الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٩
الحديث رقم ٦٩ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً
٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
يَأمُرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالتخفيف والتيسير على الناس وعدم التَّعْسِيْر عليهم في جميع أمور الدين والدنيا، وذلك في حدود ما أباح الله وشرع.
ويَحُثُّ على تَبْشِيرِهم بالخير، وعدم تَنْفِيرِهم منه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بْنَ الْعَلَاءِ سَمِعَ الْأَعْمَشَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: يَتَخَوَّلُنَا بِاللَّامِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ بِالنُّونِ فَلَمْ يَرْجِعْ لِأَجْلِ الرِّوَايَةِ، وَكِلَا اللَّفْظَيْنِ جَائِزٌ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الصَّوَابُ يَتَحَوَّلُنَا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: يَتَطَلَّبُ أَحْوَالَنَا الَّتِي نَنْشَطُ فِيهَا لِلْمَوْعِظَةِ. قُلْتُ: وَالصَّوَابُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى فَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ كَرِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، وَهُوَ فِي الْبَابِ الْآتِي. وَإِذَا ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ وَصَحَّ الْمَعْنَى بَطَلَ الِاعْتِرَاضُ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْنَا) أَيِ: السَّآمَةُ الطَّارِئَةُ عَلَيْنَا، أَوْ ضَمَّنَ السَّآمَةَ مَعْنَى الْمَشَقَّةِ فَعَدَّاهَا بِعَلَى، وَالصِّلَةُ مَحْذُوفَةٌ وَالتَّقْدِيرُ مِنَ الْمَوْعِظَةِ. وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ تَرْكِ الْمُدَاوَمَةِ فِي الْجِدِّ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ خَشْيَةَ الْمَلَالِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُوَاظَبَةُ مَطْلُوبَةً لَكِنَّهَا عَلَى قِسْمَيْنِ: إِمَّا كُلَّ يَوْمٍ مَعَ عَدَمِ التَّكَلُّفِ. وَإِمَّا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، فَيَكُونُ يَوْمُ التَّرْكِ لِأَجْلِ الرَّاحَةِ لِيُقْبِلَ عَلَى الثَّانِي بِنَشَاطٍ، وَإِمَّا يَوْمًا فِي الْجُمُعَةِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَالضَّابِطُ الْحَاجَةُ مَعَ مُرَاعَاةِ وُجُودِ النَّشَاطِ. وَاحْتَمَلَ عَمَلُ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنِ اسْتِدْلَالِهِ أَنْ يَكُونَ اقْتَدَى بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى فِي الْيَوْمِ الَّذِي عَيَّنَهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اقْتَدَى بِمُجَرَّدِ التَّخَلُّلِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالتَّرْكِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّخَوُّلِ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ. وَأَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ كَرَاهِيَةَ تَشْبِيهة غَيْرِ الرَّوَاتِبِ بِالرَّوَاتِبِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ دَائِمًا، وَجَاءَ عَنْ مَالِكٍ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ.
٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا.
[الحديث ٦٩ - طرفه في: ٦١٢٥]
قَوْلُهُ: (أَبُو التَّيَّاحِ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُعَسِّرُوا) الْفَائِدَةُ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِاللَّازِمِ تَأْكِيدًا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى يَسِّرُوا لَصَدَقَ عَلَى مَنْ يَسَّرَ مَرَّةً وَعَسَّرَ كَثِيرًا، فَقَالَ: وَلَا تُعَسِّرُوا لِنَفْيِ التَّعْسِيرِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي عَطْفِهِ عَلَيْهِ: وَلَا تُنَفِّرُوا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الْإِطْنَابِ لَا الْإِيجَازِ.
قَوْلُهُ: (وَبَشِّرُوا) بَعْدَ قَوْلِهِ: يَسِّرُوا فِيهِ الْجِنَاسُ الْخَطِّيُّ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ بَدَلَهَا: وَسَكِّنُوا وَهِيَ الَّتِي تُقَابِلُ وَلَا تُنَفِّرُوا ; لِأَنَّ السُّكُونَ ضِدُّ النُّفُورِ، كَمَا أَنَّ ضِدَّ الْبِشَارَةِ النِّذَارَةُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتِ النِّذَارَةُ - وَهِيَ الْإِخْبَارُ بِالشَّرِّ - فِي ابْتِدَاءِ التَّعْلِيمِ تُوجِبُ النُّفْرَةَ قُوبِلَتِ الْبِشَارَةُ بِالتَّنْفِيرِ، وَالْمُرَادُ تَأْلِيفُ مَنْ قَرُبَ إِسْلَامُهُ وَتَرْكُ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ. وَكَذَلِكَ الزَّجْرُ عَنِ الْمَعَاصِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِتَلَطُّفٍ لِيُقْبَلَ، وَكَذَا تَعَلُّيمُ الْعِلْمَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِالتَّدْرِيجِ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ فِي ابْتِدَائِهِ سَهْلًا حُبِّبَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُ فِيهِ وَتَلَقَّاهُ بِانْبِسَاطٍ، وَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ غَالِبًا الِازْدِيَادَ، بِخِلَافِ ضِدِّهِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
١٢ - بَاب مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً
٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ يَوْمًا مَعْلُومًا) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: أَيَّامًا مَعْلُومَةً، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: مَعْلُومَاتٍ، وَكَأَنَّهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
على تضمين «السَّآمة» معنى المشقَّة، أي: كراهة المشقَّة علينا، أو بتقدير الصِّفة، أي: كراهة السَّآمة الطَّارئة علينا، أو الحال، أي: كراهة السَّآمة حال كونها طارئةً علينا، أو بمحذوفٍ، أي: كراهة السَّآمة شفقةً علينا.
٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد المُعجَمَة، ابن داودَ، المُلقَّب ببُنْدار؛ بضمِّ المُوحَّدة وسكون النُّون وبالدَّال المُهمَلَة، العبديُّ؛ نسبةً إلى عَبدِ مُضَر بن كِلابٍ، البصريُّ، المُتوفَّى في رجب سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «بْنُ سَعِيدٍ» أي: الأحول القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة آخره مُهمَلَةٌ، يزيد بن حُمَيْدٍ -بالتَّصغير- الضُّبَعِيُّ؛ بضمِّ المُعجَمَة وفتح المُوحَّدة؛ نسبةً إلى ضُبيعة (١) بن يزيد، المُتوفَّى سنة سبع وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ، كما في رواية الأَصيليِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يَسِّرُوا) أمرٌ مِنَ اليُسْرِ؛ نقيض العسر (وَلَا تُعَسِّرُوا) نهيٌ (٢) من: عَسَّرَ تعسيرًا، واستُشكِل الإتيان بالثَّاني بعد الأوَّل؛ لأنَّ الأمرَ بالإتيان بالشَّي نهيٌ عن ضدِّه، وأُجِيب: بأنَّه إنَّما صرَّح باللَّازم للتَّأكيد، وبأنَّه (٣) لو اقتصر على الأوَّل لَصَدَقَ على من أتى (٤) به مرَّةً، وأتى بالثَّاني غالبَ أوقاته، فلمَّا قال: «ولا تعسِّروا» انتفى التَّعسير في كلِّ الأوقات من جميع الوجوه (وَبَشِّرُوا): أمرٌ مِنَ البشارة؛ وهي الإخبار بالخير؛ نقيض النّذارة
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
غير مُلَاحظَة الِامْتِنَاع. وَفِيه من الْفِقْه أَنه يجوز للْعَالم أَن يَأْخُذ فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بالشدة، ويتحمل الْأَذَى، ويحتسب رَجَاء ثَوَاب الله تَعَالَى، وَيُبَاح لَهُ أَن يسكت إِذا خَافَ الْأَذَى كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ: لَو حدثتكم بِكُل مَا سَمِعت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقطع هَذَا البلعوم، وَعنهُ: لَو حدثتكم بِكُل مَا فِي جوفي لرميتموني بالبعر. وَقَالَ الْحسن: صدق، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَا يتَعَلَّق بالفتن مِمَّا لَا يتَعَلَّق بِذكرِهِ مصلحَة شَرْعِيَّة.
وَقَالَ ابنُ عَباسٍ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ حُلَماءَ فُقَهاءَ
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْخَطِيب فِي كتاب (الْفَقِيه والمتفقه) بِسَنَد صَحِيح عَن أبي بكر الْحَرْبِيّ: ثَنَا أَبُو مُحَمَّد حَاجِب ابْن أَحْمد الطوسي، ثَنَا عبد الرَّحِيم بن حبيب، ثَنَا الفضيل ابْن عِيَاض عَن عَطاء عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ. وَرَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب (الْعلم) عَن الْمقدمِي: ثَنَا أَبُو دَاوُد عَن معَاذ عَن سماك عَن عِكْرِمَة عَنهُ، وَقد فسر ابْن عَبَّاس: الرباني بِأَنَّهُ الْحَكِيم الْفَقِيه، وَوَافَقَهُ ابْن مَسْعُود فِيمَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي غَرِيبه عَنهُ بِإِسْنَاد صَحِيح، والرباني: مَنْسُوب إِلَى الرب، وَأَصله الربي، فزيدت فِيهِ الْألف وَالنُّون للتَّأْكِيد وَالْمُبَالغَة فِي النِّسْبَة. وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي كِتَابه (الْمُنْتَهى) : فِي اللُّغَة الرباني: المتأله الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى، وربيت الْقَوْم سستهم أَي: كنت فَوْقهم. وَقَالَ أَبُو نصر: هُوَ من الربوبية، وَعَن ابْن الْأَعرَابِي لَا يُقَال للْعَالم رباني حَتَّى يكون عَالما معلما. وَيُقَال: هُوَ العالي الدرجَة فِي الْعلم، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: الرباني مَنْسُوب إِلَى الرب كَأَنَّهُ الَّذِي يقْصد مَا أمره الرب، وَفِي كتاب (الْفَقِيه) للخطيب عَن مُجَاهِد: الربانيون الْفُقَهَاء، وهم فَوق الْأَحْبَار. وَقَالَ نفطويه: قَالَ أَحْمد بن يحيى: إِنَّمَا قيل للْعُلَمَاء ربانيون لأَنهم يربون الْعلم، أَي: يقومُونَ بِهِ. وَفِي كتاب (الْفِقْه) عَنهُ إِذا كَانَ الرجل عَالما عَاملا معلما قيل لَهُ: هَذَا رباني. فَإِن خرم خصْلَة مِنْهَا لم يقل لَهُ رباني. وَعند الطَّبَرِيّ عَن ابْن زيد: الربيون الأتباع، والربانيون الْوُلَاة، والربيون الرّعية. وَعَن الْأَزْهَرِي: هم أَرْبَاب الْعلم الَّذين يعلمُونَ مَا يعلمُونَ. وَقَالَ أَبُو عبيد: سَمِعت رجلا عَالما بالكتب يَقُول: الربانيون الْعلمَاء بالحلال وَالْحرَام. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الربي، وَالْجمع: ربيون: هم الْعباد الَّذين يصحبون الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، ويصبرون مَعَهم، وهم الربانيون، نسبوا إِلَى عبَادَة الرب، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقيل: هم الْعلمَاء الصَّبْر. وَقيل: لَيْسَ ربيون بلغَة الْعَرَب، إِنَّمَا هِيَ سريانية أَو عبرانية. وَحكي عَن بعض اللغويين أَن الْعَرَب لَا تعرف الرباني، وَقَالَ: إِنَّمَا فسره الْفُقَهَاء. قَالَ الْقَزاز: وَأَنا أرى أَن يكون عَرَبيا. قَوْله: (حكماء) جمع حَكِيم، وَالْحكمَة صِحَة القَوْل وَالْعقد وَالْفِعْل، وَيُقَال: الْحِكْمَة، الْفِقْه فِي الدّين. وَقيل: الْحِكْمَة معرفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَالْفُقَهَاء جمع فَقِيه، وَالْفِقْه: الْفَهم لُغَة، وَفِي الِاصْطِلَاح: الْعلم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة العملية من أدلتها التفصيلية، وَفِي بعض النّسخ: (حلماء) ، جمع حَلِيم بِاللَّامِ، والحلم هُوَ الطُّمَأْنِينَة عِنْد الْغَضَب، وَفِي بَعْضهَا عُلَمَاء، وَهُوَ من بَاب ذكر الْخَاص بعد الْعَام، وَالظَّاهِر أَن حكماء وفقهاء تَفْسِير للربانيين.
ويُقالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ
هَذَا حِكَايَة البُخَارِيّ عَن قَول بَعضهم، وَهُوَ من التربية أَي: الَّذِي يُربي النَّاس بجزئيات الْعلم قبل كلياته، أَو بفروعه قبل أُصُوله، أَو بمقدماته قبل مقاصده. فَإِن قلت: هَذَا كُله هُوَ التَّرْجَمَة، فَأَيْنَ مَا هَذِه تَرْجَمته؟ قلت: إِمَّا أَنه أَرَادَ أَن يلْحق الْأَحَادِيث الْمُنَاسبَة إِلَيْهَا، فَلم يتَّفق لَهُ. وَإِمَّا أَنه للإشعار بِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده بِشَرْطِهِ مَا يُنَاسِبهَا، وَإِمَّا أَنه اكْتفى بِمَا ذكره تَعْلِيقا، لِأَن الْمَقْصُود من الْبَاب بَيَان فَضِيلَة الْعلم، وَيعلم ذَلِك من الْمَذْكُور آيَة وحديثاً وإجماعاً سكوتياً من الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، بِحَيْثُ انْتهى إِلَى حد علم الضَّرُورَة فَلم يحْتَج إِلَى الزِّيَادَة، أَو لسَبَب آخر، وَالله أعلم.
١١ - (بَاب مَا كانَ النبيُّ يَتَخَوَّلُهُمْ بالموْعِظَةِ والعِلْمِ كَي لَا يَنْفِرُوا)
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول: إِن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، يَتَخَوَّلُ الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، بِالْمَوْعِظَةِ، وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَهُوَ مُضَاف إِلَى مَا بعده من الْجُمْلَة، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: بَاب كَون النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام يتخولهم. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ الْعلم، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التخول بِالْعلمِ. الثَّالِث: قَوْله: يتخولهم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره اللَّام، مَعْنَاهُ: يتعهدهم، وَهُوَ من التخول، وَهُوَ التعهد
يَعْنِي: كَانَ يتعهدهم ويراعي الْأَوْقَات فِي وعظهم، ويتحرى مِنْهَا مَا كَانَ مَظَنَّة الْقبُول، وَلَا يَفْعَله كل يَوْم لِئَلَّا يسأم. والخائل الْقَائِم المتعهد للْحَال، ذكره الْخطابِيّ. والآن يَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) قَالَ الصغاني: الْوَعْظ والعظة وَالْمَوْعِظَة مصَادر قَوْلك: وعظته أعظه. والوعظ: هُوَ النصح والتذكير بالعواقب، وَعطف الْعلم على الموعظة من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، عكس: وَمَلَائِكَته وَجِبْرِيل. وَذكره الموعظة لكَونهَا مَذْكُورَة فِي الحَدِيث، وَأما الْعلم فَإِنَّمَا ذكره استنباطاً. قَوْله: (كي لَا ينفروا) : أَي: لِئَلَّا يملوا عَنهُ ويتباعدوا مِنْهُ، يُقَال: نفر ينفر، من بَاب: ضرب يضْرب، وَنَفر ينفر من بَاب نصر ينصر نفوراً بِالضَّمِّ، ونفار بِالْفَتْح، والنفور أَيْضا جمع نافر كشاهد وشهود، وَيُقَال: فِي الدَّابَّة نفار، بِكَسْر النُّون، وَهُوَ اسْم مثل الحران، والتركيب يدل على تجافٍ وتباعد.
٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبَرَنا سُفْيانُ عَن الأعْمَشِ عَن أبي وائِلٍ عنِ ابْنِ مَسْعُودَ قَالَ كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَخَوَّلُنا بالمَوْعِظَةِ فِي الأيَّامِ كَرَاهةَ السَّآمَة عَلَيْنا.
مُطَابقَة الحَدِيث لإحدى الترجمتين وَهِي قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) ظَاهِرَة، وَالْبَاب مترجم بترجمتين إِحْدَاهمَا: قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) وَالْأُخْرَى: قَوْله: (كي لَا ينفروا) ، فأورد فِيهِ حديثين كل مِنْهُمَا يُطَابق وَاحِدَة مِنْهُمَا.
بَيَان رِجَاله: وهم خسمة: الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف، قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي (شَرحه) : هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف بن وَاقد الْفرْيَابِيّ، أَبُو عبد اللَّه الضَّبِّيّ، مَوْلَاهُم، سكن قيسارية من سَاحل الشَّام، أدْرك الْأَعْمَش وروى عَنهُ وَعَن السفيانين وَغَيرهم، وروى عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد الذهلي وَمُحَمّد بن مُسلم ابْن وارة وَغَيرهم، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، وروى فِي كتاب الصَدَاق عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب عَنهُ، وروى بَقِيَّة الْجَمَاعَة عَن رجل عَنهُ. قَالَ أَحْمد: كَانَ رجلا صَالحا. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ البُخَارِيّ: كَانَ من أفضل أهل زَمَانه، مَاتَ فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف أَبُو أَحْمد البيكندي، وَهَذَا وهم، لِأَن البُخَارِيّ حَيْثُ يُطلق مُحَمَّد بن يُوسُف لَا يُرِيد بِهِ، إلَاّ الْفرْيَابِيّ، وَإِن كَانَ يروي أَيْضا عَن البيكندي. فَافْهَم. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ: فَإِن قلت: مُحَمَّد بن الْفرْيَابِيّ يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَيْضا كَمَا ذكرنَا، فَمَا الْمُرَجح هَهُنَا لِسُفْيَان الثَّوْريّ؟ قلت: الْفرْيَابِيّ، وَإِن كَانَ يروي عَن السفيانين، وَلكنه حَيْثُ يُطلق لَا يُرِيد بِهِ، إلَاّ الثَّوْريّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن مهْرَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: أَبُو واثل، شَقِيق بن سَلمَة الْكُوفِي. الْخَامِس: عبد اللَّه بن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ.
بَيَان الْأَنْسَاب: الْفرْيَابِيّ، بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة نِسْبَة إِلَى فرياب، اسْم مَدِينَة من نواحي بَلخ. قَالَ الصغاني: فرياب مثل جربال، وَيُقَال: فيرياب مثل: كيمياء، وَيُقَال: فارياب، مثل: قاصعاء، وَأما: فاراب، فَهِيَ نَاحيَة وَرَاء نهر سيحون فِي تخوم بِلَاد التّرْك، وفراب مثل سَحَاب قَرْيَة فِي سفح جبل على ثَمَانِيَة فراسخ من سَمَرْقَنْد، وفراب مثل: كفار، قَرْيَة من قرى أَصْبَهَان. الضَّبِّيّ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبة بن اد بن طابخة بن الياس بن مُضر، وَفِي قُرَيْش أَيْضا: ضبة بن الْحَارِث بن فهر، ذكره ابْن حبيب. وَفِي هُذَيْل أَيْضا: ضبة بن عَمْرو ابْن الْحَارِث بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل. البيكندي، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة وَفتح الْكَاف وَسُكُون النُّون بعْدهَا الدَّال الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى بيكند، قَرْيَة من قرى بُخَارى.
بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كوفيون مَا خلا الْفرْيَابِيّ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. فَإِن قلت: الْأَعْمَش مُدَلّس وَقد عنعن هُنَا، وَقد روى مُسلم من طَرِيق عَليّ بن مسْهر عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه، فَذكر الحَدِيث: قَالَ عَليّ بن مسْهر قَالَ الْأَعْمَش: وحَدثني عَمْرو بن مرّة عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه مثله، فقد يُوهم هَذَا أَن الْأَعْمَش دلسه، أَولا عَن شَقِيق، ثمَّ سمى الْوَاسِطَة بَينهمَا. قلت: صرح أَحْمد فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث بِسَمَاع الْأَعْمَش عَن شَقِيق، فَقَالَ: سَمِعت شقيقاً، وَهُوَ أَبُو وَائِل، وَكَذَا صرح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ عِنْد البُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات من رِوَايَة حَفْص بن غياث عَنهُ، قَالَ: حَدثنِي شَقِيق، وَزَاد فِي أَوله: إِنَّهُم كَانُوا ينتظرون عبد اللَّه بن مَسْعُود ليخرج إِلَيْهِم فيذكرهم، وَإنَّهُ لما خرج قَالَ: أما إِنِّي أخبر بمكانكم، وَلكنه يَمْنعنِي من الْخُرُوج إِلَيْكُم ... فَذكر الحَدِيث.
بَيَان تعد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود بِهِ، وَأخرجه أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش، وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَأَبُو مُعَاوِيَة وَمُحَمّد بن نمير عَن أبي مُعَاوِيَة، وَعَن الْأَشَج عَن ابْن إِدْرِيس، وَعَن منْجَاب عَن عَليّ بن مسْهر، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن خشرم عَن عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان، كلهم عَن الْأَعْمَش. زَاد الْأَعْمَش فِي رِوَايَة ابْن مسْهر: وحَدثني عَمْرو بن مرّة عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه مثله. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن مُحَمَّد بن غيلَان عَن أبي أَحْمد الزبيرِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى بن سعيد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش بِهِ، وَفِي نُسْخَة عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (يَتَخَوَّلنَا) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وباللام، من التخول، وَهُوَ: التعهد، من: خَال المَال، وخال على الشَّيْء خولاً، إِذا تعهد، وَيُقَال: خَال المَال يخوله خولاً إِذا ساسه وَأحسن الْقيام عَلَيْهِ، والخائل المتعاهد للشَّيْء المصلح لَهُ، وخول الله الشَّيْء أَي: ملكه إِيَّاه، وخول الرجل حشمه، الْوَاحِد خائل، وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: الصَّوَاب يتحولهم، بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: يطْلب أَحْوَالهم الَّتِي ينشطون فِيهَا للموعظة، فيعظهم وَلَا يكثر عَلَيْهِم فيملوا. وَكَانَ الْأَصْمَعِي يرويهِ: يتخوننا، بالنُّون وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، أَي: يتعهدنا. حَكَاهُ عَنْهُمَا صَاحب (نِهَايَة الْغَرِيب) . وَفِي (مجمع الغرائب) قَالَ الْأَصْمَعِي: أَظُنهُ يتخونهم، بالنُّون، وَهُوَ بِمَعْنى: التعهد. وَقيل: إِن أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء سمع الْأَعْمَش يحدث هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: يَتَخَوَّلنَا، بِاللَّامِ، فَرده عَلَيْهِ بالنُّون فَلم يرجع لأجل الرِّوَايَة، وكلا اللَّفْظَيْنِ جَائِز، وَالصَّوَاب: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وباللام، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: مَعْنَاهُ يتخذنا خولاً. وَيُقَال: يناجينا بهَا. وَقيل: يُصْلِحنَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يذللنا بهَا، يُقَال: خول الله لَك أَي: ذلله لَك وسخره. وَقيل: يحبسهم عَلَيْهَا كَمَا يحبس الخول. قَوْله: (كَرَاهِيَة السَّآمَة) من كرهت الشَّيْء أكرهه كَرَاهَة وكراهية، والسآمة مثل الملالة، بِنَاء وَمعنى، وَقَالَ أَبُو زيد: سئمت من الشَّيْء أسأم سأماً وسآمةً وسآماً: إِذا مللته، وَرجل سؤوم.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (النَّبِي) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم كَانَ. وَقَوله: (يَتَخَوَّلنَا) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ. فَإِن قلت: كَانَ لثُبُوت خَبَرهَا مَاضِيا، و: يَتَخَوَّلنَا، إِمَّا حَال وَإِمَّا اسْتِقْبَال، فَمَا وَجه الْجمع بَينهمَا؟ قلت: كَانَ يُرَاد بِهِ الِاسْتِمْرَار، وَكَذَا الْفِعْل الْمُضَارع، فاجتماعهما يُفِيد شُمُول الْأَزْمِنَة. وَقَالَ الأصوليون: قَوْله: كَانَ حَاتِم يكرم الضَّيْف، يُفِيد تكْرَار الْفِعْل فِي الْأَزْمَان، وَالْبَاء فِي: بِالْمَوْعِظَةِ، تتَعَلَّق: بيتخولنا، قَوْله: (فِي الْأَيَّام) ، صفة لموعظة أَي: بِالْمَوْعِظَةِ الكائنة فِي الْأَيَّام. قَوْله: (كَرَاهِيَة السَّآمَة) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه مفعول لَهُ، أَي: لأجل كَرَاهِيَة السَّآمَة، وصلَة السَّآمَة محذوفة، لِأَنَّهُ يُقَال: سأمت من الشَّيْء، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة من الموعظة. وَقَوله: (علينا) إِمَّا يتَعَلَّق بالسآمة على تضمين السَّآمَة معنى الْمَشَقَّة، أَي: كَرَاهَة الْمَشَقَّة علينا، إِذْ الْمَقْصُود بَيَان رفق النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، بالأمة وشفقته عَلَيْهِم ليأخذوا مِنْهُ بنشاط وحرص لَا عَن ضجر وملل، وَإِمَّا يَجْعَل صفة، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة الطارئة علينا. وَإِمَّا يَجْعَل حَالا، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة حَال كَونهَا طارئة علينا. وَإِمَّا يتَعَلَّق بالمحذوف، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة شَفَقَة علينا. فَافْهَم.
بَيَان الْمعَانِي: الْمَعْنى: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يعظ الصَّحَابَة فِي أَوْقَات مَعْلُومَة، وَلم يكن يسْتَغْرق الْأَوْقَات خوفًا عَلَيْهِم من الْملَل والضجر، كَمَا كَانَ نَهَاهُم بقوله: (لَا يُصَلِّي أحد خاماً وركيه) . وكما قَالَ: (ابدأوا بالعشاء لِئَلَّا تشْغَلُوا عَن الإقبال على الله تَعَالَى بِغَيْرِهِ) . وَعَن الصَّلَاة وَعَن النِّيَّة، وَقد وَصفه الله تَعَالَى بالرفق بأمته فَقَالَ: {عَزِيز عَلَيْهِ ماعنتم} (التَّوْبَة: ١٢٨) الْآيَة: فَإِن قلت: أَيجوزُ أَن يكون المُرَاد من السَّآمَة سآمة رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من القَوْل؟ قلت: لَا يجوز، وَيدل عَلَيْهِ السِّيَاق وقرينة الْحَال.
٦٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ: حدّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ: حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ: حدّثنيأبو التَّيَّاح عَن أنسٍ، رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وبشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا) .
(الحَدِيث ٦٩ طرفه فِي: ٦١٢٥) .
هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة كَمَا ذَكرْنَاهُ.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد
الشين الْمُعْجَمَة، ابْن عُثْمَان بن دَاوُد بن كيسَان الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، كنيته أَبُو بكر ولقبه بنْدَار، واشتهر بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ بنداراً فِي الحَدِيث، جمع حَدِيث بَلَده، وَبُنْدَار، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون النُّون وَالدَّال الْمُهْملَة وبالراء: الْحَافِظ. وَقَالَ أَحْمد: كتبت عَنهُ نَحوا من خمسين ألف حَدِيث، روى عَنهُ السِّتَّة وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم الرازيان وَعبد اللَّه بن مُحَمَّد الْبَغَوِيّ وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، وَعنهُ قَالَ: كتب عني خَمْسَة قُرُون، وسألوني الحَدِيث وَأَنا ابْن ثَمَان عشرَة سنة. وَقَالَ: ولدت سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَقَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين يَعْنِي وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان الْأَحول. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: أَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، واسْمه يزِيد بن حميد، بِالتَّصْغِيرِ، الضبعِي من أنفسهم، سمع أنسا وَعمْرَان بن حُصَيْن من الصَّحَابَة، وخلقاً من التَّابِعين وَمن بعدهمْ، قَالَ أَحْمد: هُوَ ثِقَة ثَبت. وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: هُوَ مَعْرُوف ثِقَة، مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك.
بَيَان الْأَنْسَاب: الْعَبْدي: نِسْبَة إِلَى عبد بن نصر بن كلاب بن مرّة فِي قُرَيْش، وَفِي ربيعَة بن نزار عبد الْقَيْس بن أفصى، وَفِي تَمِيم عبد اللَّه بن دارم، وَفِي خولان عبد اللَّه بن جَبَّار، وَفِي هَمدَان عبد بن غيلَان بن أرحب. الضبعِي، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبيعة بن زيد بن مَالك فِي الْأَنْصَار، وَفِي ربيعَة بن نزار ضبيعة بن ربيعَة بن نزار، وَفِي بني ثَعْلَبَة ضبيعة بن قيس.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِالْجمعِ والإفراد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن آدم عَن شُعْبَة بِهِ، وَرَوَاهُ مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبد اللَّه بن معَاذ عَن أَبِيه، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبيد بن سعيد، وَعَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد عَن غنْدر، كلهم عَن شُعْبَة بِهِ، فَوَقع للْبُخَارِيّ عَالِيا رباعياً من طَرِيق آدم، وآدَم مِمَّن انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن بنْدَار بِهِ.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (يسروا) ، أَمر من: يسر ييسر تيسيراً من الْيُسْر، وَهُوَ نقيض الْعسر. قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) ، من عسر تعسيراً. يُقَال: عسرت الْغَرِيم أعسره عسراً، إِذا طلبت مِنْهُ الدّين على عسرته. وَقَالَ ابْن طريف: هَذَا مِمَّا جَاءَ على فعل وأفعل: كعسرتك عسراً وأعسرتك، إِذا طلبت مِنْك الدّين على عسرة، وعسر الشَّيْء وعسر، بِضَم السِّين وَكسرهَا، عسراً وعسارة، وعسر الرجل: قل سماحه وضاق خلقه، وأعسر الرجل: افْتقر. وَفِي (الْعباب) : قد عسر الْأَمر، بِالضَّمِّ، عسراً فَهُوَ عسر وعسير، وعسر عَلَيْهِ الْأَمر، بِالْكَسْرِ، يعسر عسراً، بِالتَّحْرِيكِ، أَي: التاث، فَهُوَ عسر. وَيُقَال: عسرت النَّاقة بذنبها تعسر عسراً أَو عسراناً، مِثَال: ضرب يضْرب ضربا وضربانا: إِذا شالت بِهِ، وعسرت الْمَرْأَة إِذا عسر ولادها، وعسرني فلَان إِذا جَاءَ على يساري، والمعسور ضد الميسور، والمعسرة ضد الميسرة، وهما مصدران. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: هما صفتان، والعسرى نقيض الْيُسْرَى. قَوْله: (وبشروا) ، من الْبشَارَة وَهِي الْإِخْبَار بِالْخَيرِ، وَهِي نقيض: النذارة، وَهِي الْإِخْبَار بِالشَّرِّ. يُقَال: بشرت الرجل أُبَشِّرهُ، بِالضَّمِّ، بشرا وبشوراً من الْبشرَة، وَكَذَلِكَ الإبشار والتبشير. يُقَال: أبشر وَبشر. قَالَ الله تَعَالَى: {وابشروا بِالْجنَّةِ} (فصلت: ٣٠) {وبشروا الَّذين آمنُوا} (الْبَقَرَة: ٢٥، وَيُونُس: ٢) {ذَلِك الَّذِي يبشر} (الشورى: ٢٣) ثَلَاث لُغَات فِي الْقُرْآن أبشر وَبشر وَبشر بِالتَّخْفِيفِ، وَالِاسْم: الْبشَارَة والبشارة، بِالْكَسْرِ وَالضَّم، تَقول: بَشرته بمولود، وأبشرتك بِالْخَيرِ، وبشرتك. وَقَالَ الصغاني: الْبشَارَة، بِالْكَسْرِ وَالضَّم، أَي حق مَا يعْطى على التبشير. وَقَالَ اللحياني، رَحمَه الله تَعَالَى: الْبشَارَة مَا بشرت من بطن الْأَدِيم، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْبشَارَة والقشارة والخسارة. إِسْقَاط النَّاس، وبشرت بِكَذَا، بِكَسْر الشين، أبشر، أَي: استبشرت. قَوْله: (وَلَا تنفرُوا) ، من: نفر، بِالتَّشْدِيدِ، تنفيراً. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (يسروا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل مقول القَوْل. قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) عطف على: يسروا، وَيجوز عطف النَّهْي على الْأَمر كَمَا بِالْعَكْسِ، وَالْخلاف فِي عطف الْخَبَر على الْإِنْشَاء وَبِالْعَكْسِ، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَكَذَا الْكَلَام فِي قَوْله: (بشروا وَلَا تنفرُوا) .
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (يسروا) أَمر بالتيسير، لَا يُقَال: الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه، فَمَا الْفَائِدَة فِي قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) ؟ لأَنا نقُول: لَا نسلم ذَلِك، وَلَئِن سلمنَا فالغرض التَّصْرِيح بِمَا لزم ضمنا للتَّأْكِيد. وَيُقَال: لَو اقْتصر على
قَوْله: (يسروا) ، وَهُوَ نكرَة لصدق ذَلِك على من يسر مرّة وعسر فِي مُعظم الْحَالَات، فَإِذا قَالَ: وَلَا تُعَسِّرُوا، انْتَفَى التعسير فِي جَمِيع الْأَحْوَال من جَمِيع الْوُجُوه، وَكَذَلِكَ الْجَواب عَن قَوْله: (وَلَا تنفرُوا) لَا يُقَال: كَانَ يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا وَلَا تنفرُوا) لعُمُوم النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدم التعسير ثُبُوت التَّيْسِير، وَلَا من عدم التنفير ثُبُوت التَّيْسِير، فَجمع بَين هَذِه الْأَلْفَاظ لثُبُوت هَذِه الْمعَانِي، لِأَن هَذَا الْمحل يَقْتَضِي الإسهاب، وَكَثْرَة الْأَلْفَاظ لَا الِاخْتِصَار لشبهه بالوعظ، وَالْمعْنَى: وبشروا النَّاس أَو الْمُؤمنِينَ بِفضل الله تَعَالَى وثوابه، وجزيل عطائه وسعة رَحمته، وَكَذَا الْمَعْنى فِي قَوْله: (وَلَا تنفرُوا) يَعْنِي: بِذكر التخويف وأنواع الْوَعيد، فيتألف من قرب إِسْلَامه بترك التَّشْدِيد عَلَيْهِم، وَكَذَلِكَ من قَارب الْبلُوغ من الصّبيان، وَمن بلغ وَتَابَ من الْمعاصِي يتلطف بجميعهم بأنواع الطَّاعَة قَلِيلا قَلِيلا، كَمَا كَانَت أُمُور الْإِسْلَام على التدريج فِي التَّكْلِيف شَيْئا بعد شَيْء، لِأَنَّهُ مَتى يسر على الدَّاخِل فِي الطَّاعَة المريد للدخول فِيهَا، سهلت عَلَيْهِ وتزايد فِيهَا غَالِبا، وَمَتى عسر عَلَيْهِ أوشك أَن لَا يدْخل فِيهَا. وَإِن دخل أوشك أَن لَا يَدُوم أَو لَا يستحملها.
وَفِيه الْأَمر للولاة بالرفق، وَهَذَا الحَدِيث من جَوَامِع الْكَلم لاشْتِمَاله على خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، لِأَن الدُّنْيَا دَار الْأَعْمَال، وَالْآخِرَة دَار الْجَزَاء، فَأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا يتَعَلَّق بالدنيا بالتسهيل، وَفِيمَا يتَعَلَّق بِالآخِرَة بالوعد بِالْخَيرِ والإخبار بالسرور تَحْقِيقا لكَونه رَحْمَة للْعَالمين فِي الدَّاريْنِ.
بَيَان البديع: اعْلَم أَن بَين: (يسروا) ، وَبَين (بشروا) ، جناس خطي، والجناس بَين اللَّفْظَيْنِ تشابههما فِي اللَّفْظ، وَهَذَا من الجناس التَّام الْمُتَشَابه، وَهَذَا بَاب من أَنْوَاع البديع الَّذِي يزِيد فِي كَلَام البليغ حسنا وطلاوة. فَإِن قلت: كَانَ الْمُنَاسب أَن يُقَال بدل: (وَلَا تنفرُوا) وَلَا تنذروا، لِأَن الْإِنْذَار وَهُوَ نقيض التبشير لَا التنفير. قلت: الْمَقْصُود من الْإِنْذَار التنفير، فَصرحَ بِمَا هُوَ الْمَقْصُود مِنْهُ.
١٢ - (بَاب مَنْ جَعَلَ لأهْلِ العِلْمِ أيَّاماً مَعلُومَةً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من جعل، فالباب مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى: من، هَذَا رِوَايَة كَرِيمَة. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَيَّامًا مَعْلُومَات) ، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (يَوْمًا مَعْلُوما) . وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر، لِأَن الْبَاب الأول فِي التخويل بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعلم، وَقد ذكرنَا أَن مَعْنَاهُ هُوَ التعهد فِي أَيَّام خوفًا من الْملَل والضجر، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا كَذَلِك.
٧٠ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ: حدّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصورٍ عنْ أبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ! لَوَدِدْتُ أنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: أمَا إنَّهُ يمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أنِّي أكْرَهُ أنْ أُمِلَّكُم، وإِنِّي أتَخَوَّلُكُم بالمَوعِظَةِ كَمَا كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَخَوَّلُنا بِها مخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
. [/ محه
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهَا، إِمَّا أَن يكون بِفعل الصَّحَابِيّ عِنْد من يَقُول بِهِ، أَو بالاستنباط من فعل النَّبِي. صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عُثْمَان بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أبي شيبَة بن عُثْمَان ابْن خواستي، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف سين مُهْملَة ثمَّ تَاء مثناة من فَوق، أَبُو الْحسن الْعَبْسِي الْكُوفِي، أَخُو أبي بكر وقاسم، وَهُوَ أكبر من أبي بكر بِثَلَاث سِنِين، وَأَبُو بكر أجل مِنْهُ، نزل بَغْدَاد ورحل إِلَى مَكَّة والري، وَكتب الْكثير، روى عَنهُ يحيى بن مُحَمَّد الذهلي وَمُحَمّد بن سعد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم الرازيان وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، وروى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، سُئِلَ عَنهُ مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن نمير، فَقَالَ: وَمثله يسْأَل عَنهُ؟ وَقَالَ يحيى بن معِين وَأحمد بن عبد اللَّه ثِقَة. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: مَا علمت إلَاّ خيرا، وَأثْنى عَلَيْهِ وَكَانَ يُنكر عَلَيْهِ أَحَادِيث حدث بهَا. مِنْهَا حَدِيث جرير عَن الثَّوْريّ عَن ابْن عقيل عَن جَابر قَالَ: شهد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عيد الْمُشْركين، توفّي لثلاث بَقينَ من الْمحرم سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: جرير بن عبد الحميد بن قرط بن هِلَال، وَقيل: تيري بدل هِلَال، الضَّبِّيّ الْكُوفِي. قَالَ: ولدت سنة مَاتَ الْحسن، وَهِي سنة عشر وَمِائَة، وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَقيل: سبع، روى عَنهُ ابْن الْمُبَارك وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق وَأَبُو بكر، قَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الْعلم يرحل إِلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق من أهل الْعلم روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: مَنْصُور بن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بْنَ الْعَلَاءِ سَمِعَ الْأَعْمَشَ يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: يَتَخَوَّلُنَا بِاللَّامِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ بِالنُّونِ فَلَمْ يَرْجِعْ لِأَجْلِ الرِّوَايَةِ، وَكِلَا اللَّفْظَيْنِ جَائِزٌ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الصَّوَابُ يَتَحَوَّلُنَا بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: يَتَطَلَّبُ أَحْوَالَنَا الَّتِي نَنْشَطُ فِيهَا لِلْمَوْعِظَةِ. قُلْتُ: وَالصَّوَابُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى فَقَدْ رَوَاهُ مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ كَرِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، وَهُوَ فِي الْبَابِ الْآتِي. وَإِذَا ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ وَصَحَّ الْمَعْنَى بَطَلَ الِاعْتِرَاضُ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْنَا) أَيِ: السَّآمَةُ الطَّارِئَةُ عَلَيْنَا، أَوْ ضَمَّنَ السَّآمَةَ مَعْنَى الْمَشَقَّةِ فَعَدَّاهَا بِعَلَى، وَالصِّلَةُ مَحْذُوفَةٌ وَالتَّقْدِيرُ مِنَ الْمَوْعِظَةِ. وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ تَرْكِ الْمُدَاوَمَةِ فِي الْجِدِّ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ خَشْيَةَ الْمَلَالِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُوَاظَبَةُ مَطْلُوبَةً لَكِنَّهَا عَلَى قِسْمَيْنِ: إِمَّا كُلَّ يَوْمٍ مَعَ عَدَمِ التَّكَلُّفِ. وَإِمَّا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، فَيَكُونُ يَوْمُ التَّرْكِ لِأَجْلِ الرَّاحَةِ لِيُقْبِلَ عَلَى الثَّانِي بِنَشَاطٍ، وَإِمَّا يَوْمًا فِي الْجُمُعَةِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَالضَّابِطُ الْحَاجَةُ مَعَ مُرَاعَاةِ وُجُودِ النَّشَاطِ. وَاحْتَمَلَ عَمَلُ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنِ اسْتِدْلَالِهِ أَنْ يَكُونَ اقْتَدَى بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى فِي الْيَوْمِ الَّذِي عَيَّنَهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اقْتَدَى بِمُجَرَّدِ التَّخَلُّلِ بَيْنَ الْعَمَلِ وَالتَّرْكِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالتَّخَوُّلِ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ. وَأَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ كَرَاهِيَةَ تَشْبِيهة غَيْرِ الرَّوَاتِبِ بِالرَّوَاتِبِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ دَائِمًا، وَجَاءَ عَنْ مَالِكٍ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ.
٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا.
[الحديث ٦٩ - طرفه في: ٦١٢٥]
قَوْلُهُ: (أَبُو التَّيَّاحِ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُعَسِّرُوا) الْفَائِدَةُ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِاللَّازِمِ تَأْكِيدًا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى يَسِّرُوا لَصَدَقَ عَلَى مَنْ يَسَّرَ مَرَّةً وَعَسَّرَ كَثِيرًا، فَقَالَ: وَلَا تُعَسِّرُوا لِنَفْيِ التَّعْسِيرِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي عَطْفِهِ عَلَيْهِ: وَلَا تُنَفِّرُوا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الْإِطْنَابِ لَا الْإِيجَازِ.
قَوْلُهُ: (وَبَشِّرُوا) بَعْدَ قَوْلِهِ: يَسِّرُوا فِيهِ الْجِنَاسُ الْخَطِّيُّ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ بَدَلَهَا: وَسَكِّنُوا وَهِيَ الَّتِي تُقَابِلُ وَلَا تُنَفِّرُوا ; لِأَنَّ السُّكُونَ ضِدُّ النُّفُورِ، كَمَا أَنَّ ضِدَّ الْبِشَارَةِ النِّذَارَةُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتِ النِّذَارَةُ - وَهِيَ الْإِخْبَارُ بِالشَّرِّ - فِي ابْتِدَاءِ التَّعْلِيمِ تُوجِبُ النُّفْرَةَ قُوبِلَتِ الْبِشَارَةُ بِالتَّنْفِيرِ، وَالْمُرَادُ تَأْلِيفُ مَنْ قَرُبَ إِسْلَامُهُ وَتَرْكُ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ. وَكَذَلِكَ الزَّجْرُ عَنِ الْمَعَاصِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِتَلَطُّفٍ لِيُقْبَلَ، وَكَذَا تَعَلُّيمُ الْعِلْمَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِالتَّدْرِيجِ ; لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ فِي ابْتِدَائِهِ سَهْلًا حُبِّبَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُ فِيهِ وَتَلَقَّاهُ بِانْبِسَاطٍ، وَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ غَالِبًا الِازْدِيَادَ، بِخِلَافِ ضِدِّهِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
١٢ - بَاب مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً
٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ يَوْمًا مَعْلُومًا) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: أَيَّامًا مَعْلُومَةً، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ: مَعْلُومَاتٍ، وَكَأَنَّهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
على تضمين «السَّآمة» معنى المشقَّة، أي: كراهة المشقَّة علينا، أو بتقدير الصِّفة، أي: كراهة السَّآمة الطَّارئة علينا، أو الحال، أي: كراهة السَّآمة حال كونها طارئةً علينا، أو بمحذوفٍ، أي: كراهة السَّآمة شفقةً علينا.
٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد المُعجَمَة، ابن داودَ، المُلقَّب ببُنْدار؛ بضمِّ المُوحَّدة وسكون النُّون وبالدَّال المُهمَلَة، العبديُّ؛ نسبةً إلى عَبدِ مُضَر بن كِلابٍ، البصريُّ، المُتوفَّى في رجب سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) وفي رواية أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت: «بْنُ سَعِيدٍ» أي: الأحول القطَّان (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة آخره مُهمَلَةٌ، يزيد بن حُمَيْدٍ -بالتَّصغير- الضُّبَعِيُّ؛ بضمِّ المُعجَمَة وفتح المُوحَّدة؛ نسبةً إلى ضُبيعة (١) بن يزيد، المُتوفَّى سنة سبع وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) أي: ابن مالكٍ، كما في رواية الأَصيليِّ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يَسِّرُوا) أمرٌ مِنَ اليُسْرِ؛ نقيض العسر (وَلَا تُعَسِّرُوا) نهيٌ (٢) من: عَسَّرَ تعسيرًا، واستُشكِل الإتيان بالثَّاني بعد الأوَّل؛ لأنَّ الأمرَ بالإتيان بالشَّي نهيٌ عن ضدِّه، وأُجِيب: بأنَّه إنَّما صرَّح باللَّازم للتَّأكيد، وبأنَّه (٣) لو اقتصر على الأوَّل لَصَدَقَ على من أتى (٤) به مرَّةً، وأتى بالثَّاني غالبَ أوقاته، فلمَّا قال: «ولا تعسِّروا» انتفى التَّعسير في كلِّ الأوقات من جميع الوجوه (وَبَشِّرُوا): أمرٌ مِنَ البشارة؛ وهي الإخبار بالخير؛ نقيض النّذارة
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
غير مُلَاحظَة الِامْتِنَاع. وَفِيه من الْفِقْه أَنه يجوز للْعَالم أَن يَأْخُذ فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بالشدة، ويتحمل الْأَذَى، ويحتسب رَجَاء ثَوَاب الله تَعَالَى، وَيُبَاح لَهُ أَن يسكت إِذا خَافَ الْأَذَى كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ: لَو حدثتكم بِكُل مَا سَمِعت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقطع هَذَا البلعوم، وَعنهُ: لَو حدثتكم بِكُل مَا فِي جوفي لرميتموني بالبعر. وَقَالَ الْحسن: صدق، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَا يتَعَلَّق بالفتن مِمَّا لَا يتَعَلَّق بِذكرِهِ مصلحَة شَرْعِيَّة.
وَقَالَ ابنُ عَباسٍ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ حُلَماءَ فُقَهاءَ
هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْخَطِيب فِي كتاب (الْفَقِيه والمتفقه) بِسَنَد صَحِيح عَن أبي بكر الْحَرْبِيّ: ثَنَا أَبُو مُحَمَّد حَاجِب ابْن أَحْمد الطوسي، ثَنَا عبد الرَّحِيم بن حبيب، ثَنَا الفضيل ابْن عِيَاض عَن عَطاء عَن سعيد بن جُبَير عَنهُ. وَرَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم فِي كتاب (الْعلم) عَن الْمقدمِي: ثَنَا أَبُو دَاوُد عَن معَاذ عَن سماك عَن عِكْرِمَة عَنهُ، وَقد فسر ابْن عَبَّاس: الرباني بِأَنَّهُ الْحَكِيم الْفَقِيه، وَوَافَقَهُ ابْن مَسْعُود فِيمَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ فِي غَرِيبه عَنهُ بِإِسْنَاد صَحِيح، والرباني: مَنْسُوب إِلَى الرب، وَأَصله الربي، فزيدت فِيهِ الْألف وَالنُّون للتَّأْكِيد وَالْمُبَالغَة فِي النِّسْبَة. وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي فِي كِتَابه (الْمُنْتَهى) : فِي اللُّغَة الرباني: المتأله الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى، وربيت الْقَوْم سستهم أَي: كنت فَوْقهم. وَقَالَ أَبُو نصر: هُوَ من الربوبية، وَعَن ابْن الْأَعرَابِي لَا يُقَال للْعَالم رباني حَتَّى يكون عَالما معلما. وَيُقَال: هُوَ العالي الدرجَة فِي الْعلم، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: الرباني مَنْسُوب إِلَى الرب كَأَنَّهُ الَّذِي يقْصد مَا أمره الرب، وَفِي كتاب (الْفَقِيه) للخطيب عَن مُجَاهِد: الربانيون الْفُقَهَاء، وهم فَوق الْأَحْبَار. وَقَالَ نفطويه: قَالَ أَحْمد بن يحيى: إِنَّمَا قيل للْعُلَمَاء ربانيون لأَنهم يربون الْعلم، أَي: يقومُونَ بِهِ. وَفِي كتاب (الْفِقْه) عَنهُ إِذا كَانَ الرجل عَالما عَاملا معلما قيل لَهُ: هَذَا رباني. فَإِن خرم خصْلَة مِنْهَا لم يقل لَهُ رباني. وَعند الطَّبَرِيّ عَن ابْن زيد: الربيون الأتباع، والربانيون الْوُلَاة، والربيون الرّعية. وَعَن الْأَزْهَرِي: هم أَرْبَاب الْعلم الَّذين يعلمُونَ مَا يعلمُونَ. وَقَالَ أَبُو عبيد: سَمِعت رجلا عَالما بالكتب يَقُول: الربانيون الْعلمَاء بالحلال وَالْحرَام. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الربي، وَالْجمع: ربيون: هم الْعباد الَّذين يصحبون الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، ويصبرون مَعَهم، وهم الربانيون، نسبوا إِلَى عبَادَة الرب، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقيل: هم الْعلمَاء الصَّبْر. وَقيل: لَيْسَ ربيون بلغَة الْعَرَب، إِنَّمَا هِيَ سريانية أَو عبرانية. وَحكي عَن بعض اللغويين أَن الْعَرَب لَا تعرف الرباني، وَقَالَ: إِنَّمَا فسره الْفُقَهَاء. قَالَ الْقَزاز: وَأَنا أرى أَن يكون عَرَبيا. قَوْله: (حكماء) جمع حَكِيم، وَالْحكمَة صِحَة القَوْل وَالْعقد وَالْفِعْل، وَيُقَال: الْحِكْمَة، الْفِقْه فِي الدّين. وَقيل: الْحِكْمَة معرفَة الْأَشْيَاء على مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَالْفُقَهَاء جمع فَقِيه، وَالْفِقْه: الْفَهم لُغَة، وَفِي الِاصْطِلَاح: الْعلم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة العملية من أدلتها التفصيلية، وَفِي بعض النّسخ: (حلماء) ، جمع حَلِيم بِاللَّامِ، والحلم هُوَ الطُّمَأْنِينَة عِنْد الْغَضَب، وَفِي بَعْضهَا عُلَمَاء، وَهُوَ من بَاب ذكر الْخَاص بعد الْعَام، وَالظَّاهِر أَن حكماء وفقهاء تَفْسِير للربانيين.
ويُقالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ
هَذَا حِكَايَة البُخَارِيّ عَن قَول بَعضهم، وَهُوَ من التربية أَي: الَّذِي يُربي النَّاس بجزئيات الْعلم قبل كلياته، أَو بفروعه قبل أُصُوله، أَو بمقدماته قبل مقاصده. فَإِن قلت: هَذَا كُله هُوَ التَّرْجَمَة، فَأَيْنَ مَا هَذِه تَرْجَمته؟ قلت: إِمَّا أَنه أَرَادَ أَن يلْحق الْأَحَادِيث الْمُنَاسبَة إِلَيْهَا، فَلم يتَّفق لَهُ. وَإِمَّا أَنه للإشعار بِأَنَّهُ لم يثبت عِنْده بِشَرْطِهِ مَا يُنَاسِبهَا، وَإِمَّا أَنه اكْتفى بِمَا ذكره تَعْلِيقا، لِأَن الْمَقْصُود من الْبَاب بَيَان فَضِيلَة الْعلم، وَيعلم ذَلِك من الْمَذْكُور آيَة وحديثاً وإجماعاً سكوتياً من الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، بِحَيْثُ انْتهى إِلَى حد علم الضَّرُورَة فَلم يحْتَج إِلَى الزِّيَادَة، أَو لسَبَب آخر، وَالله أعلم.
١١ - (بَاب مَا كانَ النبيُّ يَتَخَوَّلُهُمْ بالموْعِظَةِ والعِلْمِ كَي لَا يَنْفِرُوا)
الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع: الأول: إِن التَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا كَانَ النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، يَتَخَوَّلُ الصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، بِالْمَوْعِظَةِ، وارتفاعه على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَهُوَ مُضَاف إِلَى مَا بعده من الْجُمْلَة، وَكلمَة: مَا، مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: بَاب كَون النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام يتخولهم. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ الْعلم، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب هُوَ التخول بِالْعلمِ. الثَّالِث: قَوْله: يتخولهم، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره اللَّام، مَعْنَاهُ: يتعهدهم، وَهُوَ من التخول، وَهُوَ التعهد
يَعْنِي: كَانَ يتعهدهم ويراعي الْأَوْقَات فِي وعظهم، ويتحرى مِنْهَا مَا كَانَ مَظَنَّة الْقبُول، وَلَا يَفْعَله كل يَوْم لِئَلَّا يسأم. والخائل الْقَائِم المتعهد للْحَال، ذكره الْخطابِيّ. والآن يَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) قَالَ الصغاني: الْوَعْظ والعظة وَالْمَوْعِظَة مصَادر قَوْلك: وعظته أعظه. والوعظ: هُوَ النصح والتذكير بالعواقب، وَعطف الْعلم على الموعظة من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، عكس: وَمَلَائِكَته وَجِبْرِيل. وَذكره الموعظة لكَونهَا مَذْكُورَة فِي الحَدِيث، وَأما الْعلم فَإِنَّمَا ذكره استنباطاً. قَوْله: (كي لَا ينفروا) : أَي: لِئَلَّا يملوا عَنهُ ويتباعدوا مِنْهُ، يُقَال: نفر ينفر، من بَاب: ضرب يضْرب، وَنَفر ينفر من بَاب نصر ينصر نفوراً بِالضَّمِّ، ونفار بِالْفَتْح، والنفور أَيْضا جمع نافر كشاهد وشهود، وَيُقَال: فِي الدَّابَّة نفار، بِكَسْر النُّون، وَهُوَ اسْم مثل الحران، والتركيب يدل على تجافٍ وتباعد.
٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبَرَنا سُفْيانُ عَن الأعْمَشِ عَن أبي وائِلٍ عنِ ابْنِ مَسْعُودَ قَالَ كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَخَوَّلُنا بالمَوْعِظَةِ فِي الأيَّامِ كَرَاهةَ السَّآمَة عَلَيْنا.
مُطَابقَة الحَدِيث لإحدى الترجمتين وَهِي قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) ظَاهِرَة، وَالْبَاب مترجم بترجمتين إِحْدَاهمَا: قَوْله: (بِالْمَوْعِظَةِ) وَالْأُخْرَى: قَوْله: (كي لَا ينفروا) ، فأورد فِيهِ حديثين كل مِنْهُمَا يُطَابق وَاحِدَة مِنْهُمَا.
بَيَان رِجَاله: وهم خسمة: الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف، قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي (شَرحه) : هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف بن وَاقد الْفرْيَابِيّ، أَبُو عبد اللَّه الضَّبِّيّ، مَوْلَاهُم، سكن قيسارية من سَاحل الشَّام، أدْرك الْأَعْمَش وروى عَنهُ وَعَن السفيانين وَغَيرهم، وروى عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد الذهلي وَمُحَمّد بن مُسلم ابْن وارة وَغَيرهم، وروى عَنهُ البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع كَثِيرَة، وروى فِي كتاب الصَدَاق عَن إِسْحَاق غير مَنْسُوب عَنهُ، وروى بَقِيَّة الْجَمَاعَة عَن رجل عَنهُ. قَالَ أَحْمد: كَانَ رجلا صَالحا. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ البُخَارِيّ: كَانَ من أفضل أهل زَمَانه، مَاتَ فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مُحَمَّد بن يُوسُف أَبُو أَحْمد البيكندي، وَهَذَا وهم، لِأَن البُخَارِيّ حَيْثُ يُطلق مُحَمَّد بن يُوسُف لَا يُرِيد بِهِ، إلَاّ الْفرْيَابِيّ، وَإِن كَانَ يروي أَيْضا عَن البيكندي. فَافْهَم. الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ: فَإِن قلت: مُحَمَّد بن الْفرْيَابِيّ يروي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَيْضا كَمَا ذكرنَا، فَمَا الْمُرَجح هَهُنَا لِسُفْيَان الثَّوْريّ؟ قلت: الْفرْيَابِيّ، وَإِن كَانَ يروي عَن السفيانين، وَلكنه حَيْثُ يُطلق لَا يُرِيد بِهِ، إلَاّ الثَّوْريّ. الثَّالِث: سُلَيْمَان بن مهْرَان الْأَعْمَش. الرَّابِع: أَبُو واثل، شَقِيق بن سَلمَة الْكُوفِي. الْخَامِس: عبد اللَّه بن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ.
بَيَان الْأَنْسَاب: الْفرْيَابِيّ، بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الرَّاء بعْدهَا الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة نِسْبَة إِلَى فرياب، اسْم مَدِينَة من نواحي بَلخ. قَالَ الصغاني: فرياب مثل جربال، وَيُقَال: فيرياب مثل: كيمياء، وَيُقَال: فارياب، مثل: قاصعاء، وَأما: فاراب، فَهِيَ نَاحيَة وَرَاء نهر سيحون فِي تخوم بِلَاد التّرْك، وفراب مثل سَحَاب قَرْيَة فِي سفح جبل على ثَمَانِيَة فراسخ من سَمَرْقَنْد، وفراب مثل: كفار، قَرْيَة من قرى أَصْبَهَان. الضَّبِّيّ، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبة بن اد بن طابخة بن الياس بن مُضر، وَفِي قُرَيْش أَيْضا: ضبة بن الْحَارِث بن فهر، ذكره ابْن حبيب. وَفِي هُذَيْل أَيْضا: ضبة بن عَمْرو ابْن الْحَارِث بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل. البيكندي، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة وَفتح الْكَاف وَسُكُون النُّون بعْدهَا الدَّال الْمُهْملَة: نِسْبَة إِلَى بيكند، قَرْيَة من قرى بُخَارى.
بَيَان لطائف اسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كوفيون مَا خلا الْفرْيَابِيّ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ. فَإِن قلت: الْأَعْمَش مُدَلّس وَقد عنعن هُنَا، وَقد روى مُسلم من طَرِيق عَليّ بن مسْهر عَن الْأَعْمَش عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه، فَذكر الحَدِيث: قَالَ عَليّ بن مسْهر قَالَ الْأَعْمَش: وحَدثني عَمْرو بن مرّة عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه مثله، فقد يُوهم هَذَا أَن الْأَعْمَش دلسه، أَولا عَن شَقِيق، ثمَّ سمى الْوَاسِطَة بَينهمَا. قلت: صرح أَحْمد فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث بِسَمَاع الْأَعْمَش عَن شَقِيق، فَقَالَ: سَمِعت شقيقاً، وَهُوَ أَبُو وَائِل، وَكَذَا صرح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ عِنْد البُخَارِيّ فِي الدَّعْوَات من رِوَايَة حَفْص بن غياث عَنهُ، قَالَ: حَدثنِي شَقِيق، وَزَاد فِي أَوله: إِنَّهُم كَانُوا ينتظرون عبد اللَّه بن مَسْعُود ليخرج إِلَيْهِم فيذكرهم، وَإنَّهُ لما خرج قَالَ: أما إِنِّي أخبر بمكانكم، وَلكنه يَمْنعنِي من الْخُرُوج إِلَيْكُم ... فَذكر الحَدِيث.
بَيَان تعد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن جرير عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل عَن ابْن مَسْعُود بِهِ، وَأخرجه أَيْضا فِي الدَّعْوَات عَن عمر بن حَفْص عَن أَبِيه عَن الْأَعْمَش، وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَأَبُو مُعَاوِيَة وَمُحَمّد بن نمير عَن أبي مُعَاوِيَة، وَعَن الْأَشَج عَن ابْن إِدْرِيس، وَعَن منْجَاب عَن عَليّ بن مسْهر، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن خشرم عَن عِيسَى بن يُونُس عَن ابْن أبي عمر عَن سُفْيَان، كلهم عَن الْأَعْمَش. زَاد الْأَعْمَش فِي رِوَايَة ابْن مسْهر: وحَدثني عَمْرو بن مرّة عَن شَقِيق عَن عبد اللَّه مثله. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الاسْتِئْذَان عَن مُحَمَّد بن غيلَان عَن أبي أَحْمد الزبيرِي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى بن سعيد عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش بِهِ، وَفِي نُسْخَة عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى عَن سُفْيَان عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (يَتَخَوَّلنَا) ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وباللام، من التخول، وَهُوَ: التعهد، من: خَال المَال، وخال على الشَّيْء خولاً، إِذا تعهد، وَيُقَال: خَال المَال يخوله خولاً إِذا ساسه وَأحسن الْقيام عَلَيْهِ، والخائل المتعاهد للشَّيْء المصلح لَهُ، وخول الله الشَّيْء أَي: ملكه إِيَّاه، وخول الرجل حشمه، الْوَاحِد خائل، وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: الصَّوَاب يتحولهم، بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: يطْلب أَحْوَالهم الَّتِي ينشطون فِيهَا للموعظة، فيعظهم وَلَا يكثر عَلَيْهِم فيملوا. وَكَانَ الْأَصْمَعِي يرويهِ: يتخوننا، بالنُّون وَالْخَاء الْمُعْجَمَة، أَي: يتعهدنا. حَكَاهُ عَنْهُمَا صَاحب (نِهَايَة الْغَرِيب) . وَفِي (مجمع الغرائب) قَالَ الْأَصْمَعِي: أَظُنهُ يتخونهم، بالنُّون، وَهُوَ بِمَعْنى: التعهد. وَقيل: إِن أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء سمع الْأَعْمَش يحدث هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: يَتَخَوَّلنَا، بِاللَّامِ، فَرده عَلَيْهِ بالنُّون فَلم يرجع لأجل الرِّوَايَة، وكلا اللَّفْظَيْنِ جَائِز، وَالصَّوَاب: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وباللام، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: مَعْنَاهُ يتخذنا خولاً. وَيُقَال: يناجينا بهَا. وَقيل: يُصْلِحنَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يذللنا بهَا، يُقَال: خول الله لَك أَي: ذلله لَك وسخره. وَقيل: يحبسهم عَلَيْهَا كَمَا يحبس الخول. قَوْله: (كَرَاهِيَة السَّآمَة) من كرهت الشَّيْء أكرهه كَرَاهَة وكراهية، والسآمة مثل الملالة، بِنَاء وَمعنى، وَقَالَ أَبُو زيد: سئمت من الشَّيْء أسأم سأماً وسآمةً وسآماً: إِذا مللته، وَرجل سؤوم.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (النَّبِي) ، مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم كَانَ. وَقَوله: (يَتَخَوَّلنَا) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ. فَإِن قلت: كَانَ لثُبُوت خَبَرهَا مَاضِيا، و: يَتَخَوَّلنَا، إِمَّا حَال وَإِمَّا اسْتِقْبَال، فَمَا وَجه الْجمع بَينهمَا؟ قلت: كَانَ يُرَاد بِهِ الِاسْتِمْرَار، وَكَذَا الْفِعْل الْمُضَارع، فاجتماعهما يُفِيد شُمُول الْأَزْمِنَة. وَقَالَ الأصوليون: قَوْله: كَانَ حَاتِم يكرم الضَّيْف، يُفِيد تكْرَار الْفِعْل فِي الْأَزْمَان، وَالْبَاء فِي: بِالْمَوْعِظَةِ، تتَعَلَّق: بيتخولنا، قَوْله: (فِي الْأَيَّام) ، صفة لموعظة أَي: بِالْمَوْعِظَةِ الكائنة فِي الْأَيَّام. قَوْله: (كَرَاهِيَة السَّآمَة) ، كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه مفعول لَهُ، أَي: لأجل كَرَاهِيَة السَّآمَة، وصلَة السَّآمَة محذوفة، لِأَنَّهُ يُقَال: سأمت من الشَّيْء، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة من الموعظة. وَقَوله: (علينا) إِمَّا يتَعَلَّق بالسآمة على تضمين السَّآمَة معنى الْمَشَقَّة، أَي: كَرَاهَة الْمَشَقَّة علينا، إِذْ الْمَقْصُود بَيَان رفق النَّبِي، عَلَيْهِ السَّلَام، بالأمة وشفقته عَلَيْهِم ليأخذوا مِنْهُ بنشاط وحرص لَا عَن ضجر وملل، وَإِمَّا يَجْعَل صفة، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة الطارئة علينا. وَإِمَّا يَجْعَل حَالا، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة حَال كَونهَا طارئة علينا. وَإِمَّا يتَعَلَّق بالمحذوف، وَالتَّقْدِير: كَرَاهِيَة السَّآمَة شَفَقَة علينا. فَافْهَم.
بَيَان الْمعَانِي: الْمَعْنى: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يعظ الصَّحَابَة فِي أَوْقَات مَعْلُومَة، وَلم يكن يسْتَغْرق الْأَوْقَات خوفًا عَلَيْهِم من الْملَل والضجر، كَمَا كَانَ نَهَاهُم بقوله: (لَا يُصَلِّي أحد خاماً وركيه) . وكما قَالَ: (ابدأوا بالعشاء لِئَلَّا تشْغَلُوا عَن الإقبال على الله تَعَالَى بِغَيْرِهِ) . وَعَن الصَّلَاة وَعَن النِّيَّة، وَقد وَصفه الله تَعَالَى بالرفق بأمته فَقَالَ: {عَزِيز عَلَيْهِ ماعنتم} (التَّوْبَة: ١٢٨) الْآيَة: فَإِن قلت: أَيجوزُ أَن يكون المُرَاد من السَّآمَة سآمة رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من القَوْل؟ قلت: لَا يجوز، وَيدل عَلَيْهِ السِّيَاق وقرينة الْحَال.
٦٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ: حدّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ: حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ: حدّثنيأبو التَّيَّاح عَن أنسٍ، رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وبشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا) .
(الحَدِيث ٦٩ طرفه فِي: ٦١٢٥) .
هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة كَمَا ذَكرْنَاهُ.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد
الشين الْمُعْجَمَة، ابْن عُثْمَان بن دَاوُد بن كيسَان الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، كنيته أَبُو بكر ولقبه بنْدَار، واشتهر بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ بنداراً فِي الحَدِيث، جمع حَدِيث بَلَده، وَبُنْدَار، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون النُّون وَالدَّال الْمُهْملَة وبالراء: الْحَافِظ. وَقَالَ أَحْمد: كتبت عَنهُ نَحوا من خمسين ألف حَدِيث، روى عَنهُ السِّتَّة وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم الرازيان وَعبد اللَّه بن مُحَمَّد الْبَغَوِيّ وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، وَعنهُ قَالَ: كتب عني خَمْسَة قُرُون، وسألوني الحَدِيث وَأَنا ابْن ثَمَان عشرَة سنة. وَقَالَ: ولدت سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَقَالَ البُخَارِيّ: مَاتَ فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين يَعْنِي وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان الْأَحول. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: أَبُو التياح، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، واسْمه يزِيد بن حميد، بِالتَّصْغِيرِ، الضبعِي من أنفسهم، سمع أنسا وَعمْرَان بن حُصَيْن من الصَّحَابَة، وخلقاً من التَّابِعين وَمن بعدهمْ، قَالَ أَحْمد: هُوَ ثِقَة ثَبت. وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: هُوَ مَعْرُوف ثِقَة، مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك.
بَيَان الْأَنْسَاب: الْعَبْدي: نِسْبَة إِلَى عبد بن نصر بن كلاب بن مرّة فِي قُرَيْش، وَفِي ربيعَة بن نزار عبد الْقَيْس بن أفصى، وَفِي تَمِيم عبد اللَّه بن دارم، وَفِي خولان عبد اللَّه بن جَبَّار، وَفِي هَمدَان عبد بن غيلَان بن أرحب. الضبعِي، بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبيعة بن زيد بن مَالك فِي الْأَنْصَار، وَفِي ربيعَة بن نزار ضبيعة بن ربيعَة بن نزار، وَفِي بني ثَعْلَبَة ضبيعة بن قيس.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِالْجمعِ والإفراد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَدَب عَن آدم عَن شُعْبَة بِهِ، وَرَوَاهُ مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن عبد اللَّه بن معَاذ عَن أَبِيه، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبيد بن سعيد، وَعَن مُحَمَّد بن الْوَلِيد عَن غنْدر، كلهم عَن شُعْبَة بِهِ، فَوَقع للْبُخَارِيّ عَالِيا رباعياً من طَرِيق آدم، وآدَم مِمَّن انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن بنْدَار بِهِ.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (يسروا) ، أَمر من: يسر ييسر تيسيراً من الْيُسْر، وَهُوَ نقيض الْعسر. قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) ، من عسر تعسيراً. يُقَال: عسرت الْغَرِيم أعسره عسراً، إِذا طلبت مِنْهُ الدّين على عسرته. وَقَالَ ابْن طريف: هَذَا مِمَّا جَاءَ على فعل وأفعل: كعسرتك عسراً وأعسرتك، إِذا طلبت مِنْك الدّين على عسرة، وعسر الشَّيْء وعسر، بِضَم السِّين وَكسرهَا، عسراً وعسارة، وعسر الرجل: قل سماحه وضاق خلقه، وأعسر الرجل: افْتقر. وَفِي (الْعباب) : قد عسر الْأَمر، بِالضَّمِّ، عسراً فَهُوَ عسر وعسير، وعسر عَلَيْهِ الْأَمر، بِالْكَسْرِ، يعسر عسراً، بِالتَّحْرِيكِ، أَي: التاث، فَهُوَ عسر. وَيُقَال: عسرت النَّاقة بذنبها تعسر عسراً أَو عسراناً، مِثَال: ضرب يضْرب ضربا وضربانا: إِذا شالت بِهِ، وعسرت الْمَرْأَة إِذا عسر ولادها، وعسرني فلَان إِذا جَاءَ على يساري، والمعسور ضد الميسور، والمعسرة ضد الميسرة، وهما مصدران. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: هما صفتان، والعسرى نقيض الْيُسْرَى. قَوْله: (وبشروا) ، من الْبشَارَة وَهِي الْإِخْبَار بِالْخَيرِ، وَهِي نقيض: النذارة، وَهِي الْإِخْبَار بِالشَّرِّ. يُقَال: بشرت الرجل أُبَشِّرهُ، بِالضَّمِّ، بشرا وبشوراً من الْبشرَة، وَكَذَلِكَ الإبشار والتبشير. يُقَال: أبشر وَبشر. قَالَ الله تَعَالَى: {وابشروا بِالْجنَّةِ} (فصلت: ٣٠) {وبشروا الَّذين آمنُوا} (الْبَقَرَة: ٢٥، وَيُونُس: ٢) {ذَلِك الَّذِي يبشر} (الشورى: ٢٣) ثَلَاث لُغَات فِي الْقُرْآن أبشر وَبشر وَبشر بِالتَّخْفِيفِ، وَالِاسْم: الْبشَارَة والبشارة، بِالْكَسْرِ وَالضَّم، تَقول: بَشرته بمولود، وأبشرتك بِالْخَيرِ، وبشرتك. وَقَالَ الصغاني: الْبشَارَة، بِالْكَسْرِ وَالضَّم، أَي حق مَا يعْطى على التبشير. وَقَالَ اللحياني، رَحمَه الله تَعَالَى: الْبشَارَة مَا بشرت من بطن الْأَدِيم، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْبشَارَة والقشارة والخسارة. إِسْقَاط النَّاس، وبشرت بِكَذَا، بِكَسْر الشين، أبشر، أَي: استبشرت. قَوْله: (وَلَا تنفرُوا) ، من: نفر، بِالتَّشْدِيدِ، تنفيراً. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (يسروا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل مقول القَوْل. قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) عطف على: يسروا، وَيجوز عطف النَّهْي على الْأَمر كَمَا بِالْعَكْسِ، وَالْخلاف فِي عطف الْخَبَر على الْإِنْشَاء وَبِالْعَكْسِ، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَكَذَا الْكَلَام فِي قَوْله: (بشروا وَلَا تنفرُوا) .
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (يسروا) أَمر بالتيسير، لَا يُقَال: الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه، فَمَا الْفَائِدَة فِي قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا) ؟ لأَنا نقُول: لَا نسلم ذَلِك، وَلَئِن سلمنَا فالغرض التَّصْرِيح بِمَا لزم ضمنا للتَّأْكِيد. وَيُقَال: لَو اقْتصر على
قَوْله: (يسروا) ، وَهُوَ نكرَة لصدق ذَلِك على من يسر مرّة وعسر فِي مُعظم الْحَالَات، فَإِذا قَالَ: وَلَا تُعَسِّرُوا، انْتَفَى التعسير فِي جَمِيع الْأَحْوَال من جَمِيع الْوُجُوه، وَكَذَلِكَ الْجَواب عَن قَوْله: (وَلَا تنفرُوا) لَا يُقَال: كَانَ يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على قَوْله: (وَلَا تُعَسِّرُوا وَلَا تنفرُوا) لعُمُوم النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدم التعسير ثُبُوت التَّيْسِير، وَلَا من عدم التنفير ثُبُوت التَّيْسِير، فَجمع بَين هَذِه الْأَلْفَاظ لثُبُوت هَذِه الْمعَانِي، لِأَن هَذَا الْمحل يَقْتَضِي الإسهاب، وَكَثْرَة الْأَلْفَاظ لَا الِاخْتِصَار لشبهه بالوعظ، وَالْمعْنَى: وبشروا النَّاس أَو الْمُؤمنِينَ بِفضل الله تَعَالَى وثوابه، وجزيل عطائه وسعة رَحمته، وَكَذَا الْمَعْنى فِي قَوْله: (وَلَا تنفرُوا) يَعْنِي: بِذكر التخويف وأنواع الْوَعيد، فيتألف من قرب إِسْلَامه بترك التَّشْدِيد عَلَيْهِم، وَكَذَلِكَ من قَارب الْبلُوغ من الصّبيان، وَمن بلغ وَتَابَ من الْمعاصِي يتلطف بجميعهم بأنواع الطَّاعَة قَلِيلا قَلِيلا، كَمَا كَانَت أُمُور الْإِسْلَام على التدريج فِي التَّكْلِيف شَيْئا بعد شَيْء، لِأَنَّهُ مَتى يسر على الدَّاخِل فِي الطَّاعَة المريد للدخول فِيهَا، سهلت عَلَيْهِ وتزايد فِيهَا غَالِبا، وَمَتى عسر عَلَيْهِ أوشك أَن لَا يدْخل فِيهَا. وَإِن دخل أوشك أَن لَا يَدُوم أَو لَا يستحملها.
وَفِيه الْأَمر للولاة بالرفق، وَهَذَا الحَدِيث من جَوَامِع الْكَلم لاشْتِمَاله على خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، لِأَن الدُّنْيَا دَار الْأَعْمَال، وَالْآخِرَة دَار الْجَزَاء، فَأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا يتَعَلَّق بالدنيا بالتسهيل، وَفِيمَا يتَعَلَّق بِالآخِرَة بالوعد بِالْخَيرِ والإخبار بالسرور تَحْقِيقا لكَونه رَحْمَة للْعَالمين فِي الدَّاريْنِ.
بَيَان البديع: اعْلَم أَن بَين: (يسروا) ، وَبَين (بشروا) ، جناس خطي، والجناس بَين اللَّفْظَيْنِ تشابههما فِي اللَّفْظ، وَهَذَا من الجناس التَّام الْمُتَشَابه، وَهَذَا بَاب من أَنْوَاع البديع الَّذِي يزِيد فِي كَلَام البليغ حسنا وطلاوة. فَإِن قلت: كَانَ الْمُنَاسب أَن يُقَال بدل: (وَلَا تنفرُوا) وَلَا تنذروا، لِأَن الْإِنْذَار وَهُوَ نقيض التبشير لَا التنفير. قلت: الْمَقْصُود من الْإِنْذَار التنفير، فَصرحَ بِمَا هُوَ الْمَقْصُود مِنْهُ.
١٢ - (بَاب مَنْ جَعَلَ لأهْلِ العِلْمِ أيَّاماً مَعلُومَةً)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من جعل، فالباب مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى: من، هَذَا رِوَايَة كَرِيمَة. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (أَيَّامًا مَعْلُومَات) ، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا: (يَوْمًا مَعْلُوما) . وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر، لِأَن الْبَاب الأول فِي التخويل بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعلم، وَقد ذكرنَا أَن مَعْنَاهُ هُوَ التعهد فِي أَيَّام خوفًا من الْملَل والضجر، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا كَذَلِك.
٧٠ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ: حدّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصورٍ عنْ أبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ! لَوَدِدْتُ أنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: أمَا إنَّهُ يمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أنِّي أكْرَهُ أنْ أُمِلَّكُم، وإِنِّي أتَخَوَّلُكُم بالمَوعِظَةِ كَمَا كَانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَخَوَّلُنا بِها مخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
. [/ محه
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهَا، إِمَّا أَن يكون بِفعل الصَّحَابِيّ عِنْد من يَقُول بِهِ، أَو بالاستنباط من فعل النَّبِي. صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عُثْمَان بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن أبي شيبَة بن عُثْمَان ابْن خواستي، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَبعد الْألف سين مُهْملَة ثمَّ تَاء مثناة من فَوق، أَبُو الْحسن الْعَبْسِي الْكُوفِي، أَخُو أبي بكر وقاسم، وَهُوَ أكبر من أبي بكر بِثَلَاث سِنِين، وَأَبُو بكر أجل مِنْهُ، نزل بَغْدَاد ورحل إِلَى مَكَّة والري، وَكتب الْكثير، روى عَنهُ يحيى بن مُحَمَّد الذهلي وَمُحَمّد بن سعد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم الرازيان وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، وروى النَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، سُئِلَ عَنهُ مُحَمَّد بن عبد اللَّه بن نمير، فَقَالَ: وَمثله يسْأَل عَنهُ؟ وَقَالَ يحيى بن معِين وَأحمد بن عبد اللَّه ثِقَة. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: مَا علمت إلَاّ خيرا، وَأثْنى عَلَيْهِ وَكَانَ يُنكر عَلَيْهِ أَحَادِيث حدث بهَا. مِنْهَا حَدِيث جرير عَن الثَّوْريّ عَن ابْن عقيل عَن جَابر قَالَ: شهد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عيد الْمُشْركين، توفّي لثلاث بَقينَ من الْمحرم سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: جرير بن عبد الحميد بن قرط بن هِلَال، وَقيل: تيري بدل هِلَال، الضَّبِّيّ الْكُوفِي. قَالَ: ولدت سنة مَاتَ الْحسن، وَهِي سنة عشر وَمِائَة، وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَقيل: سبع، روى عَنهُ ابْن الْمُبَارك وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق وَأَبُو بكر، قَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الْعلم يرحل إِلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق من أهل الْعلم روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: مَنْصُور بن