«سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٨٩

الحديث رقم ٧٠٨٩ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التعوذ من الفتن.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٠٨٩ في صحيح البخاري

«سَأَلُوا النَّبِيَّ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُ لَكُمْ. فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ رَأْسُهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ، كَانَ إِذَا لَاحَى يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ». قَالَ قَتَادَةُ يُذْكَرُ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.

إسناد حديث رقم ٧٠٨٩ من صحيح البخاري

٧٠٨٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٠٨٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَصْلِ الْعُزْلَةِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الِاخْتِلَاطُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنَ اكْتِسَابِ الْفَوَائِدِ الدِّينِيَّةِ لِلْقِيَامِ بِشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَتَكْثِيرِ سَوَادِ الْمُسْلِمِينَ وَإِيصَالِ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ إِلَيْهِمْ مِنْ إِعَانَةٍ وَإِغَاثَةٍ وَعِيَادَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْعُزْلَةُ أَوْلَى لِتَحَقُّقِ السَّلَامَةِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَيَّنُ، وَقَدْ مَضَى طَرَفٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ الْعُزْلَةِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ تَفْضِيلُ الْمُخَالَطَةِ لِمَنْ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَقَعُ فِي مَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَالْعُزْلَةُ أَوْلَى.

وَقَالَ غَيْرُهُ: يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَرَجَّحُ، ولَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ؛ بَلْ إِذَا تَسَاوَيَا فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَإِنْ تَعَارَضَا اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، فَمَنْ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الْمُخَالَطَةُ مَنْ كَانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِمَّا عَيْنًا وَإِمَّا كِفَايَةً بِحَسَبِ الْحَالِ وَالْإِمْكَانِ، وَمِمَّنْ يَتَرَجَّحُ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَسْلَمُ فِي نَفْسِهِ إِذَا قَامَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمِمَّنْ يَسْتَوِي مَنْ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَا يُطَاعُ، وَهَذَا حَيْثُ لَا يَكُونُ هُنَاكَ فِتْنَةٌ عَامَّةٌ فَإِنْ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ تَرَجَّحَتِ الْعُزْلَةُ لِمَا يَنْشَأُ فِيهَا غَالِبًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْذُورِ، وَقَدْ تَقَعُ الْعُقُوبَةُ بِأَصْحَابِ الْفِتْنَةِ فَتَعُمُّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وَيُؤَيِّدُ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا: خَيْرُ النَّاسِ رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبِ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْعُزْلَةِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ آنِفًا، فَإِنَّ أَوَّلَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ: خَيْرُ مُعَاشِرِ النَّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَرَجُلٌ فِي غَنِيمَةٍ الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّهُ وَرَدَ فِي أَيِّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ، فَإِنْ أُخِذَ عَلَى عُمُومِهِ دَلَّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعُزْلَةِ لِمَنْ لَا يَتَأَتَّى لَهُ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُيِّدَ بِزَمَانِ وُقُوعِ

الْفِتَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٥ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ الْفِتَنِ

٧٠٨٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلُوا النَّبِيَّ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُ لَكُمْ. فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ. قال قَتَادَةُ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

٧٠٩٠ - وَقَالَ عَبَّاسٌ النَّرْسِيُّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ . . . بِهَذَا، وَقَالَ: كُلُّ رَجُلٍ لَافًّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، وَقَالَ: عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ، أَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَوْأَى الْفِتَنِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

للمرعى والماء (وَمَوَاقِعَ) نزول (القَطْرِ) بالقاف المفتوحة المطر في الأودية والصَّحارى، أي: العشب والكلأ، حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أي: بسبب دينه (مِنَ الفِتَنِ) وفيه فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، فإن لم يكن؛ فالجمهور على أنَّ الاختلاط أولى؛ لاكتساب الفضائل الدِّينيَّة والجمعة والجماعات وغيرها؛ كإعانةٍ وإغاثةٍ وعيادةٍ (١)، وقال قومٌ: العزلة أفضل؛ لتحقُّق السَّلامة بشرط معرفة ما يتعيَّن، واختار النَّوويُّ الخلطة لمن لا يغلب على ظنِّه الوقوع في المعصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة، وقيل: يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «البيعة».

(١٥) (باب: التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ).

٧٠٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والمعجمة، أبو زيدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ: سَأَلُوا النَّبِيَّ حَتَّى

أَحْفَوْهُ بِالمَسْأَلَةِ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء وسكون الواو، أي: ألحُّوا عليه في السُّؤال وبالغوا (فَصَعِدَ) بكسر العين (النَّبِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ المِنْبَرَ) ولأبي ذرٍّ: «على المنبر» (فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي) أي: اليوم كما في الرِّواية الأخرى في «كتاب الدُّعاء» [خ¦٦٣٦٢] (عَنْ شَيْءٍ) من الغيب (إِلَّا بَيَّنْتُـ) هـ (لَكُمْ) قال أنسٌ: (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ) إلى الصَّحابة (يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ) حاضرٍ منهم (رَأْسُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لافٌّ رأسَه» بألف بعد اللَّام وتشديد الفاء، ونصب «رأسه» (فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ) بدأ بالكلام (١) (كَانَ إِذَا لَاحَى) بفتح الحاء المهملة: جادل وخاصم أحدًا (يُدْعَى) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الدَّال وفتح العين المهملتين: يُنسَبُ (إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ) : (أَبُوكَ حُذَافَةُ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الذَّال المعجمة وبعد الألف فاءٌ فهاء تأنيثٍ، أي: ابنَ قيسٍ، واسم الرَّجل قيل: قيس بن حذافة، وقيل: خارجة، وقيل: عبد الله، قال في «الفتح»: وهو المعروف، قلت: وصرَّح به البخاريُّ في: «باب ما يُكْرَه من كثرة السُّؤال» من «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٢٩٤] (ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب لمَّا رأى ما بوجه (٢) النَّبيِّ من الغضب (فَقَالَ) شفقةً على المسلمين: (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ) (رَسُولًا) أي: رضينا بما عندنا من كتاب الله وسنَّة رسول الله (٣) ، واكتفينا به عن السُّؤال (نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُوءِ الفِتَنِ) بضمِّ السِّين المهملة بعدها واوٌ ساكنةٌ فهمزةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «من شرِّ الفتن» (فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا رَأَيْتُ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ كَاليَوْمِ) يومًا مثل هذا اليوم (قَطُّ، إِنَّهُ) بكسر الهمزة (صُوِّرَتْ لِي الجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا) رؤيا عينٍ (دُونَ الحَائِطِ) أي: بيني وبين الحائط؛ وهو حائط محرابه ، وسقط قوله «لي» في رواية غير الكُشْمِيهَنيِّ (قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة بالسَّند السَّابق: (يُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح الكاف (هَذَا الحَدِيثُ) رفعٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فكان قتادة يَذْكُرُ هذا الحديثَ» بفتح الياء من «يَذْكُر» وضمِّ الكاف و «الحديثَ» نُصِبَ على المفعوليَّة (عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]) الآية، أي: لا تسألوا رسول الله عن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَصْلِ الْعُزْلَةِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الِاخْتِلَاطُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنَ اكْتِسَابِ الْفَوَائِدِ الدِّينِيَّةِ لِلْقِيَامِ بِشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَتَكْثِيرِ سَوَادِ الْمُسْلِمِينَ وَإِيصَالِ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ إِلَيْهِمْ مِنْ إِعَانَةٍ وَإِغَاثَةٍ وَعِيَادَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْعُزْلَةُ أَوْلَى لِتَحَقُّقِ السَّلَامَةِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَيَّنُ، وَقَدْ مَضَى طَرَفٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ الْعُزْلَةِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ تَفْضِيلُ الْمُخَالَطَةِ لِمَنْ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَقَعُ فِي مَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَالْعُزْلَةُ أَوْلَى.

وَقَالَ غَيْرُهُ: يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَرَجَّحُ، ولَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ؛ بَلْ إِذَا تَسَاوَيَا فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَإِنْ تَعَارَضَا اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، فَمَنْ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الْمُخَالَطَةُ مَنْ كَانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِمَّا عَيْنًا وَإِمَّا كِفَايَةً بِحَسَبِ الْحَالِ وَالْإِمْكَانِ، وَمِمَّنْ يَتَرَجَّحُ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَسْلَمُ فِي نَفْسِهِ إِذَا قَامَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمِمَّنْ يَسْتَوِي مَنْ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَا يُطَاعُ، وَهَذَا حَيْثُ لَا يَكُونُ هُنَاكَ فِتْنَةٌ عَامَّةٌ فَإِنْ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ تَرَجَّحَتِ الْعُزْلَةُ لِمَا يَنْشَأُ فِيهَا غَالِبًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْذُورِ، وَقَدْ تَقَعُ الْعُقُوبَةُ بِأَصْحَابِ الْفِتْنَةِ فَتَعُمُّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وَيُؤَيِّدُ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا: خَيْرُ النَّاسِ رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبِ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْعُزْلَةِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ آنِفًا، فَإِنَّ أَوَّلَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ: خَيْرُ مُعَاشِرِ النَّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَرَجُلٌ فِي غَنِيمَةٍ الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّهُ وَرَدَ فِي أَيِّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ، فَإِنْ أُخِذَ عَلَى عُمُومِهِ دَلَّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعُزْلَةِ لِمَنْ لَا يَتَأَتَّى لَهُ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُيِّدَ بِزَمَانِ وُقُوعِ

الْفِتَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٥ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ الْفِتَنِ

٧٠٨٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلُوا النَّبِيَّ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُ لَكُمْ. فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ. قال قَتَادَةُ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

٧٠٩٠ - وَقَالَ عَبَّاسٌ النَّرْسِيُّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ . . . بِهَذَا، وَقَالَ: كُلُّ رَجُلٍ لَافًّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، وَقَالَ: عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ، أَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَوْأَى الْفِتَنِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

للمرعى والماء (وَمَوَاقِعَ) نزول (القَطْرِ) بالقاف المفتوحة المطر في الأودية والصَّحارى، أي: العشب والكلأ، حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أي: بسبب دينه (مِنَ الفِتَنِ) وفيه فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، فإن لم يكن؛ فالجمهور على أنَّ الاختلاط أولى؛ لاكتساب الفضائل الدِّينيَّة والجمعة والجماعات وغيرها؛ كإعانةٍ وإغاثةٍ وعيادةٍ (١)، وقال قومٌ: العزلة أفضل؛ لتحقُّق السَّلامة بشرط معرفة ما يتعيَّن، واختار النَّوويُّ الخلطة لمن لا يغلب على ظنِّه الوقوع في المعصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة، وقيل: يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «البيعة».

(١٥) (باب: التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ).

٧٠٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والمعجمة، أبو زيدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ: سَأَلُوا النَّبِيَّ حَتَّى

أَحْفَوْهُ بِالمَسْأَلَةِ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء وسكون الواو، أي: ألحُّوا عليه في السُّؤال وبالغوا (فَصَعِدَ) بكسر العين (النَّبِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ المِنْبَرَ) ولأبي ذرٍّ: «على المنبر» (فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي) أي: اليوم كما في الرِّواية الأخرى في «كتاب الدُّعاء» [خ¦٦٣٦٢] (عَنْ شَيْءٍ) من الغيب (إِلَّا بَيَّنْتُـ) هـ (لَكُمْ) قال أنسٌ: (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ) إلى الصَّحابة (يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ) حاضرٍ منهم (رَأْسُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لافٌّ رأسَه» بألف بعد اللَّام وتشديد الفاء، ونصب «رأسه» (فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ) بدأ بالكلام (١) (كَانَ إِذَا لَاحَى) بفتح الحاء المهملة: جادل وخاصم أحدًا (يُدْعَى) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الدَّال وفتح العين المهملتين: يُنسَبُ (إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ) : (أَبُوكَ حُذَافَةُ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الذَّال المعجمة وبعد الألف فاءٌ فهاء تأنيثٍ، أي: ابنَ قيسٍ، واسم الرَّجل قيل: قيس بن حذافة، وقيل: خارجة، وقيل: عبد الله، قال في «الفتح»: وهو المعروف، قلت: وصرَّح به البخاريُّ في: «باب ما يُكْرَه من كثرة السُّؤال» من «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٢٩٤] (ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب لمَّا رأى ما بوجه (٢) النَّبيِّ من الغضب (فَقَالَ) شفقةً على المسلمين: (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ) (رَسُولًا) أي: رضينا بما عندنا من كتاب الله وسنَّة رسول الله (٣) ، واكتفينا به عن السُّؤال (نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُوءِ الفِتَنِ) بضمِّ السِّين المهملة بعدها واوٌ ساكنةٌ فهمزةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «من شرِّ الفتن» (فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا رَأَيْتُ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ كَاليَوْمِ) يومًا مثل هذا اليوم (قَطُّ، إِنَّهُ) بكسر الهمزة (صُوِّرَتْ لِي الجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا) رؤيا عينٍ (دُونَ الحَائِطِ) أي: بيني وبين الحائط؛ وهو حائط محرابه ، وسقط قوله «لي» في رواية غير الكُشْمِيهَنيِّ (قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة بالسَّند السَّابق: (يُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح الكاف (هَذَا الحَدِيثُ) رفعٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فكان قتادة يَذْكُرُ هذا الحديثَ» بفتح الياء من «يَذْكُر» وضمِّ الكاف و «الحديثَ» نُصِبَ على المفعوليَّة (عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]) الآية، أي: لا تسألوا رسول الله عن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله