«أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٢

الحديث رقم ٧٠٢ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ…

«أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمِ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ.»

إسناد حديث: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ…

٧٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ :

رواة الحديث: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ…

شرح حديث: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْعَامِرِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ.

وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي أَوَاخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ ، وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا أَمْرُهُ لِمَنْ أَدْرَكَ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهُ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا أَنْ صَلُّوهَا فِي بُيُوتِكُمْ فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ اجْعَلُوهَا مَعَهُمْ نَافِلَةً. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ نَهَى مُعَاذًا عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سُلَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ: إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِكَ، وَدَعْوَاهُ أَنَّ مَعْنَاهُ إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي وَلَا تُصَلِّ بِقَوْمِكَ، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِكَ وَلَا تُصَلِّ مَعِي، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ لِمُخَالِفِهِ أَنْ يَقُولَ: بَلِ التَّقْدِيرُ إِمَّا أَنْ تُصَلِّي مَعِي فَقَطْ إِذَا لَمْ تُخَفِّفْ، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِكَ فَتُصَلِّي مَعِيَ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُقَابَلَةِ التَّخْفِيفِ بِتَرْكِ التَّخْفِيفِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ، وَأَمَّا تَقْوِيَةُ بَعْضِهِمْ بِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا بِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَقَعَتْ مِرَارًا عَلَى صِفَةٍ فِيهَا مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ بِالْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ فِي حَالِ الْأَمْنِ، فَلَوْ جَازَتْ صَلَاةُ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ لَصَلَّى النَّبِيُّ بِهِمْ مَرَّتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا تَقَعُ فِيهِ مُنَافَاةٌ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْعِ، فَجَوَابُهُ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ مَرَّتَيْنِ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ صَرِيحًا، وَلِمُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ، وَأَمَّا صَلَاتُهُ بِهِمْ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْمُخَالَفَةِ فَلِبَيَانِ الْجَوَازِ.

وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: كَانَ فِعْلُ مُعَاذٍ لِلضَّرُورَةِ؛ لِقِلَّةِ الْقُرَّاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُجْزِئَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ حَافِظُوهُ كَثِيرًا، وَمَا زَادَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِارْتِكَابِ أَمْرٍ مَمْنُوعٍ مِنْهُ شَرْعًا فِي الصَّلَاةِ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا اسْتِحْبَابُ تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ مُرَاعَاةً لِحَالِ الْمَأْمُومِينَ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا يُكْرَهُ التَّطْوِيلُ إِذَا عَلِمَ رِضَاءَ الْمَأْمُومِينَ، فَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ لَا يَعْلَمُ حَالَ مَنْ يَأْتِي فَيَأْتَمُّ بِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ، فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ التَّطْوِيلُ مُطْلَقًا إِلَّا إِذَا فُرِضَ فِي مُصَلٍّ بِقَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ فِي مَكَانٍ لَا يَدْخُلُهُ غَيْرُهُمْ. وَفِيهِ أَنَّ الْحَاجَةَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا عُذْرٌ فِي تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ، وَجَوَازُ إِعَادَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ (١)، وَجَوَازُ خُرُوجِ الْمَأْمُومِ مِنَ الصَّلَاةِ لِعُذْرٍ، وَأَمَّا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ وَتُعُقِّبَ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِ الْأَئِمَّةِ بِالتَّخْفِيفِ فَائِدَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْأَمْرِ بِالتَّخْفِيفِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ جَوَازُ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا، وَهَذَا كَمَا اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْقِصَّةِ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَفِيهِ نَحْوُ هَذَا النَّظَرِ. وَفِيهِ جَوَازُ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ بِالْجَمَاعَةُ إِذَا كَانَ بِعُذْرٍ.

وَفِيهِ الْإِنْكَارُ بِلُطْفٍ؛ لِوُقُوعِهِ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَعْزِيزُ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسْبِهِ، وَالِاكْتِفَاءُ فِي التَّعْزِيزِ بِالْقَوْلِ، وَالْإِنْكَارُ فِي الْمَكْرُوهَاتِ، وَأَمَّا تَكْرَارُهُ ثَلَاثًا فَلِلتَّأْكِيدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ كَانَ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُفْهَمَ عَنْهُ.

وَفِيهِ اعْتِذَارُ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ خَطَأٌ فِي الظَّاهِرِ، وَجَوَازُ الْوُقُوعِ فِي حَقِّ مَنْ وَقَعَ فِي مَحْذُورٍ ظَاهِرٍ وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ بَاطِنٌ لِلتَّنْفِيرِ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا لَوْمَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا، وَأَنَّ التَّخَلُّفَ عَنِ الْجَمَاعَةِ مِنْ صِفَةِ الْمُنَافِقِ.

٦١ - بَاب تَخْفِيفِ الْإِمَامِ فِي الْقِيَامِ وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ

٧٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ

رَسُولَ اللَّهِ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَخْفِيفِ الْإِمَامِ فِي الْقِيَامِ وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ كَأَنَّهُ قَالَ: بَابُ التَّخْفِيفِ بِحَيْثُ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَلْيَتَجَوَّزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِالتَّجَوُّزِ الْمُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَتَبِعَهُ ابْنُ رَشِيدٍ وَغَيْرُهُ: خُصَّ التَّخْفِيفُ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْقِيَامِ مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ أَعَمُّ حَيْثُ قَالَ: فَلْيَتَجَوَّزْ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَطُولُ فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا هُوَ الْقِيَامُ، وَمَا عَدَاهُ لَا يَشُقُّ إِتْمَامُهُ عَلَى أَحَدٍ، وَكَأَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى قِصَّةِ مُعَاذٍ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالتَّخْفِيفِ فِيهَا مُخْتَصٌّ بِالْقِرَاءَةِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى بَعْضِ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَعَادَتِهِ، وَأَمَّا قِصَّةُ مُعَاذٍ فَمُغَايِرَةٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ؛ لِأَنَّ قِصَّةَ مُعَاذٍ كَانَتْ فِي الْعِشَاءِ، وَكَانَ الْإِمَامُ فِيهَا مُعَاذًا وَكَانَتْ فِي مَسْجِدِ بَنِي سَلِمَةَ، وَهَذِهِ كَانَتْ فِي الصُّبْحِ وَكَانَتْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَوَهِمَ مَنْ فَسَّرَ الْإِمَامَ الْمُبْهَمَ هُنَا بِمُعَاذٍ، بَلِ الْمُرَادُ بِهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ - وَهُوَ بِالْجِيمِ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُصَلِّي بِأَهْلِ قُبَاءَ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةً طَوِيلَةً، فَدَخَلَ مَعَهُ غُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا سَمِعَهُ اسْتَفْتَحَهَا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَغَضِبَ أُبَيٌّ فَأَتَى النَّبِيَّ يَشْكُو الْغُلَامَ، وَأَتَى الْغُلَامُ يَشْكُو أُبَيًّا، فَغَضِبَ النَّبِيُّ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَوْجِزُوا؛ فَإِنَّ خَلْفَكُمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَالْمَرِيضَ وَذَا الْحَاجَةِ فَأَبَانَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فَلَانٌ أَيْ: فِي الْقِرَاءَةِ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَيْضًا تَسْمِيَةُ الْإِمَامِ وَبِأَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: مَنْ أَمَّنَا فَلْيُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.

وَفِي قَوْلِ ابْنِ الْمُنِيرِ: إِنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لَا يَشُقُّ إِتْمَامُهُمَا نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ تَمَامٍ فَذَاكَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِنْ أَرَادَ غَايَةَ التَّمَامِ فَقَدْ يَشُقُّ، فَسَيَأْتِي حَدِيثُ الْبَرَاءِ قَرِيبًا أَنَّهُ كَانَ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسُ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَأَبُو مَسْعُودٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ حَزْمُ بْنُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ لِأَنَّ قِصَّتَهُ كَانَتْ مَعَ مُعَاذٍ لَا مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ) أَيْ: فَلَا أَحْضُرُهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ لِأَجْلِ التَّطْوِيلِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الْأَحْكَامِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ بِزِيَادَةِ الْقَسَمِ، وَفِيهِ جَوَازُ مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ فِي بَابِ الْغَضَبِ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ إِنِّي لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ. وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي أَلِفَهُ مِنْ تَطْوِيلِهِ اقْتَضَى لَهُ أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنِ الْمَجِيءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وُثُوقًا بِتَطْوِيلِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ يُطَوِّلُ فَإِنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَكَأَنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى تَطْوِيلِهِ فَيَتَشَاغَلُ بِبَعْضِ شُغْلِهِ، ثُمَّ يَتَوَجَّهُ فَيُصَادِفُ أَنَّهُ تَارَةً يُدْرِكُهُ وَتَارَةً لَا يُدْرِكُهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ لَا أَكَادُ أُدْرِكُ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا أَيْ: بِسَبَبِ تَطْوِيلِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَسْمِيَةِ الصُّبْحِ بِذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ قَرِيبًا: عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْفَجْرِ وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهَا تُطَوَّلُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ غَالِبًا؛ وَلِأَنَّ الِانْصِرَافَ مِنْهَا وَقْتَ التَّوَجُّهِ لِمَنْ لَهُ حِرْفَةٌ إِلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (أَشَدَّ) بِالنَّصْبِ وَهُوَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: غَضَبًا أَشَدَّ، وَسَبَبُهُ إِمَّا لِمُخَالَفَةِ الْمَوْعِظَةِ، أَوْ لِلتَّقْصِيرِ فِي تَعَلُّمِ مَا يَنْبَغِي تَعَلُّمُهُ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ورواة الحديث الأوَّل أربعةٌ، وهو مُختَصَرٌ، والظَّاهر أنَّ قوله في الحديث الثَّاني: «فصلَّى العشاء … » إلى آخره داخلٌ تحت الطَّريق الأولى، وكان الحامل له على ذلك أنَّها لو خلت عن (١) ذلك لما طابقت التَّرجمة ظاهرًا، لكن لقائلٍ أن يقول: مراد البخاريِّ بذلك الإشارة إلى أصل الحديث على عادته، واستفاد بالطَّريق الأولى علوَّ الإسناد، كما أنَّ في الطَّريق الثَّانية فائدةَ التَّصريح بسماع عمرٍو من جابرٍ، وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

(٦١) (بابُ) حكم (تَخْفِيفِ الإِمَامِ فِي القِيَامِ، وَإِتْمَامِ) أي: مع إتمام (الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) وخصَّ التَّخفيف بالقيام لأنَّه مظنَّة التَّطويل، فهو تفسيرٌ لقوله في الحديث الآتي -إن شاء الله تعالى-: «فليتجوَّز» [خ¦٧٠٢] لأنَّه لا يأمر (٢) بالتَّجوُّز المؤدِّي إلى فساد (٣) الصَّلاة.

٧٠٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبه لجدِّه لشهرته به، وأبوه عبد الله (قَالَ: حدَّثنا زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي، ابن معاوية الجعفيُّ (قَالَ: حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ (قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا) هو ابن أبي حازمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو البدريُّ الأنصاريُّ (أَنَّ رَجُلًا) لم يُسَمَّ، وليس هو حزم بن أُبيِّ بن كعبٍ (قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي

لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ) أي: لا أحضرها مع الجماعة (مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا) أي: من تطويله (١)، «من أجل»: «من» ابتدائيَّةٌ متعلِّقةٌ بـ «أتأخَّر»، والثَّانية مع «ما» في حيِّزها بدلٌ منها، فـ «ما» مصدريَّةٌ، وخصَّ الغداة بالذِّكر لتطويل القراءة فيها غالبًا (فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ فِي مَوْعِظَةٍ) حال كونه (أَشَدَّ غَضَبًا) بالنصب على التمييز (مِنْهُ يَوْمَئِذٍ) أي: يوم أخبر بذلك للتَّقصير في تعلُّم ما ينبغي تعلُّمه، أو لإرادة الاهتمام بما يلقيه لأصحابه ليكونوا من سماعه على بالٍ لئلَّا يعود مَنْ فعل ذلك إلى مثله (ثُمَّ قَالَ) : (إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) بصيغة الجمع (فَأَيُّكُمْ) أي: أيُّ واحدٍ منكم (مَا صَلَّى بالنَّاس) بزيادة «ما» لتأكيد التَّعميم، وزيادتها مع «أيٍّ» الشَّرطيَّة كثيرةٌ (فَلْيَتَجَوَّزْ) جواب الشَّرط، أي: فليخفِّف بحيث لا يُخِلُّ بشيءٍ من الواجبات (فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ) تعليلٌ للأمر المذكور، ومقتضاه أنَّه متى لم يكن فيهم من (٢) يتَّصف بصفةٍ من المذكورات، أو كانوا محصورين، ورضوا بالتَّطويل لم يضرَّ التَّطويل لانتفاء العلَّة. وقول ابن عبد البرِّ: إنَّ العلَّة الموجبة للتَّخفيف عندي غير مأمونةٍ لأنَّ الإمام وإن علم قوَّة من خلفه فإنَّه لا يدري ما يحدث بهم من حادث شغلٍ، وعارضٍ من حاجةٍ، وآفةٍ من حدث بولٍ أو غيره، تُعقِّب بأنَّ الاحتمال الَّذي لم يقم عليه دليلٌ لا يترتَّب عليه حكمٌ، فإذا انحصر المأمومون ورضوا بالتَّطويل لا يُؤمَر إمامهم بالتَّخفيف لعارضٍ لا دليل عليه، وحديث أبي قتادة: أنَّه

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْعَامِرِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ.

وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي أَوَاخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ ، وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا أَمْرُهُ لِمَنْ أَدْرَكَ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهُ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا أَنْ صَلُّوهَا فِي بُيُوتِكُمْ فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ اجْعَلُوهَا مَعَهُمْ نَافِلَةً. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ نَهَى مُعَاذًا عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سُلَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ: إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِكَ، وَدَعْوَاهُ أَنَّ مَعْنَاهُ إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي وَلَا تُصَلِّ بِقَوْمِكَ، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِكَ وَلَا تُصَلِّ مَعِي، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ لِمُخَالِفِهِ أَنْ يَقُولَ: بَلِ التَّقْدِيرُ إِمَّا أَنْ تُصَلِّي مَعِي فَقَطْ إِذَا لَمْ تُخَفِّفْ، وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِكَ فَتُصَلِّي مَعِيَ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُقَابَلَةِ التَّخْفِيفِ بِتَرْكِ التَّخْفِيفِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ، وَأَمَّا تَقْوِيَةُ بَعْضِهِمْ بِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا بِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَقَعَتْ مِرَارًا عَلَى صِفَةٍ فِيهَا مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ بِالْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ فِي حَالِ الْأَمْنِ، فَلَوْ جَازَتْ صَلَاةُ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ لَصَلَّى النَّبِيُّ بِهِمْ مَرَّتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا تَقَعُ فِيهِ مُنَافَاةٌ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْعِ، فَجَوَابُهُ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ مَرَّتَيْنِ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ صَرِيحًا، وَلِمُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ، وَأَمَّا صَلَاتُهُ بِهِمْ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْمُخَالَفَةِ فَلِبَيَانِ الْجَوَازِ.

وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: كَانَ فِعْلُ مُعَاذٍ لِلضَّرُورَةِ؛ لِقِلَّةِ الْقُرَّاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُجْزِئَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ حَافِظُوهُ كَثِيرًا، وَمَا زَادَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِارْتِكَابِ أَمْرٍ مَمْنُوعٍ مِنْهُ شَرْعًا فِي الصَّلَاةِ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا اسْتِحْبَابُ تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ مُرَاعَاةً لِحَالِ الْمَأْمُومِينَ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَا يُكْرَهُ التَّطْوِيلُ إِذَا عَلِمَ رِضَاءَ الْمَأْمُومِينَ، فَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ لَا يَعْلَمُ حَالَ مَنْ يَأْتِي فَيَأْتَمُّ بِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ، فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ التَّطْوِيلُ مُطْلَقًا إِلَّا إِذَا فُرِضَ فِي مُصَلٍّ بِقَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ فِي مَكَانٍ لَا يَدْخُلُهُ غَيْرُهُمْ. وَفِيهِ أَنَّ الْحَاجَةَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا عُذْرٌ فِي تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ، وَجَوَازُ إِعَادَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ (١)، وَجَوَازُ خُرُوجِ الْمَأْمُومِ مِنَ الصَّلَاةِ لِعُذْرٍ، وَأَمَّا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ وَتُعُقِّبَ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَمْرِ الْأَئِمَّةِ بِالتَّخْفِيفِ فَائِدَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْأَمْرِ بِالتَّخْفِيفِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ جَوَازُ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا، وَهَذَا كَمَا اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْقِصَّةِ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَفِيهِ نَحْوُ هَذَا النَّظَرِ. وَفِيهِ جَوَازُ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ بِالْجَمَاعَةُ إِذَا كَانَ بِعُذْرٍ.

وَفِيهِ الْإِنْكَارُ بِلُطْفٍ؛ لِوُقُوعِهِ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَعْزِيزُ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسْبِهِ، وَالِاكْتِفَاءُ فِي التَّعْزِيزِ بِالْقَوْلِ، وَالْإِنْكَارُ فِي الْمَكْرُوهَاتِ، وَأَمَّا تَكْرَارُهُ ثَلَاثًا فَلِلتَّأْكِيدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّهُ كَانَ يُعِيدُ الْكَلِمَةَ ثَلَاثًا لِتُفْهَمَ عَنْهُ.

وَفِيهِ اعْتِذَارُ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ خَطَأٌ فِي الظَّاهِرِ، وَجَوَازُ الْوُقُوعِ فِي حَقِّ مَنْ وَقَعَ فِي مَحْذُورٍ ظَاهِرٍ وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ بَاطِنٌ لِلتَّنْفِيرِ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا لَوْمَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا، وَأَنَّ التَّخَلُّفَ عَنِ الْجَمَاعَةِ مِنْ صِفَةِ الْمُنَافِقِ.

٦١ - بَاب تَخْفِيفِ الْإِمَامِ فِي الْقِيَامِ وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ

٧٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ

رَسُولَ اللَّهِ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَخْفِيفِ الْإِمَامِ فِي الْقِيَامِ وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ كَأَنَّهُ قَالَ: بَابُ التَّخْفِيفِ بِحَيْثُ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَلْيَتَجَوَّزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِالتَّجَوُّزِ الْمُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَتَبِعَهُ ابْنُ رَشِيدٍ وَغَيْرُهُ: خُصَّ التَّخْفِيفُ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْقِيَامِ مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ أَعَمُّ حَيْثُ قَالَ: فَلْيَتَجَوَّزْ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَطُولُ فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا هُوَ الْقِيَامُ، وَمَا عَدَاهُ لَا يَشُقُّ إِتْمَامُهُ عَلَى أَحَدٍ، وَكَأَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى قِصَّةِ مُعَاذٍ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالتَّخْفِيفِ فِيهَا مُخْتَصٌّ بِالْقِرَاءَةِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى بَعْضِ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَعَادَتِهِ، وَأَمَّا قِصَّةُ مُعَاذٍ فَمُغَايِرَةٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ؛ لِأَنَّ قِصَّةَ مُعَاذٍ كَانَتْ فِي الْعِشَاءِ، وَكَانَ الْإِمَامُ فِيهَا مُعَاذًا وَكَانَتْ فِي مَسْجِدِ بَنِي سَلِمَةَ، وَهَذِهِ كَانَتْ فِي الصُّبْحِ وَكَانَتْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَوَهِمَ مَنْ فَسَّرَ الْإِمَامَ الْمُبْهَمَ هُنَا بِمُعَاذٍ، بَلِ الْمُرَادُ بِهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ - وَهُوَ بِالْجِيمِ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُصَلِّي بِأَهْلِ قُبَاءَ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةً طَوِيلَةً، فَدَخَلَ مَعَهُ غُلَامٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا سَمِعَهُ اسْتَفْتَحَهَا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَغَضِبَ أُبَيٌّ فَأَتَى النَّبِيَّ يَشْكُو الْغُلَامَ، وَأَتَى الْغُلَامُ يَشْكُو أُبَيًّا، فَغَضِبَ النَّبِيُّ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَوْجِزُوا؛ فَإِنَّ خَلْفَكُمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَالْمَرِيضَ وَذَا الْحَاجَةِ فَأَبَانَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فَلَانٌ أَيْ: فِي الْقِرَاءَةِ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَيْضًا تَسْمِيَةُ الْإِمَامِ وَبِأَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: مَنْ أَمَّنَا فَلْيُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.

وَفِي قَوْلِ ابْنِ الْمُنِيرِ: إِنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لَا يَشُقُّ إِتْمَامُهُمَا نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ تَمَامٍ فَذَاكَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِنْ أَرَادَ غَايَةَ التَّمَامِ فَقَدْ يَشُقُّ، فَسَيَأْتِي حَدِيثُ الْبَرَاءِ قَرِيبًا أَنَّهُ كَانَ قِيَامُهُ وَرُكُوعُهُ وَسُجُودُهُ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسُ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَأَبُو مَسْعُودٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ رَجُلًا) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ حَزْمُ بْنُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ لِأَنَّ قِصَّتَهُ كَانَتْ مَعَ مُعَاذٍ لَا مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ: (إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ) أَيْ: فَلَا أَحْضُرُهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ لِأَجْلِ التَّطْوِيلِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الْأَحْكَامِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ بِزِيَادَةِ الْقَسَمِ، وَفِيهِ جَوَازُ مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ فِي بَابِ الْغَضَبِ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ إِنِّي لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ. وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الَّذِي أَلِفَهُ مِنْ تَطْوِيلِهِ اقْتَضَى لَهُ أَنْ يَتَشَاغَلَ عَنِ الْمَجِيءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وُثُوقًا بِتَطْوِيلِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ يُطَوِّلُ فَإِنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَكَأَنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى تَطْوِيلِهِ فَيَتَشَاغَلُ بِبَعْضِ شُغْلِهِ، ثُمَّ يَتَوَجَّهُ فَيُصَادِفُ أَنَّهُ تَارَةً يُدْرِكُهُ وَتَارَةً لَا يُدْرِكُهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ لَا أَكَادُ أُدْرِكُ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا أَيْ: بِسَبَبِ تَطْوِيلِهِ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَسْمِيَةِ الصُّبْحِ بِذَلِكَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْآتِيَةِ قَرِيبًا: عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْفَجْرِ وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهَا تُطَوَّلُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ غَالِبًا؛ وَلِأَنَّ الِانْصِرَافَ مِنْهَا وَقْتَ التَّوَجُّهِ لِمَنْ لَهُ حِرْفَةٌ إِلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (أَشَدَّ) بِالنَّصْبِ وَهُوَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: غَضَبًا أَشَدَّ، وَسَبَبُهُ إِمَّا لِمُخَالَفَةِ الْمَوْعِظَةِ، أَوْ لِلتَّقْصِيرِ فِي تَعَلُّمِ مَا يَنْبَغِي تَعَلُّمُهُ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ورواة الحديث الأوَّل أربعةٌ، وهو مُختَصَرٌ، والظَّاهر أنَّ قوله في الحديث الثَّاني: «فصلَّى العشاء … » إلى آخره داخلٌ تحت الطَّريق الأولى، وكان الحامل له على ذلك أنَّها لو خلت عن (١) ذلك لما طابقت التَّرجمة ظاهرًا، لكن لقائلٍ أن يقول: مراد البخاريِّ بذلك الإشارة إلى أصل الحديث على عادته، واستفاد بالطَّريق الأولى علوَّ الإسناد، كما أنَّ في الطَّريق الثَّانية فائدةَ التَّصريح بسماع عمرٍو من جابرٍ، وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

(٦١) (بابُ) حكم (تَخْفِيفِ الإِمَامِ فِي القِيَامِ، وَإِتْمَامِ) أي: مع إتمام (الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) وخصَّ التَّخفيف بالقيام لأنَّه مظنَّة التَّطويل، فهو تفسيرٌ لقوله في الحديث الآتي -إن شاء الله تعالى-: «فليتجوَّز» [خ¦٧٠٢] لأنَّه لا يأمر (٢) بالتَّجوُّز المؤدِّي إلى فساد (٣) الصَّلاة.

٧٠٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) نسبه لجدِّه لشهرته به، وأبوه عبد الله (قَالَ: حدَّثنا زُهَيْرٌ) بضمِّ الزَّاي، ابن معاوية الجعفيُّ (قَالَ: حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالدٍ (قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا) هو ابن أبي حازمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو البدريُّ الأنصاريُّ (أَنَّ رَجُلًا) لم يُسَمَّ، وليس هو حزم بن أُبيِّ بن كعبٍ (قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي

لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الغَدَاةِ) أي: لا أحضرها مع الجماعة (مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا) أي: من تطويله (١)، «من أجل»: «من» ابتدائيَّةٌ متعلِّقةٌ بـ «أتأخَّر»، والثَّانية مع «ما» في حيِّزها بدلٌ منها، فـ «ما» مصدريَّةٌ، وخصَّ الغداة بالذِّكر لتطويل القراءة فيها غالبًا (فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ فِي مَوْعِظَةٍ) حال كونه (أَشَدَّ غَضَبًا) بالنصب على التمييز (مِنْهُ يَوْمَئِذٍ) أي: يوم أخبر بذلك للتَّقصير في تعلُّم ما ينبغي تعلُّمه، أو لإرادة الاهتمام بما يلقيه لأصحابه ليكونوا من سماعه على بالٍ لئلَّا يعود مَنْ فعل ذلك إلى مثله (ثُمَّ قَالَ) : (إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) بصيغة الجمع (فَأَيُّكُمْ) أي: أيُّ واحدٍ منكم (مَا صَلَّى بالنَّاس) بزيادة «ما» لتأكيد التَّعميم، وزيادتها مع «أيٍّ» الشَّرطيَّة كثيرةٌ (فَلْيَتَجَوَّزْ) جواب الشَّرط، أي: فليخفِّف بحيث لا يُخِلُّ بشيءٍ من الواجبات (فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ) تعليلٌ للأمر المذكور، ومقتضاه أنَّه متى لم يكن فيهم من (٢) يتَّصف بصفةٍ من المذكورات، أو كانوا محصورين، ورضوا بالتَّطويل لم يضرَّ التَّطويل لانتفاء العلَّة. وقول ابن عبد البرِّ: إنَّ العلَّة الموجبة للتَّخفيف عندي غير مأمونةٍ لأنَّ الإمام وإن علم قوَّة من خلفه فإنَّه لا يدري ما يحدث بهم من حادث شغلٍ، وعارضٍ من حاجةٍ، وآفةٍ من حدث بولٍ أو غيره، تُعقِّب بأنَّ الاحتمال الَّذي لم يقم عليه دليلٌ لا يترتَّب عليه حكمٌ، فإذا انحصر المأمومون ورضوا بالتَّطويل لا يُؤمَر إمامهم بالتَّخفيف لعارضٍ لا دليل عليه، وحديث أبي قتادة: أنَّه

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 3 صفر
هلال متزايد اليوم 4.2 / 29.5
الإضاءة 19%
البدر بعد 11 يوم
سبحان الله وبحمده