«بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ، إِذْ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٠٩٦

الحديث رقم ٧٠٩٦ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الفتنة التي تموج كموج البحر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «بينا نحن جلوس عند عمر، إذ قال: أيكم يحفظ…

«بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ، إِذْ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ. قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، وَلَكِنِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ عُمَرُ: أَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ عُمَرُ: إِذًا لَا يُغْلَقَ أَبَدًا، قُلْتُ: أَجَلْ. قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً، وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ: مَنِ الْبَابُ؟ فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مَنِ الْبَابُ؟ قَالَ: عُمَرُ.»

سند حديث: ٧٠٩٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ…

٧٠٩٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «بينا نحن جلوس عند عمر، إذ قال: أيكم يحفظ…

كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مجلسه وعنده جَمْع من الصحابة رضي الله عنهم، فقال لهم:

أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن؟

فقال بعضهم: نحن سمعناه يذكر الفتن، فقال عمر رضي الله عنه: لعلكم تقصدون ابتلاء وامتحان الرجل في خاصته؛ في زوجه وولده من فرط محبته لهم، وشحه عليهم، وشغله بهم عن كثير من الخير، أو لتفريطه بما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم وتعليمهم، وكذا فتنة الرجل في جاره ونحو ذلك، لعلكم تقصدون ذلك؟

قالوا: أجل، قال: تلك فتن تقتضي المحاسبة، ومنها ذنوب يرجى تكفيرها بالحسنات كالصلاة والصيام والصدقة.

ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن العامة لشدة عظمها وكثرة شيوعها تضطرب بالناس كاضطراب موج البحر؟

فصمت القوم، فقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما: أنا سمعته، ففرح عمر رضي الله عنه، وقال له: لله دَرُّ أبيك حيث أتى بمثلك؛ قُل، قال حذيفة: قال صلى الله عليه وسلم:

تظهر الفتن وتَلْصَق بعَرْض وجانب قلب الإنسان كما يلصق فراش الحصير بجنب النائم عليه، ويؤثر في القلب شدة التصاق الفتن به، وتعاد هذه الفتن وتكرر فتنة بعد أخرى، فأي قلب دخلت فيه، وأحبها وخالطته كمخالطة الشراب ودخوله؛ نقط في قلبه نقطة سوداء، وأي قلب ردها نقط فيه نقطة بيضاء، حتى تصير القلوب على نوعين؛ على قلب أبيض لشدته على عقد الإيمان، وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به، ولم تؤثر فيه كحجر الصفا الأملس الذي لا يعلق به شيء، فلا تضره فتنة حتى يلقى الله.

والقلب الآخر قلب تغير لونه أسود من الفتن كالإبريق المائل أو المقلوب الذي لا يثبت فيه ماء، فكذا هذا القلب لا يَعْلَق به خير ولا حكمة، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أحبه وهوته نفسه.

وقال حذيفة لعمر: إن تلك الفتن لا يخرج شيء منها في حياتك، وبينك وبينها بابًا مغلقًا يقرب أن يُكسر، قال عمر: أيكسر كسرًا؟ فلو أنه فتح لعله كان يُعاد فيغلق، قال حذيفة: لا، بل يكسر، وأن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت.

وما ذكرته خبر صدق مُحقَّق ليس هو من صُحُف الكتابيين، ولا من اجتهاد ذي رأي، بل من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • خطورة الفتن العامة؛ لما يحصل فيها من سفْك الدماء وذهاب الأموال وزوال الأمن.
  • الفتن الخاصة إن كانت متعلقة بالدين فصاحبها مذموم؛ لإنها إما بدع أو معاصي، وإن كانت متعلقة بأمور دنيوية، فهي امتحان واختبار لصاحبها، والواجب عليه الصبر.
  • القلب يتأثر بالفتن التي تُعرض عليه، والموفق من هداه الله للثبات على الهدى.
  • قال النووي: قال صاحب التحرير: معنى الحديث: أن الرجل إذا تبع هواه وارتكب المعاصي دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإسلام، والقلب مثل الكوز فإذا انكب انصب ما فيه ولم يدخله شيء بعد ذلك.
  • قول عمر لحذيفة: (لا أبا لك) معناه: جِدّ في هذا الأمر، وشَمِّرْ وتأهَّب تأهُّب من ليس له معاون.
  • فضل عمر رضي الله عنه، وأنه باب مغلق بين الناس وبين الفتنة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «بينا نحن جلوس عند عمر، إذ قال: أيكم يحفظ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٧٠٩٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ إِذْ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ. قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ عُمَرُ: أَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: لا، بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ عُمَرُ: إِذن لَا يُغْلَقَ أَبَدًا. قُلْتُ: أَجَلْ. قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً، وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنْ الْبَابُ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنْ الْبَابُ؟ قَالَ: عُمَرُ.

٧٠٩٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ يَوْمًا إِلَى حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ لِحَاجَتِهِ وَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ فَلَمَّا دَخَلَ الْحَائِطَ جَلَسْتُ عَلَى بَابِهِ وَقُلْتُ: لَاكُونَنَّ الْيَوْمَ بَوَّابَ النَّبِيِّ وَلَمْ يَأْمُرْنِي فَذَهَبَ النَّبِيُّ وَقَضَى حَاجَتَهُ وَجَلَسَ عَلَى قُفِّ الْبِئْرِ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ لِيَدْخُلَ فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَوَقَفَ فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ قَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَدَخَلَ فَجَاءَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَاءَ عُمَرُ فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَقال النبي : "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَجَاءَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ فَدَلَاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَامْتَلَا الْقُفُّ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَجْلِسٌ ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَقال النبي : "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ مَعَهَا بَلَاءٌ يُصِيبُهُ فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُمْ مَجْلِسًا فَتَحَوَّلَ حَتَّى جَاءَ مُقَابِلَهُمْ عَلَى شَفَةِ الْبِئْرِ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ ثُمَّ دَلَاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَعَلْتُ أَتَمَنَّى أَخًا لِي وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَأْتِيَ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمْ اجْتَمَعَتْ هَا هُنَا وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ"

٧٠٩٨ - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ قِيلَ لِأُسَامَةَ أَلَا تُكَلِّمُ هَذَا قَالَ قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ وَمَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَنْتَ خَيْرٌ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُ يُجَاءُ بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَارِ بِرَحَاهُ فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ إِنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا أَفْعَلُهُ وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَفْعَلُهُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: وَضَعَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَمْسَ فِتَنٍ فَذَكَرَ الْأَرْبَعَةَ ثُمَّ فِتْنَةٌ تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ وَهِيَ الَّتِي يُصْبِحُ النَّاسُ فِيهَا كَالْبَهَائِمِ؛ أَيْ لَا عُقُولَ لَهُمْ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى: تَذْهَبُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: لَا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةُ مَا عَرَفْتَ دِينَكَ ; إِنَّمَا الْفِتْنَةُ إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) هُوَ سُفْيَانُ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيِّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ، وَخَلَفٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَأَدْرَكَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ لَكِنْ لَمْ أَجِدْ لَهُ رِوَايَةً عَنْ صَحَابِيٍّ، وَكَانَ عَابِدًا. وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا شُعْبَةُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ.

قَوْلُهُ: (كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ)؛ أَيْ عِنْدَ نُزُولِهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ فِي نُسْخَةٍ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ الْأَبْيَاتِ الْمَذْكُورَةَ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ الزُّبَيْدِيِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ، وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي كِتَابِ الْغُرَرِ مِنَ الْأَخْبَارِ لِأَبِي بَكْرٍ خَمَدَ بْنِ خَلَفٍ الْقَاضِي الْمَعْرُوفِ بِوَكِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْدَانُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ وَبِذَلِكَ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ وَوَقَعَ لَنَا مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَفِيهِ زِيَادَةٌ رُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ الْمَيْمُونِ بْنِ حَمْزَةَ الْمِصْرِيِّ عَنِ الطَّحَاوِيِّ فِيمَا زَادَهُ فِي السُّنَنِ الَّتِي رَوَاهَا عَنِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ: كَمَا تَرَكَ لَكُمُ الْمُلُوكُ الْحِكْمَةَ فَاتْرُكُوا لَهُمُ الدُّنْيَا. وَكَانَ خَلَفٌ يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا هَذِهِ الْأَبْيَاتِ فِي الْفِتْنَةِ.

قَوْلُهُ: (الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ؛ أَيْ شَابَّةٌ، حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنْ سِيبَوَيْهِ الْحَرْبَ مُؤَنَّثَةً وَعَنِ الْمُبَرِّدِ قَدْ تُذَكَّرُ، وَأَنْشَدَ لَهُ شَاهِدًا قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُ أَوَّلُ وَفَتِيَّةً لِأَنَّهُ مَثَلٌ، وَمَنْ نَصَبَ أَوَّلَ قَالَ إِنَّهُ الْخَبَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ: الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ أَحْوَالُهَا إِذَا كَانَتْ فَتِيَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَبَ أَوَّلَ حَالًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ؛ رَفْعُ أَوَّلَ، وَنَصْبُ فَتِيَّةٍ وَعَكْسُهُ، وَرَفْعُهُمَا جَمِيعًا وَنَصْبُهُمَا، فَمَنْ رَفَعَ أَوَّلَ وَنَصَبَ فَتِيَّةً فَتَقْدِيرُهُ: الْحَرْبُ أَوَّلُ أَحْوَالِهَا إِذَا كَانَتْ فَتِيَّةً، فَالْحَرْبُ مُبْتَدَأٌ وَأَوَّلُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَفَتِيَّةٌ حَالٌ سَدَّتْ مَسَدَّ الْخَبَرِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْحَرْبِ. وَمَنْ عَكَسَ فَتَقْدِيرُهُ: الْحَرْبُ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهَا فَتِيَّةٌ، فَالْحَرْبُ مُبْتَدَأٌ وَفَتِيَّةٌ خَبَرُهَا، وَأَوَّلُ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ. وَمَنْ رَفَعَهُمَا فَالتَّقْدِيرُ: الْحَرْبُ أَوَّلُ أَحْوَالِهَا، فَأَوَّلُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ أَوْ بَدَلٌ مِنَ الْحَرْبِ، وَفَتِيَّةٌ خَبَرٌ. وَمَنْ نَصَبَهُمَا جَعَلَ أَوَّلَ ظَرْفًا وَفَتِيَّةً حَالًا، وَالتَّقْدِيرُ: الْحَرْبُ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهَا إِذَا كَانَتْ فَتِيَّةً، وَتَسْعَى خَبَرٌ عَنْهَا؛ أَيِ: الْحَرْبُ فِي حَالِ مَا هِيَ فَتِيَّةٌ، أَيْ فِي وَقْتِ وُقُوعِهَا يَفِرُّ مَنْ لَمْ يُجَرِّبْهَا حَتَّى يَدْخُلَ فِيهَا فَتُهْلِكَهُ.

قَوْلُهُ: (بِزِينَتِهَا) كَذَا فِيهِ مِنَ الزِّينَةِ، وَرَوَاهُ سِيبَوَيْهِ: بِبَزَّتِهَا؛ بِمُوَحَّدَةٍ وَزَايٍ مُشَدَّدَةٍ، وَالْبَزَّةُ اللِّبَاسُ الْجَيِّدُ.

قَوْلُهُ: (إِذَا اشْتَعَلَتْ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ كِنَايَةً عَنْ هَيَجَانِهَا، وَيَجُوزُ فِي إِذَا أَنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً وَأَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وَالْجَوَابُ وَلَّتْ، وَقَوْلُهُ: وَشُبَّ ضِرَامُهَا هُوَ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، تَقُولُ: شُبَّتِ الْحَرْبُ؛ إِذَا اتَّقَدَتْ. وَضِرَامُهَا بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيِ اشْتِعَالُهَا.

قَوْلُهُ: (ذَاتَ حَلِيلٍ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا صَارَتْ لَا يَرْغَبُ أَحَدٌ فِي تَزْوِيجِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ.

قَوْلُهُ: (شَمْطَاءَ) بِالنَّصْبِ هُوَ وَصْفُ الْعَجُوزِ، وَالشَّمْطُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ اخْتِلَاطُ الشَّعْرِ الْأَبْيَضِ بِالشَّعْرِ الْأَسْوَدِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الشَّيْبِ.

وَقَوْلُهُ: يُنَكَّرُ لَوْنُهَا؛ أَيْ يُبَدَّلُ حُسْنُهَا بِقُبْحٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: شَمْطَاءَ جُزَّتْ رَأْسُهَا بَدَلَ قَوْلِهِ: يُنَكَّرُ لَوْنُهَا وَكَذَلِكَ أَنْشَدَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ. وَقَوْلُهُ: مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ يَصِفُ فَاهَا بِالْبَخْرِ مُبَالَغَةً فِي التَّنْفِيرِ مِنْهَا. وَالْمُرَادُ بِالتَّمَثُّلِ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ اسْتِحْضَارُ مَا شَاهَدُوهُ وَسَمِعُوهُ مِنْ حَالِ الْفِتْنَةِ، فَإِنَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ بِإِنْشَادِهَا ذَلِكَ فَيَصُدُّهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهَا حَتَّى لَا يَغْتَرُّوا بِظَاهِرِ أَمْرِهَا أَوَّلًا. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةً أَحَادِيثَ؛ أَحَدُهَا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) هُوَ أَبُو وَائِلِ بْنِ سَلَمَةَ الْأَسَدِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ. وَخَالَفَ أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ أَصْحَابَ الْأَعْمَشِ فَقَالَ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ وَقَوْلُهُ هُنَا: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: لَمْ أَسْأَلْ عَنْ فِتْنَةِ الْخَاصَّةِ. وَقَوْلُهُ: وَلَكِنِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَيْكُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَأْتِيكُمْ بَعْدِي فِتَنٌ كَمَوْجِ الْبَحْرِ يَدْفَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيُؤْخَذُ مِنْهُ جِهَةُ التَّشْبِيهِ بِالْمَوْجِ وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ فَقَطْ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ: فَرَفَعَ عُمَرُ يَدَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُدْرِكْنِي، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَا تَخَفْ. وَقَوْلُهُ: إِذًا لَا يُغْلَقُ أَبَدًا؟ قُلْتُ: أَجَلْ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ: قَالَ حُذَيْفَةُ: كَسْرًا، ثَمَّ لَا يُغْلَقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ: (كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً)؛ أَيْ عِلْمُهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا مِثْلَ هَذَا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا عَدَلَ حُذَيْفَةُ حِينَ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنِ الْإِخْبَارِ بِالْفِتْنَةِ الْكُبْرَى إِلَى الْإِخْبَارِ بِالْفِتْنَةِ الْخَاصَّةِ لِئَلَّا يُغَمَّ وَيَشْتَغِلَ بَالُهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: أَنْتَ الْبَابُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ الْبَابُ فَعَرَّضَ لَهُ بِمَا فَهِمَهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ، وَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ أَدَبِهِ. وَقَوْلُ عُمَرَ: إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَخَذَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْكَسْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا غَلَبَةً، وَالْغَلَبَةُ لَا تَقَعُ إِلَّا فِي الْفِتْنَةِ، وَعُلِمَ مِنَ الْخَبَرِ النَّبَوِيِّ أَنَّ بَأْسَ الْأُمَّةِ بَيْنَهُمْ وَاقِعٌ، وَأَنَّ الْهَرْجَ لَا يَزَالُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ شَدَّادٍ رَفَعَهُ: إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عَلِيٍّ فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: هَذَا الْيَهُودِيُّ - لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ - يَقُولُ: إِنَّكَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ! فَقَالَ عُمَرُ: مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ خَرَجَ فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْسَلِخُ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ. فَقَالَ: مَا هَذَا، مَرَّةً فِي الْجَنَّةِ وَمَرَّةً فِي النَّارِ! فَقَالَ: إِنَّا لِنَجِدُكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ تَمْنَعُ النَّاسَ أَنْ يَقْتَحِمُوا فِيهَا، فَإِذَا مِتَّ اقْتَحَمُوا.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا) احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعُلُوُّ وَلَا الِاسْتِعْلَاءُ.

فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُمْ مَجْلِسًا، فَتَحَوَّلَ حَتَّى جَاءَ مُقَابِلَهُمْ عَلَى شَفَةِ الْبِئْرِ، فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ ثُمَّ دَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ، فَجَعَلْتُ أَتَمَنَّى أَخًا لِي وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَأْتِيَ. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمْ؛ اجْتَمَعَتْ هَاهُنَا وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي نِمْرٍ. وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيِّ الْقَاضِيِّ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (خَرَجَ النَّبِيُّ إِلَى حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ لِحَاجَتِهِ) تَقَدَّمَ اسْمُ الْحَائِطِ الْمَذْكُورِ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُهُ هُنَا: لَأَكُونَنَّ الْيَوْمَ بَوَّابَ النَّبِيِّ وَلَمْ يَأْمُرْنِي قَالَ الدَّاوُدِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: أَمَرَنِي بِحِفْظِ الْبَابِ وَهُوَ اخْتِلَافٌ لَيْسَ الْمَحْفُوظُ إِلَّا أَحَدَهُمَا، وَتُعُقِّبَ بِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ أَوَّلًا لِأَبِي بَكْرٍ وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ أَنْ يَأْذَنْ لَهُ وَيُبَشِّرَهُ بِالْجَنَّةِ وَافَقَ ذَلِكَ اخْتِيَارَ النَّبِيِّ لِحِفْظِ الْبَابِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ كَانَ فِي حَالِ خَلْوَةٍ وَقَدْ كَشَفَ عَنْ سَاقِهِ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فَأَمَرَهُ بِحِفْظِ الْبَابِ، فَصَادَفَ أَمْرَهُ مَا كَانَ أَبُو مُوسَى أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِهِ قَبْلَ الْأَمْرِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الْأَمْرَ عَلَى التَّقْرِيرِ

وَقَدْ مَضَى شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ. وَقَوْلُهُ هُنَا: وَجَلَسَ عَلَى قُفِّ الْبِئْرِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي بَدَلَ عَلَى، وَالْقُفُّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ مَتْنِ الْبِئْرِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَا حَوْلَ الْبِئْرِ. قُلْتُ: وَالْمُرَادُ هُنَا مَكَانٌ يُبْنَى حَوْلَ الْبِئْرِ لِلْجُلُوسِ، وَالْقُفُّ أَيْضًا الشَّيْءُ الْيَابِسُ، وَفِي أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ وَادٍ يُقَالُ لَهُ: الْقُفُّ، وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا. وَقَوْلُهُ: فَدَخَلَ فَجَاءَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَجَلَسَ بَدَلَ فَجَاءَ، وَقَوْلُه: فَامْتَلَأَ الْقُفُّ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَامْتَلَأَ؛ بِالْوَاوِ.

وَالْمُرَادُ مِنْ تَخْرِيجِهِ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَقِّ عُثْمَانَ: بَلَاءٌ يُصِيبُهُ هُوَ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْقَتْلِ الَّذِي نَشَأَتْ عَنْهُ الْفِتَنُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي الْجَمَلِ، ثُمَّ فِي صِفِّينَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا خُصَّ عُثْمَانُ بِذِكْرِ الْبَلَاءِ مَعَ أَنَّ عُمَرَ قُتِلَ أَيْضًا لِكَوْنِ عُمَرَ لَمْ يُمْتَحَنْ بِمِثْلِ مَا امْتُحِنَ عُثْمَانُ مِنْ تَسَلُّطِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَرَادُوا مِنْهُ أَنْ يَنْخَلِعَ مِنَ الْإِمَامَةِ بِسَبَبِ مَا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ مِنَ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ مَعَ تَنَصُّلِهِ مِنْ ذَلِكَ وَاعْتِذَارِهِ عَنْ كُلِّ مَا أَوْرَدُوهُ عَلَيْهِ ثُمَّ هُجُومُهُمْ عَلَيْهِ دَارَهُ وَهَتْكُهُمْ سِتْرَ أَهْلِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى قَتْلِهِ. قُلْتُ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَلَاءِ الَّذِي خُصَّ بِهِ الْأُمُورُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْقَتْلِ وَهُوَ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَأَوَّلْتُ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِجَوْدَتِهِ فِي عِبَارَةِ الرُّؤْيَا يَسْتَعْمِلُ التَّعْبِيرَ فِيمَا يُشْبِهُهَا. قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ التَّمْثِيلَ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّسْوِيَةَ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: اجْتَمَعُوا مُطْلَقُ الِاجْتِمَاعِ لَا خُصُوصُ كَوْنِ أَحَدِهِمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرِ عَنْ شِمَالِهِ كَمَا كَانُوا عَلَى الْبِئْرِ، وَكَذَا عُثْمَانُ انْفَرَدَ قَبْرُهُ عَنْهُمْ وَلَمْ يَسْتَلْزِمْ أَنْ يَكُونَ مُقَابِلَهُمْ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، وَمَنْصُورٍ وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ بِشْرِ بْنِ خَالِدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ لَكِنَّهُ سَاقَهُ عَلَى لَفْظِ سُلَيْمَانَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ شُعْبَةُ: وَحَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أُسَامَةَ نَحْوًا مِنْهُ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ: فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ.

قَوْلُهُ: (قِيلَ لِأُسَامَةَ: أَلَّا تُكَلِّمُ هَذَا؟) كَذَا هُنَا بِإِبْهَامِ الْقَائِلِ وَإِبْهَامِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ: لَوْ أَتَيْتَ فُلَانًا فَكَلَّمْتَهُ وَجَزَاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: لَكَانَ صَوَابًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لَوْ لِلتَّمَنِّي، وَوَقَعَ اسْمُ الْمُشَارِ إِلَيْهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أُسَامَةَ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ وَلِأَحْمَدَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ: أَلَا تُكَلِّمُ عُثْمَانَ؟.

قَوْلُهُ: (قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا)؛ أَيْ: كَلَّمْتُهُ فِيمَا أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ، لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْمَصْلَحَةِ وَالْأَدَبِ فِي السِّرِّ بِغَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِي مَا يُثِيرُ فِتْنَةً أَوْ نَحْوَهَا. وَمَا مَوْصُوفَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً.

قَوْلُهُ: (أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَتَحَهُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ; وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَرَوْنَ - أَيْ تَظُنُّونَ - أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أَسْمَعْتُكُمْ؛ أَيْ إِلَّا بِحُضُورِكُمْ، وَسَقَطَتِ الْأَلِفُ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ فَصَارَ بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ؛ أَيْ إِلَّا وَقْتَ حُضُورِكُمْ حَيْثُ تَسْمَعُونَ وَهِيَ رِوَايَةُ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ الْمَذْكُورَةُ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِثْلُهُ، لَكِنْ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ إِلَّا أَسْمَعْتُكُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ؛ يَعْنِي: لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا مَعَ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ بِكَلَامٍ لَا يُهَيِّجُ بِهِ فِتْنَةً.

قَوْلُهُ: (وَمَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا عَلَى رَجُلَيْنِ: أَنْتَ خَيْرٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِيتَ خَيْرًا بِصِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ مِنَ الْإِيتَاءِ وَنَصْبِ خَيْرًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: وَلَا أَقُولُ لِأَمِيرٍ إِنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا هُوَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إِنْ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، وَقَوْلُهُ: كَانَ عَلَيَّ - بِالتَّشْدِيدِ - أَمِيرًا أَنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ. وَفِي

رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا وَفِي رِوَايَةِ يَعْلَى: وَإِنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا.

قَوْلُهُ: (بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُ: يُجَاءُ بِرَجُلٍ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ . قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُجَاءُ بِالرَّجُلِ وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: يُجَاءُ بِالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يُطَاعُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ فَيُقْذَفُ فِي النَّارِ.

قَوْلُهُ: (فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَارِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: كَمَا يَطْحَنُ الْحِمَارُ كَذَا رَأَيْتُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ: فَيُطْحَنُ؛ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي أُخْرَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ أَوْجَهُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ: فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ: يَسْتَدِيرُ فِيهَا كَمَا يَسْتَدِيرُ الْحِمَارُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ. وَالْأَقْتَابُ جَمْعُ قِتْبٍ - بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ - هِيَ الْأَمْعَاءُ، وَانْدِلَاقُهَا خُرُوجُهَا بِسُرْعَةٍ؛ يُقَالُ: انْدَلَقَ السَّيْفُ مِنْ غِمْدِهِ إِذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسُلَّهُ أَحَدٌ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كَانَتْ أَيْضًا عِنْدَ الْأَعْمَشِ فَلَمْ يَسْمَعْهَا شُعْبَةُ مِنْهُ وَسَمِعَ مَعْنَاهَا مِنْ مَنْصُورٍ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ)؛ أَيْ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ، يُقَالُ: أَطَافَ بِهِ الْقَوْمُ إِذَا حَلَّقُوا حَوْلَهُ حَلْقَةً وَإِنْ لَمْ يَدُورُوا، وَطَافُوا إِذَا دَارُوا حَوْلَهُ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ خَطَأُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ: فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ. وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ: فَيَأْتِي عَلَيْهِ أَهْلُ طَاعَتِهِ مِنَ النَّاسِ.

قَوْلُهُ: (فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانِ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ: فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ وَزَادَ: مَا شَأْنُكَ؟ وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ: أَيْ فُلُ، أَيْنَ مَا كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِهِ؟.

قَوْلُهُ: (أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا؟.

قَوْلُهُ: (إِنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا أَفْعَلُهُ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَفْعَلُهُ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: آمُرُكُمْ وَأَنْهَاكُمْ وَلَهُ وَلِأَبِي مُعَاوِيَةَ: وَآتِيهِ وَلَا آتِيهِ. وَفِي رِوَايَةِ يَعْلَى: بَلْ كُنْتُ آمُرُ وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ: وَإِنِّي كُنْتُ آمُرُكُمْ بِأَمْرٍ وَأُخَالِفُكُمْ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: أَرَادُوا مِنْ أُسَامَةَ أَنْ يُكَلِّمَ عُثْمَانَ وَكَانَ مِنْ خَاصَّتِهِ وَمِمَّنْ يَخِفُّ عَلَيْهِ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ لِأَنَّهُ كَانَ ظَهَرَ عَلَيْهِ رِيحُ نَبِيذٍ وَشُهِرَ أَمْرُهُ وَكَانَ أَخَا عُثْمَانَ لِأُمِّهِ، وَكَانَ يَسْتَعْمِلُهُ، فَقَالَ أُسَامَةُ: قَدْ كَلَّمْتُهُ سِرًّا دُونَ أَنْ أُفْتَحَ بَابًا؛ أَيْ بَابَ الْإِنْكَارِ عَلَى الْأَئِمَّةِ عَلَانِيَةً خَشْيَةَ أَنْ تَفْتَرِقَ الْكَلِمَةُ. ثُمَّ عَرَّفَهُمْ أَنَّهُ لَا يُدَاهِنُ أَحَدًا وَلَوْ كَانَ أَمِيرًا بَلْ يَنْصَحُ لَهُ فِي السِّرِّ جَهْدَهُ، وَذَكَرَ لَهُمْ قِصَّةَ الرَّجُلِ الَّذِي يُطْرَحُ فِي النَّارِ لِكَوْنِهِ كَانَ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَفْعَلُهُ لِيَتَبَرَّأَ مِمَّا ظَنُّوا بِهِ مِنْ سُكُوتِهِ عَنْ عُثْمَانَ فِي أَخِيهِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَجَزْمُهُ بِأَنَّ مُرَادَ مَنْ سَأَلَ أُسَامَةَ الْكَلَامَ مَعَ عُثْمَانَ أَنْ يُكَلِّمَهُ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ مَا عَرَفْتُ مُسْتَنَدَهُ فِيهِ، وَسِيَاقُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ يَدْفَعُهُ، وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ: كُنَّا عِنْدَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ فِيمَا يَصْنَعُ.

قَالَ: وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، وَجَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُكَلِّمَهُ فِيمَا أَنْكَرَهُ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ مِنْ تَوْلِيَةِ أَقَارِبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اشْتُهِرَ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ السَّبَبَ فِي تَحْدِيثِ أُسَامَةَ بِذَلِكَ لِيَتَبَرَّأَ مِمَّا ظَنُّوهُ بِهِ لَيْسَ بِوَاضِحٍ، بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أُسَامَةَ كَانَ يَخْشَى عَلَى مَنْ وُلِّيَ وِلَايَةً وَلَوْ صَغُرَتْ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْمُرَ الرَّعِيَّةَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ثُمَّ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ، فَكَانَ أُسَامَةُ يَرَى أَنَّهُ لَا يَتَأَمَّرُ عَلَى أَحَدٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: لَا أَقُولُ لِلْأَمِيرِ إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ؛ أَيْ: بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَنْجُوَ كَفَافًا. وَقَالَ عِيَاضٌ: مُرَادُ أُسَامَةَ أَنَّهُ لَا يَفْتَحُ بَابَ الْمُجَاهَرَةِ بِالنَّكِيرِ عَلَى الْإِمَامِ لِمَا يَخْشَى مِنْ عَاقِبَةِ ذَلِكَ، بَلْ يَتَلَطَّفُ بِهِ وَيَنْصَحُهُ سِرًّا فَذَلِكَ أَجْدَرُ بِالْقَبُولِ.

وَقَوْلُهُ: لَا أَقُولُ لِأَحَدٍ يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ فِيهِ ذَمُّ مُدَاهَنَةِ الْأُمَرَاءِ فِي الْحَقِّ وَإِظْهَارُ مَا يُبْطِنُ خِلَافَهُ كَالْمُتَمَلِّقِ بِالْبَاطِلِ، فَأَشَارَ أُسَامَةُ إِلَى الْمُدَارَاةِ الْمَحْمُودَةِ وَالْمُدَاهَنَةِ الْمَذْمُومَةِ، وَضَابِطُ الْمُدَارَاةِ أَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٠٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة قال: (سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ) بن اليمان (يَقُولُ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (إذ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ) حذيفة: قلت: هي (فِتْنَةُ الرَّجُلِ) وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٦] من طريق شعبة عن الأعمش: قال رسول الله : «فتنة الرَّجل» (فِي أَهْلِهِ) بالميل، يأتي بسببهنَّ بما لا يحلُّ له (وَ) فتنته في (مَالِهِ) بأن يأخذ من غير حلِّه، ويصرفه في غير حلِّه (وَ) في (وَلَدِهِ) لفرط محبَّته له، والشُّغُل به عن كثيرٍ من الخيرات (وَ) في (جَارِهِ) بالحسد والمفاخرة، وكلُّها (تُكَفِّرُهَا (١) الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ) أي: تكفِّر الصَّغائر فقط؛ لحديث: «الصَّلاة إلى الصَّلاة كفَّارةٌ لما بينهما ما اجتُنبتِ الكبائر»، ويُحْتَملُ أن يكون كلُّ واحدٍ من الصَّلاة وما بعدها مكفِّرًا للمذكورات كلِّها، لا لكلِّ واحدٍ منها، وأن يكون من باب اللَّفِّ والنَّشر بأنَّ الصَّلاة مثلًا كفَّارةٌ للفتنة (٢) في الأهل؛ وهكذا … إلى آخره، وخُصَّ الرجل بالذِّكر؛ لأنَّه في الغالب صاحب الحُكْمِ في داره وأهله، وإلَّا فالنِّساء شقائق الرِّجال في الحكم (قَالَ) عمر لحذيفة: (لَيْسَ عَنْ هَذَا) الذي ذكرت (أَسْأَلُكَ (٣)، وَلَكِنِ) التي أسألك عنها الفتنة (الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ) تضطرب كاضطرابه عند هيجانه، كنايةً عن شدَّة المخاصمة، وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة، وفيه دليلٌ على جواز إطلاق اللَّفظ العامِّ وإرادة الخاصِّ؛ إذ تبيَّن أنَّ عمر لم يسأل إلَّا عن فتنةٍ مخصوصةٍ، وفي رواية ربعيِّ بن حراشٍ عن حذيفة عند الطَّبرانيِّ: فقال حذيفة: سمعته يقول: «يأتي (٤) بعدي فِتَنٌ كموج البحر يدفع بعضها بعضًا»، ويُؤخَذ منها -كما في «الفتح» - جهة التَّشبيه بالموج، وأنَّه ليس المراد منه الكثرة فقط (فَقَالَ) حذيفة لعمر : (لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ

يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا) بضمِّ الميم وسكون المعجمة وفتح اللَّام، بالنَّصب صفةُ لـ «بابًا»، أي: لا يخرج شيءٌ منها في حياتك، قال ابن المُنَيِّر: آثر حذيفة الحرص على حفظ السِّرِّ، فلم يُصرِّح لعمر بما سأل عنه، وإنَّما كنَّى عنه كنايةً، وكأنَّه كان مأذونًا له في مثل ذلك، وقال ابن بطَّال: وإنَّما عدل حذيفة حين سأله عمر عن الإخبار بالفتنة الكبرى إلى الإخبار بالفتنة الخاصَّة (١)؛ لِئلَّا يغمَّه ويشغل باله، ومن ثَمَّ قال له: إنَّ بينك وبينها بابًا مغلقًا، ولم يقل له: أنت الباب، وهو يعلم أنَّه الباب، فعرَّض له بما أفهمه (٢) ولم يصرِّح (٣)؛ وذلك من حسن أدبه (قَالَ عُمَرُ) مستفهمًا لحذيفة: (أَيُكْسَرُ البَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ) حذيفة: (بَلْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لا بل» (يُكْسَرُ، قَالَ عُمَرُ: إِذًا) بالتَّنوين، أي: إنِ انكسر (لَا يُغْلَقَ) نُصِبَ بـ «إذًا» (٤) (أَبَدًا) وفي «الصِّيام» [خ¦١٨٩٥] «ذاك أجدر ألَّا يُغْلَق إلى يوم القيامة»، ويُحتَمَلُ أن يكون كنَّى عن الموت بالفتح، وعن القتل بالكسر، قال حذيفة: (قُلْتُ: أَجَلْ) بالجيم واللَّام المخفَّفة: نعم، قال شقيقٌ: (قُلْنَا (٥) لِحُذَيْفَةَ: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البَابَ؟ قَالَ) حذيفة: (نَعَمْ) كان (٦) يعلمه (كَمَا أَعْلَمُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٧): «يعلم» (٨) (أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً (٩)) أي: أعلمه علمًا ضروريًّا مثل هذا (وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ): جمع أغلوطة -بالغين المعجمة والطَّاء المهملة- ما يُغالط به (١٠)، أي: حدَّثته حديثًا صدقًا محقَّقًا من حديثه ، لا عن اجتهادٍ ولا عن (١١) رأيٍ، قال

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

١٧ - (بابُ الفِتْنَةِ الّتي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْفِتْنَة الَّتِي تموج كموج الْبَحْر، قيل: أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَاصِم بن ضَمرَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: فِي هَذِه الْأمة خمس فتن، فَذكر الْأَرْبَعَة، ثمَّ فتْنَة تموج كموج الْبَحْر وَهِي الَّتِي يصبح النَّاس فِيهَا كَالْبَهَائِمِ أَي: لَا عقول لَهُم.

وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ خَلَفِ بنِ حَوْشَبٍ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَتَمَثَّلُوا بِهاذِهِ الأبْياتِ عِنْدَ الفِتَنِ، قَالَ امرُؤ القَيْسِ:

(الحَرْبُ أوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيّةً ... تَسْعَى بِزِينَتها لِكُلِّ جَهُولِ)

(حتَّى إذَا اشْتَعَلَتْ وشَبَّ ضِرامُها ... ولّتْ عَجُوزاً غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ)

(شَمْطاءَ يُنْكَرُ لَوْنُها، وتَغَيَّرَتْ ... مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ والتَّقْبِيلِ)

أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن خلف بِالْخَاءِ وَاللَّام المفتوحتين ابْن حَوْشَب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وبالباء الْمُوَحدَة كَانَ من أهل الْكُوفَة، روى عَن جمَاعَة من كبار التَّابِعين وَأدْركَ بعض الصَّحَابَة لَكِن لَا يعلم رِوَايَته عَنْهُم، وَكَانَ عابداً من عباد أهل الْكُوفَة وَثَّقَهُ الْعجلِيّ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا بَأْس بِهِ، وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن عُيَيْنَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع، قَوْله: كَانُوا أَي: السّلف. قَوْله: عِنْد الْفِتَن أَي: عِنْد نُزُولهَا. قَوْله: قَالَ امْرُؤ الْقَيْس كَذَا وَقع عِنْد أبي ذَر فِي نسخته، وَالْمَحْفُوظ أَن هَذِه الأبيات لعَمْرو بن معد يكرب الزبيدِيّ، وَقد جزم بِهِ الْمبرد فِي الْكَامِل وَتَعْلِيق سُفْيَان هَذَا وَصله البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الصَّغِير عَن عبد الله بن مُحَمَّد المسندي: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة. قَوْله: فتية بِفَتْح الْفَاء وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف أَي: شَابة، وَيجوز فِيهِ ضم الْفَاء بِالتَّصْغِيرِ، وَيجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب. وَأما الرّفْع فعلى أَنه خبر وَذَلِكَ أَن الْحَرْب مُبْتَدأ وَأول مَا تكون بدل مِنْهُ وَمَا مَصْدَرِيَّة وَتَكون تَامَّة تَقْدِيره: أول كَونهَا، وفتية خبر الْمُبْتَدَأ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجَاز فِي: أول، وفتية، أَرْبَعَة أوجه: نصبهما ورفعهما، وَنصب الأول وَرفع الثَّانِي، وَالْعَكْس. وَكَانَ، إِمَّا نَاقِصَة وَإِمَّا تَامَّة، ثمَّ سكت وَلم يبين وَجه ذَلِك. قلت: وَجه نصبهما أَن يكون الأول مَنْصُوبًا على الظّرْف، وفتية مَرْفُوعا على الخبرية، وَتَكون نَاقِصَة، وَالتَّقْدِير: الْحَرْب فِي أول حَالهَا فتية، وَوجه الْعَكْس أَن يكون الأول مُبْتَدأ ثَانِيًا أَو بَدَلا من الْحَرْب. وَيكون تَامَّة، وَقد خبط بَعضهم فِي هَذَا الْمَكَان يعرفهُ من يقف عَلَيْهِ. قَوْله: بزينتها بِكَسْر الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، وَرَوَاهُ سِيبَوَيْهٍ، ببزتها، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالزَّاي الْمُشَدّدَة، وَالْبزَّة اللبَاس الْجيد. قَوْله: حَتَّى إِذا اشتعلت بشين مُعْجمَة وَعين مُهْملَة، يُقَال: اشتعلت النَّار إِذا ارْتَفع لهيبها وَإِذا، يجوز أَن يكون ظرفية وَيجوز أَن يكون شَرْطِيَّة وجوابها قَوْله: ولت قَوْله: وشب بالشين الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة يُقَال: شبت الْحَرْب إِذا اتقدت. قَوْله: ضرامها بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَا اشتعل من الْحَطب. قَوْله: غير ذَات حليل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وَهُوَ الزَّوْج، ويروى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ ظَاهر. قَوْله: شَمْطَاء من شمط بالشين الْمُعْجَمَة اخْتِلَاط الشّعْر الْأَبْيَض بالشعر الْأسود، وَيجوز فِي إعرابه النصب على أَن يكون صفة لعجوز، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ شَمْطَاء. قَوْله: يُنكر على صِيغَة الْمَجْهُول. ولونها مَرْفُوع بِهِ أَي: بدل حسنها بقبح، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحميدِي والسهيلي فِي الرَّوْض

شَمْطَاء جزت رَأسهَا

قَوْله: مَكْرُوهَة نصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: تَغَيَّرت، وَالْمرَاد بالتمثيل بِهَذِهِ الأبيات استحضار مَا شاهدوه وسمعوه من حَال الْفِتْنَة فَإِنَّهُم يتذكرون بإنشادها ذَلِك فيصدهم عَن الدُّخُول فِيهَا حَتَّى لَا يغتروا بِظَاهِر أمرهَا أَولا.

٧٠٩٦ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ، حدّثنا أبي، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعْمَشُ، حدّثنا شَقِيقٌ سَمِعْتُ

حُذَيْفَةَ يَقُولُ: نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ إِذْ قَالَ: أيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النبيِّ فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أهْلِهِ ومالِهِ ووَلدِهِ وجارِهِ، يُكَفِّرُها الصَّلاةُ والصَّدَقَةُ والأمرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَن المُنْكَرِ قَالَ: لَيْسَ عنْ هاذا أسْألُكَ، ولاكنِ الّتي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْها بأسٌ يَا أمِيرِ المُؤْمِنِينَ، إنَّ بَيْنَكَ وبَيْنها بَابا مُغَلقاً. قَالَ عُمَرُ: أيُكْسَرُ البابُ أمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ عُمَرُ: إِذا لَا يُغْلَقَ أبدا. قُلْتُ: أجَلْ. قُلْنا لحُذَيْفَةَ: أكانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أعْلَمُ أنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً. وذالِكَ أنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثاً لَيْسَ بِالأغالِيطِ، فَهِبْنا أنْ نَسْألَهُ مَنِ البابُ؟ فأمَرْنا مَسْرُوقاً فَسَألُهُ، فَقَالَ: مَنِ البابُ؟ قَالَ: عُمَرُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن شَقِيق بن سَلمَة عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان.

والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الْمَوَاقِيت مطولا، وَفِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة عَن جرير، وَفِي الصَّوْم عَن عَليّ بن عبد الله، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: لَيْسَ عَلَيْك وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: عَلَيْكُم، بِالْجمعِ. قَوْله: بَيْنك وَبَينهَا بَابا مغلقاً قيل: قَالَ هَذَا ثمَّ قَالَ آخرا: هُوَ الْبَاب، وَأجِيب بِأَن المُرَاد بَين زَمَانك وحياتك وَبَينهَا أَو الْبَاب بدل عمر وَهُوَ بَين الْفِتْنَة وَبَين نَفسه. قَوْله: أيكسر الْبَاب أم يفتح؟ قَالَ ابْن بطال: أَشَارَ بِالْكَسْرِ إِلَى قتل عمر وبالفتح إِلَى مَوته. وَقَالَ عمر: إِذا كَانَ بِالْقَتْلِ فَلَا تسكن الْفِتْنَة أبدا. قَوْله: كَمَا أعلم أَن دون غَد لَيْلَة أَي: علما ضَرُورِيًّا. قَوْله: بالأغاليط جمع الأغلوطة وَهِي الْكَلَام الَّذِي يغالط بِهِ ويغالط فِيهِ. قَوْله: فَأمرنَا أَي: قُلْنَا أَو طلبنا.

وَفِيه: أَن الْأَمر لَا يشْتَرط فِيهِ الْعُلُوّ والاستعلاء.

٧٠٩٧ - حدّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ، أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، عنْ شَريكٍ بنِ عَبْدِ الله، عنْ سَعِيدِ بنِ المُسيَّبِ، عنْ أبي مُوساى الأشْعَرِيِّ قَالَ: خَرَجَ النبيُّ يَوْماً إِلَى حائِطٍ مِنْ حَوائِطِ المَدِينَةِ لِحاجَتِهِ، وخَرَجْتُ فِي إثْرِهِ، فَلمَّا دَخَلَ الحائِطَ جَلَسْتُ عَلى بابِهِ، وقُلْتُ: لأكُونَنَّ اليَوْم بَوَّابَ النبيِّ ولَمْ يَأمُرْنِي. فَذَهَبَ النبيُّ وقَضاى حاجَتَهُ وجَلَسَ عَلى قُفِّ البِئرِ فَكشَف عنْ ساقَيْهِ ودَلَّاهُما فِي البِئرِ، فَجاءَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأذِنُ عَلَيْهِ لِيَدْخُلَ فَقُلْتُ: كَمَا أنْتَ حتَّى أسْتَأذِنَ لَكَ، فَوَقَفَ فَجِئْتُ إِلَى النبيِّ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ الله أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ. قَالَ: ائْذَنْ لهُ وبَشِّرْهُ بِالجَنَةِ فَدَخَلَ فَجاءَ عنْ يَمِينِ النبيِّ فَكَشَفَ عنْ ساقَيْهِ ودَلَّاهُما فِي البِئْرِ. فَجاءَ عُمَرُ فَقُلْتُ: كَمَا أنْتَ حتَّى أسْتَأْذِنَ لَكَ، فَقَالَ النبيُّ ائْذَنْ لهُ وبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ فجاءَ عنْ يَسارِ النبيِّ فَكَشَفَ عنْ ساقَيْه فَدلاهُما فِي البِئر فامْتَلأ القُفُّ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَجْلِسٌ، ثُمَّ جاءَ عثْمانُ فَقُلْتُ: كَمَا أنْتَ حتَّى استَأذْنِ لَكَ، فَقَالَ النبيُّ ائْذَنْ لهُ وبشَرِّهُ بِالجَنَّةِ مَعَهَا بَلاءٌ يُصِيبُهُ فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُمْ مَجْلساً فَتَحَوَّلَ حتَّى جاءَ مُقابِلَهُمْ عَلى شَفَةِ البِئرِ، فَكَشَفَ عنْ ساقَيْهِ ثُمَّ دَلَاّهُما فِي البِئْرِ، فَجَعَلْتُ أتَمَنَّى أَخا لي وأدْعُو الله أنْ يأتِيَ.

قَالَ ابنُ المُسَيَّبِ: فَتأوَّلْتُ ذالِكَ قُبُورَهُمُ اجْتَمَعَتْ هاهُنا وانْفَرَدَ عُثْمانُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وبشره بِالْجنَّةِ مَعهَا بلَاء يُصِيبهُ وَهَذَا من جملَة الْفِتَن الَّتِي تموج كموج الْبَحْر، وَلِهَذَا خصّه

بالبلاء وَلم يذكر مَا جرى على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَنَّهُ لم يمْتَحن مثل مَا امتحن عُثْمَان من التسلط عَلَيْهِ ومطالبة خلع الْإِمَامَة وَالدُّخُول على حرمه وَنسبَة القبائح إِلَيْهِ.

وَشريك بن عبد الله هُوَ ابْن أبي نمر وَلم يخرج البُخَارِيّ عَن شريك بن عبد الله النَّخعِيّ القَاضِي شَيْئا.

والْحَدِيث مضى فِي فضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن مُحَمَّد وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وبالسين الْمُهْملَة. قَوْله: وَلم يَأْمُرنِي يَعْنِي: بِأَن أعمل بواباً، وَقَالَ الدَّاودِيّ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَمرنِي بِحِفْظ الْبَاب وَهُوَ اخْتِلَاف وَلَيْسَ الْمَحْفُوظ إلَاّ أَحدهمَا ورد عَلَيْهِ بِإِمْكَان الْجمع بِأَنَّهُ فعل ذَلِك ابْتِدَاء من قبل نَفسه، فَلَمَّا اسْتَأْذن أَولا لأبي بكر وَكَانَ كشف عَن سَاقيه أمره بِحِفْظ الْبَاب. قَوْله: على قف الْبِئْر وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَجلسَ فِي قف الْبِئْر، والقف مَا ارْتَفع من متن الأَرْض، وَقَالَ الدَّاودِيّ مَا حول الْبِئْر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: القف بِضَم الْقَاف وَهُوَ الْبناء حول الْبِئْر وَحجر فِي وَسطهَا وشفيرها ومصبها. قَوْله: ودلاهما أَي: أرسلهما فِيهَا. قَوْله: كَمَا أَنْت أَي: قف واثبت كَمَا أَنْت عَلَيْهِ. قَوْله: مَعهَا بلَاء هُوَ البلية الَّتِي صَار بهَا شَهِيد الدَّار. قَوْله: مقابلهم اسْم مَكَان فتحا، وَاسم فَاعل كسراً. قَوْله: فتأولت وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فأولت، أَي: فسرت ذَلِك بقبورهم، وَذَلِكَ من جِهَة كَونهمَا مصاحبين لَهُ مُجْتَمعين عِنْد الحضرة الْمُبَارَكَة الَّتِي هِيَ أشرف الْبِقَاع على وَجه الأَرْض، لَا من جِهَة أَن أَحدهمَا عَن الْيَمين وَالْآخر عَن الْيَسَار. قَوْله: وَانْفَرَدَ عُثْمَان يَعْنِي: لم يدْفن مَعَهُمَا وَدفن فِي البقيع.

حدّثني بِشْرُ بنُ خالِدٍ، أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، عنْ شُعْبَةَ، عنْ سُلَيْمانَ سَمِعْتُ أَبَا وائِلٍ قَالَ: قِيلَ لأسامَةَ: أَلا تُكلِّمُ هاذا؟ قَالَ: قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أنْ أفْتَحَ بَابا أكُونُ أوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ، وَمَا أَنا بِالّذِي أقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَ أَن يَكُونَ أمِيراً عَلى رَجُلَيْنِ: أنْتَ خَيْرٌ، بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رسولِ الله يَقُولُ يُجاءُ بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ فَيطْحَنُ فِيها كَطَحْنِ الحِمارِ برَحاهُ، فَيُطِيفُ بِهِ أهْلُ النَّارِ فَيَقُولونَ: أيْ فُلانُ؟ ألسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهاى عَن المُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: إنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَلَا أفْعَلُهُ، وأنْهاى عَن المُنْكَرِ وأفْعَلُهُ.

انْظُر الحَدِيث ٣٢٦٧

مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ بالتعسف من كَلَام أُسَامَة وَهُوَ أَنه لم يرد فتح الْبَاب بالمجاهرة بالتنكير على الإِمَام لما يخْشَى من عَاقِبَة ذَلِك من كَونه فتْنَة رُبمَا تؤول إِلَى أَن تموج كموج الْبَحْر.

وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، ابْن خَالِد الْيَشْكُرِي وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأُسَامَة هُوَ ابْن زيد حب رَسُول الله

والْحَدِيث مضى فِي صفة النَّار عَن عَليّ بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن يحيى بن يحيى وَغَيره.

قَوْله: قيل لأسامة: ألَاّ تكلم هَذَا لم يبين هُنَا من هُوَ الْقَائِل لأسامة: أَلا تكلم هَذَا، وَلَا الْمشَار إِلَيْهِ بقوله: هَذَا، من هُوَ، وَقد بَين فِي رِوَايَة مُسلم قيل لَهُ: أَلا تدخل على عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وتكلمه فِي شَأْن الْوَلِيد بن عقبَة وَمَا ظهر مِنْهُ من شرب الْخمر؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَلا تكلم فِيمَا يَقع بَين النَّاس من الْغَيْبَة وَالسَّعْي فِي إطفاء إثارتها؟ . قَوْله: قَالَ: قد كَلمته مَا دون أَن أفتح بَابا أَي: كَلمته شَيْئا دون أَن أفتح بَابا من أَبْوَاب الْفِتَن، أَي: كَلمته على سَبِيل الْمصلحَة وَالْأَدب والسر دون أَن يكون فِيهِ تهييج للفتنة وَنَحْوهَا، وَكلمَة: مَا، مَوْصُوفَة. قَوْله: أكون أول من يَفْتَحهُ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أول من فَتحه، بِصِيغَة الْمَاضِي. قَوْله: وَأَنت خير فِي رِوَايَة الْكشميهني: ائْتِ خيرا، بِكَسْر الْهمزَة وَالتَّاء بِصِيغَة الْأَمر من الإيتاء، وَخيرا بِالنّصب على المفعولية. قَوْله: يجاء بِرَجُل على صِيغَة الْمَجْهُول. وَكَذَلِكَ فيطرح قَوْله: فيطحن على بِنَاء الْمَعْلُوم. قَوْله: كطحن الْحمار وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: كَمَا يطحن. قَوْله: فيطيف بِهِ أهل النَّار أَي: يَجْتَمعُونَ حوله، يُقَال: أطاف بِهِ الْقَوْم إِذا حَلقُوا حوله حَلقَة. قَوْله: أَي فلَان يَعْنِي:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٧٠٩٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ إِذْ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ. قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ عُمَرُ: أَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: لا، بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ عُمَرُ: إِذن لَا يُغْلَقَ أَبَدًا. قُلْتُ: أَجَلْ. قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً، وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنْ الْبَابُ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَنْ الْبَابُ؟ قَالَ: عُمَرُ.

٧٠٩٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ يَوْمًا إِلَى حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ لِحَاجَتِهِ وَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ فَلَمَّا دَخَلَ الْحَائِطَ جَلَسْتُ عَلَى بَابِهِ وَقُلْتُ: لَاكُونَنَّ الْيَوْمَ بَوَّابَ النَّبِيِّ وَلَمْ يَأْمُرْنِي فَذَهَبَ النَّبِيُّ وَقَضَى حَاجَتَهُ وَجَلَسَ عَلَى قُفِّ الْبِئْرِ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ لِيَدْخُلَ فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَوَقَفَ فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ قَالَ ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَدَخَلَ فَجَاءَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ وَدَلَاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَاءَ عُمَرُ فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَقال النبي : "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ فَجَاءَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ فَدَلَاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَامْتَلَا الْقُفُّ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَجْلِسٌ ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَقُلْتُ كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ فَقال النبي : "ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ مَعَهَا بَلَاءٌ يُصِيبُهُ فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُمْ مَجْلِسًا فَتَحَوَّلَ حَتَّى جَاءَ مُقَابِلَهُمْ عَلَى شَفَةِ الْبِئْرِ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ ثُمَّ دَلَاهُمَا فِي الْبِئْرِ فَجَعَلْتُ أَتَمَنَّى أَخًا لِي وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَأْتِيَ قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمْ اجْتَمَعَتْ هَا هُنَا وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ"

٧٠٩٨ - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ قِيلَ لِأُسَامَةَ أَلَا تُكَلِّمُ هَذَا قَالَ قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ وَمَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَنْتَ خَيْرٌ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُ يُجَاءُ بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَارِ بِرَحَاهُ فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ إِنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا أَفْعَلُهُ وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَفْعَلُهُ"

قَوْلُهُ: (بَابُ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: وَضَعَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَمْسَ فِتَنٍ فَذَكَرَ الْأَرْبَعَةَ ثُمَّ فِتْنَةٌ تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ وَهِيَ الَّتِي يُصْبِحُ النَّاسُ فِيهَا كَالْبَهَائِمِ؛ أَيْ لَا عُقُولَ لَهُمْ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى: تَذْهَبُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: لَا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةُ مَا عَرَفْتَ دِينَكَ ; إِنَّمَا الْفِتْنَةُ إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) هُوَ سُفْيَانُ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيِّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ، وَخَلَفٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَأَدْرَكَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ لَكِنْ لَمْ أَجِدْ لَهُ رِوَايَةً عَنْ صَحَابِيٍّ، وَكَانَ عَابِدًا. وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا شُعْبَةُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ.

قَوْلُهُ: (كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ)؛ أَيْ عِنْدَ نُزُولِهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ فِي نُسْخَةٍ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ الْأَبْيَاتِ الْمَذْكُورَةَ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ الزُّبَيْدِيِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ، وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي كِتَابِ الْغُرَرِ مِنَ الْأَخْبَارِ لِأَبِي بَكْرٍ خَمَدَ بْنِ خَلَفٍ الْقَاضِي الْمَعْرُوفِ بِوَكِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْدَانُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ وَبِذَلِكَ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ وَوَقَعَ لَنَا مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَفِيهِ زِيَادَةٌ رُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ الْمَيْمُونِ بْنِ حَمْزَةَ الْمِصْرِيِّ عَنِ الطَّحَاوِيِّ فِيمَا زَادَهُ فِي السُّنَنِ الَّتِي رَوَاهَا عَنِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ: كَمَا تَرَكَ لَكُمُ الْمُلُوكُ الْحِكْمَةَ فَاتْرُكُوا لَهُمُ الدُّنْيَا. وَكَانَ خَلَفٌ يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا هَذِهِ الْأَبْيَاتِ فِي الْفِتْنَةِ.

قَوْلُهُ: (الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ؛ أَيْ شَابَّةٌ، حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنْ سِيبَوَيْهِ الْحَرْبَ مُؤَنَّثَةً وَعَنِ الْمُبَرِّدِ قَدْ تُذَكَّرُ، وَأَنْشَدَ لَهُ شَاهِدًا قَالَ: وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُ أَوَّلُ وَفَتِيَّةً لِأَنَّهُ مَثَلٌ، وَمَنْ نَصَبَ أَوَّلَ قَالَ إِنَّهُ الْخَبَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ: الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ أَحْوَالُهَا إِذَا كَانَتْ فَتِيَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَبَ أَوَّلَ حَالًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ؛ رَفْعُ أَوَّلَ، وَنَصْبُ فَتِيَّةٍ وَعَكْسُهُ، وَرَفْعُهُمَا جَمِيعًا وَنَصْبُهُمَا، فَمَنْ رَفَعَ أَوَّلَ وَنَصَبَ فَتِيَّةً فَتَقْدِيرُهُ: الْحَرْبُ أَوَّلُ أَحْوَالِهَا إِذَا كَانَتْ فَتِيَّةً، فَالْحَرْبُ مُبْتَدَأٌ وَأَوَّلُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَفَتِيَّةٌ حَالٌ سَدَّتْ مَسَدَّ الْخَبَرِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْحَرْبِ. وَمَنْ عَكَسَ فَتَقْدِيرُهُ: الْحَرْبُ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهَا فَتِيَّةٌ، فَالْحَرْبُ مُبْتَدَأٌ وَفَتِيَّةٌ خَبَرُهَا، وَأَوَّلُ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ. وَمَنْ رَفَعَهُمَا فَالتَّقْدِيرُ: الْحَرْبُ أَوَّلُ أَحْوَالِهَا، فَأَوَّلُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ أَوْ بَدَلٌ مِنَ الْحَرْبِ، وَفَتِيَّةٌ خَبَرٌ. وَمَنْ نَصَبَهُمَا جَعَلَ أَوَّلَ ظَرْفًا وَفَتِيَّةً حَالًا، وَالتَّقْدِيرُ: الْحَرْبُ فِي أَوَّلِ أَحْوَالِهَا إِذَا كَانَتْ فَتِيَّةً، وَتَسْعَى خَبَرٌ عَنْهَا؛ أَيِ: الْحَرْبُ فِي حَالِ مَا هِيَ فَتِيَّةٌ، أَيْ فِي وَقْتِ وُقُوعِهَا يَفِرُّ مَنْ لَمْ يُجَرِّبْهَا حَتَّى يَدْخُلَ فِيهَا فَتُهْلِكَهُ.

قَوْلُهُ: (بِزِينَتِهَا) كَذَا فِيهِ مِنَ الزِّينَةِ، وَرَوَاهُ سِيبَوَيْهِ: بِبَزَّتِهَا؛ بِمُوَحَّدَةٍ وَزَايٍ مُشَدَّدَةٍ، وَالْبَزَّةُ اللِّبَاسُ الْجَيِّدُ.

قَوْلُهُ: (إِذَا اشْتَعَلَتْ) بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ كِنَايَةً عَنْ هَيَجَانِهَا، وَيَجُوزُ فِي إِذَا أَنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً وَأَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وَالْجَوَابُ وَلَّتْ، وَقَوْلُهُ: وَشُبَّ ضِرَامُهَا هُوَ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، تَقُولُ: شُبَّتِ الْحَرْبُ؛ إِذَا اتَّقَدَتْ. وَضِرَامُهَا بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ؛ أَيِ اشْتِعَالُهَا.

قَوْلُهُ: (ذَاتَ حَلِيلٍ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا صَارَتْ لَا يَرْغَبُ أَحَدٌ فِي تَزْوِيجِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ.

قَوْلُهُ: (شَمْطَاءَ) بِالنَّصْبِ هُوَ وَصْفُ الْعَجُوزِ، وَالشَّمْطُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ اخْتِلَاطُ الشَّعْرِ الْأَبْيَضِ بِالشَّعْرِ الْأَسْوَدِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الشَّيْبِ.

وَقَوْلُهُ: يُنَكَّرُ لَوْنُهَا؛ أَيْ يُبَدَّلُ حُسْنُهَا بِقُبْحٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ: شَمْطَاءَ جُزَّتْ رَأْسُهَا بَدَلَ قَوْلِهِ: يُنَكَّرُ لَوْنُهَا وَكَذَلِكَ أَنْشَدَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ. وَقَوْلُهُ: مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ يَصِفُ فَاهَا بِالْبَخْرِ مُبَالَغَةً فِي التَّنْفِيرِ مِنْهَا. وَالْمُرَادُ بِالتَّمَثُّلِ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ اسْتِحْضَارُ مَا شَاهَدُوهُ وَسَمِعُوهُ مِنْ حَالِ الْفِتْنَةِ، فَإِنَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ بِإِنْشَادِهَا ذَلِكَ فَيَصُدُّهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهَا حَتَّى لَا يَغْتَرُّوا بِظَاهِرِ أَمْرِهَا أَوَّلًا. ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةً أَحَادِيثَ؛ أَحَدُهَا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) هُوَ أَبُو وَائِلِ بْنِ سَلَمَةَ الْأَسَدِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ.

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ. وَخَالَفَ أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ أَصْحَابَ الْأَعْمَشِ فَقَالَ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ وَقَوْلُهُ هُنَا: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: لَمْ أَسْأَلْ عَنْ فِتْنَةِ الْخَاصَّةِ. وَقَوْلُهُ: وَلَكِنِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ. فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: عَلَيْكُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَأْتِيكُمْ بَعْدِي فِتَنٌ كَمَوْجِ الْبَحْرِ يَدْفَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيُؤْخَذُ مِنْهُ جِهَةُ التَّشْبِيهِ بِالْمَوْجِ وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْكَثْرَةُ فَقَطْ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ: فَرَفَعَ عُمَرُ يَدَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُدْرِكْنِي، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَا تَخَفْ. وَقَوْلُهُ: إِذًا لَا يُغْلَقُ أَبَدًا؟ قُلْتُ: أَجَلْ فِي رِوَايَةِ رِبْعِيٍّ: قَالَ حُذَيْفَةُ: كَسْرًا، ثَمَّ لَا يُغْلَقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ: (كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً)؛ أَيْ عِلْمُهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا مِثْلَ هَذَا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا عَدَلَ حُذَيْفَةُ حِينَ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنِ الْإِخْبَارِ بِالْفِتْنَةِ الْكُبْرَى إِلَى الْإِخْبَارِ بِالْفِتْنَةِ الْخَاصَّةِ لِئَلَّا يُغَمَّ وَيَشْتَغِلَ بَالُهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: أَنْتَ الْبَابُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ الْبَابُ فَعَرَّضَ لَهُ بِمَا فَهِمَهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ، وَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ أَدَبِهِ. وَقَوْلُ عُمَرَ: إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَخَذَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْكَسْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا غَلَبَةً، وَالْغَلَبَةُ لَا تَقَعُ إِلَّا فِي الْفِتْنَةِ، وَعُلِمَ مِنَ الْخَبَرِ النَّبَوِيِّ أَنَّ بَأْسَ الْأُمَّةِ بَيْنَهُمْ وَاقِعٌ، وَأَنَّ الْهَرْجَ لَا يَزَالُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ شَدَّادٍ رَفَعَهُ: إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قُلْتُ: أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عَلِيٍّ فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: هَذَا الْيَهُودِيُّ - لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ - يَقُولُ: إِنَّكَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ! فَقَالَ عُمَرُ: مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ خَرَجَ فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْسَلِخُ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ. فَقَالَ: مَا هَذَا، مَرَّةً فِي الْجَنَّةِ وَمَرَّةً فِي النَّارِ! فَقَالَ: إِنَّا لِنَجِدُكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ تَمْنَعُ النَّاسَ أَنْ يَقْتَحِمُوا فِيهَا، فَإِذَا مِتَّ اقْتَحَمُوا.

قَوْلُهُ: (فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا) احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعُلُوُّ وَلَا الِاسْتِعْلَاءُ.

فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُمْ مَجْلِسًا، فَتَحَوَّلَ حَتَّى جَاءَ مُقَابِلَهُمْ عَلَى شَفَةِ الْبِئْرِ، فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ ثُمَّ دَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ، فَجَعَلْتُ أَتَمَنَّى أَخًا لِي وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَأْتِيَ. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمْ؛ اجْتَمَعَتْ هَاهُنَا وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ أَبِي نِمْرٍ. وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيِّ الْقَاضِيِّ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (خَرَجَ النَّبِيُّ إِلَى حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ لِحَاجَتِهِ) تَقَدَّمَ اسْمُ الْحَائِطِ الْمَذْكُورِ مَعَ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُهُ هُنَا: لَأَكُونَنَّ الْيَوْمَ بَوَّابَ النَّبِيِّ وَلَمْ يَأْمُرْنِي قَالَ الدَّاوُدِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: أَمَرَنِي بِحِفْظِ الْبَابِ وَهُوَ اخْتِلَافٌ لَيْسَ الْمَحْفُوظُ إِلَّا أَحَدَهُمَا، وَتُعُقِّبَ بِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ أَوَّلًا لِأَبِي بَكْرٍ وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ أَنْ يَأْذَنْ لَهُ وَيُبَشِّرَهُ بِالْجَنَّةِ وَافَقَ ذَلِكَ اخْتِيَارَ النَّبِيِّ لِحِفْظِ الْبَابِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ كَانَ فِي حَالِ خَلْوَةٍ وَقَدْ كَشَفَ عَنْ سَاقِهِ وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فَأَمَرَهُ بِحِفْظِ الْبَابِ، فَصَادَفَ أَمْرَهُ مَا كَانَ أَبُو مُوسَى أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِهِ قَبْلَ الْأَمْرِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الْأَمْرَ عَلَى التَّقْرِيرِ

وَقَدْ مَضَى شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ. وَقَوْلُهُ هُنَا: وَجَلَسَ عَلَى قُفِّ الْبِئْرِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي بَدَلَ عَلَى، وَالْقُفُّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ مَتْنِ الْبِئْرِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَا حَوْلَ الْبِئْرِ. قُلْتُ: وَالْمُرَادُ هُنَا مَكَانٌ يُبْنَى حَوْلَ الْبِئْرِ لِلْجُلُوسِ، وَالْقُفُّ أَيْضًا الشَّيْءُ الْيَابِسُ، وَفِي أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ وَادٍ يُقَالُ لَهُ: الْقُفُّ، وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا. وَقَوْلُهُ: فَدَخَلَ فَجَاءَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَجَلَسَ بَدَلَ فَجَاءَ، وَقَوْلُه: فَامْتَلَأَ الْقُفُّ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَامْتَلَأَ؛ بِالْوَاوِ.

وَالْمُرَادُ مِنْ تَخْرِيجِهِ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَقِّ عُثْمَانَ: بَلَاءٌ يُصِيبُهُ هُوَ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْقَتْلِ الَّذِي نَشَأَتْ عَنْهُ الْفِتَنُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي الْجَمَلِ، ثُمَّ فِي صِفِّينَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا خُصَّ عُثْمَانُ بِذِكْرِ الْبَلَاءِ مَعَ أَنَّ عُمَرَ قُتِلَ أَيْضًا لِكَوْنِ عُمَرَ لَمْ يُمْتَحَنْ بِمِثْلِ مَا امْتُحِنَ عُثْمَانُ مِنْ تَسَلُّطِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَرَادُوا مِنْهُ أَنْ يَنْخَلِعَ مِنَ الْإِمَامَةِ بِسَبَبِ مَا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ مِنَ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ مَعَ تَنَصُّلِهِ مِنْ ذَلِكَ وَاعْتِذَارِهِ عَنْ كُلِّ مَا أَوْرَدُوهُ عَلَيْهِ ثُمَّ هُجُومُهُمْ عَلَيْهِ دَارَهُ وَهَتْكُهُمْ سِتْرَ أَهْلِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى قَتْلِهِ. قُلْتُ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَلَاءِ الَّذِي خُصَّ بِهِ الْأُمُورُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْقَتْلِ وَهُوَ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: فَتَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَأَوَّلْتُ قَالَ الدَّاوُدِيُّ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِجَوْدَتِهِ فِي عِبَارَةِ الرُّؤْيَا يَسْتَعْمِلُ التَّعْبِيرَ فِيمَا يُشْبِهُهَا. قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ التَّمْثِيلَ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّسْوِيَةَ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: اجْتَمَعُوا مُطْلَقُ الِاجْتِمَاعِ لَا خُصُوصُ كَوْنِ أَحَدِهِمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرِ عَنْ شِمَالِهِ كَمَا كَانُوا عَلَى الْبِئْرِ، وَكَذَا عُثْمَانُ انْفَرَدَ قَبْرُهُ عَنْهُمْ وَلَمْ يَسْتَلْزِمْ أَنْ يَكُونَ مُقَابِلَهُمْ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ: (عَنْ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْأَعْمَشُ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، وَمَنْصُورٍ وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ بِشْرِ بْنِ خَالِدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ لَكِنَّهُ سَاقَهُ عَلَى لَفْظِ سُلَيْمَانَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ شُعْبَةُ: وَحَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أُسَامَةَ نَحْوًا مِنْهُ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ: فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ.

قَوْلُهُ: (قِيلَ لِأُسَامَةَ: أَلَّا تُكَلِّمُ هَذَا؟) كَذَا هُنَا بِإِبْهَامِ الْقَائِلِ وَإِبْهَامِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ: لَوْ أَتَيْتَ فُلَانًا فَكَلَّمْتَهُ وَجَزَاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: لَكَانَ صَوَابًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لَوْ لِلتَّمَنِّي، وَوَقَعَ اسْمُ الْمُشَارِ إِلَيْهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أُسَامَةَ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ وَلِأَحْمَدَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ: أَلَا تُكَلِّمُ عُثْمَانَ؟.

قَوْلُهُ: (قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا)؛ أَيْ: كَلَّمْتُهُ فِيمَا أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ، لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْمَصْلَحَةِ وَالْأَدَبِ فِي السِّرِّ بِغَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِي مَا يُثِيرُ فِتْنَةً أَوْ نَحْوَهَا. وَمَا مَوْصُوفَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً.

قَوْلُهُ: (أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَتَحَهُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ; وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَرَوْنَ - أَيْ تَظُنُّونَ - أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أَسْمَعْتُكُمْ؛ أَيْ إِلَّا بِحُضُورِكُمْ، وَسَقَطَتِ الْأَلِفُ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ فَصَارَ بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ؛ أَيْ إِلَّا وَقْتَ حُضُورِكُمْ حَيْثُ تَسْمَعُونَ وَهِيَ رِوَايَةُ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ الْمَذْكُورَةُ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِثْلُهُ، لَكِنْ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ إِلَّا أَسْمَعْتُكُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ؛ يَعْنِي: لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا مَعَ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ بِكَلَامٍ لَا يُهَيِّجُ بِهِ فِتْنَةً.

قَوْلُهُ: (وَمَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا عَلَى رَجُلَيْنِ: أَنْتَ خَيْرٌ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: إِيتَ خَيْرًا بِصِيغَةِ فِعْلِ الْأَمْرِ مِنَ الْإِيتَاءِ وَنَصْبِ خَيْرًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: وَلَا أَقُولُ لِأَمِيرٍ إِنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا هُوَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إِنْ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، وَقَوْلُهُ: كَانَ عَلَيَّ - بِالتَّشْدِيدِ - أَمِيرًا أَنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ. وَفِي

رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا وَفِي رِوَايَةِ يَعْلَى: وَإِنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا.

قَوْلُهُ: (بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُ: يُجَاءُ بِرَجُلٍ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ . قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: يُجَاءُ بِالرَّجُلِ وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: يُجَاءُ بِالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يُطَاعُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ فَيُقْذَفُ فِي النَّارِ.

قَوْلُهُ: (فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَارِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: كَمَا يَطْحَنُ الْحِمَارُ كَذَا رَأَيْتُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ: فَيُطْحَنُ؛ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي أُخْرَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ أَوْجَهُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ: فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ: يَسْتَدِيرُ فِيهَا كَمَا يَسْتَدِيرُ الْحِمَارُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ. وَالْأَقْتَابُ جَمْعُ قِتْبٍ - بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ - هِيَ الْأَمْعَاءُ، وَانْدِلَاقُهَا خُرُوجُهَا بِسُرْعَةٍ؛ يُقَالُ: انْدَلَقَ السَّيْفُ مِنْ غِمْدِهِ إِذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسُلَّهُ أَحَدٌ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ كَانَتْ أَيْضًا عِنْدَ الْأَعْمَشِ فَلَمْ يَسْمَعْهَا شُعْبَةُ مِنْهُ وَسَمِعَ مَعْنَاهَا مِنْ مَنْصُورٍ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ)؛ أَيْ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ، يُقَالُ: أَطَافَ بِهِ الْقَوْمُ إِذَا حَلَّقُوا حَوْلَهُ حَلْقَةً وَإِنْ لَمْ يَدُورُوا، وَطَافُوا إِذَا دَارُوا حَوْلَهُ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ خَطَأُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ: فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ. وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ: فَيَأْتِي عَلَيْهِ أَهْلُ طَاعَتِهِ مِنَ النَّاسِ.

قَوْلُهُ: (فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانِ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ: فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ وَزَادَ: مَا شَأْنُكَ؟ وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ: أَيْ فُلُ، أَيْنَ مَا كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِهِ؟.

قَوْلُهُ: (أَلَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا؟.

قَوْلُهُ: (إِنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا أَفْعَلُهُ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَفْعَلُهُ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: آمُرُكُمْ وَأَنْهَاكُمْ وَلَهُ وَلِأَبِي مُعَاوِيَةَ: وَآتِيهِ وَلَا آتِيهِ. وَفِي رِوَايَةِ يَعْلَى: بَلْ كُنْتُ آمُرُ وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ: وَإِنِّي كُنْتُ آمُرُكُمْ بِأَمْرٍ وَأُخَالِفُكُمْ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: أَرَادُوا مِنْ أُسَامَةَ أَنْ يُكَلِّمَ عُثْمَانَ وَكَانَ مِنْ خَاصَّتِهِ وَمِمَّنْ يَخِفُّ عَلَيْهِ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ لِأَنَّهُ كَانَ ظَهَرَ عَلَيْهِ رِيحُ نَبِيذٍ وَشُهِرَ أَمْرُهُ وَكَانَ أَخَا عُثْمَانَ لِأُمِّهِ، وَكَانَ يَسْتَعْمِلُهُ، فَقَالَ أُسَامَةُ: قَدْ كَلَّمْتُهُ سِرًّا دُونَ أَنْ أُفْتَحَ بَابًا؛ أَيْ بَابَ الْإِنْكَارِ عَلَى الْأَئِمَّةِ عَلَانِيَةً خَشْيَةَ أَنْ تَفْتَرِقَ الْكَلِمَةُ. ثُمَّ عَرَّفَهُمْ أَنَّهُ لَا يُدَاهِنُ أَحَدًا وَلَوْ كَانَ أَمِيرًا بَلْ يَنْصَحُ لَهُ فِي السِّرِّ جَهْدَهُ، وَذَكَرَ لَهُمْ قِصَّةَ الرَّجُلِ الَّذِي يُطْرَحُ فِي النَّارِ لِكَوْنِهِ كَانَ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَفْعَلُهُ لِيَتَبَرَّأَ مِمَّا ظَنُّوا بِهِ مِنْ سُكُوتِهِ عَنْ عُثْمَانَ فِي أَخِيهِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَجَزْمُهُ بِأَنَّ مُرَادَ مَنْ سَأَلَ أُسَامَةَ الْكَلَامَ مَعَ عُثْمَانَ أَنْ يُكَلِّمَهُ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ مَا عَرَفْتُ مُسْتَنَدَهُ فِيهِ، وَسِيَاقُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ يَدْفَعُهُ، وَلَفْظُهُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ: كُنَّا عِنْدَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ فِيمَا يَصْنَعُ.

قَالَ: وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، وَجَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُكَلِّمَهُ فِيمَا أَنْكَرَهُ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ مِنْ تَوْلِيَةِ أَقَارِبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اشْتُهِرَ، وَقَوْلُهُ: إِنَّ السَّبَبَ فِي تَحْدِيثِ أُسَامَةَ بِذَلِكَ لِيَتَبَرَّأَ مِمَّا ظَنُّوهُ بِهِ لَيْسَ بِوَاضِحٍ، بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أُسَامَةَ كَانَ يَخْشَى عَلَى مَنْ وُلِّيَ وِلَايَةً وَلَوْ صَغُرَتْ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْمُرَ الرَّعِيَّةَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ثُمَّ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ، فَكَانَ أُسَامَةُ يَرَى أَنَّهُ لَا يَتَأَمَّرُ عَلَى أَحَدٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: لَا أَقُولُ لِلْأَمِيرِ إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ؛ أَيْ: بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَنْجُوَ كَفَافًا. وَقَالَ عِيَاضٌ: مُرَادُ أُسَامَةَ أَنَّهُ لَا يَفْتَحُ بَابَ الْمُجَاهَرَةِ بِالنَّكِيرِ عَلَى الْإِمَامِ لِمَا يَخْشَى مِنْ عَاقِبَةِ ذَلِكَ، بَلْ يَتَلَطَّفُ بِهِ وَيَنْصَحُهُ سِرًّا فَذَلِكَ أَجْدَرُ بِالْقَبُولِ.

وَقَوْلُهُ: لَا أَقُولُ لِأَحَدٍ يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ فِيهِ ذَمُّ مُدَاهَنَةِ الْأُمَرَاءِ فِي الْحَقِّ وَإِظْهَارُ مَا يُبْطِنُ خِلَافَهُ كَالْمُتَمَلِّقِ بِالْبَاطِلِ، فَأَشَارَ أُسَامَةُ إِلَى الْمُدَارَاةِ الْمَحْمُودَةِ وَالْمُدَاهَنَةِ الْمَذْمُومَةِ، وَضَابِطُ الْمُدَارَاةِ أَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٠٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصٌ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة قال: (سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ) بن اليمان (يَقُولُ: بَيْنَا) بغير ميمٍ (نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (إذ قَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ) حذيفة: قلت: هي (فِتْنَةُ الرَّجُلِ) وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٨٦] من طريق شعبة عن الأعمش: قال رسول الله : «فتنة الرَّجل» (فِي أَهْلِهِ) بالميل، يأتي بسببهنَّ بما لا يحلُّ له (وَ) فتنته في (مَالِهِ) بأن يأخذ من غير حلِّه، ويصرفه في غير حلِّه (وَ) في (وَلَدِهِ) لفرط محبَّته له، والشُّغُل به عن كثيرٍ من الخيرات (وَ) في (جَارِهِ) بالحسد والمفاخرة، وكلُّها (تُكَفِّرُهَا (١) الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ) أي: تكفِّر الصَّغائر فقط؛ لحديث: «الصَّلاة إلى الصَّلاة كفَّارةٌ لما بينهما ما اجتُنبتِ الكبائر»، ويُحْتَملُ أن يكون كلُّ واحدٍ من الصَّلاة وما بعدها مكفِّرًا للمذكورات كلِّها، لا لكلِّ واحدٍ منها، وأن يكون من باب اللَّفِّ والنَّشر بأنَّ الصَّلاة مثلًا كفَّارةٌ للفتنة (٢) في الأهل؛ وهكذا … إلى آخره، وخُصَّ الرجل بالذِّكر؛ لأنَّه في الغالب صاحب الحُكْمِ في داره وأهله، وإلَّا فالنِّساء شقائق الرِّجال في الحكم (قَالَ) عمر لحذيفة: (لَيْسَ عَنْ هَذَا) الذي ذكرت (أَسْأَلُكَ (٣)، وَلَكِنِ) التي أسألك عنها الفتنة (الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ) تضطرب كاضطرابه عند هيجانه، كنايةً عن شدَّة المخاصمة، وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة، وفيه دليلٌ على جواز إطلاق اللَّفظ العامِّ وإرادة الخاصِّ؛ إذ تبيَّن أنَّ عمر لم يسأل إلَّا عن فتنةٍ مخصوصةٍ، وفي رواية ربعيِّ بن حراشٍ عن حذيفة عند الطَّبرانيِّ: فقال حذيفة: سمعته يقول: «يأتي (٤) بعدي فِتَنٌ كموج البحر يدفع بعضها بعضًا»، ويُؤخَذ منها -كما في «الفتح» - جهة التَّشبيه بالموج، وأنَّه ليس المراد منه الكثرة فقط (فَقَالَ) حذيفة لعمر : (لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ

يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا) بضمِّ الميم وسكون المعجمة وفتح اللَّام، بالنَّصب صفةُ لـ «بابًا»، أي: لا يخرج شيءٌ منها في حياتك، قال ابن المُنَيِّر: آثر حذيفة الحرص على حفظ السِّرِّ، فلم يُصرِّح لعمر بما سأل عنه، وإنَّما كنَّى عنه كنايةً، وكأنَّه كان مأذونًا له في مثل ذلك، وقال ابن بطَّال: وإنَّما عدل حذيفة حين سأله عمر عن الإخبار بالفتنة الكبرى إلى الإخبار بالفتنة الخاصَّة (١)؛ لِئلَّا يغمَّه ويشغل باله، ومن ثَمَّ قال له: إنَّ بينك وبينها بابًا مغلقًا، ولم يقل له: أنت الباب، وهو يعلم أنَّه الباب، فعرَّض له بما أفهمه (٢) ولم يصرِّح (٣)؛ وذلك من حسن أدبه (قَالَ عُمَرُ) مستفهمًا لحذيفة: (أَيُكْسَرُ البَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ) حذيفة: (بَلْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «لا بل» (يُكْسَرُ، قَالَ عُمَرُ: إِذًا) بالتَّنوين، أي: إنِ انكسر (لَا يُغْلَقَ) نُصِبَ بـ «إذًا» (٤) (أَبَدًا) وفي «الصِّيام» [خ¦١٨٩٥] «ذاك أجدر ألَّا يُغْلَق إلى يوم القيامة»، ويُحتَمَلُ أن يكون كنَّى عن الموت بالفتح، وعن القتل بالكسر، قال حذيفة: (قُلْتُ: أَجَلْ) بالجيم واللَّام المخفَّفة: نعم، قال شقيقٌ: (قُلْنَا (٥) لِحُذَيْفَةَ: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البَابَ؟ قَالَ) حذيفة: (نَعَمْ) كان (٦) يعلمه (كَمَا أَعْلَمُ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي (٧): «يعلم» (٨) (أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً (٩)) أي: أعلمه علمًا ضروريًّا مثل هذا (وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ): جمع أغلوطة -بالغين المعجمة والطَّاء المهملة- ما يُغالط به (١٠)، أي: حدَّثته حديثًا صدقًا محقَّقًا من حديثه ، لا عن اجتهادٍ ولا عن (١١) رأيٍ، قال

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

١٧ - (بابُ الفِتْنَةِ الّتي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْفِتْنَة الَّتِي تموج كموج الْبَحْر، قيل: أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَاصِم بن ضَمرَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: فِي هَذِه الْأمة خمس فتن، فَذكر الْأَرْبَعَة، ثمَّ فتْنَة تموج كموج الْبَحْر وَهِي الَّتِي يصبح النَّاس فِيهَا كَالْبَهَائِمِ أَي: لَا عقول لَهُم.

وَقَالَ ابنُ عُيَيْنَةَ عنْ خَلَفِ بنِ حَوْشَبٍ: كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَتَمَثَّلُوا بِهاذِهِ الأبْياتِ عِنْدَ الفِتَنِ، قَالَ امرُؤ القَيْسِ:

(الحَرْبُ أوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيّةً ... تَسْعَى بِزِينَتها لِكُلِّ جَهُولِ)

(حتَّى إذَا اشْتَعَلَتْ وشَبَّ ضِرامُها ... ولّتْ عَجُوزاً غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ)

(شَمْطاءَ يُنْكَرُ لَوْنُها، وتَغَيَّرَتْ ... مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ والتَّقْبِيلِ)

أَي: قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن خلف بِالْخَاءِ وَاللَّام المفتوحتين ابْن حَوْشَب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وبالباء الْمُوَحدَة كَانَ من أهل الْكُوفَة، روى عَن جمَاعَة من كبار التَّابِعين وَأدْركَ بعض الصَّحَابَة لَكِن لَا يعلم رِوَايَته عَنْهُم، وَكَانَ عابداً من عباد أهل الْكُوفَة وَثَّقَهُ الْعجلِيّ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا بَأْس بِهِ، وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن عُيَيْنَة، وَلَيْسَ لَهُ فِي البُخَارِيّ إلَاّ هَذَا الْموضع، قَوْله: كَانُوا أَي: السّلف. قَوْله: عِنْد الْفِتَن أَي: عِنْد نُزُولهَا. قَوْله: قَالَ امْرُؤ الْقَيْس كَذَا وَقع عِنْد أبي ذَر فِي نسخته، وَالْمَحْفُوظ أَن هَذِه الأبيات لعَمْرو بن معد يكرب الزبيدِيّ، وَقد جزم بِهِ الْمبرد فِي الْكَامِل وَتَعْلِيق سُفْيَان هَذَا وَصله البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الصَّغِير عَن عبد الله بن مُحَمَّد المسندي: حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة. قَوْله: فتية بِفَتْح الْفَاء وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف أَي: شَابة، وَيجوز فِيهِ ضم الْفَاء بِالتَّصْغِيرِ، وَيجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب. وَأما الرّفْع فعلى أَنه خبر وَذَلِكَ أَن الْحَرْب مُبْتَدأ وَأول مَا تكون بدل مِنْهُ وَمَا مَصْدَرِيَّة وَتَكون تَامَّة تَقْدِيره: أول كَونهَا، وفتية خبر الْمُبْتَدَأ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَجَاز فِي: أول، وفتية، أَرْبَعَة أوجه: نصبهما ورفعهما، وَنصب الأول وَرفع الثَّانِي، وَالْعَكْس. وَكَانَ، إِمَّا نَاقِصَة وَإِمَّا تَامَّة، ثمَّ سكت وَلم يبين وَجه ذَلِك. قلت: وَجه نصبهما أَن يكون الأول مَنْصُوبًا على الظّرْف، وفتية مَرْفُوعا على الخبرية، وَتَكون نَاقِصَة، وَالتَّقْدِير: الْحَرْب فِي أول حَالهَا فتية، وَوجه الْعَكْس أَن يكون الأول مُبْتَدأ ثَانِيًا أَو بَدَلا من الْحَرْب. وَيكون تَامَّة، وَقد خبط بَعضهم فِي هَذَا الْمَكَان يعرفهُ من يقف عَلَيْهِ. قَوْله: بزينتها بِكَسْر الزَّاي وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنون، وَرَوَاهُ سِيبَوَيْهٍ، ببزتها، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَالزَّاي الْمُشَدّدَة، وَالْبزَّة اللبَاس الْجيد. قَوْله: حَتَّى إِذا اشتعلت بشين مُعْجمَة وَعين مُهْملَة، يُقَال: اشتعلت النَّار إِذا ارْتَفع لهيبها وَإِذا، يجوز أَن يكون ظرفية وَيجوز أَن يكون شَرْطِيَّة وجوابها قَوْله: ولت قَوْله: وشب بالشين الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة يُقَال: شبت الْحَرْب إِذا اتقدت. قَوْله: ضرامها بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَهُوَ مَا اشتعل من الْحَطب. قَوْله: غير ذَات حليل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وَهُوَ الزَّوْج، ويروى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ ظَاهر. قَوْله: شَمْطَاء من شمط بالشين الْمُعْجَمَة اخْتِلَاط الشّعْر الْأَبْيَض بالشعر الْأسود، وَيجوز فِي إعرابه النصب على أَن يكون صفة لعجوز، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ شَمْطَاء. قَوْله: يُنكر على صِيغَة الْمَجْهُول. ولونها مَرْفُوع بِهِ أَي: بدل حسنها بقبح، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحميدِي والسهيلي فِي الرَّوْض

شَمْطَاء جزت رَأسهَا

قَوْله: مَكْرُوهَة نصب على الْحَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: تَغَيَّرت، وَالْمرَاد بالتمثيل بِهَذِهِ الأبيات استحضار مَا شاهدوه وسمعوه من حَال الْفِتْنَة فَإِنَّهُم يتذكرون بإنشادها ذَلِك فيصدهم عَن الدُّخُول فِيهَا حَتَّى لَا يغتروا بِظَاهِر أمرهَا أَولا.

٧٠٩٦ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصِ بنِ غِياثٍ، حدّثنا أبي، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعْمَشُ، حدّثنا شَقِيقٌ سَمِعْتُ

حُذَيْفَةَ يَقُولُ: نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ إِذْ قَالَ: أيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النبيِّ فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أهْلِهِ ومالِهِ ووَلدِهِ وجارِهِ، يُكَفِّرُها الصَّلاةُ والصَّدَقَةُ والأمرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَن المُنْكَرِ قَالَ: لَيْسَ عنْ هاذا أسْألُكَ، ولاكنِ الّتي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْها بأسٌ يَا أمِيرِ المُؤْمِنِينَ، إنَّ بَيْنَكَ وبَيْنها بَابا مُغَلقاً. قَالَ عُمَرُ: أيُكْسَرُ البابُ أمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ عُمَرُ: إِذا لَا يُغْلَقَ أبدا. قُلْتُ: أجَلْ. قُلْنا لحُذَيْفَةَ: أكانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أعْلَمُ أنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً. وذالِكَ أنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثاً لَيْسَ بِالأغالِيطِ، فَهِبْنا أنْ نَسْألَهُ مَنِ البابُ؟ فأمَرْنا مَسْرُوقاً فَسَألُهُ، فَقَالَ: مَنِ البابُ؟ قَالَ: عُمَرُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعمر بن حَفْص يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَن شَقِيق بن سَلمَة عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان.

والْحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب الْمَوَاقِيت مطولا، وَفِي الزَّكَاة عَن قُتَيْبَة عَن جرير، وَفِي الصَّوْم عَن عَليّ بن عبد الله، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: لَيْسَ عَلَيْك وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: عَلَيْكُم، بِالْجمعِ. قَوْله: بَيْنك وَبَينهَا بَابا مغلقاً قيل: قَالَ هَذَا ثمَّ قَالَ آخرا: هُوَ الْبَاب، وَأجِيب بِأَن المُرَاد بَين زَمَانك وحياتك وَبَينهَا أَو الْبَاب بدل عمر وَهُوَ بَين الْفِتْنَة وَبَين نَفسه. قَوْله: أيكسر الْبَاب أم يفتح؟ قَالَ ابْن بطال: أَشَارَ بِالْكَسْرِ إِلَى قتل عمر وبالفتح إِلَى مَوته. وَقَالَ عمر: إِذا كَانَ بِالْقَتْلِ فَلَا تسكن الْفِتْنَة أبدا. قَوْله: كَمَا أعلم أَن دون غَد لَيْلَة أَي: علما ضَرُورِيًّا. قَوْله: بالأغاليط جمع الأغلوطة وَهِي الْكَلَام الَّذِي يغالط بِهِ ويغالط فِيهِ. قَوْله: فَأمرنَا أَي: قُلْنَا أَو طلبنا.

وَفِيه: أَن الْأَمر لَا يشْتَرط فِيهِ الْعُلُوّ والاستعلاء.

٧٠٩٧ - حدّثنا سَعيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ، أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، عنْ شَريكٍ بنِ عَبْدِ الله، عنْ سَعِيدِ بنِ المُسيَّبِ، عنْ أبي مُوساى الأشْعَرِيِّ قَالَ: خَرَجَ النبيُّ يَوْماً إِلَى حائِطٍ مِنْ حَوائِطِ المَدِينَةِ لِحاجَتِهِ، وخَرَجْتُ فِي إثْرِهِ، فَلمَّا دَخَلَ الحائِطَ جَلَسْتُ عَلى بابِهِ، وقُلْتُ: لأكُونَنَّ اليَوْم بَوَّابَ النبيِّ ولَمْ يَأمُرْنِي. فَذَهَبَ النبيُّ وقَضاى حاجَتَهُ وجَلَسَ عَلى قُفِّ البِئرِ فَكشَف عنْ ساقَيْهِ ودَلَّاهُما فِي البِئرِ، فَجاءَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأذِنُ عَلَيْهِ لِيَدْخُلَ فَقُلْتُ: كَمَا أنْتَ حتَّى أسْتَأذِنَ لَكَ، فَوَقَفَ فَجِئْتُ إِلَى النبيِّ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ الله أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ. قَالَ: ائْذَنْ لهُ وبَشِّرْهُ بِالجَنَةِ فَدَخَلَ فَجاءَ عنْ يَمِينِ النبيِّ فَكَشَفَ عنْ ساقَيْهِ ودَلَّاهُما فِي البِئْرِ. فَجاءَ عُمَرُ فَقُلْتُ: كَمَا أنْتَ حتَّى أسْتَأْذِنَ لَكَ، فَقَالَ النبيُّ ائْذَنْ لهُ وبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ فجاءَ عنْ يَسارِ النبيِّ فَكَشَفَ عنْ ساقَيْه فَدلاهُما فِي البِئر فامْتَلأ القُفُّ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَجْلِسٌ، ثُمَّ جاءَ عثْمانُ فَقُلْتُ: كَمَا أنْتَ حتَّى استَأذْنِ لَكَ، فَقَالَ النبيُّ ائْذَنْ لهُ وبشَرِّهُ بِالجَنَّةِ مَعَهَا بَلاءٌ يُصِيبُهُ فَدَخَلَ فَلَمْ يَجِدْ مَعَهُمْ مَجْلساً فَتَحَوَّلَ حتَّى جاءَ مُقابِلَهُمْ عَلى شَفَةِ البِئرِ، فَكَشَفَ عنْ ساقَيْهِ ثُمَّ دَلَاّهُما فِي البِئْرِ، فَجَعَلْتُ أتَمَنَّى أَخا لي وأدْعُو الله أنْ يأتِيَ.

قَالَ ابنُ المُسَيَّبِ: فَتأوَّلْتُ ذالِكَ قُبُورَهُمُ اجْتَمَعَتْ هاهُنا وانْفَرَدَ عُثْمانُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: وبشره بِالْجنَّةِ مَعهَا بلَاء يُصِيبهُ وَهَذَا من جملَة الْفِتَن الَّتِي تموج كموج الْبَحْر، وَلِهَذَا خصّه

بالبلاء وَلم يذكر مَا جرى على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَنَّهُ لم يمْتَحن مثل مَا امتحن عُثْمَان من التسلط عَلَيْهِ ومطالبة خلع الْإِمَامَة وَالدُّخُول على حرمه وَنسبَة القبائح إِلَيْهِ.

وَشريك بن عبد الله هُوَ ابْن أبي نمر وَلم يخرج البُخَارِيّ عَن شريك بن عبد الله النَّخعِيّ القَاضِي شَيْئا.

والْحَدِيث مضى فِي فضل أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن مُحَمَّد وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وبالسين الْمُهْملَة. قَوْله: وَلم يَأْمُرنِي يَعْنِي: بِأَن أعمل بواباً، وَقَالَ الدَّاودِيّ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَمرنِي بِحِفْظ الْبَاب وَهُوَ اخْتِلَاف وَلَيْسَ الْمَحْفُوظ إلَاّ أَحدهمَا ورد عَلَيْهِ بِإِمْكَان الْجمع بِأَنَّهُ فعل ذَلِك ابْتِدَاء من قبل نَفسه، فَلَمَّا اسْتَأْذن أَولا لأبي بكر وَكَانَ كشف عَن سَاقيه أمره بِحِفْظ الْبَاب. قَوْله: على قف الْبِئْر وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَجلسَ فِي قف الْبِئْر، والقف مَا ارْتَفع من متن الأَرْض، وَقَالَ الدَّاودِيّ مَا حول الْبِئْر، وَقَالَ الْكرْمَانِي: القف بِضَم الْقَاف وَهُوَ الْبناء حول الْبِئْر وَحجر فِي وَسطهَا وشفيرها ومصبها. قَوْله: ودلاهما أَي: أرسلهما فِيهَا. قَوْله: كَمَا أَنْت أَي: قف واثبت كَمَا أَنْت عَلَيْهِ. قَوْله: مَعهَا بلَاء هُوَ البلية الَّتِي صَار بهَا شَهِيد الدَّار. قَوْله: مقابلهم اسْم مَكَان فتحا، وَاسم فَاعل كسراً. قَوْله: فتأولت وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: فأولت، أَي: فسرت ذَلِك بقبورهم، وَذَلِكَ من جِهَة كَونهمَا مصاحبين لَهُ مُجْتَمعين عِنْد الحضرة الْمُبَارَكَة الَّتِي هِيَ أشرف الْبِقَاع على وَجه الأَرْض، لَا من جِهَة أَن أَحدهمَا عَن الْيَمين وَالْآخر عَن الْيَسَار. قَوْله: وَانْفَرَدَ عُثْمَان يَعْنِي: لم يدْفن مَعَهُمَا وَدفن فِي البقيع.

حدّثني بِشْرُ بنُ خالِدٍ، أخبرنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، عنْ شُعْبَةَ، عنْ سُلَيْمانَ سَمِعْتُ أَبَا وائِلٍ قَالَ: قِيلَ لأسامَةَ: أَلا تُكلِّمُ هاذا؟ قَالَ: قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أنْ أفْتَحَ بَابا أكُونُ أوَّلَ مَنْ يَفْتَحُهُ، وَمَا أَنا بِالّذِي أقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَ أَن يَكُونَ أمِيراً عَلى رَجُلَيْنِ: أنْتَ خَيْرٌ، بَعْدَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رسولِ الله يَقُولُ يُجاءُ بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ فَيطْحَنُ فِيها كَطَحْنِ الحِمارِ برَحاهُ، فَيُطِيفُ بِهِ أهْلُ النَّارِ فَيَقُولونَ: أيْ فُلانُ؟ ألسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهاى عَن المُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: إنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَلَا أفْعَلُهُ، وأنْهاى عَن المُنْكَرِ وأفْعَلُهُ.

انْظُر الحَدِيث ٣٢٦٧

مطابقته للتَّرْجَمَة يُمكن أَن تُؤْخَذ بالتعسف من كَلَام أُسَامَة وَهُوَ أَنه لم يرد فتح الْبَاب بالمجاهرة بالتنكير على الإِمَام لما يخْشَى من عَاقِبَة ذَلِك من كَونه فتْنَة رُبمَا تؤول إِلَى أَن تموج كموج الْبَحْر.

وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة، ابْن خَالِد الْيَشْكُرِي وَسليمَان هُوَ الْأَعْمَش، وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة، وَأُسَامَة هُوَ ابْن زيد حب رَسُول الله

والْحَدِيث مضى فِي صفة النَّار عَن عَليّ بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي آخر الْكتاب عَن يحيى بن يحيى وَغَيره.

قَوْله: قيل لأسامة: ألَاّ تكلم هَذَا لم يبين هُنَا من هُوَ الْقَائِل لأسامة: أَلا تكلم هَذَا، وَلَا الْمشَار إِلَيْهِ بقوله: هَذَا، من هُوَ، وَقد بَين فِي رِوَايَة مُسلم قيل لَهُ: أَلا تدخل على عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وتكلمه فِي شَأْن الْوَلِيد بن عقبَة وَمَا ظهر مِنْهُ من شرب الْخمر؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَلا تكلم فِيمَا يَقع بَين النَّاس من الْغَيْبَة وَالسَّعْي فِي إطفاء إثارتها؟ . قَوْله: قَالَ: قد كَلمته مَا دون أَن أفتح بَابا أَي: كَلمته شَيْئا دون أَن أفتح بَابا من أَبْوَاب الْفِتَن، أَي: كَلمته على سَبِيل الْمصلحَة وَالْأَدب والسر دون أَن يكون فِيهِ تهييج للفتنة وَنَحْوهَا، وَكلمَة: مَا، مَوْصُوفَة. قَوْله: أكون أول من يَفْتَحهُ وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أول من فَتحه، بِصِيغَة الْمَاضِي. قَوْله: وَأَنت خير فِي رِوَايَة الْكشميهني: ائْتِ خيرا، بِكَسْر الْهمزَة وَالتَّاء بِصِيغَة الْأَمر من الإيتاء، وَخيرا بِالنّصب على المفعولية. قَوْله: يجاء بِرَجُل على صِيغَة الْمَجْهُول. وَكَذَلِكَ فيطرح قَوْله: فيطحن على بِنَاء الْمَعْلُوم. قَوْله: كطحن الْحمار وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: كَمَا يطحن. قَوْله: فيطيف بِهِ أهل النَّار أَي: يَجْتَمعُونَ حوله، يُقَال: أطاف بِهِ الْقَوْم إِذا حَلقُوا حوله حَلقَة. قَوْله: أَي فلَان يَعْنِي:

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
الحمد لله