هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ،» وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٨٨٣

الحديث رقم ٦٨٨٣ من كتاب «كتاب الديات» في صحيح البخاري، تحت باب: باب العفو في الخطإ بعد الموت.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٨٨٣ في صحيح البخاري

«هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ،» وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي النَّاسِ: يَا عِبَادَ اللهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ، حَتَّى قَتَلُوا الْيَمَانِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي أَبِي، فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

بَابٌ: إِذَا أَقَرَّ بِالْقَتْلِ مَرَّةً قُتِلَ بِهِ

إسناد حديث رقم ٦٨٨٣ من صحيح البخاري

٦٨٨٣ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٨٨٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ مَوْقُوفًا، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ فِعْلَ الصَّغِيرَةِ فِي الْحَرَمِ أَشَدُّ مِنْ فِعْلِ الْكَبِيرَةِ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِلْحَادِ فِعْلُ الْكَبِيرَةِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ؛ فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الْآيَةَ يُفِيدُ ثُبُوتَ الْإِلْحَادِ وَدَوَامَهُ، وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أَيْ مَنْ يَكُونُ إِلْحَادُهُ عَظِيمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عِنْدَ شَخْصٍ فَيَطْلُبُهُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ مُشَارَكَةٌ كَوَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ قَرِيبِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مَنْ يُرِيدُ بَقَاءَ سِيرَةِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ إِشَاعَتَهَا أَوْ تَنْفِيذَهَا.

وَسُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَمِدُونَهُ مِنْ أَخْذِ الْجَارِ بِجَارِهِ وَالْحَلِيفِ بِحَلِيفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا جَاءَ الْإِسْلَامُ بِتَرْكِهِ كَالطِّيَرَةِ وَالْكَهَانَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ رَفَعَهُ: إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ طَلَبَ بِدَمِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ سُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَمُطَّلِبٌ) بِالتَّشْدِيدِ مُفْتَعِلٌ مِنَ الطَّلَبِ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً وَأُدْغِمَتْ وَالْمُرَادُ مَنْ يُبَالِغُ فِي الطَّلَبِ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمَعْنَى الْمُتَكَلِّفُ لِلطَّلَبِ، وَالْمُرَادُ الطَّلَبُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ لَا مُجَرَّدُ الطَّلَبِ، أَوْ ذَكَرَ الطَّلَبَ لِيَلْزَمَ الزَّجْرُ فِي الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ حَقٍّ احْتِرَازٌ عَمَّنْ يَقَعُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ لَكِنْ بِحَقٍّ كَطَلَبِ الْقِصَاصِ مَثَلًا. وَقَوْلُهُ: لِيُهَرِيقَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْعَزْمَ الْمُصَمَّمَ يُؤَاخَذُ بِهِ، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَفْتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى سَبَبٍ فَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ مَكَّةَ لِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ يَعْنِي فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْتَى عَلَى اللَّهِ مِنْ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ أَوْ قَتَلَ بِذَحْلٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

وَمِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ: إِنَّ أَجْرَأَ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ فِيهِ: وَطَلَبَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّةِ.

١٠ - بَاب الْعَفْوِ فِي الْخَطَأ بَعْدَ الْمَوْتِ

٦٨٨٣ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا - يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ -، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي النَّاسِ يَا عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ حَتَّى قَتَلُوا الْيَمَانِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي أَبِي، فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَفْوِ فِي الْخَطَأ بَعْدَ الْمَوْتِ) أَيْ عَفْوِ الْوَلِيِّ لَا عَفْوِ الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُ مُحَالٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلَ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ إِلَّا فِيهِ؛ إِذْ لَوْ عَفَا الْمَقْتُولُ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَظْهَرْ لِعَفْوِهِ أَثَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ تَبَيَّنَ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ يَعْفُو عَنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَفْوَ الْوَلِيِّ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَالْعَفْوُ لِلْقَتِيلِ، خِلَافًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ أَبْطَلُوا عَفْوَ الْقَتِيلِ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَلِيَّ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْمَقْتُولِ فِي طَلَبِ

مَا يَسْتَحِقُّهُ فَإِذَا جُعِلَ لَهُ الْعَفْوُ كَانَ ذَلِكَ لِلْأَصِيلِ أَوْلَى، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ لَمَّا دَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَرُمِيَ بِسَهْمٍ فَقُتِلَ عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَأَجَازَ النَّبِيُّ عَفْوَهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) بِفَاءٍ هُوَ ابْنُ أَبِي الْمَغْرَاءَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ) سَقَطَ هَذَا الْقَدْرُ لِأَبِي ذَرٍّ وَتَحَوَّلَ إِلَى السَّنَدِ الْآخَرِ فَصَارَ ظَاهِرُهُ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ سَوَاءٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا فِي السَّنَدِ الثَّانِي هُوَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ، وَسَاقَ الْمَتْنَ هُنَا عَلَى لَفْظِهِ، وَأَمَّا لَفْظُ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ فَتَقَدَّمَ فِي بَابِ مَنْ حَنِثَ نَاسِيًا مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ حُذَيْفَةُ غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ دِيَتَهُ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ حَضَرَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ، وَهُوَ لَا يَعْفُو إِلَّا عَنْ شَيْءٍ اسْتُحِقَّ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي السُّنَنِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْطَأَ الْمُسْلِمُونَ بِأَبِي حُذَيْفَةَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَبَلَغَتِ النَّبِيَّ فَزَادَهُ عِنْدَهُ خَيْرًا وَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَرُدُّ قَوْلَ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ: فَلَمْ يَزَلْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ عَلَى الْحُزْنِ عَلَى أَبِيهِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ الرَّدَّ عَلَيْهِ فِي بَابِ مَنْ حَنِثَ نَاسِيًا.

وَيُؤْخَذُ مِنْهَا أَيْضًا التَّعَقُّبُ عَلَى الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ حَيْثُ قَالَ: حَمَلَ الْبُخَارِيُّ قَوْلَ حُذَيْفَةَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَى الْعَفْوِ عَنِ الضَّمَانِ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ، فَيُجَابُ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِهَذَا الَّذِي هُوَ غَيْرُ صَرِيحٍ إِلَى مَا وَرَدَ صَرِيحًا وَإِنْ كَانَ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ.

١١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَابْنِ عَسَاكِرَ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ الْآيَةَ إِلَى ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ مُعْظَمُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ سَبَبَ نُزُولِهَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ أَيِ ابْنِ رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي جَدِّكَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ يُؤْذِيهِمْ بِمَكَّةَ وَهُوَ كَافِرٌ، فَلَمَّا هَاجَرَ الْمُسْلِمُونَ أَسْلَمَ الْحَارِثُ وَأَقْبَلَ مُهَاجِرًا حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْحَرَّةِ لَقِيَهُ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ فَظَنَّهُ عَلَى شِرْكِهِ فَعَلَاهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ، فَنَزَلَتْ.

رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهَا مُرْسَلَةً أَيْضًا وَزَادَ فِي السَّنَدِ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ الْحَارِثَ بْنَ يَزِيدَ إِنْ ظَفِرَ بِهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الْحَارِثَ، وَفِي سِيَاقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَقِيَ النَّبِيَّ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ ثُمَّ خَرَجَ فَقَتَلَهُ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَقِيلَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ.

قَوْلُهُ: إِلَّا خَطَأً هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِنْ أُرِيدَ بِالنَّفْيِ مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ مُتَّصِلًا لَكَانَ مَفْهُومُهُ فَلَهُ قَتْلُهُ، وَانْفَصَلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٨٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) بفتح الفاء وسكون الراء، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «فروةُ بنُ أبي المَغْرَاء» -بفتح الميم وسكون الغين المعجمة بعدها راء ممدودًا-، الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون السين المهملة وبعد الهاء المكسورة راء، أبو الحسن الكوفيُّ الحافظ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ، أنَّها قالت: (هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ) وقعةِ (أُحُدٍ) بضم الهاء وكسر الزاي، وسقط لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ من قولهِ «عن أبيه … » إلى آخره، ولفظ عليِّ بن مُسْهِر سبق (١) في «باب من حنثَ ناسيًا»، من «كتاب الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٦٨].

وحوَّل المصنِّف السَّند فقال: (وَ (٢) حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الواسطيُّ النِّشائيُّ -بالنون المكسورة والشين المعجمة بعدها مدَّة- كان يبيعُ النِّشاء، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا) وزاد ابنُ عساكرَ وأبو ذرٍّ عن المُستملي: «يعني: الواسطي» واللَّفظ له لا لعليِّ بن مُسْهر (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ) بفتح الصاد المهملة والراء المخففة بعدها معجمة (يَوْمَ) وقعة (أُحُدٍ فِي النَّاسِ) الَّذين يقاتلون: (يَا عِبَادَ اللهِ) احذروا، أو اقتلوا (أُخْرَاكُمْ) بضم الهمزة وسكون الخاء المعجمة (فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ) بضم الهمزة فيها (حَتَّى قَتَلُوا اليَمَانِ) بفتح التحتية والميم المخففة وبعد الألف نون مكسورة، مصحَّحٌ عليها في الفرع، وفي غيرهِ (٣) بفتحها مصحَّح (٤) عليها أيضًا، أي: قتل المسلمون اليمانَ والد حذيفة (فَقَالَ حُذَيْفَةُ): هذا (أَبِي أَبِي) مرَّتين لا تقتلوهُ، فلم يسمعوا منه (فَقَتَلُوهُ) خطأ ظانِّين أنَّه من المشركين (فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ) قال في «الكواكب»: فدعا لهم وتصدَّق بديتهِ على المسلمين (قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ) أي: من المشركين (قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ) البلد المشهور.

والحديث سبقَ في «باب صفة إبليس»، من «كتاب بدء الخلق» [خ¦٣٢٩٠].

(١١) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النساء: (﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾) وما صحَّ له ولا (١) استقامَ وليس من شأنهِ (﴿أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾) ابتداءً بغير حقٍّ (﴿إِلاَّ خَطَئًا﴾) صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: قتلًا خطأ، أو على الحال، أي: لا يقتلهُ في شيءٍ من الأحوالِ إلَّا حال الخطأ، أو مفعول له، أي: لا يقتله لعلَّة إلَّا للخطأ (﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾) قتلًا (﴿خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾) مبتدأ، والخبر محذوفٌ، أي: فعليه تحريرُ رقبةٍ، أي: عتقها، والرَّقبة: النَّسمة (﴿مُّؤْمِنَةٍ﴾) محكوم بإسلامها، قيل: لما أخرج نفسًا مؤمنةً من جملة الأحياء لزمَه أن يُدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار؛ لأنَّ إطلاقَها من قيد الرِّقِّ كإحيائها من قبل أنَّ الرَّقيق ملحقٌ بالأموات؛ إذ الرِّقُّ أثرٌ من آثار الكفر، والكفرُ موتٌ حكمًا ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وإنَّما وجب عليه ذلك لما ارتكبه من الذَّنب العظيم وإن كان خطأً (﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾) مؤدَّاة إلى ورثتهِ عوضًا عمَّا فاتَهُم من قريبهِم يقتسمونها كما يقتسمون الميراثَ لا فرق بينها وبين سائر التَّرِكات، فيقضى منها الدَّين وتنفَّذ الوصية … إلى آخره، وإنَّما تجب على عاقلةِ القاتلِ لا في ماله (﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾) أي: يتصدَّقوا عليه بالدِّية، أي: يعفوا عنه فلا تجب (﴿فَإِن كَانَ﴾) المقتول خطأً (﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾) أعداءً لكم، أي: كفرةً محاربين والعدوُّ يُطلق على الجمع (﴿وَهُوَ﴾) أي: المقتولُ (﴿مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾) فعلى قاتلهِ الكفَّارة دون الدِّية لأهله؛ إذ لا وراثةَ بينه وبينهم؛ لأنَّهم محاربون (﴿وَإِن كَانَ﴾) أي: المقتول (﴿مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾) بين المسلمين (﴿وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾) عهد ذمَّةٍ أو هدنةٍ (﴿فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾) كالمسلم ولعلَّه فيما إذا كان المقتولُ معاهدًا، أو كان له وارثٌ مسلم (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) رقبةً بأن لم (٢) يملكْها ولا ما يتوصَّل به إليها (﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾) فعليه صيام شهرين (﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾) لا إفطارَ بينهما، بل يسردُ صومَهما

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ مَوْقُوفًا، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ فِعْلَ الصَّغِيرَةِ فِي الْحَرَمِ أَشَدُّ مِنْ فِعْلِ الْكَبِيرَةِ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِلْحَادِ فِعْلُ الْكَبِيرَةِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ؛ فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الْآيَةَ يُفِيدُ ثُبُوتَ الْإِلْحَادِ وَدَوَامَهُ، وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أَيْ مَنْ يَكُونُ إِلْحَادُهُ عَظِيمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عِنْدَ شَخْصٍ فَيَطْلُبُهُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ مُشَارَكَةٌ كَوَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ قَرِيبِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مَنْ يُرِيدُ بَقَاءَ سِيرَةِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ إِشَاعَتَهَا أَوْ تَنْفِيذَهَا.

وَسُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَمِدُونَهُ مِنْ أَخْذِ الْجَارِ بِجَارِهِ وَالْحَلِيفِ بِحَلِيفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا جَاءَ الْإِسْلَامُ بِتَرْكِهِ كَالطِّيَرَةِ وَالْكَهَانَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ رَفَعَهُ: إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ طَلَبَ بِدَمِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ سُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَمُطَّلِبٌ) بِالتَّشْدِيدِ مُفْتَعِلٌ مِنَ الطَّلَبِ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً وَأُدْغِمَتْ وَالْمُرَادُ مَنْ يُبَالِغُ فِي الطَّلَبِ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمَعْنَى الْمُتَكَلِّفُ لِلطَّلَبِ، وَالْمُرَادُ الطَّلَبُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ لَا مُجَرَّدُ الطَّلَبِ، أَوْ ذَكَرَ الطَّلَبَ لِيَلْزَمَ الزَّجْرُ فِي الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ حَقٍّ احْتِرَازٌ عَمَّنْ يَقَعُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ لَكِنْ بِحَقٍّ كَطَلَبِ الْقِصَاصِ مَثَلًا. وَقَوْلُهُ: لِيُهَرِيقَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْعَزْمَ الْمُصَمَّمَ يُؤَاخَذُ بِهِ، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَفْتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى سَبَبٍ فَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ مَكَّةَ لِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ يَعْنِي فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْتَى عَلَى اللَّهِ مِنْ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ أَوْ قَتَلَ بِذَحْلٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

وَمِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ: إِنَّ أَجْرَأَ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ فِيهِ: وَطَلَبَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّةِ.

١٠ - بَاب الْعَفْوِ فِي الْخَطَأ بَعْدَ الْمَوْتِ

٦٨٨٣ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا - يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ -، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي النَّاسِ يَا عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ حَتَّى قَتَلُوا الْيَمَانِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي أَبِي، فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَفْوِ فِي الْخَطَأ بَعْدَ الْمَوْتِ) أَيْ عَفْوِ الْوَلِيِّ لَا عَفْوِ الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُ مُحَالٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلَ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ إِلَّا فِيهِ؛ إِذْ لَوْ عَفَا الْمَقْتُولُ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَظْهَرْ لِعَفْوِهِ أَثَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ تَبَيَّنَ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ يَعْفُو عَنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَفْوَ الْوَلِيِّ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَالْعَفْوُ لِلْقَتِيلِ، خِلَافًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ أَبْطَلُوا عَفْوَ الْقَتِيلِ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَلِيَّ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْمَقْتُولِ فِي طَلَبِ

مَا يَسْتَحِقُّهُ فَإِذَا جُعِلَ لَهُ الْعَفْوُ كَانَ ذَلِكَ لِلْأَصِيلِ أَوْلَى، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ قَتَادَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ لَمَّا دَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَرُمِيَ بِسَهْمٍ فَقُتِلَ عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَأَجَازَ النَّبِيُّ عَفْوَهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) بِفَاءٍ هُوَ ابْنُ أَبِي الْمَغْرَاءَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ) سَقَطَ هَذَا الْقَدْرُ لِأَبِي ذَرٍّ وَتَحَوَّلَ إِلَى السَّنَدِ الْآخَرِ فَصَارَ ظَاهِرُهُ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ سَوَاءٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا فِي السَّنَدِ الثَّانِي هُوَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ، وَسَاقَ الْمَتْنَ هُنَا عَلَى لَفْظِهِ، وَأَمَّا لَفْظُ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ فَتَقَدَّمَ فِي بَابِ مَنْ حَنِثَ نَاسِيًا مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ حُذَيْفَةُ غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ دِيَتَهُ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ حَضَرَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ، وَهُوَ لَا يَعْفُو إِلَّا عَنْ شَيْءٍ اسْتُحِقَّ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي السُّنَنِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْطَأَ الْمُسْلِمُونَ بِأَبِي حُذَيْفَةَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَبَلَغَتِ النَّبِيَّ فَزَادَهُ عِنْدَهُ خَيْرًا وَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَرُدُّ قَوْلَ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ: فَلَمْ يَزَلْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ عَلَى الْحُزْنِ عَلَى أَبِيهِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ الرَّدَّ عَلَيْهِ فِي بَابِ مَنْ حَنِثَ نَاسِيًا.

وَيُؤْخَذُ مِنْهَا أَيْضًا التَّعَقُّبُ عَلَى الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ حَيْثُ قَالَ: حَمَلَ الْبُخَارِيُّ قَوْلَ حُذَيْفَةَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَى الْعَفْوِ عَنِ الضَّمَانِ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ، فَيُجَابُ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِهَذَا الَّذِي هُوَ غَيْرُ صَرِيحٍ إِلَى مَا وَرَدَ صَرِيحًا وَإِنْ كَانَ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ.

١١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَابْنِ عَسَاكِرَ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ الْآيَةَ إِلَى ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ مُعْظَمُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا.

قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ سَبَبَ نُزُولِهَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ أَيِ ابْنِ رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي جَدِّكَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ يُؤْذِيهِمْ بِمَكَّةَ وَهُوَ كَافِرٌ، فَلَمَّا هَاجَرَ الْمُسْلِمُونَ أَسْلَمَ الْحَارِثُ وَأَقْبَلَ مُهَاجِرًا حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْحَرَّةِ لَقِيَهُ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ فَظَنَّهُ عَلَى شِرْكِهِ فَعَلَاهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ، فَنَزَلَتْ.

رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهَا مُرْسَلَةً أَيْضًا وَزَادَ فِي السَّنَدِ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ الْحَارِثَ بْنَ يَزِيدَ إِنْ ظَفِرَ بِهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ الْحَارِثَ، وَفِي سِيَاقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَقِيَ النَّبِيَّ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ ثُمَّ خَرَجَ فَقَتَلَهُ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَقِيلَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ.

قَوْلُهُ: إِلَّا خَطَأً هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِنْ أُرِيدَ بِالنَّفْيِ مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ مُتَّصِلًا لَكَانَ مَفْهُومُهُ فَلَهُ قَتْلُهُ، وَانْفَصَلَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٦٨٨٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا فَرْوَةُ) بفتح الفاء وسكون الراء، ولأبي ذرٍّ وابنِ عساكرَ: «فروةُ بنُ أبي المَغْرَاء» -بفتح الميم وسكون الغين المعجمة بعدها راء ممدودًا-، الكنديُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم وسكون السين المهملة وبعد الهاء المكسورة راء، أبو الحسن الكوفيُّ الحافظ (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) ، أنَّها قالت: (هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ) وقعةِ (أُحُدٍ) بضم الهاء وكسر الزاي، وسقط لأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكرَ من قولهِ «عن أبيه … » إلى آخره، ولفظ عليِّ بن مُسْهِر سبق (١) في «باب من حنثَ ناسيًا»، من «كتاب الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٦٨].

وحوَّل المصنِّف السَّند فقال: (وَ (٢) حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الواسطيُّ النِّشائيُّ -بالنون المكسورة والشين المعجمة بعدها مدَّة- كان يبيعُ النِّشاء، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا) وزاد ابنُ عساكرَ وأبو ذرٍّ عن المُستملي: «يعني: الواسطي» واللَّفظ له لا لعليِّ بن مُسْهر (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ) بفتح الصاد المهملة والراء المخففة بعدها معجمة (يَوْمَ) وقعة (أُحُدٍ فِي النَّاسِ) الَّذين يقاتلون: (يَا عِبَادَ اللهِ) احذروا، أو اقتلوا (أُخْرَاكُمْ) بضم الهمزة وسكون الخاء المعجمة (فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ) بضم الهمزة فيها (حَتَّى قَتَلُوا اليَمَانِ) بفتح التحتية والميم المخففة وبعد الألف نون مكسورة، مصحَّحٌ عليها في الفرع، وفي غيرهِ (٣) بفتحها مصحَّح (٤) عليها أيضًا، أي: قتل المسلمون اليمانَ والد حذيفة (فَقَالَ حُذَيْفَةُ): هذا (أَبِي أَبِي) مرَّتين لا تقتلوهُ، فلم يسمعوا منه (فَقَتَلُوهُ) خطأ ظانِّين أنَّه من المشركين (فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكُمْ) قال في «الكواكب»: فدعا لهم وتصدَّق بديتهِ على المسلمين (قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ) أي: من المشركين (قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ) البلد المشهور.

والحديث سبقَ في «باب صفة إبليس»، من «كتاب بدء الخلق» [خ¦٣٢٩٠].

(١١) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) في سورة النساء: (﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾) وما صحَّ له ولا (١) استقامَ وليس من شأنهِ (﴿أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾) ابتداءً بغير حقٍّ (﴿إِلاَّ خَطَئًا﴾) صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: قتلًا خطأ، أو على الحال، أي: لا يقتلهُ في شيءٍ من الأحوالِ إلَّا حال الخطأ، أو مفعول له، أي: لا يقتله لعلَّة إلَّا للخطأ (﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾) قتلًا (﴿خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾) مبتدأ، والخبر محذوفٌ، أي: فعليه تحريرُ رقبةٍ، أي: عتقها، والرَّقبة: النَّسمة (﴿مُّؤْمِنَةٍ﴾) محكوم بإسلامها، قيل: لما أخرج نفسًا مؤمنةً من جملة الأحياء لزمَه أن يُدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار؛ لأنَّ إطلاقَها من قيد الرِّقِّ كإحيائها من قبل أنَّ الرَّقيق ملحقٌ بالأموات؛ إذ الرِّقُّ أثرٌ من آثار الكفر، والكفرُ موتٌ حكمًا ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وإنَّما وجب عليه ذلك لما ارتكبه من الذَّنب العظيم وإن كان خطأً (﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾) مؤدَّاة إلى ورثتهِ عوضًا عمَّا فاتَهُم من قريبهِم يقتسمونها كما يقتسمون الميراثَ لا فرق بينها وبين سائر التَّرِكات، فيقضى منها الدَّين وتنفَّذ الوصية … إلى آخره، وإنَّما تجب على عاقلةِ القاتلِ لا في ماله (﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾) أي: يتصدَّقوا عليه بالدِّية، أي: يعفوا عنه فلا تجب (﴿فَإِن كَانَ﴾) المقتول خطأً (﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾) أعداءً لكم، أي: كفرةً محاربين والعدوُّ يُطلق على الجمع (﴿وَهُوَ﴾) أي: المقتولُ (﴿مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾) فعلى قاتلهِ الكفَّارة دون الدِّية لأهله؛ إذ لا وراثةَ بينه وبينهم؛ لأنَّهم محاربون (﴿وَإِن كَانَ﴾) أي: المقتول (﴿مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾) بين المسلمين (﴿وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾) عهد ذمَّةٍ أو هدنةٍ (﴿فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾) كالمسلم ولعلَّه فيما إذا كان المقتولُ معاهدًا، أو كان له وارثٌ مسلم (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) رقبةً بأن لم (٢) يملكْها ولا ما يتوصَّل به إليها (﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾) فعليه صيام شهرين (﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾) لا إفطارَ بينهما، بل يسردُ صومَهما

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.7 / 29.5
الإضاءة 15%
البدر بعد 11 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله