«سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٨٩

الحديث رقم ٧٠٨٩ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التعوذ من الفتن.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فصعد…

«سَأَلُوا النَّبِيَّ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُ لَكُمْ. فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ رَأْسُهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ، كَانَ إِذَا لَاحَى يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ». قَالَ قَتَادَةُ يُذْكَرُ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.

سند حديث: ٧٠٨٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ…

٧٠٨٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فصعد…

بَلَغَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه شيء، وهو أنهم أكثروا عليه المسألة، فغضب وخطب فقال:

عرضت علي الجنة والنار؛ فلم أر خيرًا أكثر مما رأيته اليوم في الجنة، ولا شرًّا أكثر مما رأيته اليوم في النار، ولو رأيتم ما رأيت، وعلمتم ما علمت مما رأيته اليوم وقبل اليوم لأشفقتم إشفاقًا بليغًا، ولقلَّ ضحككُم، وكثر بكاؤكم.

قال أنس رضي الله عنه:

فما أتى على أصحابه صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه، وغطّوا رءوسهم ولهم صوت فيه غنة يخرج من الأنف من شدة البكاء.

فقام عمر رضي الله عنه فقال:

رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا.

قال: فقام ذاك الرجل، فقال: من أبي؟

قال: «أَبُوكَ فُلَانٌ»، فَنَزَلَتْ:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}
[المائدة: 101].

الفوائد المستفادة من الحديث

  • استحباب البكاء خوفًا من عقاب الله، وعدم إكثار الضحك؛ لأنه يدل على الغفلة وقسوة القلب.
  • تأثر الصحابة رضي الله عنهم بالموعظة، وشدة خوفهم من عقاب الله عز وجل.
  • استحباب تغطية الوجه عند البكاء.
  • قال الخطابي: هذا الحديث فيمن سأل تكلُّفًا أو تعنُّتًا فيما لا حاجة به إليه، فأما من سأل لضرورة بأن وقعت له مسألة فسأل عنها فلا إثم عليه ولا عتب.
  • الحث على الاستقامة على طاعة الله، والبعد عن معاصي الله، والوقوف عند حدود الله.
  • فيه جواز الغضب عند الموعظة والتعليم.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «سألوا النبي ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فصعد…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَصْلِ الْعُزْلَةِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الِاخْتِلَاطُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنَ اكْتِسَابِ الْفَوَائِدِ الدِّينِيَّةِ لِلْقِيَامِ بِشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَتَكْثِيرِ سَوَادِ الْمُسْلِمِينَ وَإِيصَالِ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ إِلَيْهِمْ مِنْ إِعَانَةٍ وَإِغَاثَةٍ وَعِيَادَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْعُزْلَةُ أَوْلَى لِتَحَقُّقِ السَّلَامَةِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَيَّنُ، وَقَدْ مَضَى طَرَفٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ الْعُزْلَةِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ تَفْضِيلُ الْمُخَالَطَةِ لِمَنْ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَقَعُ فِي مَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَالْعُزْلَةُ أَوْلَى.

وَقَالَ غَيْرُهُ: يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَرَجَّحُ، ولَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ؛ بَلْ إِذَا تَسَاوَيَا فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَإِنْ تَعَارَضَا اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، فَمَنْ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الْمُخَالَطَةُ مَنْ كَانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِمَّا عَيْنًا وَإِمَّا كِفَايَةً بِحَسَبِ الْحَالِ وَالْإِمْكَانِ، وَمِمَّنْ يَتَرَجَّحُ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَسْلَمُ فِي نَفْسِهِ إِذَا قَامَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمِمَّنْ يَسْتَوِي مَنْ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَا يُطَاعُ، وَهَذَا حَيْثُ لَا يَكُونُ هُنَاكَ فِتْنَةٌ عَامَّةٌ فَإِنْ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ تَرَجَّحَتِ الْعُزْلَةُ لِمَا يَنْشَأُ فِيهَا غَالِبًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْذُورِ، وَقَدْ تَقَعُ الْعُقُوبَةُ بِأَصْحَابِ الْفِتْنَةِ فَتَعُمُّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وَيُؤَيِّدُ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا: خَيْرُ النَّاسِ رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبِ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْعُزْلَةِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ آنِفًا، فَإِنَّ أَوَّلَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ: خَيْرُ مُعَاشِرِ النَّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَرَجُلٌ فِي غَنِيمَةٍ الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّهُ وَرَدَ فِي أَيِّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ، فَإِنْ أُخِذَ عَلَى عُمُومِهِ دَلَّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعُزْلَةِ لِمَنْ لَا يَتَأَتَّى لَهُ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُيِّدَ بِزَمَانِ وُقُوعِ

الْفِتَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٥ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ الْفِتَنِ

٧٠٨٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلُوا النَّبِيَّ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُ لَكُمْ. فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ. قال قَتَادَةُ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

٧٠٩٠ - وَقَالَ عَبَّاسٌ النَّرْسِيُّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ . . . بِهَذَا، وَقَالَ: كُلُّ رَجُلٍ لَافًّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، وَقَالَ: عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ، أَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَوْأَى الْفِتَنِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

للمرعى والماء (وَمَوَاقِعَ) نزول (القَطْرِ) بالقاف المفتوحة المطر في الأودية والصَّحارى، أي: العشب والكلأ، حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أي: بسبب دينه (مِنَ الفِتَنِ) وفيه فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، فإن لم يكن؛ فالجمهور على أنَّ الاختلاط أولى؛ لاكتساب الفضائل الدِّينيَّة والجمعة والجماعات وغيرها؛ كإعانةٍ وإغاثةٍ وعيادةٍ (١)، وقال قومٌ: العزلة أفضل؛ لتحقُّق السَّلامة بشرط معرفة ما يتعيَّن، واختار النَّوويُّ الخلطة لمن لا يغلب على ظنِّه الوقوع في المعصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة، وقيل: يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «البيعة».

(١٥) (باب: التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ).

٧٠٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والمعجمة، أبو زيدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ: سَأَلُوا النَّبِيَّ حَتَّى

أَحْفَوْهُ بِالمَسْأَلَةِ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء وسكون الواو، أي: ألحُّوا عليه في السُّؤال وبالغوا (فَصَعِدَ) بكسر العين (النَّبِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ المِنْبَرَ) ولأبي ذرٍّ: «على المنبر» (فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي) أي: اليوم كما في الرِّواية الأخرى في «كتاب الدُّعاء» [خ¦٦٣٦٢] (عَنْ شَيْءٍ) من الغيب (إِلَّا بَيَّنْتُـ) هـ (لَكُمْ) قال أنسٌ: (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ) إلى الصَّحابة (يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ) حاضرٍ منهم (رَأْسُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لافٌّ رأسَه» بألف بعد اللَّام وتشديد الفاء، ونصب «رأسه» (فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ) بدأ بالكلام (١) (كَانَ إِذَا لَاحَى) بفتح الحاء المهملة: جادل وخاصم أحدًا (يُدْعَى) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الدَّال وفتح العين المهملتين: يُنسَبُ (إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ) : (أَبُوكَ حُذَافَةُ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الذَّال المعجمة وبعد الألف فاءٌ فهاء تأنيثٍ، أي: ابنَ قيسٍ، واسم الرَّجل قيل: قيس بن حذافة، وقيل: خارجة، وقيل: عبد الله، قال في «الفتح»: وهو المعروف، قلت: وصرَّح به البخاريُّ في: «باب ما يُكْرَه من كثرة السُّؤال» من «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٢٩٤] (ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب لمَّا رأى ما بوجه (٢) النَّبيِّ من الغضب (فَقَالَ) شفقةً على المسلمين: (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ) (رَسُولًا) أي: رضينا بما عندنا من كتاب الله وسنَّة رسول الله (٣) ، واكتفينا به عن السُّؤال (نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُوءِ الفِتَنِ) بضمِّ السِّين المهملة بعدها واوٌ ساكنةٌ فهمزةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «من شرِّ الفتن» (فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا رَأَيْتُ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ كَاليَوْمِ) يومًا مثل هذا اليوم (قَطُّ، إِنَّهُ) بكسر الهمزة (صُوِّرَتْ لِي الجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا) رؤيا عينٍ (دُونَ الحَائِطِ) أي: بيني وبين الحائط؛ وهو حائط محرابه ، وسقط قوله «لي» في رواية غير الكُشْمِيهَنيِّ (قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة بالسَّند السَّابق: (يُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح الكاف (هَذَا الحَدِيثُ) رفعٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فكان قتادة يَذْكُرُ هذا الحديثَ» بفتح الياء من «يَذْكُر» وضمِّ الكاف و «الحديثَ» نُصِبَ على المفعوليَّة (عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]) الآية، أي: لا تسألوا رسول الله عن

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عبد الله بن سَلمَة عَن مَالك إِلَى آخر، وَتقدم أَيْضا فِي: بَاب الْعُزْلَة من كتاب الرقَاق.

قَوْله: سعف الْجبَال بِالسِّين وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالفاء: رَأس الْجَبَل وَأَعلاهُ. قَوْله: ومواقع الْقطر أَي: الْمَطَر والمواقع جملَة حَالية من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي: يتبع.

١٥ - (بابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّعَوُّذ من الْفِتَن، قَالَ ابْن بطال: فِي مَشْرُوعِيَّة ذَلِك الرَّد على من قَالَ: اسألوا الله الْفِتْنَة فَإِن فِيهَا حصاد الْمُنَافِقين، وَزعم أَنه ورد فِي حَدِيث لَا يثبت رَفعه بل الصَّحِيح خِلَافه، وَقد أخرج أَبُو نعيم من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِلَفْظ: لَا تكْرهُوا الْفِتْنَة فِي آخر الزَّمَان فَإِنَّهَا تَعْبِير الْمُنَافِقين، وَفِي سَنَده ضَعِيف ومجهول.

٧٠٨٩ - حدّثنا مُعاذُ بنُ فَضالَةَ، حَدثنَا هِشامٌ، عنْ قَتَادَةَ، عنْ أنَسٍ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: سألُوا النبيَّ حتَّى أحْفَوْهُ بالمَسألَةِ، فَصَعِدَ النبيُّ ذَاتَ يَوْمٍ المِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تسألُوني عنْ شَيءٍ إلاّ بَيَّنْتُ لَكُمْ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ يَمِيناً وشِمالاً فإذَا كلُّ رجُلٍ لاثَ رَأسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فأنْشأ رجُلٌ كانَ إذَا لاحَى يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله منْ أبي؟ فَقَالَ: أبُوكَ حُذَافة، ثُمَّ أنْشأ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّه ربّاً وبالإسْلَامِ دِيناً وبِمُحَمَّدٍ رَسُولا، نَعُوذُ بِاللَّه مِنْ سوءِ الفِتَنِ فَقَالَ النبيُّ مَا رأيْتُ فِي الخَيْرِ والشَّرِّ كاليَوْمِ قَطُّ، إنَّهُ صُوِّرَتْ لي الجنَّةُ والنّارُ حتَّى رأيْتُهُما دُونَ الحائِطِ.

قَالَ قتادَةٌ يُذْكَرُ هاذَا الحَدِيثُ عِنْدَ هاذِهِ الْآيَة: {ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: نَعُوذ بِاللَّه من شَرّ الْفِتَن ومعاذ بِضَم الْمِيم ابْن فضَالة بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي. والْحَدِيث مضى فِي الدَّعْوَات عَن حَفْص بن عمر.

قَوْله: حَتَّى أحفوه بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: ألحوا عَلَيْهِ فِي السُّؤَال وبالغوا. قَوْله: ذَات يَوْم المنبروفي رِوَايَة الْكشميهني: على الْمِنْبَر. قَوْله: لاث رَأسه هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني؛ وَفِي رِوَايَة غَيره: فَإِذا كل رجل رَأسه فِي ثَوْبه، ولاث بالثاء الْمُثَلَّثَة من اللوث وَهُوَ الطي وَالْجمع، وَمِنْه: لثت الْعِمَامَة ألوثها لوثاً. قَوْله: فَأَنْشَأَ رجل أَي: بَدَأَ بالْكلَام. قَوْله: كَانَ إِذا لاحى بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: إِذا جادل وَخَاصم يدعى إِلَى غير أَبِيه يَعْنِي: يَقُولُونَ لَهُ يَا ابْن فلَان، وَهُوَ خلاف أَبِيه. قَوْله: فَقَالَ: أَبوك حذافة فِي رِوَايَة مُعْتَمر: سَمِعت أبي عَن قَتَادَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَاسم الرجل خَارِجَة، وَقيل: قيس بن حذافة، وَقيل: الْمَعْرُوف أَن الْقَائِل عبد الله بن حذافة أَخُو خَارِجَة. قَوْله: من سوء الْفِتَن بِضَم السِّين وبالهمزة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من شَرّ الْفِتَن، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء. قَوْله: صورت على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: صورت لي قَوْله: دون الْحَائِط أَي: عِنْده.

قَوْله: قَالَ قَتَادَة: يذكر بِضَم الْيَاء وَسُكُون الذَّال وَفتح الْكَاف، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: يذكر على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَهَذَا أوجه.

٧٠٩٠ - وَقَالَ عبَّاسٌ النَّرْسِيُّ: حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، حدّثنا سَعيدٌ، حدّثنا قَتادَةُ أنَّ أنسا حدَّثَهُمْ أنَّ نبِيَّ الله بِهَذَا، وَقَالَ: كلُّ رجُلٍ لافّاً رأسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، وَقَالَ: عائِذاً بِاللَّه مِنْ سُوءِ الفِتَنِ، أوْ قَالَ: أعُوذُ بِاللَّه مِنْ سوءِ الفِتَنِ.

عَبَّاس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة ابْن الْوَلِيد بن نصر الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ النَّرْسِي بِفَتْح النُّون وَسُكُون الرَّاء وبالسين الْمُهْملَة، وَقَالَ الكلاباذي: نرس لقب جدهم كَانَ اسْمه نصرا فَقَالَ لَهُ بعض النبط: نرس، بدل نصر فَبَقيَ لقباً عَلَيْهِ فنسب وَلَده إِلَيْهِ، وَقيل: نهر من أَنهَار الْفُرَات بالعراق يُقَال لَهُ نهر النرس تُضَاف إِلَيْهِ الثِّيَاب النرسية، وَهُوَ يروي عَن يزِيد بن زُرَيْع مصغر زرع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره.

بِهَذَا أَي: بِهَذَا الحَدِيث الْمَاضِي، وَصله أَبُو نعيم فِي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَصْلِ الْعُزْلَةِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الِاخْتِلَاطُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنَ اكْتِسَابِ الْفَوَائِدِ الدِّينِيَّةِ لِلْقِيَامِ بِشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَتَكْثِيرِ سَوَادِ الْمُسْلِمِينَ وَإِيصَالِ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ إِلَيْهِمْ مِنْ إِعَانَةٍ وَإِغَاثَةٍ وَعِيَادَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْعُزْلَةُ أَوْلَى لِتَحَقُّقِ السَّلَامَةِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَيَّنُ، وَقَدْ مَضَى طَرَفٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ الْعُزْلَةِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ تَفْضِيلُ الْمُخَالَطَةِ لِمَنْ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَقَعُ فِي مَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَالْعُزْلَةُ أَوْلَى.

وَقَالَ غَيْرُهُ: يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَرَجَّحُ، ولَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ؛ بَلْ إِذَا تَسَاوَيَا فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَإِنْ تَعَارَضَا اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، فَمَنْ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الْمُخَالَطَةُ مَنْ كَانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِمَّا عَيْنًا وَإِمَّا كِفَايَةً بِحَسَبِ الْحَالِ وَالْإِمْكَانِ، وَمِمَّنْ يَتَرَجَّحُ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَسْلَمُ فِي نَفْسِهِ إِذَا قَامَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمِمَّنْ يَسْتَوِي مَنْ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَا يُطَاعُ، وَهَذَا حَيْثُ لَا يَكُونُ هُنَاكَ فِتْنَةٌ عَامَّةٌ فَإِنْ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ تَرَجَّحَتِ الْعُزْلَةُ لِمَا يَنْشَأُ فِيهَا غَالِبًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْذُورِ، وَقَدْ تَقَعُ الْعُقُوبَةُ بِأَصْحَابِ الْفِتْنَةِ فَتَعُمُّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وَيُؤَيِّدُ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا: خَيْرُ النَّاسِ رَجُلٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَرَجُلٌ فِي شِعْبِ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْعُزْلَةِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ آنِفًا، فَإِنَّ أَوَّلَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ: خَيْرُ مُعَاشِرِ النَّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَرَجُلٌ فِي غَنِيمَةٍ الْحَدِيثَ، وَكَأَنَّهُ وَرَدَ فِي أَيِّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ، فَإِنْ أُخِذَ عَلَى عُمُومِهِ دَلَّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعُزْلَةِ لِمَنْ لَا يَتَأَتَّى لَهُ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قُيِّدَ بِزَمَانِ وُقُوعِ

الْفِتَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٥ - بَاب التَّعَوُّذِ مِنْ الْفِتَنِ

٧٠٨٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلُوا النَّبِيَّ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُ لَكُمْ. فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ. ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ. قال قَتَادَةُ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

٧٠٩٠ - وَقَالَ عَبَّاسٌ النَّرْسِيُّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ . . . بِهَذَا، وَقَالَ: كُلُّ رَجُلٍ لَافًّا رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، وَقَالَ: عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ، أَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَوْأَى الْفِتَنِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

للمرعى والماء (وَمَوَاقِعَ) نزول (القَطْرِ) بالقاف المفتوحة المطر في الأودية والصَّحارى، أي: العشب والكلأ، حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أي: بسبب دينه (مِنَ الفِتَنِ) وفيه فضيلة العزلة لمن خاف على دينه، فإن لم يكن؛ فالجمهور على أنَّ الاختلاط أولى؛ لاكتساب الفضائل الدِّينيَّة والجمعة والجماعات وغيرها؛ كإعانةٍ وإغاثةٍ وعيادةٍ (١)، وقال قومٌ: العزلة أفضل؛ لتحقُّق السَّلامة بشرط معرفة ما يتعيَّن، واختار النَّوويُّ الخلطة لمن لا يغلب على ظنِّه الوقوع في المعصية، فإن أشكل الأمر فالعزلة، وقيل: يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.

والحديث أخرجه مسلمٌ في «المغازي»، والنَّسائيُّ في «البيعة».

(١٥) (باب: التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ).

٧٠٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والمعجمة، أبو زيدٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستَُوائيُّ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ: سَأَلُوا النَّبِيَّ حَتَّى

أَحْفَوْهُ بِالمَسْأَلَةِ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء وسكون الواو، أي: ألحُّوا عليه في السُّؤال وبالغوا (فَصَعِدَ) بكسر العين (النَّبِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ المِنْبَرَ) ولأبي ذرٍّ: «على المنبر» (فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي) أي: اليوم كما في الرِّواية الأخرى في «كتاب الدُّعاء» [خ¦٦٣٦٢] (عَنْ شَيْءٍ) من الغيب (إِلَّا بَيَّنْتُـ) هـ (لَكُمْ) قال أنسٌ: (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ) إلى الصَّحابة (يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ) حاضرٍ منهم (رَأْسُهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لافٌّ رأسَه» بألف بعد اللَّام وتشديد الفاء، ونصب «رأسه» (فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ) بدأ بالكلام (١) (كَانَ إِذَا لَاحَى) بفتح الحاء المهملة: جادل وخاصم أحدًا (يُدْعَى) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الدَّال وفتح العين المهملتين: يُنسَبُ (إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ) : (أَبُوكَ حُذَافَةُ) بضمِّ الحاء المهملة وفتح الذَّال المعجمة وبعد الألف فاءٌ فهاء تأنيثٍ، أي: ابنَ قيسٍ، واسم الرَّجل قيل: قيس بن حذافة، وقيل: خارجة، وقيل: عبد الله، قال في «الفتح»: وهو المعروف، قلت: وصرَّح به البخاريُّ في: «باب ما يُكْرَه من كثرة السُّؤال» من «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٢٩٤] (ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ) بن الخطَّاب لمَّا رأى ما بوجه (٢) النَّبيِّ من الغضب (فَقَالَ) شفقةً على المسلمين: (رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ) (رَسُولًا) أي: رضينا بما عندنا من كتاب الله وسنَّة رسول الله (٣) ، واكتفينا به عن السُّؤال (نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سُوءِ الفِتَنِ) بضمِّ السِّين المهملة بعدها واوٌ ساكنةٌ فهمزةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «من شرِّ الفتن» (فَقَالَ النَّبِيُّ : مَا رَأَيْتُ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ كَاليَوْمِ) يومًا مثل هذا اليوم (قَطُّ، إِنَّهُ) بكسر الهمزة (صُوِّرَتْ لِي الجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا) رؤيا عينٍ (دُونَ الحَائِطِ) أي: بيني وبين الحائط؛ وهو حائط محرابه ، وسقط قوله «لي» في رواية غير الكُشْمِيهَنيِّ (قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة بالسَّند السَّابق: (يُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح الكاف (هَذَا الحَدِيثُ) رفعٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فكان قتادة يَذْكُرُ هذا الحديثَ» بفتح الياء من «يَذْكُر» وضمِّ الكاف و «الحديثَ» نُصِبَ على المفعوليَّة (عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]) الآية، أي: لا تسألوا رسول الله عن

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

عبد الله بن سَلمَة عَن مَالك إِلَى آخر، وَتقدم أَيْضا فِي: بَاب الْعُزْلَة من كتاب الرقَاق.

قَوْله: سعف الْجبَال بِالسِّين وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالفاء: رَأس الْجَبَل وَأَعلاهُ. قَوْله: ومواقع الْقطر أَي: الْمَطَر والمواقع جملَة حَالية من الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي: يتبع.

١٥ - (بابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التَّعَوُّذ من الْفِتَن، قَالَ ابْن بطال: فِي مَشْرُوعِيَّة ذَلِك الرَّد على من قَالَ: اسألوا الله الْفِتْنَة فَإِن فِيهَا حصاد الْمُنَافِقين، وَزعم أَنه ورد فِي حَدِيث لَا يثبت رَفعه بل الصَّحِيح خِلَافه، وَقد أخرج أَبُو نعيم من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِلَفْظ: لَا تكْرهُوا الْفِتْنَة فِي آخر الزَّمَان فَإِنَّهَا تَعْبِير الْمُنَافِقين، وَفِي سَنَده ضَعِيف ومجهول.

٧٠٨٩ - حدّثنا مُعاذُ بنُ فَضالَةَ، حَدثنَا هِشامٌ، عنْ قَتَادَةَ، عنْ أنَسٍ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: سألُوا النبيَّ حتَّى أحْفَوْهُ بالمَسألَةِ، فَصَعِدَ النبيُّ ذَاتَ يَوْمٍ المِنْبَرَ فَقَالَ: لَا تسألُوني عنْ شَيءٍ إلاّ بَيَّنْتُ لَكُمْ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ يَمِيناً وشِمالاً فإذَا كلُّ رجُلٍ لاثَ رَأسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فأنْشأ رجُلٌ كانَ إذَا لاحَى يُدْعَى إِلَى غَيْرِ أبِيهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله منْ أبي؟ فَقَالَ: أبُوكَ حُذَافة، ثُمَّ أنْشأ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّه ربّاً وبالإسْلَامِ دِيناً وبِمُحَمَّدٍ رَسُولا، نَعُوذُ بِاللَّه مِنْ سوءِ الفِتَنِ فَقَالَ النبيُّ مَا رأيْتُ فِي الخَيْرِ والشَّرِّ كاليَوْمِ قَطُّ، إنَّهُ صُوِّرَتْ لي الجنَّةُ والنّارُ حتَّى رأيْتُهُما دُونَ الحائِطِ.

قَالَ قتادَةٌ يُذْكَرُ هاذَا الحَدِيثُ عِنْدَ هاذِهِ الْآيَة: {ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: نَعُوذ بِاللَّه من شَرّ الْفِتَن ومعاذ بِضَم الْمِيم ابْن فضَالة بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي. والْحَدِيث مضى فِي الدَّعْوَات عَن حَفْص بن عمر.

قَوْله: حَتَّى أحفوه بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: ألحوا عَلَيْهِ فِي السُّؤَال وبالغوا. قَوْله: ذَات يَوْم المنبروفي رِوَايَة الْكشميهني: على الْمِنْبَر. قَوْله: لاث رَأسه هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني؛ وَفِي رِوَايَة غَيره: فَإِذا كل رجل رَأسه فِي ثَوْبه، ولاث بالثاء الْمُثَلَّثَة من اللوث وَهُوَ الطي وَالْجمع، وَمِنْه: لثت الْعِمَامَة ألوثها لوثاً. قَوْله: فَأَنْشَأَ رجل أَي: بَدَأَ بالْكلَام. قَوْله: كَانَ إِذا لاحى بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: إِذا جادل وَخَاصم يدعى إِلَى غير أَبِيه يَعْنِي: يَقُولُونَ لَهُ يَا ابْن فلَان، وَهُوَ خلاف أَبِيه. قَوْله: فَقَالَ: أَبوك حذافة فِي رِوَايَة مُعْتَمر: سَمِعت أبي عَن قَتَادَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ، وَاسم الرجل خَارِجَة، وَقيل: قيس بن حذافة، وَقيل: الْمَعْرُوف أَن الْقَائِل عبد الله بن حذافة أَخُو خَارِجَة. قَوْله: من سوء الْفِتَن بِضَم السِّين وبالهمزة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: من شَرّ الْفِتَن، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء. قَوْله: صورت على صِيغَة الْمَجْهُول، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: صورت لي قَوْله: دون الْحَائِط أَي: عِنْده.

قَوْله: قَالَ قَتَادَة: يذكر بِضَم الْيَاء وَسُكُون الذَّال وَفتح الْكَاف، وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني: يذكر على صِيغَة الْمَعْلُوم، وَهَذَا أوجه.

٧٠٩٠ - وَقَالَ عبَّاسٌ النَّرْسِيُّ: حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ، حدّثنا سَعيدٌ، حدّثنا قَتادَةُ أنَّ أنسا حدَّثَهُمْ أنَّ نبِيَّ الله بِهَذَا، وَقَالَ: كلُّ رجُلٍ لافّاً رأسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، وَقَالَ: عائِذاً بِاللَّه مِنْ سُوءِ الفِتَنِ، أوْ قَالَ: أعُوذُ بِاللَّه مِنْ سوءِ الفِتَنِ.

عَبَّاس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالسِّين الْمُهْملَة ابْن الْوَلِيد بن نصر الْبَاهِلِيّ الْبَصْرِيّ النَّرْسِي بِفَتْح النُّون وَسُكُون الرَّاء وبالسين الْمُهْملَة، وَقَالَ الكلاباذي: نرس لقب جدهم كَانَ اسْمه نصرا فَقَالَ لَهُ بعض النبط: نرس، بدل نصر فَبَقيَ لقباً عَلَيْهِ فنسب وَلَده إِلَيْهِ، وَقيل: نهر من أَنهَار الْفُرَات بالعراق يُقَال لَهُ نهر النرس تُضَاف إِلَيْهِ الثِّيَاب النرسية، وَهُوَ يروي عَن يزِيد بن زُرَيْع مصغر زرع عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة ... إِلَى آخِره.

بِهَذَا أَي: بِهَذَا الحَدِيث الْمَاضِي، وَصله أَبُو نعيم فِي

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله