الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٠٥
الحديث رقم ٧١٠٥ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا
٧١٠٥ - ٧١٠٦ - ٧١٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَا رَأَيْنَاكَ أَتَيْتَ أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدَنَا مِنْ إِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ مُنْذُ أَسْلَمْتَ فَقَالَ عَمَّارٌ: مَا رَأَيْتُ مِنْكُمَا مُنْذُ أَسْلَمْتُمَا أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا عَنْ هَذَا الأَمْرِ وَكَسَاهُمَا حُلَّةً حُلَّةً ثُمَّ رَاحُوا إِلَى الْمَسْجِدِ"
[الحديث ٧١٠٢ - طرفه في: ٧١٠٦]
[الحديث ٧١٠٣ - طرفه في: ٧١٠٥]
[الحديث ٧١٠٤ - طرفه في: ٧١٠٧]
٧١٠٥، ٧١٠٦ - ، ٧١٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَعَمَّارٍ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ مَا مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلاَّ لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ فِيهِ غَيْرَكَ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتَ النَّبِيَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِي مِنْ اسْتِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَبَا مَسْعُودٍ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلَا مِنْ صَاحِبِكَ هَذَا شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتُمَا النَّبِيَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا فِي هَذَا الأَمْرِ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ - وَكَانَ مُوسِرًا - يَا غُلَامُ هَاتِ حُلَّتَيْنِ، فَأَعْطَى إِحْدَاهُمَا أَبَا مُوسَى وَالأُخْرَى عَمَّارًا وَقَالَ: رُوحَا فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ"
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَسَقَطَ لِابْنِ بَطَّالٍ، وَذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِوَقْعَةِ الْجَمَلِ ثَالِثُهَا مِنْ رِوَايَةِ ثَلَاثَةٍ، وَتَعَلُّقُهُ بِمَا قَبْلَهُ ظَاهِرٌ فَإِنَّهَا كَانَتْ أَوَّلَ وَقْعَةٍ تَقَاتَلَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: (عَوْفٌ) هُوَ الْأَعْرَابِيُّ، وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَصْرِيُّ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ، وَقَدْ تَابَعَ عَوْفًا، حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنِ الْحَسَنِ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَقَالَ: رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ جَمَاعَةٌ، وَأَحْسَنُهَا إِسْنَادًا رِوَايَةُ حُمَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الْجَمَلِ) فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ: عَصَمَنِي اللَّهُ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ جَمَعَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ أَخْبَارِ الْبَصْرَةِ قِصَّةَ الْجَمَلِ مُطَوَّلَةً، وَهَا أَنَا أُلَخِّصُهَا وَأَقْتَصِرُ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَوْ حَسَنٍ وَأُبَيِّنُ مَا عَدَاهُ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانَ أَقْبَلْتُ مَعَ عَلِيٍّ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا جَمَاعَةُ عَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، فَخَرَجَ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، أَلَا تَرَى؟ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، وَدَخَلَ بَيْتَهُ فَأَتَى بِثَرِيدٍ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ: يُقْتَلُ ابْنُ عَمِّي وَنَغْلِبُ عَلَى مُلْكِهِ؟ فَخَرَجَ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ فَفَتَحَهُ، فَلَمَّا تَسَامَعَ النَّاسُ تَرَكُوا طَلْحَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ الْأَشْتَرُ: رَأَيْتُ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ بَايَعَا عَلِيًّا طَائِعَيْنِ غَيْرَ مُكْرَهَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ طَلْحَةُ يَقُولُ إِنَّهُ بَايَعَ وَهُوَ مُكْرَهٌ. وَمِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ أَتَى النَّاسُ عَلِيًّا وَهُوَ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا لَهُ: ابْسُطْ يَدَكَ نُبَايِعْكَ. فَقَالَ: حَتَّى يَتَشَاوَرَ النَّاسُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ رَجَعَ النَّاسُ إِلَى أَمْصَارِهِمْ بِقَتْلِ عُثْمَانَ وَلَمْ يَقُمْ بَعْدَهُ قَائِمٌ لَمْ يُؤْمَنِ الِاخْتِلَافُ وَفَسَادُ الْأُمَّةِ! فَأَخَذَ الْأَشْتَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعُوهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَكَانَ عَلِيٌّ خَلَا بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا خَشِيَ أَنَّهُمْ يُبَايِعُونَ طَلْحَةَ دَعَا النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِهِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِهِ طَلْحَةَ وَلَا غَيْرَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ فَبَايَعَاهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ اسْتَأْذَنَا عَلِيًّا فِي الْعُمْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَا إِلَى مَكَّةَ فَلَقِيَا عَائِشَةَ فَاتَّفَقُوا عَلَى الطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ حَتَّى يَقْتُلُوا قَتَلَتَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ عُثْمَانُ، يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ عَلَى صَنْعَاءَ
وَكَانَ عَظِيمَ الشَّأْنِ عِنْدَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَكَانَ يَعْلَى قَدِمَ حَاجًّا فَأَعَانَ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَحَمَلَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَاشْتَرَى لِعَائِشَةَ جَمَلًا يُقَالُ لَهُ عَسْكَرٌ بِثَمَانِينَ دِينَارًا. وَمِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: أَتَدْرُونَ بِمَنْ بُلِيتُ؟ أَطْوَعُ النَّاسِ فِي النَّاسِ عَائِشَةُ، وَأَشَدُّ النَّاسِ الزُّبَيْرُ، وَأَدْهَى النَّاسِ طَلْحَةُ، وَأَيْسَرُ النَّاسِ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: خَرَجَ عَلِيٌّ فِي آخِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: سَارَ عَلِيٌّ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ تِسْعُمِائَةِ رَاكِبٍ فَنَزَلَ بِذِي قَارٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ فَنَزَلَتْ بَعْضَ مِيَاهِ بَنِي عَامِرٍ نَبَحَتْ عَلَيْهَا الْكِلَابُ، فَقَالَتْ: أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟ قَالُوا: الْحَوْأَبُ - بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ - قَالَتْ: مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةً. فَقَالَ لَهَا بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهَا: بَلْ تَقْدَمِينَ فَيَرَاكِ الْمُسْلِمُونَ فَيُصْلِحُ اللَّهُ ذَاتَ بَيْنِهِمْ. فَقَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ. وَأَخْرَجَ هَذَا أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وَسَنَدُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ: فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: تَقْدَمِينَ، فَذَكَرَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عِصَامِ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِنِسَائِهِ: أَيَّتُكُنَّ صَاحِبَةُ الْجَمَلِ الْأَدْبَبِ - بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَدَالٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ؟ تَخْرُجُ حَتَّى تَنْبَحَهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ، يُقْتَلُ عَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا قَتْلَى كَثِيرَةٌ وَتَنْجُو مِنْ بَعْدِ مَا كَادَتْ. وَهَذَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ حَوْلَ حُذَيْفَةَ إِذْ قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ وَقَدْ خَرَجَ أَهْلُ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فِرْقَتَيْنِ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ؟ قُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا أَدْرَكْنَا ذَلِكَ؟ قَالَ: انْظُرُوا إِلَى الْفِرْقَةِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى أَمْرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهَا عَلَى الْهُدَى.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَلَغَ أَصْحَابَ عَلِيٍّ حِينَ سَارُوا مَعَهُ أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ اجْتَمَعُوا بِطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ وَوَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَنَظْهَرَنَّ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَلَنَقْتُلَنَّ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ الْحَدِيثَ. وَفِي سَنَدِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَكَرَ لِعَائِشَةَ يَوْمَ الْجَمَلِ قَالَتْ: وَالنَّاسُ يَقُولُونَ يَوْمَ الْجَمَلِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَتْ: وَدِدْتُ أَنِّي جَلَسْتُ كَمَا جَلَسَ غَيْرِي، فَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ وَلَدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةً كُلَّهُمْ مِثْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ. وَفِي سَنَدِهِ أَبُو مَعْشَرٍ نَجِيحٌ الْمَدَنِيُّ وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَأَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ الْمُرَادِيِّ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: لَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ الْبَصْرَةَ فِي أَمْرِ طَلْحَةَ وَأَصْحَابِهِ قَامَ قَيْسُ بْنُ عَبَّادٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَوَّاءِ فَقَالَا لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرِكَ هَذَا، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِي مُبَايَعَتِهِ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ ثُمَّ ذَكَرَ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ فَقَالَ: بَايَعَانِي بِالْمَدِينَةِ وَخَالَفَانِي بِالْبَصْرَةِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِمَّنْ بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ خَالَفَهُ لَقَاتَلْنَاهُ. وَكَذَلِكَ عُمَرُ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّهُ سَيَكُونُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَائِشَةَ أَمْرٌ، قَالَ: فَأَنَا أَشْقَاهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْدُدْهَا إِلَى مَأْمَنِهَا. وَأَخْرَجَ إِسْحَاقُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ - رَجُلٍ مِنْ حَيِّهِ - قَالَ: خَلَا عَلِيٌّ، بِالزُّبَيْرِ يَوْمَ الْجَمَلِ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَأَنْتَ لَاوِي يَدِيَ: لَتُقَاتِلَنَّهُ وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ ثُمَّ لَيُنْصَرَنَّ عَلَيْكَ؟ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُ، لَا جَرَمَ لَا أُقَاتِلُكَ. وَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ هَجَنَّعَ - بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَقِيلَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُقَاتِلَ مَعَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَوْمَ الْجَمَلِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ قَوْمٌ هَلْكَى لَا يُفْلِحُونَ، قَائِدُهُمُ امْرَأَةٌ فِي الْجَنَّةِ. فَكَأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ
أَشَارَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَامْتَنَعَ مِنَ الْقِتَالِ مَعَهُمْ، ثُمَّ اسْتَصْوَبَ رَأْيَهُ فِي ذَلِكَ التَّرْكِ لَمَّا رَأَى غَلَبَةَ عَلِيٍّ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ بِلَفْظِ: عَصَمَنِي اللَّهُ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ عَائِشَةَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فَعَصَمَنِ اللَّهُ.
وَأَخْرَجَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عَائِشَةَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرَةَ فَقَالَ: إِنَّكِ لَأُمٌّ، وَإِنَّ حَقَّكِ لَعَظِيمٌ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ تَمْلِكُهُمُ امْرَأَةٌ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ فَارِسًا) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: كَذَا وَقَعَ مَصْرُوفًا وَالصَّوَابُ عَدَمُ صَرْفِهِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْفُرْسِ وَعَلَى بِلَادِهِمْ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يُصْرَفُ إِلَّا أَنْ يُرَادَ الْقَبِيلَةُ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ الْأَمْرَانِ كَسَائِرِ الْبِلَادِ، انْتَهَى. وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ صَرْفَ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا.
قَوْلُهُ: (مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى) فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ: لَمَّا هَلَكَ كِسْرَى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنِ اسْتَخْلَفُوا؟ قَالُوا: ابْنَتَهُ.
قَوْلُهُ: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ: وَلِيَ أَمْرَهُمُ امْرَأَةٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا الْفَاعِلُ، وَكِسْرَى الْمَذْكُورُ هُوَ شِيرَوَيْهِ بْنُ أَبْرَوَيْزَ بْنِ هُرْمُزَ، وَاسْمُ ابْنَتِهِ الْمَذْكُورَةِ بُورَانُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْمَغَازِي فِي بَابِ كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى كِسْرَى شَرْحُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنْ عَوْفٍ فِي آخِرِهِ: قَالَ أَبُو بَكْرَةَ: فَعَرَفْتُ أَنَّ أَصْحَابَ الْجَمَلِ لَنْ يُفْلِحُوا.
وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ يُوهِمُ تَوْهِينَ رَأْيِ عَائِشَةَ فِيمَا فَعَلَتْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى رَأْيِ عَائِشَةَ فِي طَلَبِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمُ الْقِتَالَ، لَكِنْ لَمَّا انْتَشَبَتِ الْحَرْبُ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ مَعَهَا بُدٌّ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ، وَلَمْ يَرْجِعْ أَبُو بَكْرَةَ عَنْ رَأْيِ عَائِشَةَ وَإِنَّمَا تَفَرَّسَ بِأَنَّهُمْ يُغْلَبُونَ لَمَّا رَأَى الَّذِينَ مَعَ عَائِشَةَ تَحْتَ أَمْرِهَا لِمَا سَمِعَ فِي أَمْرِ فَارِسٍ، قَالَ: وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَنْقُلْ أَنَّ عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا نَازَعُوا عَلِيًّا فِي الْخِلَافَةِ وَلَا دَعَوْا إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ لِيُوَلُّوهُ الْخِلَافَةَ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ هِيَ وَمَنْ مَعَهَا عَلَى عَلِيٍّ مَنْعَهُ مِنْ قَتْلِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَتَرْكِ الِاقْتِصَاصِ مِنْهُمْ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَنْتَظِرُ مِنْ أَوْلِيَاءِ عُثْمَانَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ، فَإِذَا ثَبَتَ عَلَى أَحَدٍ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ مِمَّنْ قَتَلَ عُثْمَانَ اقْتَصَّ مِنْهُ، فَاخْتَلَفُوا بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَخَشِيَ مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِمُ الْقَتْلُ أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى قَتْلِهِمْ فَأَنْشَبُوا الْحَرْبَ بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ كَانَ مَا كَانَ. فَلَمَّا انْتَصَرَ عَلِيٌّ عَلَيْهِمْ حَمِدَ أَبُو بَكْرَةَ رَأْيَهُ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ مَعَهُمْ وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُ كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِ عَائِشَةَ فِي الطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَفِي بَعْضِهِ نَظَرٌ يَظْهَرُ مِمَّا ذَكَرْتُهُ وَمِمَّا سَأَذْكُرُهُ.
وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ الْأَحْنَفِ أَنَّهُ كَانَ خَرَجَ لِيَنْصُرَ عَلِيًّا فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرَةَ فَنَهَاهُ عَنِ الْقِتَالِ، وَتَقَدَّمَ قَبْلَهُ بِبَابٍ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرَةَ لَمَّا حَرَّقَ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْقِتَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَصْلًا فَلَيْسَ هُوَ عَلَى رَأْيِ عَائِشَةَ وَلَا عَلَى رَأْيِ عَلِيٍّ فِي جَوَازِ الْقِتَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَصْلًا، وَإِنَّمَا كَانَ رَأْيُهُ الْكَفُّ وِفَاقًا لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا لَمْ يَشْهَدْ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَلَا عَلِيٍّ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: احْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تُوَلَّى الْمَرْأَةُ الْقَضَاءَ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَخَالَفَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَقْضِيَ فِيمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا فِيهِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْجَوَازَ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ أَيْضًا: كَلَامُ أَبِي بَكْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْلَا عَائِشَةُ لَكَانَ مَعَ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ لِأَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُمَا لَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ. كَذَا قَالَ، وَأَغْفَلَ قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْكَفَّ عَنِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ تَرَكَ الْقِتَالَ مَعَ أَهْلِ بَلَدِهِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَنْ لَا يَكُونَ مَانَعَهُ مِنَ الْقِتَالِ سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَهْيِهِ الْأَحْنَفَ عَنِ الْقِتَالِ وَاحْتِجَاجِهِ بِحَدِيثِ: إِذَا
الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
الحديث الثاني:
حَدِيثُ عَمَّارٍ فِي حَقِّ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ الْمُسْنِدِيُّ، وَأَبُو حَصِينٍ - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ - هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ، وَأَبُو مَرْيَمَ الْمَذْكُورُ أَسَدِيٌّ كُوفِيٌّ هُوَ وَجَمِيعُ رُوَاةِ الْإِسْنَادِ إِلَّا شَيْخَهُ وَشَيْخَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ وَثَّقَ أَبَا مَرْيَمَ الْمَذْكُورَ الْعِجْلِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَائِشَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ) ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ أَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ أَهَلَّتِ السَّنَةُ، وَذَكَرَ بِسَنَدٍ لَهُ آخَرَ أَنَّ الْوَقْعَةَ بَيْنَهُمْ كَانَتْ فِي النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَذَكَرَ مِنْ رِوَايَةِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنِ الْعَلَاءِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ وَهُوَ بِالزَّاوِيَةِ فَقَالَ: عَلَامَ تُقَاتِلُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: عَلَى الْحَقِّ. قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ. قَالَ: أُقَاتِلُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْجَمَاعَةِ وَنَكْثِ الْبَيْعَةِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ أَنَّ رَجُلًا أَمِيرًا مَرِضَ وَعِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ وَالنَّاسُ يُرِيدُونَهُ، فَلَوْ نَهَتْهُمُ الْمَرْأَةُ لَانْتَهَوْا، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ، فَقَتَلُوهُ. ثُمَّ غَزَوْتُ تِلْكَ السَّنَةَ فَبَلَغَنَا قَتْلُ عُثْمَانَ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاتِنَا وَانْتَهَيْنَا إِلَى الْبَصْرَةِ قِيلَ لَنَا: هَذَا طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَائِشَةُ، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ وَسَأَلُوهُمْ عَنْ سَبَبِ مَسِيرِهِمْ، فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ خَرَجُوا غَضَبًا لِعُثْمَانَ وَتَوْبَةً مِمَّا صَنَعُوا مِنْ خِذْلَانِهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: غَضِبْنَا لَكُمْ عَلَى عُثْمَانَ فِي ثَلَاثٍ: إِمَارَةِ الْفَتَى، وَضَرْبِ السَّوْطِ، وَالْعَصَا. فَمَا أَنْصَفْنَاهُ إِنْ لَمْ نَغْضَبْ لَهُ فِي ثَلَاثٍ: حُرْمَةِ الدَّمِ، وَالشَّهْرِ، وَالْبَلَدِ.
قَالَ: فَسِرْتُ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي إِلَى عَلِيٍّ وَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، وَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: عَدَا النَّاسُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَقَتَلُوهُ وَأَنَا مُعْتَزِلٌ عَنْهُمْ ثُمَّ وَلَّوْنِي، وَلَوْلَا الْخَشْيَةُ عَلَى الدِّينِ لَمْ أُجِبْهُمْ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَنِي الزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ فِي الْعُمْرَةِ فَأَخَذْتُ عَلَيْهِمَا الْعُهُودَ وَأَذِنْتُ لَهُمَا، فَعَرَّضَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهَا، فَبَلَغَنِي أَمْرُهُمْ فَخَشِيتُ أَنْ يَنْفَتِقَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْقٌ فَأَتْبَعْتُهُمْ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ قِتَالَهُمْ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا، وَمَا خَرَجْنَا إِلَّا لِلْإِصْلَاحِ. فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَفِيهَا أَنَّ أَوَّلَ مَا وَقَعَتِ الْحَرْبُ أَنَّ صِبْيَانَ الْعَسْكَرَيْنِ تَسَابُّوا ثُمَّ تَرَامَوْا ثُمَّ تَبِعَهُمُ الْعَبِيدُ ثُمَّ السُّفَهَاءُ فَنَشِبَتِ الْحَرْبُ، وَكَانُوا خَنْدَقُوا عَلَى الْبَصْرَةِ فَقُتِلَ قَوْمٌ وَجُرِحَ آخَرُونَ، وَغَلَبَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ وَنَادَى مُنَادِيهِ: لَا تَتَّبِعُوا مُدْبِرًا وَلَا تُجْهِزُوا جَرِيحًا، وَلَا تَدْخُلُوا دَارَ أَحَدٍ، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَعْمَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْبَصْرَةِ وَرَجَعَ إِلَى الْكُوفَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: انْتَهَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ إِلَى عَائِشَةَ يَوْمَ الْجَمَلِ وَهِيَ فِي الْهَوْدَجِ فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَعْلَمِينَ أَنِّي أَتَيْتُكِ عِنْدَمَا قُتِلَ عُثْمَانُ فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرِينِي؟ فَقُلْتِ: الْزَمْ عَلِيًّا؟ فَسَكَتَتْ. فَقَالَ: اعْقِرُوا الْجَمَلَ، فَعَقَرُوهُ، فَنَزَلْتُ أَنَا وَأَخُوهَا مُحَمَّدٌ فَاحْتَمَلْنَا هَوْدَجَهَا فَوَضَعْنَاهُ بَيْنَ يَدَيْ عَلِيٍّ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُدْخِلَتْ بَيْتًا.
وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: فَكَفَّ عَليٌّ يَدَهُ حَتَّى بَدَءُوهُ بِالْقِتَالِ، فَقَاتَلَهُمْ بَعْدَ الظُّهْرِ فَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَحَوْلَ الْجَمَلِ أَحَدٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تُتَمِّمُوا جَرِيحًا وَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِرًا، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَأَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْرَمَ غَلَبَةً مِنْ أَبِيكَ - يَعْنِي عَلِيًّا - مَا هُوَ إِلَّا أَنْ وَلَّيْنَا يَوْمَ الْجَمَلِ فَنَادَى مُنَادِيهِ: لَا يُقْتَلُ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ جَاوَانَ عَنِ الْأَحْنَفِ قَالَ: حَجَجْتُ سَنَةَ قُتِلَ عُثْمَانُ فَدَخَلْتُ الْمَدِينَةَ، فَذَكَرَ كَلَامَ عُثْمَانَ فِي تَذْكِيرِهِمْ بِمَنَاقِبِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا ثُمَّ ذَكَرَ اعْتِزَالَهُ الطَّائِفَتَيْنِ قَالَ: ثُمَّ الْتَقَوْا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ طَلْحَةُ، وَرَجَعَ الزُّبَيْرُ فَقُتِلَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لِلْأَشْتَرِ: قَدْ كُنْتَ كَارِهًا لِقَتْلِ عُثْمَانَ، فَكَيْفَ قَاتَلْتَ يَوْمَ الْجَمَلِ؟ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ بَايَعُوا عَلِيًّا ثُمَّ
نَكَثُوا عَهْدَهُ، وَكَانَ الزُّبَيْرُ هُوَ الَّذِي حَرَّكَ عَائِشَةَ عَلَى الْخُرُوجِ فَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَنِيهِ، فَلَقِيَنِي كَفُّهُ بِكَفِّهِ فَمَا رَضِيتُ لِشِدَّةِ سَاعِدِي أَنْ قُمْتُ فِي الرِّكَابِ فَضَرَبْتُهُ عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً فَصَرَعْتُهُ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي أَنَّهُمَا سَلِمَا.
قَوْلُهُ: (بَعَثَ عَلِيٌّ، عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَقَدِمَا عَلَيْنَا الْكُوفَةَ) ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، وَالطَّبَرِيُّ سَبَبَ ذَلِكَ بِسَنَدِهِمَا إِلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ أَقَرَّ أَبَا مُوسَى عَلَى إِمْرَةِ الْكُوفَةِ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ أَرْسَلَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَيْهِ أَنْ أَنْهِضْ مَنْ قِبَلَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَكُنْ مِنْ أَعْوَانِي عَلَى الْحَقِّ. فَاسْتَشَارَ أَبُو مُوسَى السَّائِبَ بْنَ مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ: اتَّبِعْ مَا أَمَرَكَ بِهِ. قَالَ: إِنِّي لَا أَرَى ذَلِكَ، وَأَخَذَ فِي تَخْذِيلِ النَّاسِ عَنِ النُّهُوضِ، فَكَتَبَ هَاشِمٌ إِلَى عَلِيٍّ بِذَلِكَ وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ مَعَ عَقْلِ بْنِ خَلِيفَةَ الطَّائِيِّ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ يَسْتَنْفِرَانِ النَّاسَ، وَأَمَّرَ قَرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ عَلَى الْكُوفَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ عَلَى أَبِي مُوسَى اعْتَزَلَ وَدَخَلَ الْحَسَنُ، وَعَمَّارٌ الْمَسْجِدَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَقْبَلَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ حَتَّى نَزَلَا الْبَصْرَةَ فَقَبَضَا عَلَى عَامِلِ عَلِيٍّ عَلَيْهَا ابْنِ حَنِيفٍ، وَأَقْبَلَ عَلِيٌّ حَتَّى نَزَلَ بِذِي قَارٍ، فَأَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ إِلَى الْكُوفَةِ فَأَبْطَأُوا عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَمَّارًا فَخَرَجُوا إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَوْقَ الْمِنْبَرِ فِي أَعْلَاهُ وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِنَ الْحَسَنِ، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فَسَمِعْتُ عَمَّارًا يَقُولُ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ: صَعِدَ عَمَّارٌ الْمِنْبَرَ فَحَضَّ النَّاسَ فِي الْخُرُوجِ إِلَى قِتَالِ عَائِشَةَ وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ: فَقَالَ عَمَّارٌ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَنَا إِلَيْكُمْ لِنَسْتَنْفِرَكُمْ، فَإِنَّ أُمَّنَا قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ. وَعِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: فَكَانَ عَمَّارٌ يَخْطُبُ وَالْحَسَنُ سَاكِتٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ عَلِيًّا يَقُولُ: إِنِّي أُذَكِّرُ اللَّهَ رَجُلًا رَعَى لِلَّهِ حَقًّا إِلَّا نَفَرَ، فَإِنْ كُنْتُ مَظْلُومًا أَعَانَنِي وَإِنْ كُنْتُ ظَالِمًا أَخْذَلَنِي، وَاللَّهِ إِنَّ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ لَأَوَّلُ مَنْ بَايَعَنِي ثُمَّ نَكَثَا، وَلَمْ أَسْتَأْثِرْ بِمَالٍ وَلَا بَدَّلْتُ حُكْمًا، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ; وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكُمْ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ: لِيَعْلَمَ أَنُطِيعُهُ أَمْ إِيَّاهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ بَعْدَ قَوْلِهِ قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ: وَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَقُولُ لَكُمْ هَذَا وَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ، زَادَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي رِوَايَتِهِ: وَأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَنَا إِلَيْكُمْ وَهُوَ بِذِي قَارٍ. وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: إِنَّ أُمَّنَا سَارَتْ مَسِيرَهَا هَذَا، وَإِنَّهَا وَاللَّهِ زَوْجُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَانَا بِهَا لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ نُطِيعُ أَوْ إِيَّاهَا، وَمُرَادُ عَمَّارٍ بِذَلِكَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ، وَأَنَّ عَائِشَةَ مَعَ ذَلِكَ لَمْ تَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَا أَنْ تَكُونَ زَوْجَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ. فَكَانَ ذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ إِنْصَافِ عَمَّارٍ وَشِدَّةِ وَرَعِهِ وَتَحَرِّيهِ قَوْلَ الْحَقِّ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدِينِيِّ قَالَ: قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، لِعَائِشَةَ لَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْجَمَلِ: مَا أَبْعَدَ هَذَا الْمَسِيرِ مِنَ الْعَهْدِ الَّذِي عُهِدَ إِلَيْكُمْ؛ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فَقَالَتْ: أَبُو الْيَقْظَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّكَ مَا عَلِمْتَ لَقَوَّالٌ بِالْحَقِّ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَضَى لِي عَلَى لِسَانِكِ.
وَقَوْلُهُ: لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الضَّمِيرُ فِي إِيَّاهُ لِعَلِيٍّ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: أَمْ إِيَّاهَا، لَا هِيَ. وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الضَّمَائِرَ يَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ، انْتَهَى وَهُوَ عَلَى بَعْضِ الْآرَاءِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ: وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَانَا بِهَا لِيَعْلَمَ أَنُطِيعُهُ أَمْ إِيَّاهَا فَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ،
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِي إِيَّاهُ لِعَلِيٍّ؛ فَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْمُرَادُ إِظْهَارُ الْمَعْلُومِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ؛ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُمَيْدٍ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ، وَالْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (قَامَ عَمَّارٌ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ) هَذَا طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِهِ تَقْوِيَةَ حَدِيثِ أَبِي مَرْيَمَ لِكَوْنِهِ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ عَنْهُ أَبُو حُصَيْنٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنِ الْحَكَمِ، شُعْبَةُ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ قَالَ: لَمَّا بَعَثَ عَلِيٌّ، عَمَّارًا، وَالْحَسَنَ إِلَى الْكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُمْ خَطَبَ عَمَّارٌ فَذَكَرَهُ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أنَّ عَمَّارًا كَانَ صَادِقَ اللَّهْجَةِ وَكَانَ لَا تَسْتَخْفِهِ الْخُصُومَةُ إِلَى أَنْ يَنْتَقِصَ خَصْمَهُ، فَإِنَّهُ شَهِدَ لِعَائِشَةَ بِالْفَضْلِ التَّامِّ مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْحَرْبِ، انْتَهَى. وَفِيهِ جَوَازُ ارْتِفَاعِ ذِي الْأَمْرِ فَوْقَ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ وَأَعْظَمُ سَابِقَةً فِي الْإِسْلَامِ وَفَضْلًا، لِأَنَّ الْحَسَنَ وَلَدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ حِينَئِذٍ هُوَ الْأَمِيرُ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُمْ عَلِيٌّ، وَعَمَّارٌ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، فَصَعِدَ الْحَسَنُ أَعْلَى الْمِنْبَرِ فَكَانَ فَوْقَ عَمَّارٍ وَإِنْ كَانَ فِي عَمَّارٍ مِنَ الْفَضْلِ مَا يَقْتَضِي رُجْحَانُهُ فَضْلًا عَنْ مُسَاوَاتِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَمَّارٌ فَعَلَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا مَعَ الْحَسَنِ وَإِكْرَامًا لَهُ مِنْ أَجْلِ جَدِّهِ ﷺ وَفَعَلَهُ الْحَسَنُ مُطَاوَعَةً لَهُ لَا تَكَبُّرًا عَلَيْهِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي مَسْعُودٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْعَةِ الْجَمَلِ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ مُرَّةَ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ؛ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ بَعَثَهُ عَلِيٌّ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حِينَ بَدَلَ: حَيْثُ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: يَسْتَنْفِرُ أَهْلَ الْكُوفَةِ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ.
قَوْلُهُ: (مَا رَأَيْنَاكَ أَتَيْتَ أَمْرًا أَكْرَهُ عِنْدَنَا مِنْ إِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مُنْذُ أَسْلَمْتَ) زَادَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى خِطَابَ عَمَّارٍ ذَلِكَ هُوَ أَبُو مَسْعُودٍ وَهُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ يَلِي لِعَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ كَمَا كَانَ أَبُو مُوسَى يَلِي لِعُثْمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَكَسَاهُمَا حُلَّةً) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَكَسَاهُمَا حُلَّةً حُلَّةً وَبَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ أَنَّ فَاعِلَ كَسَا هُوَ أَبُو مَسْعُودٍ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُحْتَمَلٌ فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَاحُوا إِلَى الْمَسْجِدِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: فَقَامَ أَبُو مَسْعُودٍ فَبَعَثَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُلَّةً. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيمَا دَارَ بَيْنَهُمْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ كَانَ مُجْتَهِدًا وَيَرَى أَنَّ الصَّوَابَ مَعَهُ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو مَسْعُودٍ مُوسِرًا جَوَادًا، وَكَانَ اجْتِمَاعُهُمْ عِنْدَ أَبِي مَسْعُودٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَكَسَا عَمَّارًا حُلَّةً لِيَشْهَدَ بِهَا الْجُمُعَةَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي ثِيَابِ السَّفَرِ وَهَيْئَةِ الْحَرْبِ، فَكَرِهَ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ فِي تِلْكَ الثِّيَابِ وَكَرِهَ أَنْ يَكْسُوَهُ بِحَضْرَةِ أَبِي مُوسَى وَلَا يَكْسُوَ أَبَا مُوسَى فَكَسَا أَبَا مُوسَى أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: أَعْيَبَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْعَيْبِ، وَجَعَلَ كُلٌّ مِنْهُمُ الْإِبْطَاءَ وَالْإِسْرَاعَ عَيْبًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَعْتَقِدُهُ، فَعَمَّارٌ لِمَا فِي الْإِبْطَاءِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ وَتَرْكِ امْتِثَالِ ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ وَالْآخَرَانِ لِمَا ظَهَرَ لَهُمَا مِنْ تَرْكِ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ، وَكَانَ أَبُو مَسْعُودٍ عَلَى رَأْيِ أَبِي مُوسَى فِي الْكَفِّ عَنِ الْقِتَالِ تَمَسُّكًا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَمَا فِي حَمْلِ السِّلَاحِ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنَ الْوَعِيدِ، وَكَانَ عَمَّارٌ عَلَى رَأْيِ عَلِيٍّ فِي قِتَالِ الْبَاغِينَ وَالنَّاكِثِينَ وَالتَّمَسُّكِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ وَحَمَلَ الْوَعِيدَ الْوَارِدَ فِي الْقِتَالِ عَلَى مَنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا عَلَى صَاحِبِهِ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَبْلَ سِيَاقِ سَنَدِ ابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ فِيهِ الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ فِي الْقِصَّةِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مجتهدًا، ويرى أنَّ الصَّواب معه (وَكَسَاهُمَا) أي: أبو مسعودٍ؛ كما صُرِّحَ به في الرِّواية اللَّاحقة لهذه [خ¦٧١٠٥] (حُلَّةً حُلَّةً) و «الحلَّة»: اسمٌ لثوبَين (ثُمَّ رَاحُوا إِلَى المَسْجِدِ) وعند الإسماعيليِّ: «ثمَّ خرجوا إلى الصَّلاة يوم الجمعة»، وإنَّما كسا عمَّارًا تلك الحلَّة؛ ليشهد بها الجمعة؛ لأنَّه كان في ثياب السَّفر وهيئة الحرب، فكره أن يشهد الجمعة في تلك الثِّياب، وكره أن يكسوه بحضرة أبي موسى ولا يكسو أبا موسى، فكساه أيضًا، قاله ابن بطَّالٍ.
٧١٠٥ - ٧١٠٦ - ٧١٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جَبَلة بن أبي روَّادٍ العتكيُّ المروزيُّ الحافظ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمون السُّكَّريِّ (١)، محدِّث مَرْو (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (٢) (وَأَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (وَعَمَّارٍ) هو ابن ياسرٍ ﵃ (فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) لعمَّارٍ (٣): (مَا مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ (٤) فِيهِ غَيْرَكَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتَ النَّبِيَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِي) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وبعد التَّحتيَّة المفتوحة موحَّدةٌ، «أفعل» تفضيل ٍمن العيب، وفيه ردٌّ على القائل: إنَّ «أفعل» التَّفضيل من الألوان والعيوب لا يُسْتعمَلُ من لفظه (مِنِ اسْتِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ) وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه رأى رأي أبي موسى في الكفِّ عن القتال؛ تمسُّكًا بالأحاديث الواردة فيه، وما في حمل السِّلاح على المسلم من الوعيد (قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَبَا مَسْعُودٍ؛ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلَا مِنْ صَاحِبِكَ
هَذَا شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتُمَا النَّبِيَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا فِي هَذَا الأَمْرِ) لِمَا في الإبطاء من مخالفة الإمام، وترك امتثالِ ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] فكان عمَّار على رأي عليٍّ في قتال الباغين والنَّاكثين والتَّمسُّك بقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ و (١) حَمَلَ الوعيد الوارد في القتال على من كان متعدِّيًا على صاحبه، فكلٌّ جعل الإبطاء والإسراع عيبًا بالنِّسبة لِمَا يعتقده (فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ وَكَانَ مُوسِرًا: يَا غُلَامُ؛ هَاتِ) بكسر الفوقيَّة (حُلَّتَيْنِ، فَأَعْطَى إِحْدَاهُمَا أَبَا مُوسَى وَالأُخْرَى عَمَّارًا) بيَّن في هذه أنَّ فاعل «كسا» في الرِّواية السَّابقة [خ¦٧١٠٢] هو أبو مسعودٍ كما مرَّ (وَقَالَ) لهما: (رُوحَا فِيهِ) بالتَّذكير مصحَّحًا عليه في الفرع (إِلَى) صلاة (الجُمُعَةِ) وذكر عمر بن شبَّة بسنده: أنَّ وقعة الجمل كانت في النِّصف من جُمادى الآخرة، سنة ستٍّ وثلاثين، وذكر أيضًا من رواية المدائنيِّ عن العلاء أبي محمَّدٍ عن أبيه قال: جاء رجلٌ إلى عليٍّ وهو بالزَّاوية، فقال: علامَ تقاتل هؤلاء؟ قال: على الحقِّ، قال: فإنَّهم يقولون: إنَّهم على الحقِّ، قال: أقاتلهم على الخروج عن الجماعة ونكث البيعة (٢)، وعند الطَّبريِّ (٣): إنَّ أوَّل ما وقعت الحرب أنَّ صبيان العسكَرين تسابُّوا، ثمَّ ترامَوا، ثمَّ تبعهم العبيد، ثمَّ السُّفهاء، فنشبت (٤) الحرب، وكانوا خندقوا على البصرة، فقُتِل قومٌ، وجرح (٥) آخرون، وغلب أصحاب عليٍّ، ونادى مناديه: لا تتَّبعوا مُدبِرًا، ولا تُجهِزوا (٦) جريحًا، ولا تدخلوا دار أحدٍ، ثمَّ جمع النَّاس وبايعهم، واستعمل ابن عبَّاس على البصرة، ورجع إلى الكوفة، وعند ابن أبي شيبة بسندٍ جيِّدٍ عن عبد الرَّحمن بن أبزى قال: انتهى عبد الله بن بُديل (٧) بن ورقاء الخزاعيُّ إلى عائشة يوم الجمل وهي في الهودج، فقال: يا أمَّ المؤمنين؛ أتعلمين أنِّي أتيتك عندما قُتِلَ عثمان، فقلت: ما تأمريني، فقلتِ: الزم عليًّا، فسكتت، فقال (٨): اعقروا الجمل،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَا رَأَيْنَاكَ أَتَيْتَ أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدَنَا مِنْ إِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ مُنْذُ أَسْلَمْتَ فَقَالَ عَمَّارٌ: مَا رَأَيْتُ مِنْكُمَا مُنْذُ أَسْلَمْتُمَا أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا عَنْ هَذَا الأَمْرِ وَكَسَاهُمَا حُلَّةً حُلَّةً ثُمَّ رَاحُوا إِلَى الْمَسْجِدِ"
[الحديث ٧١٠٢ - طرفه في: ٧١٠٦]
[الحديث ٧١٠٣ - طرفه في: ٧١٠٥]
[الحديث ٧١٠٤ - طرفه في: ٧١٠٧]
٧١٠٥، ٧١٠٦ - ، ٧١٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى وَعَمَّارٍ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ مَا مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلاَّ لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ فِيهِ غَيْرَكَ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتَ النَّبِيَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِي مِنْ اسْتِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَبَا مَسْعُودٍ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلَا مِنْ صَاحِبِكَ هَذَا شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتُمَا النَّبِيَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا فِي هَذَا الأَمْرِ فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ - وَكَانَ مُوسِرًا - يَا غُلَامُ هَاتِ حُلَّتَيْنِ، فَأَعْطَى إِحْدَاهُمَا أَبَا مُوسَى وَالأُخْرَى عَمَّارًا وَقَالَ: رُوحَا فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ"
قَوْلُهُ: (بَابٌ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَسَقَطَ لِابْنِ بَطَّالٍ، وَذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِوَقْعَةِ الْجَمَلِ ثَالِثُهَا مِنْ رِوَايَةِ ثَلَاثَةٍ، وَتَعَلُّقُهُ بِمَا قَبْلَهُ ظَاهِرٌ فَإِنَّهَا كَانَتْ أَوَّلَ وَقْعَةٍ تَقَاتَلَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: (عَوْفٌ) هُوَ الْأَعْرَابِيُّ، وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَصْرِيُّ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ، وَقَدْ تَابَعَ عَوْفًا، حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنِ الْحَسَنِ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَقَالَ: رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ جَمَاعَةٌ، وَأَحْسَنُهَا إِسْنَادًا رِوَايَةُ حُمَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الْجَمَلِ) فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ: عَصَمَنِي اللَّهُ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ جَمَعَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ أَخْبَارِ الْبَصْرَةِ قِصَّةَ الْجَمَلِ مُطَوَّلَةً، وَهَا أَنَا أُلَخِّصُهَا وَأَقْتَصِرُ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَوْ حَسَنٍ وَأُبَيِّنُ مَا عَدَاهُ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانَ أَقْبَلْتُ مَعَ عَلِيٍّ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا جَمَاعَةُ عَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، فَخَرَجَ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، أَلَا تَرَى؟ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، وَدَخَلَ بَيْتَهُ فَأَتَى بِثَرِيدٍ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ: يُقْتَلُ ابْنُ عَمِّي وَنَغْلِبُ عَلَى مُلْكِهِ؟ فَخَرَجَ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ فَفَتَحَهُ، فَلَمَّا تَسَامَعَ النَّاسُ تَرَكُوا طَلْحَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ الْأَشْتَرُ: رَأَيْتُ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ بَايَعَا عَلِيًّا طَائِعَيْنِ غَيْرَ مُكْرَهَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ طَلْحَةُ يَقُولُ إِنَّهُ بَايَعَ وَهُوَ مُكْرَهٌ. وَمِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ أَتَى النَّاسُ عَلِيًّا وَهُوَ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ فَقَالُوا لَهُ: ابْسُطْ يَدَكَ نُبَايِعْكَ. فَقَالَ: حَتَّى يَتَشَاوَرَ النَّاسُ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ رَجَعَ النَّاسُ إِلَى أَمْصَارِهِمْ بِقَتْلِ عُثْمَانَ وَلَمْ يَقُمْ بَعْدَهُ قَائِمٌ لَمْ يُؤْمَنِ الِاخْتِلَافُ وَفَسَادُ الْأُمَّةِ! فَأَخَذَ الْأَشْتَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعُوهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَكَانَ عَلِيٌّ خَلَا بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا خَشِيَ أَنَّهُمْ يُبَايِعُونَ طَلْحَةَ دَعَا النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِهِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِهِ طَلْحَةَ وَلَا غَيْرَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ فَبَايَعَاهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ اسْتَأْذَنَا عَلِيًّا فِي الْعُمْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَا إِلَى مَكَّةَ فَلَقِيَا عَائِشَةَ فَاتَّفَقُوا عَلَى الطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ حَتَّى يَقْتُلُوا قَتَلَتَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ عُثْمَانُ، يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ عَلَى صَنْعَاءَ
وَكَانَ عَظِيمَ الشَّأْنِ عِنْدَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَكَانَ يَعْلَى قَدِمَ حَاجًّا فَأَعَانَ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَحَمَلَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَاشْتَرَى لِعَائِشَةَ جَمَلًا يُقَالُ لَهُ عَسْكَرٌ بِثَمَانِينَ دِينَارًا. وَمِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: أَتَدْرُونَ بِمَنْ بُلِيتُ؟ أَطْوَعُ النَّاسِ فِي النَّاسِ عَائِشَةُ، وَأَشَدُّ النَّاسِ الزُّبَيْرُ، وَأَدْهَى النَّاسِ طَلْحَةُ، وَأَيْسَرُ النَّاسِ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: خَرَجَ عَلِيٌّ فِي آخِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: سَارَ عَلِيٌّ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ تِسْعُمِائَةِ رَاكِبٍ فَنَزَلَ بِذِي قَارٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ فَنَزَلَتْ بَعْضَ مِيَاهِ بَنِي عَامِرٍ نَبَحَتْ عَلَيْهَا الْكِلَابُ، فَقَالَتْ: أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟ قَالُوا: الْحَوْأَبُ - بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ - قَالَتْ: مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةً. فَقَالَ لَهَا بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهَا: بَلْ تَقْدَمِينَ فَيَرَاكِ الْمُسْلِمُونَ فَيُصْلِحُ اللَّهُ ذَاتَ بَيْنِهِمْ. فَقَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ. وَأَخْرَجَ هَذَا أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وَسَنَدُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ: فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: تَقْدَمِينَ، فَذَكَرَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عِصَامِ بْنِ قُدَامَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِنِسَائِهِ: أَيَّتُكُنَّ صَاحِبَةُ الْجَمَلِ الْأَدْبَبِ - بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَدَالٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ؟ تَخْرُجُ حَتَّى تَنْبَحَهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ، يُقْتَلُ عَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا قَتْلَى كَثِيرَةٌ وَتَنْجُو مِنْ بَعْدِ مَا كَادَتْ. وَهَذَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ حَوْلَ حُذَيْفَةَ إِذْ قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ وَقَدْ خَرَجَ أَهْلُ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فِرْقَتَيْنِ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ وُجُوهَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ؟ قُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا أَدْرَكْنَا ذَلِكَ؟ قَالَ: انْظُرُوا إِلَى الْفِرْقَةِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى أَمْرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهَا عَلَى الْهُدَى.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَلَغَ أَصْحَابَ عَلِيٍّ حِينَ سَارُوا مَعَهُ أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ اجْتَمَعُوا بِطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ وَوَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَنَظْهَرَنَّ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَلَنَقْتُلَنَّ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ الْحَدِيثَ. وَفِي سَنَدِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَكَرَ لِعَائِشَةَ يَوْمَ الْجَمَلِ قَالَتْ: وَالنَّاسُ يَقُولُونَ يَوْمَ الْجَمَلِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَتْ: وَدِدْتُ أَنِّي جَلَسْتُ كَمَا جَلَسَ غَيْرِي، فَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ وَلَدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةً كُلَّهُمْ مِثْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ. وَفِي سَنَدِهِ أَبُو مَعْشَرٍ نَجِيحٌ الْمَدَنِيُّ وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَأَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ الْمُرَادِيِّ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: لَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ الْبَصْرَةَ فِي أَمْرِ طَلْحَةَ وَأَصْحَابِهِ قَامَ قَيْسُ بْنُ عَبَّادٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَوَّاءِ فَقَالَا لَهُ: أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرِكَ هَذَا، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِي مُبَايَعَتِهِ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ ثُمَّ ذَكَرَ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ فَقَالَ: بَايَعَانِي بِالْمَدِينَةِ وَخَالَفَانِي بِالْبَصْرَةِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِمَّنْ بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ خَالَفَهُ لَقَاتَلْنَاهُ. وَكَذَلِكَ عُمَرُ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّهُ سَيَكُونُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَائِشَةَ أَمْرٌ، قَالَ: فَأَنَا أَشْقَاهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَارْدُدْهَا إِلَى مَأْمَنِهَا. وَأَخْرَجَ إِسْحَاقُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ - رَجُلٍ مِنْ حَيِّهِ - قَالَ: خَلَا عَلِيٌّ، بِالزُّبَيْرِ يَوْمَ الْجَمَلِ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَأَنْتَ لَاوِي يَدِيَ: لَتُقَاتِلَنَّهُ وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ ثُمَّ لَيُنْصَرَنَّ عَلَيْكَ؟ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُ، لَا جَرَمَ لَا أُقَاتِلُكَ. وَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ هَجَنَّعَ - بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ وَقِيلَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُقَاتِلَ مَعَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَوْمَ الْجَمَلِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ قَوْمٌ هَلْكَى لَا يُفْلِحُونَ، قَائِدُهُمُ امْرَأَةٌ فِي الْجَنَّةِ. فَكَأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ
أَشَارَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَامْتَنَعَ مِنَ الْقِتَالِ مَعَهُمْ، ثُمَّ اسْتَصْوَبَ رَأْيَهُ فِي ذَلِكَ التَّرْكِ لَمَّا رَأَى غَلَبَةَ عَلِيٍّ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ بِلَفْظِ: عَصَمَنِي اللَّهُ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ عَائِشَةَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فَعَصَمَنِ اللَّهُ.
وَأَخْرَجَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عَائِشَةَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرَةَ فَقَالَ: إِنَّكِ لَأُمٌّ، وَإِنَّ حَقَّكِ لَعَظِيمٌ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ تَمْلِكُهُمُ امْرَأَةٌ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ فَارِسًا) قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: كَذَا وَقَعَ مَصْرُوفًا وَالصَّوَابُ عَدَمُ صَرْفِهِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْفُرْسِ وَعَلَى بِلَادِهِمْ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يُصْرَفُ إِلَّا أَنْ يُرَادَ الْقَبِيلَةُ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ الْأَمْرَانِ كَسَائِرِ الْبِلَادِ، انْتَهَى. وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ صَرْفَ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا.
قَوْلُهُ: (مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسْرَى) فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ: لَمَّا هَلَكَ كِسْرَى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنِ اسْتَخْلَفُوا؟ قَالُوا: ابْنَتَهُ.
قَوْلُهُ: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ: وَلِيَ أَمْرَهُمُ امْرَأَةٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا الْفَاعِلُ، وَكِسْرَى الْمَذْكُورُ هُوَ شِيرَوَيْهِ بْنُ أَبْرَوَيْزَ بْنِ هُرْمُزَ، وَاسْمُ ابْنَتِهِ الْمَذْكُورَةِ بُورَانُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْمَغَازِي فِي بَابِ كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى كِسْرَى شَرْحُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، عَنْ عَوْفٍ فِي آخِرِهِ: قَالَ أَبُو بَكْرَةَ: فَعَرَفْتُ أَنَّ أَصْحَابَ الْجَمَلِ لَنْ يُفْلِحُوا.
وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ يُوهِمُ تَوْهِينَ رَأْيِ عَائِشَةَ فِيمَا فَعَلَتْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى رَأْيِ عَائِشَةَ فِي طَلَبِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمُ الْقِتَالَ، لَكِنْ لَمَّا انْتَشَبَتِ الْحَرْبُ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ مَعَهَا بُدٌّ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ، وَلَمْ يَرْجِعْ أَبُو بَكْرَةَ عَنْ رَأْيِ عَائِشَةَ وَإِنَّمَا تَفَرَّسَ بِأَنَّهُمْ يُغْلَبُونَ لَمَّا رَأَى الَّذِينَ مَعَ عَائِشَةَ تَحْتَ أَمْرِهَا لِمَا سَمِعَ فِي أَمْرِ فَارِسٍ، قَالَ: وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يَنْقُلْ أَنَّ عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا نَازَعُوا عَلِيًّا فِي الْخِلَافَةِ وَلَا دَعَوْا إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ لِيُوَلُّوهُ الْخِلَافَةَ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ هِيَ وَمَنْ مَعَهَا عَلَى عَلِيٍّ مَنْعَهُ مِنْ قَتْلِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَتَرْكِ الِاقْتِصَاصِ مِنْهُمْ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَنْتَظِرُ مِنْ أَوْلِيَاءِ عُثْمَانَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ، فَإِذَا ثَبَتَ عَلَى أَحَدٍ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ مِمَّنْ قَتَلَ عُثْمَانَ اقْتَصَّ مِنْهُ، فَاخْتَلَفُوا بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَخَشِيَ مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِمُ الْقَتْلُ أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى قَتْلِهِمْ فَأَنْشَبُوا الْحَرْبَ بَيْنَهُمْ إِلَى أَنْ كَانَ مَا كَانَ. فَلَمَّا انْتَصَرَ عَلِيٌّ عَلَيْهِمْ حَمِدَ أَبُو بَكْرَةَ رَأْيَهُ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ مَعَهُمْ وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُ كَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِ عَائِشَةَ فِي الطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَفِي بَعْضِهِ نَظَرٌ يَظْهَرُ مِمَّا ذَكَرْتُهُ وَمِمَّا سَأَذْكُرُهُ.
وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ الْأَحْنَفِ أَنَّهُ كَانَ خَرَجَ لِيَنْصُرَ عَلِيًّا فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرَةَ فَنَهَاهُ عَنِ الْقِتَالِ، وَتَقَدَّمَ قَبْلَهُ بِبَابٍ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرَةَ لَمَّا حَرَّقَ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْقِتَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَصْلًا فَلَيْسَ هُوَ عَلَى رَأْيِ عَائِشَةَ وَلَا عَلَى رَأْيِ عَلِيٍّ فِي جَوَازِ الْقِتَالِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَصْلًا، وَإِنَّمَا كَانَ رَأْيُهُ الْكَفُّ وِفَاقًا لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ، وَلِهَذَا لَمْ يَشْهَدْ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَلَا عَلِيٍّ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: احْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تُوَلَّى الْمَرْأَةُ الْقَضَاءَ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَخَالَفَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَقْضِيَ فِيمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا فِيهِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْجَوَازَ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ أَيْضًا: كَلَامُ أَبِي بَكْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْلَا عَائِشَةُ لَكَانَ مَعَ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ لِأَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُمَا لَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ. كَذَا قَالَ، وَأَغْفَلَ قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الْكَفَّ عَنِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ تَرَكَ الْقِتَالَ مَعَ أَهْلِ بَلَدِهِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَنْ لَا يَكُونَ مَانَعَهُ مِنَ الْقِتَالِ سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَهْيِهِ الْأَحْنَفَ عَنِ الْقِتَالِ وَاحْتِجَاجِهِ بِحَدِيثِ: إِذَا
الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
الحديث الثاني:
حَدِيثُ عَمَّارٍ فِي حَقِّ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجُعْفِيُّ الْمُسْنِدِيُّ، وَأَبُو حَصِينٍ - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ - هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ، وَأَبُو مَرْيَمَ الْمَذْكُورُ أَسَدِيٌّ كُوفِيٌّ هُوَ وَجَمِيعُ رُوَاةِ الْإِسْنَادِ إِلَّا شَيْخَهُ وَشَيْخَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ وَثَّقَ أَبَا مَرْيَمَ الْمَذْكُورَ الْعِجْلِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَائِشَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ) ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ أَنَّهُمْ تَوَجَّهُوا مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ أَهَلَّتِ السَّنَةُ، وَذَكَرَ بِسَنَدٍ لَهُ آخَرَ أَنَّ الْوَقْعَةَ بَيْنَهُمْ كَانَتْ فِي النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَذَكَرَ مِنْ رِوَايَةِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنِ الْعَلَاءِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ وَهُوَ بِالزَّاوِيَةِ فَقَالَ: عَلَامَ تُقَاتِلُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: عَلَى الْحَقِّ. قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ. قَالَ: أُقَاتِلُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْجَمَاعَةِ وَنَكْثِ الْبَيْعَةِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ أَنَّ رَجُلًا أَمِيرًا مَرِضَ وَعِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ وَالنَّاسُ يُرِيدُونَهُ، فَلَوْ نَهَتْهُمُ الْمَرْأَةُ لَانْتَهَوْا، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ، فَقَتَلُوهُ. ثُمَّ غَزَوْتُ تِلْكَ السَّنَةَ فَبَلَغَنَا قَتْلُ عُثْمَانَ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزَاتِنَا وَانْتَهَيْنَا إِلَى الْبَصْرَةِ قِيلَ لَنَا: هَذَا طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَائِشَةُ، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ وَسَأَلُوهُمْ عَنْ سَبَبِ مَسِيرِهِمْ، فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ خَرَجُوا غَضَبًا لِعُثْمَانَ وَتَوْبَةً مِمَّا صَنَعُوا مِنْ خِذْلَانِهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: غَضِبْنَا لَكُمْ عَلَى عُثْمَانَ فِي ثَلَاثٍ: إِمَارَةِ الْفَتَى، وَضَرْبِ السَّوْطِ، وَالْعَصَا. فَمَا أَنْصَفْنَاهُ إِنْ لَمْ نَغْضَبْ لَهُ فِي ثَلَاثٍ: حُرْمَةِ الدَّمِ، وَالشَّهْرِ، وَالْبَلَدِ.
قَالَ: فَسِرْتُ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي إِلَى عَلِيٍّ وَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، وَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ: عَدَا النَّاسُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَقَتَلُوهُ وَأَنَا مُعْتَزِلٌ عَنْهُمْ ثُمَّ وَلَّوْنِي، وَلَوْلَا الْخَشْيَةُ عَلَى الدِّينِ لَمْ أُجِبْهُمْ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَنِي الزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ فِي الْعُمْرَةِ فَأَخَذْتُ عَلَيْهِمَا الْعُهُودَ وَأَذِنْتُ لَهُمَا، فَعَرَّضَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهَا، فَبَلَغَنِي أَمْرُهُمْ فَخَشِيتُ أَنْ يَنْفَتِقَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْقٌ فَأَتْبَعْتُهُمْ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ قِتَالَهُمْ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا، وَمَا خَرَجْنَا إِلَّا لِلْإِصْلَاحِ. فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَفِيهَا أَنَّ أَوَّلَ مَا وَقَعَتِ الْحَرْبُ أَنَّ صِبْيَانَ الْعَسْكَرَيْنِ تَسَابُّوا ثُمَّ تَرَامَوْا ثُمَّ تَبِعَهُمُ الْعَبِيدُ ثُمَّ السُّفَهَاءُ فَنَشِبَتِ الْحَرْبُ، وَكَانُوا خَنْدَقُوا عَلَى الْبَصْرَةِ فَقُتِلَ قَوْمٌ وَجُرِحَ آخَرُونَ، وَغَلَبَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ وَنَادَى مُنَادِيهِ: لَا تَتَّبِعُوا مُدْبِرًا وَلَا تُجْهِزُوا جَرِيحًا، وَلَا تَدْخُلُوا دَارَ أَحَدٍ، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَعْمَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْبَصْرَةِ وَرَجَعَ إِلَى الْكُوفَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: انْتَهَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ إِلَى عَائِشَةَ يَوْمَ الْجَمَلِ وَهِيَ فِي الْهَوْدَجِ فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَعْلَمِينَ أَنِّي أَتَيْتُكِ عِنْدَمَا قُتِلَ عُثْمَانُ فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرِينِي؟ فَقُلْتِ: الْزَمْ عَلِيًّا؟ فَسَكَتَتْ. فَقَالَ: اعْقِرُوا الْجَمَلَ، فَعَقَرُوهُ، فَنَزَلْتُ أَنَا وَأَخُوهَا مُحَمَّدٌ فَاحْتَمَلْنَا هَوْدَجَهَا فَوَضَعْنَاهُ بَيْنَ يَدَيْ عَلِيٍّ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُدْخِلَتْ بَيْتًا.
وَأَخْرَجَ أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: فَكَفَّ عَليٌّ يَدَهُ حَتَّى بَدَءُوهُ بِالْقِتَالِ، فَقَاتَلَهُمْ بَعْدَ الظُّهْرِ فَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَحَوْلَ الْجَمَلِ أَحَدٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تُتَمِّمُوا جَرِيحًا وَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِرًا، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَأَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ. وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْرَمَ غَلَبَةً مِنْ أَبِيكَ - يَعْنِي عَلِيًّا - مَا هُوَ إِلَّا أَنْ وَلَّيْنَا يَوْمَ الْجَمَلِ فَنَادَى مُنَادِيهِ: لَا يُقْتَلُ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ جَاوَانَ عَنِ الْأَحْنَفِ قَالَ: حَجَجْتُ سَنَةَ قُتِلَ عُثْمَانُ فَدَخَلْتُ الْمَدِينَةَ، فَذَكَرَ كَلَامَ عُثْمَانَ فِي تَذْكِيرِهِمْ بِمَنَاقِبِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا ثُمَّ ذَكَرَ اعْتِزَالَهُ الطَّائِفَتَيْنِ قَالَ: ثُمَّ الْتَقَوْا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ طَلْحَةُ، وَرَجَعَ الزُّبَيْرُ فَقُتِلَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لِلْأَشْتَرِ: قَدْ كُنْتَ كَارِهًا لِقَتْلِ عُثْمَانَ، فَكَيْفَ قَاتَلْتَ يَوْمَ الْجَمَلِ؟ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ بَايَعُوا عَلِيًّا ثُمَّ
نَكَثُوا عَهْدَهُ، وَكَانَ الزُّبَيْرُ هُوَ الَّذِي حَرَّكَ عَائِشَةَ عَلَى الْخُرُوجِ فَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَنِيهِ، فَلَقِيَنِي كَفُّهُ بِكَفِّهِ فَمَا رَضِيتُ لِشِدَّةِ سَاعِدِي أَنْ قُمْتُ فِي الرِّكَابِ فَضَرَبْتُهُ عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً فَصَرَعْتُهُ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي أَنَّهُمَا سَلِمَا.
قَوْلُهُ: (بَعَثَ عَلِيٌّ، عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَقَدِمَا عَلَيْنَا الْكُوفَةَ) ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، وَالطَّبَرِيُّ سَبَبَ ذَلِكَ بِسَنَدِهِمَا إِلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ أَقَرَّ أَبَا مُوسَى عَلَى إِمْرَةِ الْكُوفَةِ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ أَرْسَلَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَيْهِ أَنْ أَنْهِضْ مَنْ قِبَلَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَكُنْ مِنْ أَعْوَانِي عَلَى الْحَقِّ. فَاسْتَشَارَ أَبُو مُوسَى السَّائِبَ بْنَ مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ: اتَّبِعْ مَا أَمَرَكَ بِهِ. قَالَ: إِنِّي لَا أَرَى ذَلِكَ، وَأَخَذَ فِي تَخْذِيلِ النَّاسِ عَنِ النُّهُوضِ، فَكَتَبَ هَاشِمٌ إِلَى عَلِيٍّ بِذَلِكَ وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ مَعَ عَقْلِ بْنِ خَلِيفَةَ الطَّائِيِّ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ يَسْتَنْفِرَانِ النَّاسَ، وَأَمَّرَ قَرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ عَلَى الْكُوفَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ عَلَى أَبِي مُوسَى اعْتَزَلَ وَدَخَلَ الْحَسَنُ، وَعَمَّارٌ الْمَسْجِدَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَقْبَلَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ حَتَّى نَزَلَا الْبَصْرَةَ فَقَبَضَا عَلَى عَامِلِ عَلِيٍّ عَلَيْهَا ابْنِ حَنِيفٍ، وَأَقْبَلَ عَلِيٌّ حَتَّى نَزَلَ بِذِي قَارٍ، فَأَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ إِلَى الْكُوفَةِ فَأَبْطَأُوا عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَمَّارًا فَخَرَجُوا إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَوْقَ الْمِنْبَرِ فِي أَعْلَاهُ وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِنَ الْحَسَنِ، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فَسَمِعْتُ عَمَّارًا يَقُولُ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ: صَعِدَ عَمَّارٌ الْمِنْبَرَ فَحَضَّ النَّاسَ فِي الْخُرُوجِ إِلَى قِتَالِ عَائِشَةَ وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ: فَقَالَ عَمَّارٌ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَنَا إِلَيْكُمْ لِنَسْتَنْفِرَكُمْ، فَإِنَّ أُمَّنَا قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ. وَعِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: فَكَانَ عَمَّارٌ يَخْطُبُ وَالْحَسَنُ سَاكِتٌ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ عَلِيًّا يَقُولُ: إِنِّي أُذَكِّرُ اللَّهَ رَجُلًا رَعَى لِلَّهِ حَقًّا إِلَّا نَفَرَ، فَإِنْ كُنْتُ مَظْلُومًا أَعَانَنِي وَإِنْ كُنْتُ ظَالِمًا أَخْذَلَنِي، وَاللَّهِ إِنَّ طَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ لَأَوَّلُ مَنْ بَايَعَنِي ثُمَّ نَكَثَا، وَلَمْ أَسْتَأْثِرْ بِمَالٍ وَلَا بَدَّلْتُ حُكْمًا، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ; وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكُمْ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ: لِيَعْلَمَ أَنُطِيعُهُ أَمْ إِيَّاهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ بَعْدَ قَوْلِهِ قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ: وَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَقُولُ لَكُمْ هَذَا وَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ، زَادَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي رِوَايَتِهِ: وَأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَنَا إِلَيْكُمْ وَهُوَ بِذِي قَارٍ. وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: إِنَّ أُمَّنَا سَارَتْ مَسِيرَهَا هَذَا، وَإِنَّهَا وَاللَّهِ زَوْجُ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَانَا بِهَا لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ نُطِيعُ أَوْ إِيَّاهَا، وَمُرَادُ عَمَّارٍ بِذَلِكَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ، وَأَنَّ عَائِشَةَ مَعَ ذَلِكَ لَمْ تَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَا أَنْ تَكُونَ زَوْجَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ. فَكَانَ ذَلِكَ يُعَدُّ مِنْ إِنْصَافِ عَمَّارٍ وَشِدَّةِ وَرَعِهِ وَتَحَرِّيهِ قَوْلَ الْحَقِّ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدِينِيِّ قَالَ: قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، لِعَائِشَةَ لَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْجَمَلِ: مَا أَبْعَدَ هَذَا الْمَسِيرِ مِنَ الْعَهْدِ الَّذِي عُهِدَ إِلَيْكُمْ؛ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فَقَالَتْ: أَبُو الْيَقْظَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّكَ مَا عَلِمْتَ لَقَوَّالٌ بِالْحَقِّ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَضَى لِي عَلَى لِسَانِكِ.
وَقَوْلُهُ: لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: الضَّمِيرُ فِي إِيَّاهُ لِعَلِيٍّ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: أَمْ إِيَّاهَا، لَا هِيَ. وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الضَّمَائِرَ يَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ، انْتَهَى وَهُوَ عَلَى بَعْضِ الْآرَاءِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ: وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَانَا بِهَا لِيَعْلَمَ أَنُطِيعُهُ أَمْ إِيَّاهَا فَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ،
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِي إِيَّاهُ لِعَلِيٍّ؛ فَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْمُرَادُ إِظْهَارُ الْمَعْلُومِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ؛ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُمَيْدٍ، مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ، وَالْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (قَامَ عَمَّارٌ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ) هَذَا طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِهِ تَقْوِيَةَ حَدِيثِ أَبِي مَرْيَمَ لِكَوْنِهِ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ عَنْهُ أَبُو حُصَيْنٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنِ الْحَكَمِ، شُعْبَةُ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ قَالَ: لَمَّا بَعَثَ عَلِيٌّ، عَمَّارًا، وَالْحَسَنَ إِلَى الْكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُمْ خَطَبَ عَمَّارٌ فَذَكَرَهُ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أنَّ عَمَّارًا كَانَ صَادِقَ اللَّهْجَةِ وَكَانَ لَا تَسْتَخْفِهِ الْخُصُومَةُ إِلَى أَنْ يَنْتَقِصَ خَصْمَهُ، فَإِنَّهُ شَهِدَ لِعَائِشَةَ بِالْفَضْلِ التَّامِّ مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْحَرْبِ، انْتَهَى. وَفِيهِ جَوَازُ ارْتِفَاعِ ذِي الْأَمْرِ فَوْقَ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ وَأَعْظَمُ سَابِقَةً فِي الْإِسْلَامِ وَفَضْلًا، لِأَنَّ الْحَسَنَ وَلَدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ حِينَئِذٍ هُوَ الْأَمِيرُ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُمْ عَلِيٌّ، وَعَمَّارٌ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، فَصَعِدَ الْحَسَنُ أَعْلَى الْمِنْبَرِ فَكَانَ فَوْقَ عَمَّارٍ وَإِنْ كَانَ فِي عَمَّارٍ مِنَ الْفَضْلِ مَا يَقْتَضِي رُجْحَانُهُ فَضْلًا عَنْ مُسَاوَاتِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَمَّارٌ فَعَلَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا مَعَ الْحَسَنِ وَإِكْرَامًا لَهُ مِنْ أَجْلِ جَدِّهِ ﷺ وَفَعَلَهُ الْحَسَنُ مُطَاوَعَةً لَهُ لَا تَكَبُّرًا عَلَيْهِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى، وَأَبِي مَسْعُودٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْعَةِ الْجَمَلِ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَمْرٌو) هُوَ ابْنُ مُرَّةَ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ؛ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ بَعَثَهُ عَلِيٌّ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُمْ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: حِينَ بَدَلَ: حَيْثُ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: يَسْتَنْفِرُ أَهْلَ الْكُوفَةِ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ.
قَوْلُهُ: (مَا رَأَيْنَاكَ أَتَيْتَ أَمْرًا أَكْرَهُ عِنْدَنَا مِنْ إِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مُنْذُ أَسْلَمْتَ) زَادَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى خِطَابَ عَمَّارٍ ذَلِكَ هُوَ أَبُو مَسْعُودٍ وَهُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ يَلِي لِعَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ كَمَا كَانَ أَبُو مُوسَى يَلِي لِعُثْمَانَ.
قَوْلُهُ: (وَكَسَاهُمَا حُلَّةً) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَكَسَاهُمَا حُلَّةً حُلَّةً وَبَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ أَنَّ فَاعِلَ كَسَا هُوَ أَبُو مَسْعُودٍ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُحْتَمَلٌ فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَاحُوا إِلَى الْمَسْجِدِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: فَقَامَ أَبُو مَسْعُودٍ فَبَعَثَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُلَّةً. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيمَا دَارَ بَيْنَهُمْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ كَانَ مُجْتَهِدًا وَيَرَى أَنَّ الصَّوَابَ مَعَهُ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو مَسْعُودٍ مُوسِرًا جَوَادًا، وَكَانَ اجْتِمَاعُهُمْ عِنْدَ أَبِي مَسْعُودٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَكَسَا عَمَّارًا حُلَّةً لِيَشْهَدَ بِهَا الْجُمُعَةَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي ثِيَابِ السَّفَرِ وَهَيْئَةِ الْحَرْبِ، فَكَرِهَ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ فِي تِلْكَ الثِّيَابِ وَكَرِهَ أَنْ يَكْسُوَهُ بِحَضْرَةِ أَبِي مُوسَى وَلَا يَكْسُوَ أَبَا مُوسَى فَكَسَا أَبَا مُوسَى أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: أَعْيَبَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْعَيْبِ، وَجَعَلَ كُلٌّ مِنْهُمُ الْإِبْطَاءَ وَالْإِسْرَاعَ عَيْبًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَعْتَقِدُهُ، فَعَمَّارٌ لِمَا فِي الْإِبْطَاءِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ وَتَرْكِ امْتِثَالِ ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ وَالْآخَرَانِ لِمَا ظَهَرَ لَهُمَا مِنْ تَرْكِ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ، وَكَانَ أَبُو مَسْعُودٍ عَلَى رَأْيِ أَبِي مُوسَى فِي الْكَفِّ عَنِ الْقِتَالِ تَمَسُّكًا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَمَا فِي حَمْلِ السِّلَاحِ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنَ الْوَعِيدِ، وَكَانَ عَمَّارٌ عَلَى رَأْيِ عَلِيٍّ فِي قِتَالِ الْبَاغِينَ وَالنَّاكِثِينَ وَالتَّمَسُّكِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ وَحَمَلَ الْوَعِيدَ الْوَارِدَ فِي الْقِتَالِ عَلَى مَنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا عَلَى صَاحِبِهِ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَبْلَ سِيَاقِ سَنَدِ ابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ فِيهِ الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ فِي الْقِصَّةِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مجتهدًا، ويرى أنَّ الصَّواب معه (وَكَسَاهُمَا) أي: أبو مسعودٍ؛ كما صُرِّحَ به في الرِّواية اللَّاحقة لهذه [خ¦٧١٠٥] (حُلَّةً حُلَّةً) و «الحلَّة»: اسمٌ لثوبَين (ثُمَّ رَاحُوا إِلَى المَسْجِدِ) وعند الإسماعيليِّ: «ثمَّ خرجوا إلى الصَّلاة يوم الجمعة»، وإنَّما كسا عمَّارًا تلك الحلَّة؛ ليشهد بها الجمعة؛ لأنَّه كان في ثياب السَّفر وهيئة الحرب، فكره أن يشهد الجمعة في تلك الثِّياب، وكره أن يكسوه بحضرة أبي موسى ولا يكسو أبا موسى، فكساه أيضًا، قاله ابن بطَّالٍ.
٧١٠٥ - ٧١٠٦ - ٧١٠٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان بن جَبَلة بن أبي روَّادٍ العتكيُّ المروزيُّ الحافظ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمون السُّكَّريِّ (١)، محدِّث مَرْو (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرٍو (٢) (وَأَبِي مُوسَى) الأشعريِّ (وَعَمَّارٍ) هو ابن ياسرٍ ﵃ (فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ) لعمَّارٍ (٣): (مَا مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ (٤) فِيهِ غَيْرَكَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتَ النَّبِيَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِي) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وبعد التَّحتيَّة المفتوحة موحَّدةٌ، «أفعل» تفضيل ٍمن العيب، وفيه ردٌّ على القائل: إنَّ «أفعل» التَّفضيل من الألوان والعيوب لا يُسْتعمَلُ من لفظه (مِنِ اسْتِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ) وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه رأى رأي أبي موسى في الكفِّ عن القتال؛ تمسُّكًا بالأحاديث الواردة فيه، وما في حمل السِّلاح على المسلم من الوعيد (قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَبَا مَسْعُودٍ؛ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلَا مِنْ صَاحِبِكَ
هَذَا شَيْئًا مُنْذُ صَحِبْتُمَا النَّبِيَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا فِي هَذَا الأَمْرِ) لِمَا في الإبطاء من مخالفة الإمام، وترك امتثالِ ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] فكان عمَّار على رأي عليٍّ في قتال الباغين والنَّاكثين والتَّمسُّك بقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ و (١) حَمَلَ الوعيد الوارد في القتال على من كان متعدِّيًا على صاحبه، فكلٌّ جعل الإبطاء والإسراع عيبًا بالنِّسبة لِمَا يعتقده (فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ وَكَانَ مُوسِرًا: يَا غُلَامُ؛ هَاتِ) بكسر الفوقيَّة (حُلَّتَيْنِ، فَأَعْطَى إِحْدَاهُمَا أَبَا مُوسَى وَالأُخْرَى عَمَّارًا) بيَّن في هذه أنَّ فاعل «كسا» في الرِّواية السَّابقة [خ¦٧١٠٢] هو أبو مسعودٍ كما مرَّ (وَقَالَ) لهما: (رُوحَا فِيهِ) بالتَّذكير مصحَّحًا عليه في الفرع (إِلَى) صلاة (الجُمُعَةِ) وذكر عمر بن شبَّة بسنده: أنَّ وقعة الجمل كانت في النِّصف من جُمادى الآخرة، سنة ستٍّ وثلاثين، وذكر أيضًا من رواية المدائنيِّ عن العلاء أبي محمَّدٍ عن أبيه قال: جاء رجلٌ إلى عليٍّ وهو بالزَّاوية، فقال: علامَ تقاتل هؤلاء؟ قال: على الحقِّ، قال: فإنَّهم يقولون: إنَّهم على الحقِّ، قال: أقاتلهم على الخروج عن الجماعة ونكث البيعة (٢)، وعند الطَّبريِّ (٣): إنَّ أوَّل ما وقعت الحرب أنَّ صبيان العسكَرين تسابُّوا، ثمَّ ترامَوا، ثمَّ تبعهم العبيد، ثمَّ السُّفهاء، فنشبت (٤) الحرب، وكانوا خندقوا على البصرة، فقُتِل قومٌ، وجرح (٥) آخرون، وغلب أصحاب عليٍّ، ونادى مناديه: لا تتَّبعوا مُدبِرًا، ولا تُجهِزوا (٦) جريحًا، ولا تدخلوا دار أحدٍ، ثمَّ جمع النَّاس وبايعهم، واستعمل ابن عبَّاس على البصرة، ورجع إلى الكوفة، وعند ابن أبي شيبة بسندٍ جيِّدٍ عن عبد الرَّحمن بن أبزى قال: انتهى عبد الله بن بُديل (٧) بن ورقاء الخزاعيُّ إلى عائشة يوم الجمل وهي في الهودج، فقال: يا أمَّ المؤمنين؛ أتعلمين أنِّي أتيتك عندما قُتِلَ عثمان، فقلت: ما تأمريني، فقلتِ: الزم عليًّا، فسكتت، فقال (٨): اعقروا الجمل،