«نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ.»

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٣٦

الحديث رقم ٧٠٣٦ من كتاب «كتاب التعبير» في صحيح البخاري، تحت باب: باب النفخ في المنام.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٠٣٦ في صحيح البخاري

«نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ.»

إسناد حديث رقم ٧٠٣٦ من صحيح البخاري

٧٠٣٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ

⦗٤٢⦘

رَسُولِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٠٣٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَصَلَا فِي يَوْمِ بَدْرٍ.

قُلْتُ: وَفِي هَذَا السِّيَاقِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْخَبَرِ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ جُمْلَةِ الرُّؤْيَا، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ لَفْظَهُ لَمْ يَتَحَرَّرْ إِيرَادُهُ وَأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ إِسْحَاقَ هِيَ الْمُحَرَّرَةُ، وَأَنَّهُ رَأَى بَقَرًا وَرَأَى خَيْرًا فَأَوَّلَ الْبَقَرَ عَلَى مَنْ قُتِلَ مِنَ الصَّحَابَةِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَوَّلَ الْخَيْرَ عَلَى مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ ثَوَابِ الصِّدْقِ فِي الْقِتَالِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْجِهَادِ يَوْمَ بَدْرٍ وَمَا بَعْدَهُ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْدِيَّةِ عَلَى هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِمَا بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِبَدْرٍ بَدْرَ الْمَوْعِدِ لَا الْوَقْعَةِ الْمَشْهُورَةِ السَّابِقَةِ عَلَى أُحُدٍ، فَإِنَّ بَدْرَ الْمَوْعِدِ كَانَتْ بَعْدَ أُحُدٍ وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا قِتَالٌ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ لَمَّا رَجَعُوا مِنْ أُحُدٍ قَالُوا: مَوْعِدُكُمُ الْعَامَ الْمُقْبِلَ بَدْرٌ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ وَمَنِ انْتُدِبَ مَعَهُ إِلَى بَدْرٍ فَلَمْ يَحْضُرِ الْمُشْرِكُونَ فَسُمِّيَتْ بَدْرٌ الْمَوْعِدُ، فَأَشَارَ بِالصِّدْقِ إِلَى أَنَّهُمْ صَدَقُوا الْوَعْدَ وَلَمْ يُخْلِفُوهُ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِمَا فَتَحَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ وَمَا بَعْدَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٠ - بَاب النَّفْخِ فِي الْمَنَامِ

٧٠٣٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ

٧٠٣٧ - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُتيتُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ النَّفْخِ فِي الْمَنَامِ) قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: النَّفْخُ يُعْبَرُ بِالْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُعْبَرُ بِإِزَالَةِ الشَّيْءِ الْمَنْفُوخِ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ شَدِيدٍ لِسُهُولَةِ النَّفْخِ عَلَى النَّافِخِ، وَيَدُلُّ عَلَى الْكَلَامِ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ الْكَذَّابِينَ الْمَذْكُورِينَ بِكَلَامِهِ وَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِمَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا.

قَوْلُهُ: (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ.

قَوْلُهُ: (هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ) قَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَأَنَّ نُسْخَةَ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَتْ عِنْدَ إِسْحَاقَ بِهَذَا السَّنَدِ وَأَوَّلُ حَدِيثٍ فِيهَا حَدِيثُ نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ الْحَدِيثَ فِي الْجُمُعَةِ وَبَقِيَّةُ أَحَادِيثِ النُّسْخَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ بِلَفْظِ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَكَانَ إِسْحَاقُ إِذَا أَرَادَ التَّحْدِيثَ بِشَيْءٍ مِنْهَا بَدَأَ بِطَرَفٍ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ مَا يُرِيدُ، وَلَمْ يَطَّرِدْ هَذَا الصَّنِيعُ لِلْبُخَارِيِّ فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ، وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَاطَّرَدَ صَنِيعُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ هُنَاكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هَمَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَبْدَأْ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ بِقَوْلِهِ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْتُهُ، وَيُعَكِّرُ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ أَوَّلُ حَدِيثِ الْبَابِ وَتَكَلُّفٌ.

قَوْلُهُ: (إِذْ أُتِيتُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ) كَذَا وَجَدْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمَعْنَى الْمَجِيءِ وَبِحَذْفِ الْبَاءِ مِنْ خَزَائِنَ وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ أُوتِيَتْ بِزِيَادَةِ وَاوٍ مِنَ الْإِيتَاءِ بِمَعْنَى الْإِعْطَاءِ، وَلَا إِشْكَالَ فِي حَذْفِ الْبَاءِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلِبَعْضِهِمْ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِإِثْبَاتِ الْبَاءِ

وَهِيَ رِوَايَةُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ مَا فُتِحَ عَلَى الْأُمَّةِ مِنَ الْغَنَائِمِ مِنْ ذَخَائِرِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَغَيْرِهِمَا، وَيَحْتَمِلُ مَعَادِنَ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، قَالَ غَيْرُهُ: بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَوَضَعَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ.

قَوْلُهُ: (فِي يَدَيَّ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ فِي كَفِّي.

قَوْلُهُ: (سِوَارَيْنِ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ سِوَارَانِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا وَشَرَحَ ابْنُ التِّينِ هُنَا عَلَى لَفْظِ: وُضِعَ بِالضَّمِّ وَسِوَارَيْنِ بِالنَّصْبِ وَتَكَلَّفَ لِتَخْرِيجِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ وَزَادَ فِي الْمَنَامِ وَالسِّوَارُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ: أُسْوَارٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَوَّلَهُ.

قَوْلُهُ: (فَكَبُرَ عَلِيَّ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ فَكَبُرَا بِالتَّثْنِيَةِ وَالْبَاءُ الْمُوَحَّدَةُ مَضْمُومَةٌ بِمَعْنَى الْعِظَمِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَإِنَّمَا عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِ الذَّهَبِ مِنْ حِلْيَةِ النِّسَاءِ وَمِمَّا حَرُمَ عَلَى الرِّجَالِ.

قَوْلُهُ: (فَأُوحِيَ إِلَيَّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ وَهَذَا الْوَحْيُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَحْيِ الْإِلْهَامِ أَوْ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ؛ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَنَفَخْتُهُمَا) زَادَ إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ فَذَهَبَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا فَطَارَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ وَزَادَ فَوَقَعَ وَاحِدٌ بِالْيَمَامَةِ وَالْآخَرُ بِالْيَمَنِ وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى حَقَارَةِ أَمْرِهِمَا لِأَنَّ شَأْنَ الَّذِي يُنْفَخُ فَيَذْهَبُ بِالنَّفْخِ أَنْ يَكُونَ فِي غَايَةِ الْحَقَارَةِ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ أَمْرَهُمَا كَانَ فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ وَلَمْ يَنْزِلْ بِالْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُ مِثْلُهُ.

قُلْتُ: وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنَّ الْإِشَارَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْحَقَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ لَا الْحِسِّيَّةِ، وَفِي طَيَرَانِهِمَا إِشَارَةٌ إِلَى اضْمِحْلَالِ أَمْرِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَمَّا كَانَ رُؤْيَا السِّوَارَيْنِ فِي الْيَدَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْجِهَتَيْنِ وَكَانَ النَّبِيُّ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمَا فَتَأَوَّلَ السِّوَارَيْنِ عَلَيْهِمَا لَوَضَعَهُمَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حِلْيَةِ الرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ الْكَذَّابُ يَضَعُ الْخَبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَفِي كَوْنِهِمَا مِنْ ذَهَبٍ إِشْعَارٌ بِذَهَابِ أَمْرِهِمَا.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: السِّوَارُ مِنْ حُلِيِّ الْمُلُوكِ الْكُفَّارِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وَالْيَدُ لَهَا مَعَانٍ مِنْهَا الْقُوَّةُ وَالسُّلْطَانُ وَالْقَهْرُ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالسِّوَارِ كِنَايَةً عَنِ الْأَسْوَارِ وَهُوَ مِنْ أَسَامِي مُلُوكِ الْفُرْسِ، قَالَ: وَكَثِيرًا مَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِحَذْفِ بَعْضِ الْحُرُوفِ.

قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا بَيَّنْتُهُ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ مَا مُلَخَّصُهُ: مُنَاسَبَةُ هَذَا التَّأْوِيلِ لِهَذِهِ الرُّؤْيَا أَنَّ أَهْلَ صَنْعَاءَ وَأَهْلَ الْيَمَامَةِ كَانُوا أَسْلَمُوا فَكَانُوا كَالسَّاعِدَيْنِ لِلْإِسْلَامِ فَلَمَّا ظَهَرَ فِيهِمَا الْكَذَّابَانِ وَبَهْرَجَا عَلَى أَهْلِهِمَا بِزُخْرُفِ أَقْوَالِهِمَا وَدَعْوَاهُمَا الْبَاطِلَةِ انْخَدَعَ أَكْثَرُهُمْ بِذَلِكَ فَكَانَ الْيَدَانِ بِمَنْزِلَةِ الْبَلَدَيْنِ وَالسِّوَارَانِ بِمَنْزِلَةِ الْكَذَّابَيْنِ، وَكَوْنُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ إِشَارَةٌ إِلَى مَا زُخْرُفَاهُ وَالزُّخْرُفُ مِنْ أَسْمَاءِ الذَّهَبِ.

قَوْلُهُ: (اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا) ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمَا كَانَا حِينَ قَصَّ الرُّؤْيَا مَوْجُودَيْنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَخْرُجَانِ بَعْدِي وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِخُرُوجِهِمَا بَعْدَهُ ظُهُورُ شَوْكَتِهِمَا وَمُحَارَبَتُهُمَا وَدَعْوَاهُمَا النُّبُوَّةَ؛ نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ ظَهَرَ لِلْأَسْوَدِ بِصَنْعَاءَ فِي حَيَاتِهِ فَادَّعَى النُّبُوَّةَ وَعَظُمَتْ شَوْكَتُهُ وَحَارَبَ الْمُسْلِمِينَ وَفَتَكَ فِيهِمْ وَغَلَبَ عَلَى الْبَلَدِ وَآلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ كَمَا قَدَّمْتُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي، وَأَمَّا مُسَيْلِمَةُ فَكَانَ ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ، لَكِنْ لَمْ تَعْظُمْ شَوْكَتُهُ وَلَمْ تَقَعْ مُحَارَبَتُهُ إِلَّا فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: بَعْدِي أَيْ بَعْدَ نُبُوَّتِي.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقولهُ: «بعدَ يومِ بدرٍ»، بنصب دال «بعدَ» وجرِّ ميم «يوم» بإضافة يومٍ إلى بعد (١)، كذا في الفرع وغيره. وقال الكِرْمانيُّ: وفي بعضِها: «بعدُ» بالضَّم، أي: بعد أحدٍ، و «يومَ» نصب على الظَّرفيَّة، وعزا هذه (٢) في «المصابيح» لرواية الجمهور. وقال المهلَّبُ: وهذه الرُّؤيا فيها نوعان من التَّأويل فيها الرُّؤيا على حسبِ ما رُئيتْ وهو قولهُ: «أهاجرُ إلى أرضٍ بها نخلٌ» (٣)، وكذا هاجر، فجرى (٤) على ما رأى، وفيها ضربُ المثل؛ لأنَّه رأى بقرًا تُنْحر فكانت البقر أصحابه، فعبَّر عن حالة الحرب بالبقر من أجلِ مالها من السِّلاح لشبهِ (٥) القرنين بالرُّمحين؛ لأنَّ طبعَ البقرِ المناطحة والدَّفع عن أنفسِها بقرونها، كما يفعلُه رجالُ الحرب، وشبَّه النَّحر بالقتلِ. انتهى.

وقال ابنُ أبي طالبٍ (٦) العابر: إذا دخلتِ البقرُ المدينة سِمَانًا فهي سنين رخاءٍ، وإن كانت عِجَافًا كانت شِدَادًا.

(٤٠) (باب) رؤية (النَّفْخِ فِي المَنَامِ).

٧٠٣٦ - ٧٠٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ الحميريُّ

مولاهم، أبو بكر (١) الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (٢)) هو: ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد الميم والموحدة المكسورة، أنَّه (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ) (عَنْ رَسُولِ اللهِ ) أنَّه (قَالَ: نَحْنُ الآخِرُونَ) زمانًا في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) أهل الكتاب وغيرهم منزلة وكرامة يوم القيامة، وقد كرَّر البخاريُّ إيراده هذا القدر في بعض الأحاديث الَّتي أخرجها من صحيفة همَّام من رواية مَعمر عنه، وهو أوَّل حديث في النُّسخة وبقيَّة أحاديثها معطوفةٌ عليه، وكان إسحاقُ إذا أراد التَّحديث بشيءٍ منها بدأ بطرفٍ من الحديث الأوَّل وعطفَ عليه ما يريد، كما قال هنا.

(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ : بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُوتِيتُ خَزَائِنَ (٣) الأَرْضِ، فَوُضِعَ) بضم الواو مبنيًّا لما لم يسمَّ فاعله (فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ) بالتَّثنية رفع بالألف مفعول ناب عن فاعله، ولأبي ذرٍّ: «فوَضع» بفتح الواو مبنيًّا للفاعل، أي: وضع الآتي بخزائن (٤) الأرضِ «في يديَّ سوارين» نصب بالياء على المفعولية (مِنْ ذَهَبٍ) صفة لـ «لسِّوارين» (فَكَبُرَا عَلَيَّ) بضم الموحدة، وشدّ التحتية من عليَّ، أي: ثقُلا عليَّ (وَأَهَمَّانِي) أي: أقلقَاني وأحزنَاني؛ لأنَّ الذَّهب حرامٌ على الرِّجال ومن حليةِ النِّساء (فَأُوحِيَ إِلَيَّ) على لسان الملك، أو وَحي إلهامٍ (أَنِ انْفُخْهُمَا) بهمزة وصلٍ (فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا) إشارةً إلى حقارةِ الكذَّابين، وأنَّهما يُمْحقان بأَدْنى ما يُصيبهما (٥) من بأسِ اللهِ حتَّى يصيرا كالشَّيء الَّذي يُنفخ فيه فيطيرُ في الهواء، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «فطارا» (فَأَوَّلْتُهُمَا الكَذَّابَيْنِ (٦) اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ صَنْعَاءَ) عَبْهَلة بن كعب العنسيُّ (٧) (وَصَاحِبَ اليَمَامَةِ) مسيلمة الكذَّاب (٨) واسمُه يمامة، ومسيلمة لقبٌ له، وإنَّما أوَّل السِّوارين بذلك لوضعهمَا في غيرِ مَوضعهما؛ لأنَّ الذَّهب ليس من حليةِ الرِّجال، وكذلك الكذَّاب يضعُ الخبرَ في غير موضعهِ.

وظاهر قولهِ: «اللَّذين أنا بينهمَا» أنَّهما كانا حين قصَّ الرُّؤيا موجودين. قال في «الفتح»: وهو كذلك لكن وقع في رواية ابن عبَّاس: «يخرجان بعدي» [خ¦٣٦٢١] [خ¦٤٣٧٣] والجمعُ بينهما أنَّ المرادَ بخروجهما بعدهُ ظهورُ شوكتهمَا ومحاربتهما ودَعواهما النُّبوَّة، نقله النَّوويُّ عن العلماء، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ ذلك كلَّه ظهرَ من (١) الأسود بصنعاء في حياته ، فادَّعى النُّبوَّة وعظُمتْ شوكته وحاربَ المسلمين وقتلَ منهم، وآلَ أمرهُ إلى أن قُتِل في زمنه ، وأمَّا مسيلمة فادَّعى النُّبوَّة في حياته (٢) إلَّا أنَّه لم تعظمْ شوكته إلَّا في عهد أبي بكر ، فإمَّا أن يحملَ ذلك على التَّغليب، وإمَّا أن يكون المراد بقولهِ : «بعدي» أي: بعد نبوَّتي. وتعقَّبه العينيُّ فقال: في نظره (٣) نظر؛ لأنَّ كلام ابن عبَّاس يصدقُ على خروج مسيلمة بعدَه ، وأمَّا كلامه في حقِّ الأسود فمِن حيث إنَّ أتباعَه ومن لاذَ به (٤) تبعوا مسيلمة وقووا شوكته، فأطلق عليه الخروج من بعد النَّبيِّ بهذا الاعتبار. انتهى، فليتأمل.

ومطابقة الحديث في قولهِ: «فنفختهما»، والنَّفخ عند أهل التَّعبير يعبَّر بالكلام، وقد أهلكَ الله الكذَّابين المذكورين بكلامهِ وأمره بقتلهما.

والحديث سبق قريبًا [خ¦٧٠٣٤].

(٤١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا رَأَى) الشَّخص في منامه (أَنَّهُ أَخْرَجَ الشَّيْءَ مِنْ كُوْرَةٍ) بضم الكاف وسكون الواو بعدها راء مفتوحة فهاء تأنيث، أي: ناحية، ولأبي ذرٍّ كما في «الفتح»: «من كُوَّة» بحذف الراء وتشديد الواو. قال الجوهريُّ: الكَُوَّة -بالفتح-: نقبُ البيتِ، وقد تضم (٥). قال في «الفتح»: وبالراء هو المعتمدُ (فَأَسْكَنَهُ) أي: ذلك الشَّيء الَّذي أخرجَه (مَوْضِعًا آخَرَ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

حَصَلَا فِي يَوْمِ بَدْرٍ.

قُلْتُ: وَفِي هَذَا السِّيَاقِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْخَبَرِ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنْ جُمْلَةِ الرُّؤْيَا، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ لَفْظَهُ لَمْ يَتَحَرَّرْ إِيرَادُهُ وَأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ إِسْحَاقَ هِيَ الْمُحَرَّرَةُ، وَأَنَّهُ رَأَى بَقَرًا وَرَأَى خَيْرًا فَأَوَّلَ الْبَقَرَ عَلَى مَنْ قُتِلَ مِنَ الصَّحَابَةِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَوَّلَ الْخَيْرَ عَلَى مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ ثَوَابِ الصِّدْقِ فِي الْقِتَالِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْجِهَادِ يَوْمَ بَدْرٍ وَمَا بَعْدَهُ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْدِيَّةِ عَلَى هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِمَا بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِبَدْرٍ بَدْرَ الْمَوْعِدِ لَا الْوَقْعَةِ الْمَشْهُورَةِ السَّابِقَةِ عَلَى أُحُدٍ، فَإِنَّ بَدْرَ الْمَوْعِدِ كَانَتْ بَعْدَ أُحُدٍ وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا قِتَالٌ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ لَمَّا رَجَعُوا مِنْ أُحُدٍ قَالُوا: مَوْعِدُكُمُ الْعَامَ الْمُقْبِلَ بَدْرٌ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ وَمَنِ انْتُدِبَ مَعَهُ إِلَى بَدْرٍ فَلَمْ يَحْضُرِ الْمُشْرِكُونَ فَسُمِّيَتْ بَدْرٌ الْمَوْعِدُ، فَأَشَارَ بِالصِّدْقِ إِلَى أَنَّهُمْ صَدَقُوا الْوَعْدَ وَلَمْ يُخْلِفُوهُ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِمَا فَتَحَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ وَمَا بَعْدَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٤٠ - بَاب النَّفْخِ فِي الْمَنَامِ

٧٠٣٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ

٧٠٣٧ - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُتيتُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ النَّفْخِ فِي الْمَنَامِ) قَالَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ: النَّفْخُ يُعْبَرُ بِالْكَلَامِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُعْبَرُ بِإِزَالَةِ الشَّيْءِ الْمَنْفُوخِ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ شَدِيدٍ لِسُهُولَةِ النَّفْخِ عَلَى النَّافِخِ، وَيَدُلُّ عَلَى الْكَلَامِ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ الْكَذَّابِينَ الْمَذْكُورِينَ بِكَلَامِهِ وَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِمَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا.

قَوْلُهُ: (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) هُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ.

قَوْلُهُ: (هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ) قَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَأَنَّ نُسْخَةَ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَتْ عِنْدَ إِسْحَاقَ بِهَذَا السَّنَدِ وَأَوَّلُ حَدِيثٍ فِيهَا حَدِيثُ نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ الْحَدِيثَ فِي الْجُمُعَةِ وَبَقِيَّةُ أَحَادِيثِ النُّسْخَةِ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ بِلَفْظِ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَكَانَ إِسْحَاقُ إِذَا أَرَادَ التَّحْدِيثَ بِشَيْءٍ مِنْهَا بَدَأَ بِطَرَفٍ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ مَا يُرِيدُ، وَلَمْ يَطَّرِدْ هَذَا الصَّنِيعُ لِلْبُخَارِيِّ فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ، وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَاطَّرَدَ صَنِيعُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ هُنَاكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، لَكِنْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ هَمَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَبْدَأْ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ بِقَوْلِهِ: نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْتُهُ، وَيُعَكِّرُ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ أَوَّلُ حَدِيثِ الْبَابِ وَتَكَلُّفٌ.

قَوْلُهُ: (إِذْ أُتِيتُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ) كَذَا وَجَدْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمَعْنَى الْمَجِيءِ وَبِحَذْفِ الْبَاءِ مِنْ خَزَائِنَ وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ أُوتِيَتْ بِزِيَادَةِ وَاوٍ مِنَ الْإِيتَاءِ بِمَعْنَى الْإِعْطَاءِ، وَلَا إِشْكَالَ فِي حَذْفِ الْبَاءِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلِبَعْضِهِمْ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِإِثْبَاتِ الْبَاءِ

وَهِيَ رِوَايَةُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ مَا فُتِحَ عَلَى الْأُمَّةِ مِنَ الْغَنَائِمِ مِنْ ذَخَائِرِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَغَيْرِهِمَا، وَيَحْتَمِلُ مَعَادِنَ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، قَالَ غَيْرُهُ: بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (فَوَضَعَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ.

قَوْلُهُ: (فِي يَدَيَّ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ فِي كَفِّي.

قَوْلُهُ: (سِوَارَيْنِ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ سِوَارَانِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا وَشَرَحَ ابْنُ التِّينِ هُنَا عَلَى لَفْظِ: وُضِعَ بِالضَّمِّ وَسِوَارَيْنِ بِالنَّصْبِ وَتَكَلَّفَ لِتَخْرِيجِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ وَزَادَ فِي الْمَنَامِ وَالسِّوَارُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ: أُسْوَارٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَوَّلَهُ.

قَوْلُهُ: (فَكَبُرَ عَلِيَّ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ فَكَبُرَا بِالتَّثْنِيَةِ وَالْبَاءُ الْمُوَحَّدَةُ مَضْمُومَةٌ بِمَعْنَى الْعِظَمِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَإِنَّمَا عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِ الذَّهَبِ مِنْ حِلْيَةِ النِّسَاءِ وَمِمَّا حَرُمَ عَلَى الرِّجَالِ.

قَوْلُهُ: (فَأُوحِيَ إِلَيَّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ وَهَذَا الْوَحْيُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَحْيِ الْإِلْهَامِ أَوْ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ؛ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.

قَوْلُهُ: (فَنَفَخْتُهُمَا) زَادَ إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ فَذَهَبَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا فَطَارَا، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ وَزَادَ فَوَقَعَ وَاحِدٌ بِالْيَمَامَةِ وَالْآخَرُ بِالْيَمَنِ وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى حَقَارَةِ أَمْرِهِمَا لِأَنَّ شَأْنَ الَّذِي يُنْفَخُ فَيَذْهَبُ بِالنَّفْخِ أَنْ يَكُونَ فِي غَايَةِ الْحَقَارَةِ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ أَمْرَهُمَا كَانَ فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ وَلَمْ يَنْزِلْ بِالْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُ مِثْلُهُ.

قُلْتُ: وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنَّ الْإِشَارَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْحَقَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ لَا الْحِسِّيَّةِ، وَفِي طَيَرَانِهِمَا إِشَارَةٌ إِلَى اضْمِحْلَالِ أَمْرِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَمَّا كَانَ رُؤْيَا السِّوَارَيْنِ فِي الْيَدَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْجِهَتَيْنِ وَكَانَ النَّبِيُّ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمَا فَتَأَوَّلَ السِّوَارَيْنِ عَلَيْهِمَا لَوَضَعَهُمَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حِلْيَةِ الرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ الْكَذَّابُ يَضَعُ الْخَبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَفِي كَوْنِهِمَا مِنْ ذَهَبٍ إِشْعَارٌ بِذَهَابِ أَمْرِهِمَا.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: السِّوَارُ مِنْ حُلِيِّ الْمُلُوكِ الْكُفَّارِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ وَالْيَدُ لَهَا مَعَانٍ مِنْهَا الْقُوَّةُ وَالسُّلْطَانُ وَالْقَهْرُ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالسِّوَارِ كِنَايَةً عَنِ الْأَسْوَارِ وَهُوَ مِنْ أَسَامِي مُلُوكِ الْفُرْسِ، قَالَ: وَكَثِيرًا مَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِحَذْفِ بَعْضِ الْحُرُوفِ.

قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَمَا بَيَّنْتُهُ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ مَا مُلَخَّصُهُ: مُنَاسَبَةُ هَذَا التَّأْوِيلِ لِهَذِهِ الرُّؤْيَا أَنَّ أَهْلَ صَنْعَاءَ وَأَهْلَ الْيَمَامَةِ كَانُوا أَسْلَمُوا فَكَانُوا كَالسَّاعِدَيْنِ لِلْإِسْلَامِ فَلَمَّا ظَهَرَ فِيهِمَا الْكَذَّابَانِ وَبَهْرَجَا عَلَى أَهْلِهِمَا بِزُخْرُفِ أَقْوَالِهِمَا وَدَعْوَاهُمَا الْبَاطِلَةِ انْخَدَعَ أَكْثَرُهُمْ بِذَلِكَ فَكَانَ الْيَدَانِ بِمَنْزِلَةِ الْبَلَدَيْنِ وَالسِّوَارَانِ بِمَنْزِلَةِ الْكَذَّابَيْنِ، وَكَوْنُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ إِشَارَةٌ إِلَى مَا زُخْرُفَاهُ وَالزُّخْرُفُ مِنْ أَسْمَاءِ الذَّهَبِ.

قَوْلُهُ: (اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا) ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمَا كَانَا حِينَ قَصَّ الرُّؤْيَا مَوْجُودَيْنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَخْرُجَانِ بَعْدِي وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِخُرُوجِهِمَا بَعْدَهُ ظُهُورُ شَوْكَتِهِمَا وَمُحَارَبَتُهُمَا وَدَعْوَاهُمَا النُّبُوَّةَ؛ نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ ظَهَرَ لِلْأَسْوَدِ بِصَنْعَاءَ فِي حَيَاتِهِ فَادَّعَى النُّبُوَّةَ وَعَظُمَتْ شَوْكَتُهُ وَحَارَبَ الْمُسْلِمِينَ وَفَتَكَ فِيهِمْ وَغَلَبَ عَلَى الْبَلَدِ وَآلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ كَمَا قَدَّمْتُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي، وَأَمَّا مُسَيْلِمَةُ فَكَانَ ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ، لَكِنْ لَمْ تَعْظُمْ شَوْكَتُهُ وَلَمْ تَقَعْ مُحَارَبَتُهُ إِلَّا فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: بَعْدِي أَيْ بَعْدَ نُبُوَّتِي.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وقولهُ: «بعدَ يومِ بدرٍ»، بنصب دال «بعدَ» وجرِّ ميم «يوم» بإضافة يومٍ إلى بعد (١)، كذا في الفرع وغيره. وقال الكِرْمانيُّ: وفي بعضِها: «بعدُ» بالضَّم، أي: بعد أحدٍ، و «يومَ» نصب على الظَّرفيَّة، وعزا هذه (٢) في «المصابيح» لرواية الجمهور. وقال المهلَّبُ: وهذه الرُّؤيا فيها نوعان من التَّأويل فيها الرُّؤيا على حسبِ ما رُئيتْ وهو قولهُ: «أهاجرُ إلى أرضٍ بها نخلٌ» (٣)، وكذا هاجر، فجرى (٤) على ما رأى، وفيها ضربُ المثل؛ لأنَّه رأى بقرًا تُنْحر فكانت البقر أصحابه، فعبَّر عن حالة الحرب بالبقر من أجلِ مالها من السِّلاح لشبهِ (٥) القرنين بالرُّمحين؛ لأنَّ طبعَ البقرِ المناطحة والدَّفع عن أنفسِها بقرونها، كما يفعلُه رجالُ الحرب، وشبَّه النَّحر بالقتلِ. انتهى.

وقال ابنُ أبي طالبٍ (٦) العابر: إذا دخلتِ البقرُ المدينة سِمَانًا فهي سنين رخاءٍ، وإن كانت عِجَافًا كانت شِدَادًا.

(٤٠) (باب) رؤية (النَّفْخِ فِي المَنَامِ).

٧٠٣٦ - ٧٠٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «حَدَّثنا» (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ) المعروف بابن رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همَّام بن نافعٍ الحميريُّ

مولاهم، أبو بكر (١) الصَّنعانيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (٢)) هو: ابنُ راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد الميم والموحدة المكسورة، أنَّه (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ) (عَنْ رَسُولِ اللهِ ) أنَّه (قَالَ: نَحْنُ الآخِرُونَ) زمانًا في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) أهل الكتاب وغيرهم منزلة وكرامة يوم القيامة، وقد كرَّر البخاريُّ إيراده هذا القدر في بعض الأحاديث الَّتي أخرجها من صحيفة همَّام من رواية مَعمر عنه، وهو أوَّل حديث في النُّسخة وبقيَّة أحاديثها معطوفةٌ عليه، وكان إسحاقُ إذا أراد التَّحديث بشيءٍ منها بدأ بطرفٍ من الحديث الأوَّل وعطفَ عليه ما يريد، كما قال هنا.

(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ : بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُوتِيتُ خَزَائِنَ (٣) الأَرْضِ، فَوُضِعَ) بضم الواو مبنيًّا لما لم يسمَّ فاعله (فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ) بالتَّثنية رفع بالألف مفعول ناب عن فاعله، ولأبي ذرٍّ: «فوَضع» بفتح الواو مبنيًّا للفاعل، أي: وضع الآتي بخزائن (٤) الأرضِ «في يديَّ سوارين» نصب بالياء على المفعولية (مِنْ ذَهَبٍ) صفة لـ «لسِّوارين» (فَكَبُرَا عَلَيَّ) بضم الموحدة، وشدّ التحتية من عليَّ، أي: ثقُلا عليَّ (وَأَهَمَّانِي) أي: أقلقَاني وأحزنَاني؛ لأنَّ الذَّهب حرامٌ على الرِّجال ومن حليةِ النِّساء (فَأُوحِيَ إِلَيَّ) على لسان الملك، أو وَحي إلهامٍ (أَنِ انْفُخْهُمَا) بهمزة وصلٍ (فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا) إشارةً إلى حقارةِ الكذَّابين، وأنَّهما يُمْحقان بأَدْنى ما يُصيبهما (٥) من بأسِ اللهِ حتَّى يصيرا كالشَّيء الَّذي يُنفخ فيه فيطيرُ في الهواء، وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «فطارا» (فَأَوَّلْتُهُمَا الكَذَّابَيْنِ (٦) اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ صَنْعَاءَ) عَبْهَلة بن كعب العنسيُّ (٧) (وَصَاحِبَ اليَمَامَةِ) مسيلمة الكذَّاب (٨) واسمُه يمامة، ومسيلمة لقبٌ له، وإنَّما أوَّل السِّوارين بذلك لوضعهمَا في غيرِ مَوضعهما؛ لأنَّ الذَّهب ليس من حليةِ الرِّجال، وكذلك الكذَّاب يضعُ الخبرَ في غير موضعهِ.

وظاهر قولهِ: «اللَّذين أنا بينهمَا» أنَّهما كانا حين قصَّ الرُّؤيا موجودين. قال في «الفتح»: وهو كذلك لكن وقع في رواية ابن عبَّاس: «يخرجان بعدي» [خ¦٣٦٢١] [خ¦٤٣٧٣] والجمعُ بينهما أنَّ المرادَ بخروجهما بعدهُ ظهورُ شوكتهمَا ومحاربتهما ودَعواهما النُّبوَّة، نقله النَّوويُّ عن العلماء، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ ذلك كلَّه ظهرَ من (١) الأسود بصنعاء في حياته ، فادَّعى النُّبوَّة وعظُمتْ شوكته وحاربَ المسلمين وقتلَ منهم، وآلَ أمرهُ إلى أن قُتِل في زمنه ، وأمَّا مسيلمة فادَّعى النُّبوَّة في حياته (٢) إلَّا أنَّه لم تعظمْ شوكته إلَّا في عهد أبي بكر ، فإمَّا أن يحملَ ذلك على التَّغليب، وإمَّا أن يكون المراد بقولهِ : «بعدي» أي: بعد نبوَّتي. وتعقَّبه العينيُّ فقال: في نظره (٣) نظر؛ لأنَّ كلام ابن عبَّاس يصدقُ على خروج مسيلمة بعدَه ، وأمَّا كلامه في حقِّ الأسود فمِن حيث إنَّ أتباعَه ومن لاذَ به (٤) تبعوا مسيلمة وقووا شوكته، فأطلق عليه الخروج من بعد النَّبيِّ بهذا الاعتبار. انتهى، فليتأمل.

ومطابقة الحديث في قولهِ: «فنفختهما»، والنَّفخ عند أهل التَّعبير يعبَّر بالكلام، وقد أهلكَ الله الكذَّابين المذكورين بكلامهِ وأمره بقتلهما.

والحديث سبق قريبًا [خ¦٧٠٣٤].

(٤١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه (إِذَا رَأَى) الشَّخص في منامه (أَنَّهُ أَخْرَجَ الشَّيْءَ مِنْ كُوْرَةٍ) بضم الكاف وسكون الواو بعدها راء مفتوحة فهاء تأنيث، أي: ناحية، ولأبي ذرٍّ كما في «الفتح»: «من كُوَّة» بحذف الراء وتشديد الواو. قال الجوهريُّ: الكَُوَّة -بالفتح-: نقبُ البيتِ، وقد تضم (٥). قال في «الفتح»: وبالراء هو المعتمدُ (فَأَسْكَنَهُ) أي: ذلك الشَّيء الَّذي أخرجَه (مَوْضِعًا آخَرَ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده