«الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ، وَالحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩٨٤

الحديث رقم ٦٩٨٤ من كتاب «كتاب التعبير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الرؤيا من الله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٦٩٨٤ في صحيح البخاري

«الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ، وَالحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ.»

إسناد حديث رقم ٦٩٨٤ من صحيح البخاري

٦٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٦٩٨٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَنَامَ الصَّادِقَ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ النُّبُوَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ التُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ وَحُسْنُ السَّمْتِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ أَيِ النُّبُوَّةُ مَجْمُوعُ خِصَالٍ مَبْلَغُ أَجْزَائِهَا ذَلِكَ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ جُزْءٌ مِنْهَا، وَعَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ يَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ السِّتَّةِ وَالْعِشْرِينَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ فَإِذَا ضَرَبْنَا ثَلَاثَةً فِي سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ انْتَهَتْ إِلَى ثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ فَيَصِحُّ لَنَا أَنَّ عَدَدَ خِصَالِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَيْثُ آحَادُهَا ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ قَالَ: وَيَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى كُلُّ اثْنَيْنِ مِنْهَا جُزْءًا فَيَكُونُ الْعَدَدُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ، وَيَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى كُلُّ أَرْبَعَةٍ مِنْهَا جُزْءًا فَتَكُونُ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا وَنِصْفَ جُزْءٍ فَيَكُونُ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِي الْعَدَدِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ اعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اضْطِرَابٌ. قَالَ: وَهَذَا أَشْبَهُ مَا وَقَعَ لِي فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْشَرِحْ بِهِ الصَّدْرُ وَلَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ.

قُلْتُ: وَتَمَامُهُ أَنْ يَقُولَ فِي الثَّمَانِيَةِ وَالسَّبْعِينَ بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ السَّبْعِينَ أُلْغِيَ فِيهَا الْكَسْرُ وَفِي التِّسْعَةِ وَالثَّلَاثِينَ بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ الْأَرْبَعِينَ جَبْرُ الْكَسْرِ، وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى الْعَدَدِ الْأَخِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ النِّصْفِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْأَعْدَادِ قَدْ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِحَسَبِ مَا يُقَدَّرُ مِنَ الْخِصَالِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ ظَهَرَ لِي وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النُّبُوَّةَ مَعْنَاهَا أَنَّ اللَّهَ يُطْلِعُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَوَحْيِهِ إِمَّا بِالْمُكَالَمَةِ وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ وَإِمَّا بِإِلْقَاءٍ فِي الْقَلْبِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ.

لَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى الْمُسَمَّى بِالنُّبُوَّةِ لَا يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ إِلَّا مَنْ خَصَّهُ بِصِفَاتِ كَمَالِ نَوْعِهِ مِنَ الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ وَالْفَضَائِلِ وَالْآدَابِ مَعَ تَنَزُّهِهِ عَنِ النَّقَائِصِ؛ أُطْلِقَ عَلَى تِلْكَ الْخِصَالِ نُبُوَّةٌ كَمَا فِي حَدِيثِ التُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ أَيْ تِلْكَ الْخِصَالُ مِنْ خِصَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَنْبِيَاءُ مَعَ ذَلِكَ مُتَفَاضِلُونَ فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ وَمَعَ ذَلِكَ فَالصِّدْقُ أَعْظَمُ أَوْصَافِهِمْ يَقَظَةً وَمَنَامًا، فَمَنْ تَأَسَّى بِهِمْ فِي الصِّدْقِ حَصَلَ مِنْ رُؤْيَاهُ عَلَى الصِّدْقِ ثُمَّ لَمَّا كَانُوا فِي مَقَامَاتِهِمْ مُتَفَاوِتِينَ كَانَ أَتْبَاعُهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ كَذَلِكَ، وَكَانَ أَقَلُّ خِصَالِ الْأَنْبِيَاءِ مَا إِذَا اعْتُبِرَ كَانَ سِتَّةً وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَأَكْثَرُهَا مَا يَبْلُغُ سَبْعِينَ، وَبَيْنَ الْعَدَدَيْنِ مَرَاتِبُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ مَا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الرِّوَايَاتِ، وَعَلَى هَذَا فَمَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي صَلَاحِهِ وَصِدْقِهِ عَلَى رُتْبَةٍ تُنَاسِبُ حَالَ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ رُؤْيَاهُ جُزْءًا مِنْ نُبُوَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وَلَمَّا كَانَتْ كَمَالَاتُهُمْ مُتَفَاوِتَةً كَانَتْ نِسْبَةُ أَجْزَاءِ مَنَامَاتِ الصَّادِقِينَ مُتَفَاوِتَةً عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ، قَالَ: وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الِاضْطِرَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَجْهًا آخَرَ مُلَخَّصُهُ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَهَا وُجُوهٌ مِنَ الْفَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ خُصُوصًا وَعُمُومًا، مِنْهَا مَا يُعْلَمُ وَمِنْهَا مَا لَا يُعْلَمُ، لَيْسَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالرُّؤْيَا نِسْبَةٌ إِلَّا فِي كَوْنِهَا حَقًّا فَيَكُونُ مَقَامُ النُّبُوَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَقَامِ الرُّؤْيَا بِحَسَبِ تِلْكَ الْأَعْدَادِ رَاجِعَةً إِلَى دَرَجَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، فَنِسْبَتُهَا مِنْ أَعْلَاهُمْ وَهُوَ مَنْ ضُمَّ لَهُ إِلَى النُّبُوَّةِ الرِّسَالَةُ أَكْثَرُ مَا وَرَدَ مِنَ الْعَدَدِ، وَنِسْبَتُهَا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ غَيْرِ الْمُرْسَلِينَ أَقَلُّ مَا وَرَدَ مِنَ الْعَدَدِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ فِي الْخَبَرِ النُّبُوَّةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِنُبُوَّةِ نَبِيٍّ بِعَيْنِهِ. وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْمَنَامِ شَبَهًا بِمَا حَصَلَ لِلنَّبِيِّ وَتَمَيَّزَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ بِجُزْءٍ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا، فَهَذِهِ عِدَّةُ مُنَاسَبَاتٍ لَمْ أَرَ مَنْ جَمَعَهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَلْهَمَ وَعَلَّمَ وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ عَلَى كَوْنِ الْإِلْهَامِ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْوَحْيِ إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي جَمْرَةَ تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْهُ كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي بَابِ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٣ - بَاب الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ

٦٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

استواءُ الحال في حقِّهم، وفَسَقة: والغالبُ على رُؤياهم الأضغاثُ، ويقلُّ فيها الصِّدق، وكفَّارٌ: ويندرُ في رُؤياهم الصِّدق جدًّا، قاله المهلَّب، فيما ذكره في «الفتح».

فإن قلتَ: لم عبَّر بلفظ «النُّبوَّة» دون لفظ الرِّسالة؟ أُجيب بأنَّ السِّرَّ فيه أنَّ الرِّسالة تزيدُ على النُّبوَّة بالتَّبليغ، بخلاف النُّبوَّة المجرَّدة فإنَّها اطِّلاعٌ على بعض المغيَّبات، وكذلك الرُّؤيا.

والحديث أخرجه النَّسائيُّ وابنُ ماجه في «التَّعبير».

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ) تعالى، وسَقَط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

٦٩٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو: أحمدُ بنُ عبد الله بنِ يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بنُ معاوية أبو خيثمةَ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (يَحْيَى -هُوَ: ابْنُ سَعِيدٍ-) ولأبي ذرٍّ: «وهو: ابنُ سعيد» أي: الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ) الحارث بنَ ربعيٍّ الأنصاريَّ (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: الرُّؤْيَا) يراها الشَّخص في النَّوم ممَّا يسرُّه (١) (مِنَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «الصَّادقة»، وله عن الكُشمِيهنيِّ: «الصَّالحة» (وَالحُلُْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ) بضم الحاء المهملة وسكون اللام. وقال السَّفاقِسيُّ: بضمهما (٢)، وهو ما يراه النَّائم من الأمر الفظيعِ المهول. قال ابنُ نفيس في «شامله»: قد تحدثُ الأحلامُ لأمرٍ في (٣) المأكولِ، وذلك بأن يكون كثيرَ التَّبخير أو التَّدخين، فإذا تصعَّد ذلك إلى الدِّماغ وصادفَ انفتاحَ البطن الأوسط منه، وهو من شأنه أن يكون مُتفتِّحًا حال النَّوم، حرَّك ذلك البُخار أو الدُّخان أرواحَ الدِّماغ وغيرها عن أوضاعِها، فيعرض عن ذلك أن تختلطَ الصُّور الَّتي في مقدَّم الدِّماغ بعضها من بعضٍ (٤)، وينفصلَ

بعضُها من بعضٍ، فيحدثُ من ذلك صور ليستْ على وفق الصُّور الواردةِ من (١) الحواسّ، والقوَّة الَّتي تدرك تلك الصُّور حينئذٍ، ويلزمُ ذلك أن يحكمَ على تلك الصُّور بمعانٍ (٢) تناسبُها، فتكون تلك المعاني لا محالةَ مخالفةً للمعاني المعهودةِ، فلذلك (٣) تكون الأحلامُ حينئذٍ مشوَّشة فاسدة، وقد تحدُثُ الأحلامُ لأمرٍ مهمٍّ يتفكَّر فيه في اليقظةِ، فيستمرُّ عمل القوَّة المفكرة في ذلك، فيكون أكثر ما يرى متعلِّقًا به، وهذا مثل الصَّنائع والفكر في العلوم، وكثيرًا ما يكون الفكر صحيحًا؛ لأنَّ القوَّة (٤) تكون حينئذٍ قد قويتْ بما عرضَ لها من الرَّاحة، ولأجل توفُّر الأرواحِ حينئذٍ على القوى الباطنةِ، فلذلك كثيرًا ما ينحلُّ حينئذٍ مسائل مشكلة وشبْه معطَّلة، وكثيرًا ما تستنتجُ الفكرة حينئذٍ مسائل لم تخطرْ أولًا بالبال، وذلك لتعلُّقها بالفكرة المتقدِّمة في اليقظةِ، وهذه الوجوهُ من الأحلامِ لا اعتبارَ لها في التَّعبير، وأكثرُ من تَصْدق (٥) أحلامُه من يتجنَّب (٦) الكذب، فلا يكون لمخيِّلته عادة بوضع الصُّور والمعاني الكاذبةِ، ولذلك الشُّعراء يندر جدًّا صدقُ (٧) أحلامِهم؛ لأنَّ الشَّاعر من عادتهِ التَّخيل بما (٨) ليس واقعًا (٩)، وأكثرُ فكره إنَّما هو في وضعِ الصُّور والمعاني الكاذبةِ. انتهى.

وإضافة الحلم إلى الشَّيطان (١٠)؛ لكونه (١١) على هواه ومراده، أو لأنَّه الَّذي يخيِّل فيه (١٢) ولا حقيقةَ له (١٣) في نفسِ الأمر، أو لأنَّه يحضره لا أنَّه يفعله؛ إذ كلٌّ مخلوقٌ لله تعالى، وأمَّا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَنَامَ الصَّادِقَ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ النُّبُوَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ التُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ وَحُسْنُ السَّمْتِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ أَيِ النُّبُوَّةُ مَجْمُوعُ خِصَالٍ مَبْلَغُ أَجْزَائِهَا ذَلِكَ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ جُزْءٌ مِنْهَا، وَعَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ يَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ السِّتَّةِ وَالْعِشْرِينَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ فَإِذَا ضَرَبْنَا ثَلَاثَةً فِي سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ انْتَهَتْ إِلَى ثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ فَيَصِحُّ لَنَا أَنَّ عَدَدَ خِصَالِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَيْثُ آحَادُهَا ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ قَالَ: وَيَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى كُلُّ اثْنَيْنِ مِنْهَا جُزْءًا فَيَكُونُ الْعَدَدُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ، وَيَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى كُلُّ أَرْبَعَةٍ مِنْهَا جُزْءًا فَتَكُونُ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا وَنِصْفَ جُزْءٍ فَيَكُونُ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِي الْعَدَدِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ اعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اضْطِرَابٌ. قَالَ: وَهَذَا أَشْبَهُ مَا وَقَعَ لِي فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْشَرِحْ بِهِ الصَّدْرُ وَلَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ.

قُلْتُ: وَتَمَامُهُ أَنْ يَقُولَ فِي الثَّمَانِيَةِ وَالسَّبْعِينَ بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ السَّبْعِينَ أُلْغِيَ فِيهَا الْكَسْرُ وَفِي التِّسْعَةِ وَالثَّلَاثِينَ بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ الْأَرْبَعِينَ جَبْرُ الْكَسْرِ، وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى الْعَدَدِ الْأَخِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ النِّصْفِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْأَعْدَادِ قَدْ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِحَسَبِ مَا يُقَدَّرُ مِنَ الْخِصَالِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ ظَهَرَ لِي وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النُّبُوَّةَ مَعْنَاهَا أَنَّ اللَّهَ يُطْلِعُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَوَحْيِهِ إِمَّا بِالْمُكَالَمَةِ وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ وَإِمَّا بِإِلْقَاءٍ فِي الْقَلْبِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ.

لَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى الْمُسَمَّى بِالنُّبُوَّةِ لَا يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ إِلَّا مَنْ خَصَّهُ بِصِفَاتِ كَمَالِ نَوْعِهِ مِنَ الْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ وَالْفَضَائِلِ وَالْآدَابِ مَعَ تَنَزُّهِهِ عَنِ النَّقَائِصِ؛ أُطْلِقَ عَلَى تِلْكَ الْخِصَالِ نُبُوَّةٌ كَمَا فِي حَدِيثِ التُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ أَيْ تِلْكَ الْخِصَالُ مِنْ خِصَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَنْبِيَاءُ مَعَ ذَلِكَ مُتَفَاضِلُونَ فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ وَمَعَ ذَلِكَ فَالصِّدْقُ أَعْظَمُ أَوْصَافِهِمْ يَقَظَةً وَمَنَامًا، فَمَنْ تَأَسَّى بِهِمْ فِي الصِّدْقِ حَصَلَ مِنْ رُؤْيَاهُ عَلَى الصِّدْقِ ثُمَّ لَمَّا كَانُوا فِي مَقَامَاتِهِمْ مُتَفَاوِتِينَ كَانَ أَتْبَاعُهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ كَذَلِكَ، وَكَانَ أَقَلُّ خِصَالِ الْأَنْبِيَاءِ مَا إِذَا اعْتُبِرَ كَانَ سِتَّةً وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَأَكْثَرُهَا مَا يَبْلُغُ سَبْعِينَ، وَبَيْنَ الْعَدَدَيْنِ مَرَاتِبُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ مَا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الرِّوَايَاتِ، وَعَلَى هَذَا فَمَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي صَلَاحِهِ وَصِدْقِهِ عَلَى رُتْبَةٍ تُنَاسِبُ حَالَ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ رُؤْيَاهُ جُزْءًا مِنْ نُبُوَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وَلَمَّا كَانَتْ كَمَالَاتُهُمْ مُتَفَاوِتَةً كَانَتْ نِسْبَةُ أَجْزَاءِ مَنَامَاتِ الصَّادِقِينَ مُتَفَاوِتَةً عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ، قَالَ: وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الِاضْطِرَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَجْهًا آخَرَ مُلَخَّصُهُ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَهَا وُجُوهٌ مِنَ الْفَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ خُصُوصًا وَعُمُومًا، مِنْهَا مَا يُعْلَمُ وَمِنْهَا مَا لَا يُعْلَمُ، لَيْسَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالرُّؤْيَا نِسْبَةٌ إِلَّا فِي كَوْنِهَا حَقًّا فَيَكُونُ مَقَامُ النُّبُوَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَقَامِ الرُّؤْيَا بِحَسَبِ تِلْكَ الْأَعْدَادِ رَاجِعَةً إِلَى دَرَجَاتِ الْأَنْبِيَاءِ، فَنِسْبَتُهَا مِنْ أَعْلَاهُمْ وَهُوَ مَنْ ضُمَّ لَهُ إِلَى النُّبُوَّةِ الرِّسَالَةُ أَكْثَرُ مَا وَرَدَ مِنَ الْعَدَدِ، وَنِسْبَتُهَا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ غَيْرِ الْمُرْسَلِينَ أَقَلُّ مَا وَرَدَ مِنَ الْعَدَدِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ فِي الْخَبَرِ النُّبُوَّةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِنُبُوَّةِ نَبِيٍّ بِعَيْنِهِ. وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ لِلْمَنَامِ شَبَهًا بِمَا حَصَلَ لِلنَّبِيِّ وَتَمَيَّزَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ بِجُزْءٍ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا، فَهَذِهِ عِدَّةُ مُنَاسَبَاتٍ لَمْ أَرَ مَنْ جَمَعَهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَلْهَمَ وَعَلَّمَ وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ عَلَى كَوْنِ الْإِلْهَامِ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْوَحْيِ إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي جَمْرَةَ تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْهُ كَمَا سَأَذْكُرُهُ فِي بَابِ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٣ - بَاب الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ

٦٩٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

استواءُ الحال في حقِّهم، وفَسَقة: والغالبُ على رُؤياهم الأضغاثُ، ويقلُّ فيها الصِّدق، وكفَّارٌ: ويندرُ في رُؤياهم الصِّدق جدًّا، قاله المهلَّب، فيما ذكره في «الفتح».

فإن قلتَ: لم عبَّر بلفظ «النُّبوَّة» دون لفظ الرِّسالة؟ أُجيب بأنَّ السِّرَّ فيه أنَّ الرِّسالة تزيدُ على النُّبوَّة بالتَّبليغ، بخلاف النُّبوَّة المجرَّدة فإنَّها اطِّلاعٌ على بعض المغيَّبات، وكذلك الرُّؤيا.

والحديث أخرجه النَّسائيُّ وابنُ ماجه في «التَّعبير».

(٣) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه: (الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ) تعالى، وسَقَط لفظ «باب» لغير أبي ذرٍّ.

٦٩٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو: أحمدُ بنُ عبد الله بنِ يونس اليربوعيُّ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بنُ معاوية أبو خيثمةَ الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثني» (يَحْيَى -هُوَ: ابْنُ سَعِيدٍ-) ولأبي ذرٍّ: «وهو: ابنُ سعيد» أي: الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ) الحارث بنَ ربعيٍّ الأنصاريَّ (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: الرُّؤْيَا) يراها الشَّخص في النَّوم ممَّا يسرُّه (١) (مِنَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «الصَّادقة»، وله عن الكُشمِيهنيِّ: «الصَّالحة» (وَالحُلُْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ) بضم الحاء المهملة وسكون اللام. وقال السَّفاقِسيُّ: بضمهما (٢)، وهو ما يراه النَّائم من الأمر الفظيعِ المهول. قال ابنُ نفيس في «شامله»: قد تحدثُ الأحلامُ لأمرٍ في (٣) المأكولِ، وذلك بأن يكون كثيرَ التَّبخير أو التَّدخين، فإذا تصعَّد ذلك إلى الدِّماغ وصادفَ انفتاحَ البطن الأوسط منه، وهو من شأنه أن يكون مُتفتِّحًا حال النَّوم، حرَّك ذلك البُخار أو الدُّخان أرواحَ الدِّماغ وغيرها عن أوضاعِها، فيعرض عن ذلك أن تختلطَ الصُّور الَّتي في مقدَّم الدِّماغ بعضها من بعضٍ (٤)، وينفصلَ

بعضُها من بعضٍ، فيحدثُ من ذلك صور ليستْ على وفق الصُّور الواردةِ من (١) الحواسّ، والقوَّة الَّتي تدرك تلك الصُّور حينئذٍ، ويلزمُ ذلك أن يحكمَ على تلك الصُّور بمعانٍ (٢) تناسبُها، فتكون تلك المعاني لا محالةَ مخالفةً للمعاني المعهودةِ، فلذلك (٣) تكون الأحلامُ حينئذٍ مشوَّشة فاسدة، وقد تحدُثُ الأحلامُ لأمرٍ مهمٍّ يتفكَّر فيه في اليقظةِ، فيستمرُّ عمل القوَّة المفكرة في ذلك، فيكون أكثر ما يرى متعلِّقًا به، وهذا مثل الصَّنائع والفكر في العلوم، وكثيرًا ما يكون الفكر صحيحًا؛ لأنَّ القوَّة (٤) تكون حينئذٍ قد قويتْ بما عرضَ لها من الرَّاحة، ولأجل توفُّر الأرواحِ حينئذٍ على القوى الباطنةِ، فلذلك كثيرًا ما ينحلُّ حينئذٍ مسائل مشكلة وشبْه معطَّلة، وكثيرًا ما تستنتجُ الفكرة حينئذٍ مسائل لم تخطرْ أولًا بالبال، وذلك لتعلُّقها بالفكرة المتقدِّمة في اليقظةِ، وهذه الوجوهُ من الأحلامِ لا اعتبارَ لها في التَّعبير، وأكثرُ من تَصْدق (٥) أحلامُه من يتجنَّب (٦) الكذب، فلا يكون لمخيِّلته عادة بوضع الصُّور والمعاني الكاذبةِ، ولذلك الشُّعراء يندر جدًّا صدقُ (٧) أحلامِهم؛ لأنَّ الشَّاعر من عادتهِ التَّخيل بما (٨) ليس واقعًا (٩)، وأكثرُ فكره إنَّما هو في وضعِ الصُّور والمعاني الكاذبةِ. انتهى.

وإضافة الحلم إلى الشَّيطان (١٠)؛ لكونه (١١) على هواه ومراده، أو لأنَّه الَّذي يخيِّل فيه (١٢) ولا حقيقةَ له (١٣) في نفسِ الأمر، أو لأنَّه يحضره لا أنَّه يفعله؛ إذ كلٌّ مخلوقٌ لله تعالى، وأمَّا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد