«أُتِيَ عَلِيٌّ ﵁ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩٢٢

الحديث رقم ٦٩٢٢ من كتاب «كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٩٢٢ في صحيح البخاري

«أُتِيَ عَلِيٌّ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ، لِنَهْيِ رَسُولِ اللهِ : وَلَقَتَلْتُهُمْ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٦٩٢٢

٦٩٢٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٩٢٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحَنَابِلَةِ مَا يَدْفَعُ دَعْوَةَ الْخَطَّابِيِّ، وَابْنِ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَقَلَاهُ، وَهُوَ مَا نُقِلَ عَنِ الْمَيْمُونِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَفِيهِ أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي كَانَ الْكَافِرُ يَفْعَلُهَا فِي جَاهِلِيَّتِهِ إِذَا أَصَرَّ عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهَا لِأَنَّهُ بِإِصْرَارِهِ لَا يَكُونُ تَابَ مِنْهَا وَإِنَّمَا تَابَ مِنَ الْكُفْرِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ ذَنْبُ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ لِإِصْرَارِهِ عَلَيْهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَلِيمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتَأَوَّلَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا سَلَفَ مِمَّا انْتَهَوْا عَنْهُ.

قَالَ: وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ هِيَ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ مَعَ الْإِقْلَاعِ عَنْهُ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ، وَالْكَافِرُ إِذَا تَابَ مِنَ الْكُفْرِ وَلَمْ يَعْزِمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَى الْفَاحِشَةِ لَا يَكُونُ تَائِبًا مِنْهَا فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا، وَالْجَوَابُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِإِسْلَامِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَالْأَخْبَارُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ كَحَدِيثِ أُسَامَةَ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ قَتْلَ الَّذِي قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى قَالَ فِي آخِرِهِ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنَّنِي كُنْتُ أَسْلَمْتُ يَوْمئِذٍ.

٢ - بَاب حُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ وَاسْتِتَابَتِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالزُّهْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ: تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لا جَرَمَ﴾ يَقُولُ: حَقًّا ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ - إِلَى قوله - ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا

وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَه وَكَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

٦٩٢٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ : لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكفرِ تقيَّة (﴿رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦ - ١١٠]) لا يعذِّبهم على ما قالوا (١) في حالةِ الإكراهِ، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾» إلى آخر (٢) «﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».

(﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ﴾) إلى الكفر، و ﴿حَتَّىَ﴾ معناها التَّعليل نحو: فلانٌ يعبدُ الله حتَّى يدخل الجنَّة، أي: يقاتلونكُم كي يردُّوكم، وقولهُ: (﴿إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾) استبعادٌ لاستطاعتِهم (﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾) ومَن يرجعُ عن دينهِ (٣) إلى دينهم (﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾) أي: فيمتْ على الرِّدَّة (﴿فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾) لما يفوتهمْ بالرِّدَّة ممَّا للمسلمين في الدُّنيا من ثمراتِ الإسلامِ، وفي الآخرةِ من الثَّواب وحُسن المآب (﴿وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]) كسائر الكفرةِ، واحتجَّ إمامنا الشَّافعيُّ بالتَّقييد في الرِّدَّة بالموتِ عليها أنَّ الرِّدَّة لا تحبطُ العمل إلَّا بالموت عليها. وقال الحنفيَّة: قد علَّق الحَبَط بنفس الرِّدَّة بقولهِ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] والأصل عندنا أنَّ المطلق لا يحملُ على المقيَّد، وعند الشَّافعيِّ: يحملُ عليه، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿وَمَن يَرْتَدِدْ (٤)﴾» وقال بعد قولهِ: ﴿وَالآخِرَةِ﴾: «إلى قولهِ: ﴿وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾».

٦٩٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ) قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس أنَّه (قَالَ: أُتِيَ) بضم الهمزة وكسر الفوقيَّة (عَلِيٌّ) هو ابنُ أبي طالبٍ ( بِزَنَادِقَةٍ) بفتح الزاي، جمع: زِندِيق -بكسرها-، وهو المبطنُ للكفر المظهرُ للإسلام، كما قاله النَّوويُّ والرَّافعيُّ في «كتاب الرِّدَّة» وبابي (٥) صفة الأئمَّة والفرائض، أو من

لا ينتحلُ دينًا، كما قالاه (١) في اللِّعان، وصوَّبه في «المهمَّات»، وقيل: إنَّهم طائفةٌ من الرَّوافض تُدعى السَّبئيَّة ادَّعوا أنَّ عليًّا إلهٌ، وكان رئيسهم عبدُ الله بن سَبأ -بفتح السين المهملة وتخفيف الموحدة- وكان أصلُه يهوديًا (فَأَحْرَقَهُمْ) وعند الإسماعيليِّ من حديث عكرمة: أنَّ عليًّا أُتي بقومٍ قد ارتدُّوا عن الإسلام، أو قال: بزنادقةٍ ومعهم كتبٌ لهم، فأمر بنارٍ فأنضِجتْ ورَماهم فيها (فَبَلَغَ ذَلِكَ) الإحراق (ابْنَ عَبَّاسٍ) وكان إذ ذاك أميرًا على البصرةِ من قبل عليٍّ (فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللهِ ) عن القتل بالنَّار بقولهِ: (لا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ) وسقط «لا تعذِّبُوا بعذابِ الله» لغير أبي ذرٍّ، وفي حديثِ ابن مسعودٍ عند أبي داود في قصَّةٍ أخرى أنَّه: «لا يُعذِّبُ بالنَّار إلَّا ربُّ النَّار»، وقول ابن عبَّاس هذا يحتملُ (٢) أن يكون ممَّا سمعَه من النَّبيِّ أو من بعضِ (٣) الصَّحابة (وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) و «مَنْ» عامٌّ، يُخصُّ منه مَن بدَّل دينَه في الباطنِ ولم يثبتْ ذلك عليه في الظَّاهر، فإنَّه يجرِي عليه أحكامُ الظَّاهر، ويُستثنى منه من بدَّل دينه في الظَّاهر لكن مع الإكراه، واستُدلَّ به على قتلِ المرتدَّة كالمرتدِّ، وخصَّه الحنفيَّة بالذَّكَر للنَّهي عن قتلِ النِّساء، وبأنَّ «من» الشَّرطيَّة لا تعمُّ المؤنَّث.

وأُجيب بأنَّ ابن عبَّاس راوي الحديث، وقد قال بقتلِ المرتدَّة، وقتلَ أبو بكرٍ في خلافتهِ امرأةً ارتدَّت والصَّحابة مُتوافرون، فلم ينكرْ ذلك عليه أحدٌ، وفي حديث معاذٍ لمَّا بعثه النَّبيُّ قال: «وأيُّما رجلٍ ارتدَّ عن الإسلامِ فادْعُه فإن عادَ وإلَّا فاضْرِب عنقَه، وأيُّما امرأةٍ ارتدَّتْ عن الإسلامِ فادْعُها فإن عادتْ وإلَّا فاضربْ عنقها».

قال في «الفتح»: وسندهُ حسنٌ، وهو نصٌّ في موضع النِّزاع، فيجب المصيرُ إليه، واستدلَّ به على قتلِ الزِّنديق من غيرِ استتابةٍ، وأُجيب بأنَّ في بعض طرقِ الحديث أنَّ عليًّا استتابَهُم، وقد قال الشَّافعيُّ : يُستتاب الزِّنديق، كما يستتاب المرتدُّ.

واحتجَّ من قال بالأوَّل بأنَّ توبة الزِّنديق لا تُعرف.

والحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٣٠١٧].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْحَنَابِلَةِ مَا يَدْفَعُ دَعْوَةَ الْخَطَّابِيِّ، وَابْنِ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَقَلَاهُ، وَهُوَ مَا نُقِلَ عَنِ الْمَيْمُونِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَفِيهِ أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي كَانَ الْكَافِرُ يَفْعَلُهَا فِي جَاهِلِيَّتِهِ إِذَا أَصَرَّ عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهَا لِأَنَّهُ بِإِصْرَارِهِ لَا يَكُونُ تَابَ مِنْهَا وَإِنَّمَا تَابَ مِنَ الْكُفْرِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ ذَنْبُ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ لِإِصْرَارِهِ عَلَيْهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَلِيمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتَأَوَّلَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا سَلَفَ مِمَّا انْتَهَوْا عَنْهُ.

قَالَ: وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ هِيَ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ مَعَ الْإِقْلَاعِ عَنْهُ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ، وَالْكَافِرُ إِذَا تَابَ مِنَ الْكُفْرِ وَلَمْ يَعْزِمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَى الْفَاحِشَةِ لَا يَكُونُ تَائِبًا مِنْهَا فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا، وَالْجَوَابُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِإِسْلَامِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَالْأَخْبَارُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ كَحَدِيثِ أُسَامَةَ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ قَتْلَ الَّذِي قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى قَالَ فِي آخِرِهِ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنَّنِي كُنْتُ أَسْلَمْتُ يَوْمئِذٍ.

٢ - بَاب حُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ وَاسْتِتَابَتِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالزُّهْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ: تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لا جَرَمَ﴾ يَقُولُ: حَقًّا ﴿أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ - إِلَى قوله - ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا

وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَه وَكَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

٦٩٢٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ : لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ، وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكفرِ تقيَّة (﴿رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦ - ١١٠]) لا يعذِّبهم على ما قالوا (١) في حالةِ الإكراهِ، وسقط لأبي ذرٍّ «﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾» إلى آخر (٢) «﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾».

(﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ﴾) إلى الكفر، و ﴿حَتَّىَ﴾ معناها التَّعليل نحو: فلانٌ يعبدُ الله حتَّى يدخل الجنَّة، أي: يقاتلونكُم كي يردُّوكم، وقولهُ: (﴿إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾) استبعادٌ لاستطاعتِهم (﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾) ومَن يرجعُ عن دينهِ (٣) إلى دينهم (﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾) أي: فيمتْ على الرِّدَّة (﴿فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾) لما يفوتهمْ بالرِّدَّة ممَّا للمسلمين في الدُّنيا من ثمراتِ الإسلامِ، وفي الآخرةِ من الثَّواب وحُسن المآب (﴿وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]) كسائر الكفرةِ، واحتجَّ إمامنا الشَّافعيُّ بالتَّقييد في الرِّدَّة بالموتِ عليها أنَّ الرِّدَّة لا تحبطُ العمل إلَّا بالموت عليها. وقال الحنفيَّة: قد علَّق الحَبَط بنفس الرِّدَّة بقولهِ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] والأصل عندنا أنَّ المطلق لا يحملُ على المقيَّد، وعند الشَّافعيِّ: يحملُ عليه، وسقط لأبي ذرٍّ من قولهِ «﴿وَمَن يَرْتَدِدْ (٤)﴾» وقال بعد قولهِ: ﴿وَالآخِرَةِ﴾: «إلى قولهِ: ﴿وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾».

٦٩٢٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ) قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّخْتِيانِيِّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاس أنَّه (قَالَ: أُتِيَ) بضم الهمزة وكسر الفوقيَّة (عَلِيٌّ) هو ابنُ أبي طالبٍ ( بِزَنَادِقَةٍ) بفتح الزاي، جمع: زِندِيق -بكسرها-، وهو المبطنُ للكفر المظهرُ للإسلام، كما قاله النَّوويُّ والرَّافعيُّ في «كتاب الرِّدَّة» وبابي (٥) صفة الأئمَّة والفرائض، أو من

لا ينتحلُ دينًا، كما قالاه (١) في اللِّعان، وصوَّبه في «المهمَّات»، وقيل: إنَّهم طائفةٌ من الرَّوافض تُدعى السَّبئيَّة ادَّعوا أنَّ عليًّا إلهٌ، وكان رئيسهم عبدُ الله بن سَبأ -بفتح السين المهملة وتخفيف الموحدة- وكان أصلُه يهوديًا (فَأَحْرَقَهُمْ) وعند الإسماعيليِّ من حديث عكرمة: أنَّ عليًّا أُتي بقومٍ قد ارتدُّوا عن الإسلام، أو قال: بزنادقةٍ ومعهم كتبٌ لهم، فأمر بنارٍ فأنضِجتْ ورَماهم فيها (فَبَلَغَ ذَلِكَ) الإحراق (ابْنَ عَبَّاسٍ) وكان إذ ذاك أميرًا على البصرةِ من قبل عليٍّ (فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللهِ ) عن القتل بالنَّار بقولهِ: (لا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ) وسقط «لا تعذِّبُوا بعذابِ الله» لغير أبي ذرٍّ، وفي حديثِ ابن مسعودٍ عند أبي داود في قصَّةٍ أخرى أنَّه: «لا يُعذِّبُ بالنَّار إلَّا ربُّ النَّار»، وقول ابن عبَّاس هذا يحتملُ (٢) أن يكون ممَّا سمعَه من النَّبيِّ أو من بعضِ (٣) الصَّحابة (وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) و «مَنْ» عامٌّ، يُخصُّ منه مَن بدَّل دينَه في الباطنِ ولم يثبتْ ذلك عليه في الظَّاهر، فإنَّه يجرِي عليه أحكامُ الظَّاهر، ويُستثنى منه من بدَّل دينه في الظَّاهر لكن مع الإكراه، واستُدلَّ به على قتلِ المرتدَّة كالمرتدِّ، وخصَّه الحنفيَّة بالذَّكَر للنَّهي عن قتلِ النِّساء، وبأنَّ «من» الشَّرطيَّة لا تعمُّ المؤنَّث.

وأُجيب بأنَّ ابن عبَّاس راوي الحديث، وقد قال بقتلِ المرتدَّة، وقتلَ أبو بكرٍ في خلافتهِ امرأةً ارتدَّت والصَّحابة مُتوافرون، فلم ينكرْ ذلك عليه أحدٌ، وفي حديث معاذٍ لمَّا بعثه النَّبيُّ قال: «وأيُّما رجلٍ ارتدَّ عن الإسلامِ فادْعُه فإن عادَ وإلَّا فاضْرِب عنقَه، وأيُّما امرأةٍ ارتدَّتْ عن الإسلامِ فادْعُها فإن عادتْ وإلَّا فاضربْ عنقها».

قال في «الفتح»: وسندهُ حسنٌ، وهو نصٌّ في موضع النِّزاع، فيجب المصيرُ إليه، واستدلَّ به على قتلِ الزِّنديق من غيرِ استتابةٍ، وأُجيب بأنَّ في بعض طرقِ الحديث أنَّ عليًّا استتابَهُم، وقد قال الشَّافعيُّ : يُستتاب الزِّنديق، كما يستتاب المرتدُّ.

واحتجَّ من قال بالأوَّل بأنَّ توبة الزِّنديق لا تُعرف.

والحديث سبق في «الجهاد» [خ¦٣٠١٧].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله