«أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ⦗٥٣⦘فَقَالَ: يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٨٧

الحديث رقم ٧٠٨٧ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التعرب في الفتنة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٠٨٧ في صحيح البخاري

«أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ

⦗٥٣⦘

فَقَالَ: يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، تَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ» وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ إِلَى الرَّبَذَةِ، وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً، وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا، حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ، فَنَزَلَ الْمَدِينَةَ.

إسناد حديث رقم ٧٠٨٧ من صحيح البخاري

٧٠٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٠٨٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَتْلِ عُثْمَانَ بِقَلِيلٍ، فَأَدْرَكَ بَعْضَ الزَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّغَيُّرُ فَأَشَارَ إِلَيْهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْأَمَانَةُ كُلُّ مَا يَخْفَى وَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الْمُكَلَّفِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ الْفَرَائِضُ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا وَنُهُوا عَنْهَا، وَقِيلَ: هِيَ الطَّاعَةُ، وَقِيلَ: التَّكَالِيفُ، وَقِيلَ: الْعَهْدُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْأَمَانَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ وَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ: الْأَمَانَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ هِيَ الْأَمَانَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ، وَهِيَ عَيْنُ الْإِيمَانِ، فَإِذَا اسْتَمْكَنَتْ فِي الْقَلْبِ قَامَ بِأَدَاءِ مَا أُمِرَ بِهِ وَاجْتَنَبَ مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمُرَادُ بِالْأَمَانَةِ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الْإِيمَانُ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ رَفْعِهَا أَنَّ الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ لَا تَزَالُ تُضْعِفُ الْإِيمَانَ، حَتَّى إِذَا تَنَاهَى الضَّعْفُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَثَرُ الْإِيمَانِ، وَهُوَ التَّلَفُّظُ بِاللِّسَانِ وَالِاعْتِقَادُ الضَّعِيفُ فِي ظَاهِرِ الْقَلْبِ، فَشَبَّهَهُ بِالْأَثَرِ فِي ظَاهِرِ الْبَدَنِ، وَكَنَّى عَنْ ضَعْفِ الْإِيمَانِ بِالنَّوْمِ، وَضَرَبَ مَثَلًا لِزَهُوقِ الْإِيمَانِ عَنِ الْقَلْبِ حَالًا بِزَهُوقِ الْحَجَرِ عَنِ الرِّجْلِ حَتَّى يَقَعَ بِالْأَرْضِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ) تَقَدَّمَ فِي الرِّقَاقِ أَنَّ مُرَادَهُ الْمُبَايَعَةُ فِي السِّلَعِ وَنَحْوِهَا، لَا الْمُبَايَعَةُ بِالْخِلَافَةِ وَلَا الْإِمَارَةُ. وَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مَنْ حَمَلَ الْمُبَايَعَةَ هُنَا عَلَى الْخِلَافَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَوَقَعَ فِي عِبَارَتِهِ أَنَّ حُذَيْفَةَ كَانَ لَا يَرْضَى بِأَحَدٍ بَعْدَ عُمَرَ - يَعْنِي فِي الْخِلَافَةِ - وَهِيَ مُبَالَغَةٌ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ وَلَّاهُ عَلَى الْمَدَائِنِ وَقَدْ قُتِلَ عُثْمَانُ وَهُوَ عَلَيْهَا، وَبَايَعَ لِعَلِيٍّ وَحَرَّضَ عَلَى الْمُبَايَعَةِ لَهُ وَالْقِيَامِ فِي نَصْرِهِ، وَمَاتَ فِي أَوَائِلِ خِلَافَتِهِ كَمَا مَضَى فِي بَابِ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لِوُثُوقِهِ بِوُجُودِ الْأَمَانَةِ فِي النَّاسِ أَوَّلًا كَانَ يُقْدِمُ عَلَى مُبَايَعَةِ مَنِ اتَّفَقَ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ حَالِهِ، فَلَمَّا بَدَا التَّغَيُّرُ فِي النَّاسِ وَظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ صَارَ لَا يُبَايِعُ إِلَّا مَنْ يَعْرِفُ حَالَهُ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ إِيرَادٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ: لَمْ تَزَلِ الْخِيَانَةُ مَوْجُودَةً لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ كَانَ أَهْلُ الْكُفْرِ فِيهِ مَوْجُودِينَ وَهُمْ أَهْلُ الْخِيَانَةِ، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ كَانَ يَثِقُ بِالْمُؤْمِنِ لِذَاتِهِ وَبِالْكَافِرِ لِوُجُودِ سَاعِيهِ وَهُوَ الْحَاكِمُ الَّذِي يَحْكُمُ عَلَيْهِ، وَكَانُوا لَا يَسْتَعْمِلُونَ فِي كُلِّ عَمَلٍ قَلَّ أَوْ جَلَّ إِلَّا الْمُسْلِمَ، فَكَانَ وَاثِقًا بِإِنْصَافِهِ وَتَخْلِيصِ حَقِّهِ مِنَ الْكَافِرِ إِنْ خَانَهُ، بِخِلَافِ الْوَقْتِ الْأَخِيرِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ صَارَ لَا يُبَايِعُ إِلَّا أَفْرَادًا مِنَ النَّاسِ يَثِقُ بِهِمْ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ حُذَيْفَةُ هَذَا الْقَوْلُ لَمَّا تَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُهَا عَلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ فَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِالْمُبَايَعَةِ، وَكَنَّى عَنِ الْإِيمَانِ بِالْأَمَانَةِ وَعَمَّا يُخَالِفُ أَحْكَامَهُ بِالْخِيَانَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٤ - بَاب التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ

٧٠٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ! تَعَرَّبْتَ؟! قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ. وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ إِلَى الرَّبَذَةِ وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ نَزَلَ الْمَدِينَةَ.

٧٠٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ "عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ قال رسول الله : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ".

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الثَّقِيلَةِ؛ أَيِ السُّكْنَى مَعَ الْأَعْرَابِ بِفَتْحِ الْأَلِفِ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْمُهَاجِرُ مِنَ الْبَلَدِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا فَيَسْكُنَ الْبَدْوَ فَيَرْجِعَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ أَعْرَابِيًّا، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ مُحَرَّمًا إِلَّا إِنْ أَذِنَ لَهُ الشَّارِعُ فِي ذَلِكَ، وَقَيَّدَهُ بِالْفِتْنَةِ إِشَارَةً إِلَى مَا وَرَدَ مِنَ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ حُلُولِ الْفِتَنِ كَمَا فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَقِيلَ بِمَنْعِهِ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ خِذْلَانِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَلَكِنَّ نَظَرَ السَّلَفِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ: فَمِنْهُمْ مَنْ آثَرَ السَّلَامَةَ وَاعْتَزَلَ الْفِتَنَ كَسَعْدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَابْنِ عُمَرَ فِي طَائِفَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَاشَرَ الْقِتَالَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: التَّعَزُّبُ؛ بِالزَّايِ، وَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ: وَجَدْتُهُ بِخَطِّي فِي الْبُخَارِيِّ بِالزَّايِ وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ وَهْمًا، فَإِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ الْبُعْدُ وَالِاعْتِزَالُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ؛ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الْمَدِينَةِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ فِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ حَاتِمٍ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ الْأَمِيرُ الْمَشْهُورُ، وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا وَلِيَ الْحَجَّاجُ إِمْرَةَ الْحِجَازِ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَسَارَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ.

قَوْلُهُ: (ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ) كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا جَاءَ مِنَ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ عَدِّ الْكَبَائِرِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ: مَنْ رَجَعَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ أَعْرَابِيًّا. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَالْمُرْتَدُّ بَعْدَ هِجْرَتِهِ أَعْرَابِيًّا. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: كَانَ مَنْ رَجَعَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَعُدُّونَهُ كَالْمُرْتَدِّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ جَفَاءِ الْحَجَّاجِ حَيْثُ خَاطَبَ هَذَا الصَّحَابِيَّ الْجَلِيلَ بِهَذَا الْخِطَابِ الْقَبِيحِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْتَكْشِفَ عَنْ عُذْرِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَهُ فَبَيَّنَ الْجِهَةَ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُ مُسْتَحِقًّا لِلْقَتْلِ بِهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ بَدَا بَعْدَ هِجْرَتِهِ، إِلَّا فِي الْفِتْنَةِ؛ فَإِنَّ الْبَدْوَ خَيْرٌ مِنَ الْمُقَامِ فِي الْفِتْنَةِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا)؛ أَيْ: لَمْ أَسْكُنِ الْبَادِيَةَ رُجُوعًا عَنْ هِجْرَتِي (وَلَكِنَّ) بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ.

قَوْلُهُ: (أَذِنَ لِي فِي الْبَدْو) وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ فِي الْبَدَاوَةِ فَأَذِنَ لَهُ. أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ . وَقَدْ وَقَعَ لِسَلَمَةَ فِي ذَلِكَ قِصَّةٌ أُخْرَى مَعَ غَيْرِ الْحَجَّاجِ، فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: قَدِمَ سَلَمَةُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَهُ بُرَيْدَةُ بْنُ الْخَصِيبِ فَقَالَ: ارْتَدَدْتَ عَنْ هِجْرَتِكَ؟! فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، إِنِّي فِي إِذْنٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ابْدُوَا يَا أَسْلَمَ - أَيِ الْقَبِيلَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي مِنْهَا سَلَمَةُ، وَأَبُو بَرْزَةَ، وَبُرَيْدَةُ الْمَذْكُورُ - قَالُوا: إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَقْدَحَ ذَلِكَ فِي هِجْرَتِنَا. قَالَ: أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَرْهَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ لِجَابِرٍ: مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ؟ قَالَ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ. فَقَالَ رَجُلٌ: أَمَّا سَلَمَةُ فَقَدِ ارْتَدَّ عَنْ هِجْرَتِهِ. فَقَالَ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ لِأَسْلَمَ: ابْدُوَا. قَالُوا: إِنَّا نَخَافُ أَنْ نَرْتَدَّ بَعْدَ هِجْرَتِنَا. قَالَ: أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ، وَسَنَدُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجَ سَلَمَةُ إِلَى الرَّبَذَةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ؛ مَوْضِعٌ بِالْبَادِيَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُدَّةُ سُكْنَى سَلَمَةَ الْبَادِيَةَ وَهِيَ نَحْوُ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، لِأَنَّ قَتْلَ عُثْمَانَ كَانَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمَوْتَ سَلَمَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَزَلْ بِهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: هُنَاكَ، (حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ كَانَ بَعْدَ قَوْلِهِ: حَتَّى

وَقَبْلَ قَوْلِهِ: قَبْلَ، وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (نَزَلَ الْمَدِينَةَ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ: فَنَزَلَ؛ بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ سَلَمَةَ لَمْ يَمُتْ بِالْبَادِيَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مَنْدَهْ فِي الْجُزْءِ الَّذِي جَمَعَهُ فِي آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا تَقْتَضِيهِ رِوَايَةُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ هَذِهِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا رَدٌّ عَلَى مَنْ أَرَّخَ وَفَاةَ سَلَمَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَلَمْ يَكُنِ الْحَجَّاجُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرًا وَلَا ذَا أَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ. وَكَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ مَاتَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ أَشَدُّ غَلَطًا مِنَ الْأَوَّلِ إِنْ أَرَادَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَإِنْ أَرَادَ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَهُوَ عَيْنُ الْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ مَشَى الْكِرْمَانِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، كَذَا جَزَمَ بِهِ وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ، وَقَدِ اعْتَرَضَ الذَّهَبِيُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَاشَ ثَمَانِينَ سَنَةً وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْحُدَيْبِيَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ قَاتَلَ يَوْمَئِذٍ وَبَايَعَ.

قُلْتُ: وَهُوَ اعْتِرَاضٌ مُتَّجِهٌ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى سَنَةِ وَفَاتِهِ لَا إِلَى مَبْلَغِ عُمْرِهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ رُجْحَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، فَإِنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَأَخَّرَ عَنْهَا لِقَوْلِهِ: لَمْ يَبْقَ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَسٌ، وَسَلَمَةُ، وَذَلِكَ لَائِقٌ بِسَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، فَقَدْ عَاشَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: مَاتَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ: يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ شَرْحِهِ فِي بَابِ الْعُزْلَةِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَأَشَارَ إِلَى حَمْلِ صَنِيعِ سَلَمَةَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَوَقَعَتِ الْفِتَنُ اعْتَزَلَ عَنْهَا وَسَكَنَ الرَّبَذَةَ وَتَأَهَّلَ بِهَا وَلَمْ يُلَابِسْ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْحُرُوبِ، وَالْحَقُّ حَمْلُ عَمَلِ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورِينَ عَلَى السَّدَادِ فَمَنْ لَابَسَ الْقِتَالَ اتَّضَحَ لَهُ الدَّلِيلُ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ وَكَانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ قَعَدَ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ أَيُّ الْفِئَتَيْنِ هِيَ الْبَاغِيَةُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْقِتَالِ. وَقَدْ وَقَعَ لِخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا يُقَاتِلُ، فَلَمَّا قُتِلَ عَمَّارٌ قَاتَلَ حِينَئِذٍ وَحَدَّثَ بِحَدِيثِ: يَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ: يُوشِكُ هُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ: يُسْرِعُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَيَجُوزُ يُوشَكُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ.

وَقَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ يَجُوزُ فِي خَيْرَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ، فَإِنْ كَانَ غَنَمٌ بِالرَّفْعِ فَالنَّصْبُ، وَإِلَّا فَالرَّفْعُ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَالْأَشْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ غَنَمٌ بِالرَّفْعِ، وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهُمْ رَفْعَ خَيْرَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُقَدَّرَ فِي يَكُونَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَغَنَمٌ وَخَيْرٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ. وَقَوْلُهُ: شَعَفُ الْجِبَالِ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ؛ جَمْعُ شَعَفَةٍ، كَأَكَمِ وَأَكَمَةٍ رُءُوسُ الْجِبَالِ وَالْمَرْعَى فِيهَا وَالْمَاءُ، وَلَا سِيَّمَا وَفِي بِلَادِ الْحِجَازِ أَيْسَرُ مِنْ غَيْرِهَا، وَوَقَعَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ الْفَاءِ؛ جَمْعُ شُعْبَةٍ وَهِيَ مَا انْفَرَجَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الشِّينَ مُعْجَمَةٌ. وَوَقَعَ لِغَيْرِ مَالِكٍ كَالْأَوَّلِ، لَكِنَّ السِّينَ مُهْمَلَةٌ، وَسَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ نَحْوُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَفْظُهُ: وَرَجُلٌ فِي رَأْسِ شُعْبَةٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ.

قَوْلُهُ: (يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَذُو الْحَالِ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي يَتْبِعُ أَوِ الْمُسْلِمُ إِذَا جَوَّزْنَا الْحَالَ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُهُ وَهُوَ شِدَّةُ الْمُلَابَسَةِ وَكَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ، وَاتِّحَادُ الْخَيْرِ بِالْمَالِ وَاضِحٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافِيَّةً وَهُوَ وَاضِحٌ، انْتَهَى. وَالْخَبَرُ دَالٌّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعُزْلَةِ لِمَنْ خَافَ عَلَى دِينِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٠٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة وبعد الألف فوقيَّةٌ مكسورةٌ، ابن إسماعيل الكوفيُّ (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة (بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) الأسلميِّ (١): (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الحَجَّاجِ) بن يوسف الثَّقفيِّ لمَّا وُلِيَ إمرة الحجاز بعد قتل ابن الزُّبير سنة أربعٍ وسبعين (فَقَالَ) له: (يَا بْنَ الأَكْوَعِ؛ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ تَعَرَّبْتَ؟) بالعين المهملة والرَّاء، أي: تكلَّفت في صيرورتك أعرابيًّا، وقوله: «على عَقِبيك» بلفظ التَّثنية مجازٌ عن الارتداد؛ يريد: أنَّك رجعت في الهجرة التي فعلتها لوجه الله تعالى بخروجك من (٢) المدينة فتستحقُّ القتل، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه بغير عذرٍ يجعلونه كالمرتدّ، وأخرج النَّسائيُّ من (٣) حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «لعن الله آكل الرِّبا ومُوكِله … » الحديث، وفيه: «المرتدُّ بعد هجرته أعرابيًّا» قال بعضهم: وكان ذلك من جفاء الحجَّاج؛ حيث خاطب (٤) هذا الصَّحابيَّ الجليل بهذا الخطاب القبيح من قبل أن يستكشف عن عذره، وقيل: أراد قتله؛ فبيَّن الجهة التي يريد أن يجعله مستحقًّا للقتل (٥) بها (قَالَ) ابن الأكوع مُجيبًا للحجَّاج: (لَا) لم (٦) أسكن البادية رجوعًا عن هجرتي (وَلَكِنَّ) بتشديد النُّون (رَسُولَ اللهِ أَذِنَ لِي) في الإقامة (فِي البَدْوِ) وعند الإسماعيليِّ من طريق حمَّاد بن مسعدة، عن يزيد بن أبي عبيدٍ عن سلمة: أنَّه استأذن رسول الله في البداوة، فأذن له (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة بالسَّند السَّابق أنَّه (قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) (خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) من المدينة (إِلَى الرَّبَذَةِ) بفتح الرَّاء والموحَّدة والمعجمة: موضعٌ بالبادية (٧) بين مكَّة والمدينة (وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً، وَوَلَدَتْ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَتْلِ عُثْمَانَ بِقَلِيلٍ، فَأَدْرَكَ بَعْضَ الزَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّغَيُّرُ فَأَشَارَ إِلَيْهِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْأَمَانَةُ كُلُّ مَا يَخْفَى وَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الْمُكَلَّفِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ الْفَرَائِضُ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا وَنُهُوا عَنْهَا، وَقِيلَ: هِيَ الطَّاعَةُ، وَقِيلَ: التَّكَالِيفُ، وَقِيلَ: الْعَهْدُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ. وَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْأَمَانَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ وَقَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ: الْأَمَانَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ هِيَ الْأَمَانَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ، وَهِيَ عَيْنُ الْإِيمَانِ، فَإِذَا اسْتَمْكَنَتْ فِي الْقَلْبِ قَامَ بِأَدَاءِ مَا أُمِرَ بِهِ وَاجْتَنَبَ مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمُرَادُ بِالْأَمَانَةِ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الْإِيمَانُ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ رَفْعِهَا أَنَّ الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ لَا تَزَالُ تُضْعِفُ الْإِيمَانَ، حَتَّى إِذَا تَنَاهَى الضَّعْفُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَثَرُ الْإِيمَانِ، وَهُوَ التَّلَفُّظُ بِاللِّسَانِ وَالِاعْتِقَادُ الضَّعِيفُ فِي ظَاهِرِ الْقَلْبِ، فَشَبَّهَهُ بِالْأَثَرِ فِي ظَاهِرِ الْبَدَنِ، وَكَنَّى عَنْ ضَعْفِ الْإِيمَانِ بِالنَّوْمِ، وَضَرَبَ مَثَلًا لِزَهُوقِ الْإِيمَانِ عَنِ الْقَلْبِ حَالًا بِزَهُوقِ الْحَجَرِ عَنِ الرِّجْلِ حَتَّى يَقَعَ بِالْأَرْضِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ) تَقَدَّمَ فِي الرِّقَاقِ أَنَّ مُرَادَهُ الْمُبَايَعَةُ فِي السِّلَعِ وَنَحْوِهَا، لَا الْمُبَايَعَةُ بِالْخِلَافَةِ وَلَا الْإِمَارَةُ. وَقَدِ اشْتَدَّ إِنْكَارُ أَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مَنْ حَمَلَ الْمُبَايَعَةَ هُنَا عَلَى الْخِلَافَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَوَقَعَ فِي عِبَارَتِهِ أَنَّ حُذَيْفَةَ كَانَ لَا يَرْضَى بِأَحَدٍ بَعْدَ عُمَرَ - يَعْنِي فِي الْخِلَافَةِ - وَهِيَ مُبَالَغَةٌ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ وَلَّاهُ عَلَى الْمَدَائِنِ وَقَدْ قُتِلَ عُثْمَانُ وَهُوَ عَلَيْهَا، وَبَايَعَ لِعَلِيٍّ وَحَرَّضَ عَلَى الْمُبَايَعَةِ لَهُ وَالْقِيَامِ فِي نَصْرِهِ، وَمَاتَ فِي أَوَائِلِ خِلَافَتِهِ كَمَا مَضَى فِي بَابِ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لِوُثُوقِهِ بِوُجُودِ الْأَمَانَةِ فِي النَّاسِ أَوَّلًا كَانَ يُقْدِمُ عَلَى مُبَايَعَةِ مَنِ اتَّفَقَ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ حَالِهِ، فَلَمَّا بَدَا التَّغَيُّرُ فِي النَّاسِ وَظَهَرَتِ الْخِيَانَةُ صَارَ لَا يُبَايِعُ إِلَّا مَنْ يَعْرِفُ حَالَهُ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ إِيرَادٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ: لَمْ تَزَلِ الْخِيَانَةُ مَوْجُودَةً لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ كَانَ أَهْلُ الْكُفْرِ فِيهِ مَوْجُودِينَ وَهُمْ أَهْلُ الْخِيَانَةِ، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ كَانَ يَثِقُ بِالْمُؤْمِنِ لِذَاتِهِ وَبِالْكَافِرِ لِوُجُودِ سَاعِيهِ وَهُوَ الْحَاكِمُ الَّذِي يَحْكُمُ عَلَيْهِ، وَكَانُوا لَا يَسْتَعْمِلُونَ فِي كُلِّ عَمَلٍ قَلَّ أَوْ جَلَّ إِلَّا الْمُسْلِمَ، فَكَانَ وَاثِقًا بِإِنْصَافِهِ وَتَخْلِيصِ حَقِّهِ مِنَ الْكَافِرِ إِنْ خَانَهُ، بِخِلَافِ الْوَقْتِ الْأَخِيرِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ صَارَ لَا يُبَايِعُ إِلَّا أَفْرَادًا مِنَ النَّاسِ يَثِقُ بِهِمْ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ حُذَيْفَةُ هَذَا الْقَوْلُ لَمَّا تَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُهَا عَلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ فَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِالْمُبَايَعَةِ، وَكَنَّى عَنِ الْإِيمَانِ بِالْأَمَانَةِ وَعَمَّا يُخَالِفُ أَحْكَامَهُ بِالْخِيَانَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٤ - بَاب التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ

٧٠٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ! تَعَرَّبْتَ؟! قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ. وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ إِلَى الرَّبَذَةِ وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ نَزَلَ الْمَدِينَةَ.

٧٠٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ "عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ قال رسول الله : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ".

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الثَّقِيلَةِ؛ أَيِ السُّكْنَى مَعَ الْأَعْرَابِ بِفَتْحِ الْأَلِفِ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْمُهَاجِرُ مِنَ الْبَلَدِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا فَيَسْكُنَ الْبَدْوَ فَيَرْجِعَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ أَعْرَابِيًّا، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ مُحَرَّمًا إِلَّا إِنْ أَذِنَ لَهُ الشَّارِعُ فِي ذَلِكَ، وَقَيَّدَهُ بِالْفِتْنَةِ إِشَارَةً إِلَى مَا وَرَدَ مِنَ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ حُلُولِ الْفِتَنِ كَمَا فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَقِيلَ بِمَنْعِهِ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ خِذْلَانِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَلَكِنَّ نَظَرَ السَّلَفِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ: فَمِنْهُمْ مَنْ آثَرَ السَّلَامَةَ وَاعْتَزَلَ الْفِتَنَ كَسَعْدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَابْنِ عُمَرَ فِي طَائِفَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَاشَرَ الْقِتَالَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: التَّعَزُّبُ؛ بِالزَّايِ، وَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ: وَجَدْتُهُ بِخَطِّي فِي الْبُخَارِيِّ بِالزَّايِ وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ وَهْمًا، فَإِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ الْبُعْدُ وَالِاعْتِزَالُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ؛ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الْمَدِينَةِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ فِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ حَاتِمٍ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ الْأَمِيرُ الْمَشْهُورُ، وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا وَلِيَ الْحَجَّاجُ إِمْرَةَ الْحِجَازِ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَسَارَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ.

قَوْلُهُ: (ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ) كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا جَاءَ مِنَ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ عَدِّ الْكَبَائِرِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ: مَنْ رَجَعَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ أَعْرَابِيًّا. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَالْمُرْتَدُّ بَعْدَ هِجْرَتِهِ أَعْرَابِيًّا. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: كَانَ مَنْ رَجَعَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَعُدُّونَهُ كَالْمُرْتَدِّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ جَفَاءِ الْحَجَّاجِ حَيْثُ خَاطَبَ هَذَا الصَّحَابِيَّ الْجَلِيلَ بِهَذَا الْخِطَابِ الْقَبِيحِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْتَكْشِفَ عَنْ عُذْرِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَهُ فَبَيَّنَ الْجِهَةَ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُ مُسْتَحِقًّا لِلْقَتْلِ بِهَا. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ بَدَا بَعْدَ هِجْرَتِهِ، إِلَّا فِي الْفِتْنَةِ؛ فَإِنَّ الْبَدْوَ خَيْرٌ مِنَ الْمُقَامِ فِي الْفِتْنَةِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا)؛ أَيْ: لَمْ أَسْكُنِ الْبَادِيَةَ رُجُوعًا عَنْ هِجْرَتِي (وَلَكِنَّ) بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ.

قَوْلُهُ: (أَذِنَ لِي فِي الْبَدْو) وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ فِي الْبَدَاوَةِ فَأَذِنَ لَهُ. أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ . وَقَدْ وَقَعَ لِسَلَمَةَ فِي ذَلِكَ قِصَّةٌ أُخْرَى مَعَ غَيْرِ الْحَجَّاجِ، فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: قَدِمَ سَلَمَةُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَهُ بُرَيْدَةُ بْنُ الْخَصِيبِ فَقَالَ: ارْتَدَدْتَ عَنْ هِجْرَتِكَ؟! فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، إِنِّي فِي إِذْنٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ابْدُوَا يَا أَسْلَمَ - أَيِ الْقَبِيلَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي مِنْهَا سَلَمَةُ، وَأَبُو بَرْزَةَ، وَبُرَيْدَةُ الْمَذْكُورُ - قَالُوا: إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَقْدَحَ ذَلِكَ فِي هِجْرَتِنَا. قَالَ: أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَرْهَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ لِجَابِرٍ: مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ؟ قَالَ: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ. فَقَالَ رَجُلٌ: أَمَّا سَلَمَةُ فَقَدِ ارْتَدَّ عَنْ هِجْرَتِهِ. فَقَالَ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ لِأَسْلَمَ: ابْدُوَا. قَالُوا: إِنَّا نَخَافُ أَنْ نَرْتَدَّ بَعْدَ هِجْرَتِنَا. قَالَ: أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ، وَسَنَدُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: (لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجَ سَلَمَةُ إِلَى الرَّبَذَةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ؛ مَوْضِعٌ بِالْبَادِيَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُدَّةُ سُكْنَى سَلَمَةَ الْبَادِيَةَ وَهِيَ نَحْوُ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، لِأَنَّ قَتْلَ عُثْمَانَ كَانَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمَوْتَ سَلَمَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَزَلْ بِهَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: هُنَاكَ، (حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ كَانَ بَعْدَ قَوْلِهِ: حَتَّى

وَقَبْلَ قَوْلِهِ: قَبْلَ، وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ: (نَزَلَ الْمَدِينَةَ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ: فَنَزَلَ؛ بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ سَلَمَةَ لَمْ يَمُتْ بِالْبَادِيَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مَنْدَهْ فِي الْجُزْءِ الَّذِي جَمَعَهُ فِي آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا تَقْتَضِيهِ رِوَايَةُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ هَذِهِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا رَدٌّ عَلَى مَنْ أَرَّخَ وَفَاةَ سَلَمَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَلَمْ يَكُنِ الْحَجَّاجُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرًا وَلَا ذَا أَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ. وَكَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ مَاتَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ أَشَدُّ غَلَطًا مِنَ الْأَوَّلِ إِنْ أَرَادَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَإِنْ أَرَادَ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَهُوَ عَيْنُ الْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ مَشَى الْكِرْمَانِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، كَذَا جَزَمَ بِهِ وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ، وَقَدِ اعْتَرَضَ الذَّهَبِيُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَاشَ ثَمَانِينَ سَنَةً وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْحُدَيْبِيَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ قَاتَلَ يَوْمَئِذٍ وَبَايَعَ.

قُلْتُ: وَهُوَ اعْتِرَاضٌ مُتَّجِهٌ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى سَنَةِ وَفَاتِهِ لَا إِلَى مَبْلَغِ عُمْرِهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ رُجْحَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، فَإِنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَأَخَّرَ عَنْهَا لِقَوْلِهِ: لَمْ يَبْقَ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَسٌ، وَسَلَمَةُ، وَذَلِكَ لَائِقٌ بِسَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، فَقَدْ عَاشَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: مَاتَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ: يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ شَرْحِهِ فِي بَابِ الْعُزْلَةِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَأَشَارَ إِلَى حَمْلِ صَنِيعِ سَلَمَةَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَوَقَعَتِ الْفِتَنُ اعْتَزَلَ عَنْهَا وَسَكَنَ الرَّبَذَةَ وَتَأَهَّلَ بِهَا وَلَمْ يُلَابِسْ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْحُرُوبِ، وَالْحَقُّ حَمْلُ عَمَلِ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورِينَ عَلَى السَّدَادِ فَمَنْ لَابَسَ الْقِتَالَ اتَّضَحَ لَهُ الدَّلِيلُ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ وَكَانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَمَنْ قَعَدَ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ أَيُّ الْفِئَتَيْنِ هِيَ الْبَاغِيَةُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْقِتَالِ. وَقَدْ وَقَعَ لِخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا يُقَاتِلُ، فَلَمَّا قُتِلَ عَمَّارٌ قَاتَلَ حِينَئِذٍ وَحَدَّثَ بِحَدِيثِ: يَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ: يُوشِكُ هُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيْ: يُسْرِعُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَيَجُوزُ يُوشَكُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ.

وَقَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ يَجُوزُ فِي خَيْرَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ، فَإِنْ كَانَ غَنَمٌ بِالرَّفْعِ فَالنَّصْبُ، وَإِلَّا فَالرَّفْعُ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَالْأَشْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ غَنَمٌ بِالرَّفْعِ، وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهُمْ رَفْعَ خَيْرَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُقَدَّرَ فِي يَكُونَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَغَنَمٌ وَخَيْرٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ. وَقَوْلُهُ: شَعَفُ الْجِبَالِ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ؛ جَمْعُ شَعَفَةٍ، كَأَكَمِ وَأَكَمَةٍ رُءُوسُ الْجِبَالِ وَالْمَرْعَى فِيهَا وَالْمَاءُ، وَلَا سِيَّمَا وَفِي بِلَادِ الْحِجَازِ أَيْسَرُ مِنْ غَيْرِهَا، وَوَقَعَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ الْفَاءِ؛ جَمْعُ شُعْبَةٍ وَهِيَ مَا انْفَرَجَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الشِّينَ مُعْجَمَةٌ. وَوَقَعَ لِغَيْرِ مَالِكٍ كَالْأَوَّلِ، لَكِنَّ السِّينَ مُهْمَلَةٌ، وَسَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ نَحْوُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَفْظُهُ: وَرَجُلٌ فِي رَأْسِ شُعْبَةٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ.

قَوْلُهُ: (يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَذُو الْحَالِ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي يَتْبِعُ أَوِ الْمُسْلِمُ إِذَا جَوَّزْنَا الْحَالَ مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُهُ وَهُوَ شِدَّةُ الْمُلَابَسَةِ وَكَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ، وَاتِّحَادُ الْخَيْرِ بِالْمَالِ وَاضِحٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافِيَّةً وَهُوَ وَاضِحٌ، انْتَهَى. وَالْخَبَرُ دَالٌّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعُزْلَةِ لِمَنْ خَافَ عَلَى دِينِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٠٨٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) أبو رجاء البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَاتِمٌ) بالحاء المهملة وبعد الألف فوقيَّةٌ مكسورةٌ، ابن إسماعيل الكوفيُّ (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة (بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) الأسلميِّ (١): (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الحَجَّاجِ) بن يوسف الثَّقفيِّ لمَّا وُلِيَ إمرة الحجاز بعد قتل ابن الزُّبير سنة أربعٍ وسبعين (فَقَالَ) له: (يَا بْنَ الأَكْوَعِ؛ ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ تَعَرَّبْتَ؟) بالعين المهملة والرَّاء، أي: تكلَّفت في صيرورتك أعرابيًّا، وقوله: «على عَقِبيك» بلفظ التَّثنية مجازٌ عن الارتداد؛ يريد: أنَّك رجعت في الهجرة التي فعلتها لوجه الله تعالى بخروجك من (٢) المدينة فتستحقُّ القتل، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه بغير عذرٍ يجعلونه كالمرتدّ، وأخرج النَّسائيُّ من (٣) حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «لعن الله آكل الرِّبا ومُوكِله … » الحديث، وفيه: «المرتدُّ بعد هجرته أعرابيًّا» قال بعضهم: وكان ذلك من جفاء الحجَّاج؛ حيث خاطب (٤) هذا الصَّحابيَّ الجليل بهذا الخطاب القبيح من قبل أن يستكشف عن عذره، وقيل: أراد قتله؛ فبيَّن الجهة التي يريد أن يجعله مستحقًّا للقتل (٥) بها (قَالَ) ابن الأكوع مُجيبًا للحجَّاج: (لَا) لم (٦) أسكن البادية رجوعًا عن هجرتي (وَلَكِنَّ) بتشديد النُّون (رَسُولَ اللهِ أَذِنَ لِي) في الإقامة (فِي البَدْوِ) وعند الإسماعيليِّ من طريق حمَّاد بن مسعدة، عن يزيد بن أبي عبيدٍ عن سلمة: أنَّه استأذن رسول الله في البداوة، فأذن له (وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مولى سلمة بالسَّند السَّابق أنَّه (قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) (خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) من المدينة (إِلَى الرَّبَذَةِ) بفتح الرَّاء والموحَّدة والمعجمة: موضعٌ بالبادية (٧) بين مكَّة والمدينة (وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً، وَوَلَدَتْ

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.8 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل