«مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٣١

الحديث رقم ٧١٣١ من كتاب «كتاب الفتن» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ذكر الدجال.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا…

«مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ» فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ .

سند حديث: ٧١٣١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ…

٧١٣١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا…

كل نبي أرسله الله أنذر أمته وحذرها من المسيح الدجال؛ لأنهم علموا بخروجه وشدة فتنته، وبينوا لهم شيئاً من صفاته، وذكر في هذا الحديث أنه أعور والله سبحانه منزه عن هذا، ومن صفاته كذلك أنه مكتوب بين عينيه ك ف ر.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حرص الأنبياء على أممهم.
  • خطر فتنة الدجال.
  • المسيح الدجال كافر.
  • بيان أن الدجال أعور والله سبحانه ليس كذلك.
  • إثبات صفة العين لله وأن الله له عينان إذ العور يكون لمن له عينان.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ فِي الدَّجَّالِ: إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا، فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ وَمَاؤُهُ نَارٌ" قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ

٧١٣١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسٍ قَالَ قال النبي : مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلاَّ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ: كَافِرٌ" فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ

[الحديث ٧١٣١ - طرفه في: ٧٤٠٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ) هُوَ فَعَّالٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ الدَّجَلِ وَهُوَ التَّغْطِيَةُ، وَسُمِّيَ الْكَذَّابُ دَجَّالًا لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْحَقَّ بِبَاطِلِهِ، وَيُقَالُ دَجَلَ الْبَعِيرَ بِالْقَطِرَانِ إِذَا غَطَّاهُ، وَالْإِنَاءَ بِالذَّهَبِ إِذَا طَلَاهُ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الدَّجَّالُ الْمُمَوَّهُ سَيْفٌ مُدَجَّلٌ إِذَا طُلِيَ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: سُمِّيَ دَجَّالًا لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْحَقَّ بِالْكَذِبِ، وَقِيلَ لِضَرْبِهِ نَوَاحِيَ الْأَرْضِ، يُقَالُ: دَجَلَ مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: بَلْ قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْأَرْضَ فَرَجَعَ إِلَى الْأَوَّلِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: اُخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ دَجَّالًا عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ. وَمِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ الدَّجَّالِ أَصْلُهُ وَهَلْ هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ أَوْ غَيْرُهُ، وَعَلَى الثَّانِي فَهَلْ كَانَ مَوْجُودًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ لَا، وَمَتَى يَخْرُجُ، وَمَا سَبَبُ خُرُوجِهِ، وَمِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ، وَمَا صِفَتُهُ، وَمَا الَّذِي يَدَّعِيهِ، وَمَا الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ حَتَّى تَكْثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَمَتَى يَهْلِكُ وَمَنْ يَقْتُلُهُ؟

فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَحْلِفُ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ.

وَأَمَّا الثَّانِي فَمُقْتَضَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ، وَأَنَّهُ مَحْبُوسٌ فِي بَعْضِ الْجَزَائِرِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا.

وَأَمَّا الثَّالِثُ فَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ عِنْدَ فَتْحِ الْمُسْلِمِينَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ. وَأَمَّا سَبَبُ خُرُوجِهِ فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبهَا. وَأَمَّا مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ؟ فَمِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ جَزْمًا. ثُمَّ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ، أَخْرَجَ ذَلِكَ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي أُخْرَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَصْبَهَانَ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ.

وَأَمَّا صِفَتُهُ فَمَذْكُورَةٌ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ. وَأَمَّا الَّذِي يَدَّعِيهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ أَوَّلًا فَيَدَّعِي الْإِيمَانَ وَالصَّلَاحَ ثُمَّ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ كَمَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: نَزَلَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِرِ وَكَانَ صَحَابِيًّا فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الدَّجَّالُ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ، يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَيَدْعُو إِلَى الدِّينِ فَيُتَّبَعُ وَيَظْهَرُ، فَلَا يَزَالُ حَتَّى يَقْدَمَ الْكُوفَةَ فَيُظْهِرَ الدِّينَ وَيَعْمَلَ بِهِ فَيُتَّبَعَ وَيَحُثَّ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ نَبِيٌّ فَيَفْزَعُ مِنْ ذَلِكَ كُلُّ ذِي لُبٍّ وَيُفَارِقُهُ، فَيَمْكُثُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: أَنَا اللَّهُ، فَتُغْشَى عَيْنُهُ وَتُقْطَعُ أُذُنُهُ وَيُكْتَبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ فَلَا يَخْفَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَيُفَارِقُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.

(تَنْبِيهٌ):

اشْتَهَرَ السُّؤَالُ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِ الدَّجَّالِ فِي الْقُرْآنِ مَعَ مَا ذُكِرَ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ وَعِظَمِ الْفِتْنَةِ بِهِ وَتَحْذِيرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهُ وَالْأَمْرِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ، وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: ثَلَاثَةٌ إِذَا خَرَجْنَ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا

إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ: الدَّجَّالُ وَالدَّابَّةُ وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا. الثَّانِي: قَدْ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ فِي الْقُرْآنِ إِلَى نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ وَصَحَّ أَنَّهُ الَّذِي يقتل الدَّجَّالَ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الْآخَرِ، وَلِكَوْنِهِ يُلَقَّبُ الْمَسِيحَ كَعِيسَى ; لَكِنَّ الدَّجَّالَ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ وَعِيسَى مَسِيحُ الْهُدَى.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَهُ احْتِقَارًا، وَتُعُقِّبَ بِذِكْرِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَلَيْسَتِ الْفِتْنَةُ بِهِمْ بِدُونِ الْفِتْنَةِ بِالدَّجَّالِ وَالَّذِي قَبْلَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السُّؤَالَ بَاقٍ وَهُوَ مَا الْحِكْمَةُ فِي تَرْكِ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ؟ وَأَجَابَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهُ اعْتَبَرَ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَوَجَدَ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ إِنَّمَا هُمْ مِمَّنْ مَضَى وَانْقَضَى أَمْرُهُ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ فَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهُمْ أَحَدًا انْتَهَى. وَهَذَا يَنْتَقِضُ بِيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْبَغَوِيِّ أَنَّ الدَّجَّالَ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هُنَا الدَّجَّالُ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ. وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ، فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَكَفَّلَ النَّبِيُّ بِبَيَانِهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا مَا يَظْهَرُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ فَسَيُذْكَرُ هُنَا. وَأَمَّا مَتَى يَهْلِكُ وَمَنْ يَقْتُلُهُ؟ فَإِنَّهُ يَهْلِكُ بَعْدَ ظُهُورِهِ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، ثُمَّ يَقْصِدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَيَنْزِلُ عِيسَى فَيَقْتُلُهُ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. وَسَأَذْكُرُ لَفْظَهُ. وَفِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ فِتْنَةٌ أَعْظَمُ مِنَ الدَّجَّالِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ.

وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ رَفَعَهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ - يَعْنِي الدَّجَّالَ - فِي نَقْصٍ مِنَ الدُّنْيَا وَخِفَّةٍ مِنَ الدِّينِ وَسُوءِ ذَاتِ بَيْنٍ، فَيَرِدُ كُلَّ مَنْهَلٍ وَتُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ. الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: يَتَوَجَّهُ الدَّجَّالُ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ بَابِ دِمَشْقَ الشَّرْقِيِّ. ثُمَّ يَلْتَمِسُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ; ثُمَّ يَرَى عِنْدَ الْمِيَاهِ الَّتِي عِنْدَ نَهَرِ الْكِسْوَةِ، ثُمَّ يَطْلُبُ فَلَا يَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهَ، ثُمَّ يَظْهَرُ بِالْمَشْرِقِ فَيُعْطَى الْخِلَافَةَ، ثُمَّ يُظْهِرُ السِّحْرَ، ثُمَّ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ فَتَتَفَرَّقُ النَّاسُ عَنْهُ، فَيَأْتِي النَّهَرَ فَيَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيلَ إِلَيْهِ فَيَسِيلَ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَرْجِعَ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَيْبَسَ فَيَيْبَسَ، وَيَأْمُرُ جَبَلَ طُورٍ وَجَبَلَ زِيتَا أَنْ يَنْتَطِحَا فَيَنْتَطِحَا، وَيَأْمُرُ الرِّيحَ أَنْ تُثِيرَ سَحَابًا مِنَ الْبَحْرِ فَتُمْطِرَ الْأَرْضَ، وَيَخُوضُ الْبَحْرَ فِي يَوْمٍ ثَلَاثَ خَوْضَاتٍ، فَلَا يَبْلُغُ حِقْوَيْهِ، وَإِحْدَى يَدَيْهِ أَطْوَلُ مِنَ الْأُخْرَى، فَيَمُدُّ الطَّوِيلَةَ فِي الْبَحْرِ فَتَبْلُغُ قَعْرَهُ فَيُخْرِجُ مِنَ الْحِيتَانِ مَا يُرِيدُ. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ أَحَدِ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ مِنَ الْحِلْيَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ قَالَ: لَا يَنْجُو مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَسَبْعَةُ آلَافِ امْرَأَةٍ، وَهَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أَرْسَلَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا:

الحديث الأول: قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لِيَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.

قَوْلُهُ: (مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ عَنِ الدَّجَّالِ مَا سَأَلْتُهُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ.

قَوْلُهُ: (وَأَنَّهُ قَالَ لِي: مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ؟) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ: وَمَا يَنْصِبُكَ مِنْهُ بِنُونٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مِنَ النَّصَبِ، بِمَعْنَى التَّعَبِ، وَمِثْلُهُ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَزَادَ: فَقَالَ لِي: أَيْ بُنَيَّ وَمَا يَنْصِبُكَ مِنْهُ؟ وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ: وَمَا سُؤَالُكَ عَنْهُ؟ أَيْ: وَمَا سَبَبُ سُؤَالِكِ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: مَا يَنْصِبُكَ، أَيْ: مَا الَّذِي يَغُمُّكَ مِنْهُ، مِنَ الْغَمِّ حَتَّى يَهُولَكَ أَمْرُهُ، قُلْتُ: وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ، وَإِلَّا فَالنَّصَبُ التَّعَبُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاه،

وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَرَضِ؛ لأن فِيهِ تَعَبًا. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: يُقَالُ: نَصَبَهُ الْمَرَضُ وَأَنْصَبَهُ، وَهُوَ تَغَيُّرُ الْحَالِ مِنْ تَعَبٍ أَوْ وَجَعٍ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ) هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ الْخَشْيَةُ مِنْهُ، مَثَلًا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَالضَّمِيرُ فِي أَنَّهُمْ لِلنَّاسِ أَوْ لِأَهْلِ الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (جَبَلَ خُبْزٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، بَعْدَهَا زَايٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَعَهُ مِنَ الْخُبْزِ قَدْرُ الْجَبَلِ، وَأَطْلَقَ الْخُبْزَ وَأَرَادَ بِهِ أَصْلَهُ، وَهُوَ الْقَمْحُ مَثَلًا، زَادَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَعَهُ جِبَالٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ وَنَهَرٌ مِنْ مَاءٍ، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ: إِنَّ مَعَهُ الطَّعَامَ وَالْأَنْهَارَ. وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ: أَنَّ مَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ.

قَوْلُهُ: (وَنَهَرَ مَاءٍ) بِسُكُونِ الْهَاءِ وَبِفَتْحِهَا.

قَوْلُهُ: قَالَ: (بَلْ هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ) سَقَطَ لَفْظُ: بَلْ، مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. وَقَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ هُوَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ مَا يَخْلُقُهُ عَلَى يَدَيْهِ مُضِلًّا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَمُشَكِّكًا لِقُلُوبِ الْمُوقِنِينَ، بَلْ لِيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا، وَيَرْتَابَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الَّذِي يَقْتُلُهُ: مَا كُنْتُ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي فِيكَ، لَا أَنَّ قَوْلَهُ: هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَعَهُ، بَلِ الْمُرَادُ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ آيَةً عَلَى صِدْقِهِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَعَلَ فِيهِ آيَةً ظَاهِرَةً فِي كَذِبِهِ وَكُفْرِهِ يَقْرَؤهَا مَنْ قَرَأَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ، زَائِدَةً عَلَى شَوَاهِدِ كَذِبِهِ مَنْ حَدَثِهِ وَنَقْصِهِ. قُلْتُ: الْحَامِلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مَرْفُوعٍ: وَمَعَهُ جَبَلٌ مِنْ خُبْزٍ وَنَهْرٌ مِنْ مَاءٍ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، مِنْ طَرِيقِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: انْطَلَقْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فِي الدَّجَّالِ، وَلَا تُحَدِّثْنَا عَنْ غَيْرِهِ، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ: تُمْطَرُ الْأَرْضُ وَلَا يُنْبِتُ الشَّجَرُ، وَمَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ؛ فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ، وَمَعَهُ جَبَلُ خُبْزٍ.

الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جُنَادَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: مَعَهُ جِبَالُ الْخُبْزِ وَأَنْهَارُ الْمَاءِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: مَعَهُ جِبَالٌ مِنْ خُبْزٍ، وَالنَّاسُ فِي جَهْدٍ إِلَّا مَنْ تَبِعَهُ، وَمَعَهُ نَهْرَانِ الْحَدِيثَ، فَدَلَّ مَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ظَاهِرَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ عَلَى يَدَيْهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ عَلَى التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الثَّامِنِ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا، وَغَفَلَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ عِنْدِ مُسْلِمٍ لَمَّا قَالَ لَهُ لَنْ يَضُرَّكَ، قَالَ: إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا. قُلْتُ: وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَخَذَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَدَّ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ: وَكَيْفَ يَرُدُّ بِحَدِيثٍ مُحْتَمَلٍ مَا ثَبَتَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: فَلَعَلَّ الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ النَّبِيُّ أَمْرَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: هُوَ أَهْوَنُ؛ أَيْ لَا يُجْعَلُ لَهُ ذَلِكَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ وَتَشْبِيهٌ عَلَى الْأَبْصَارِ، فَيَثْبُتُ الْمُؤْمِنُ وَيَزِلُّ الْكَافِرُ، وَمَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ إِلَى الْآخَرِ؛ فَقَالَ: هَذَا لَا يُضَادُّ خَبَرَ أَبِي مَسْعُودٍ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَهْرَ مَاءٍ يَجْرِي، فَإِنَّ الَّذِي مَعَهُ يَرَى أَنَّهُ مَاءٌ وَلَيْسَ بِمَاءٍ.

الحديث الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ، وَفِي بَعْضِ النَّسْخِ بِكَسْرِهَا وَزِيَادَةِ يَاءٍ وَهُوَ تَحْرِيفٌ.

قَوْلُهُ: (شَيْبَانُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَسَبَهُ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ حَفْصٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ: (يَجِيءُ الدَّجَّالُ حَتَّى يَنْزِلَ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ) فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي بَعْدَ بَابِ يَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي فِي الْمَدِينَةِ: وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ فَيَأْتِي سَبَخَةَ الْجُرُفِ فَيَضْرِبُ رِوَاقَهُ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ وَالْجُرُفُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ مَكَانٌ بِطَرِيقِ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ عَلَى مِيلٍ وَقِيلَ: عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَالْمُرَادُ بِالرِّوَاقِ الْفُسْطَاطُ. وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: نَزَلَ عِنْدَ الطَّرِيقِ

الْأَحْمَرِ عِنْدَ مُنْقَطَعِ السَّبَخَةِ.

قَوْلُهُ: (تَرْجُفُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ) فِي رِوَايَةِ الدُّورِيِّ: فَتَرْجُفُ. وَهِيَ أَوْجَهُ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ أَتَمُّ مِنْ هَذَا وَفِيهِ لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: تَرْجُفُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِي هَذَا لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَفِي حَدِيثِ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْحَاكِمِ رَفَعَهُ: يَجِيءُ الدَّجَّالُ فَيَصْعَدُ أُحُدًا فَيَتَطَلَّعُ فَيَنْظُرُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى هَذَا الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ؟ هَذَا مَسْجِدُ أَحْمَدَ.

ثُمَّ يَأْتِي الْمَدِينَةَ فَيَجِدُ بِكُلِّ نَقَبٍ مِنْ نِقَابِهَا مَلَكًا مُصْلِتًا سَيْفَهُ، فَيَأْتِي سَبَخَةَ الْجُرُفِ فَيَضْرِبُ رِوَاقَهُ، ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ وَلَا فَاسِقٌ وَلَا فَاسِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ فَتَخْلُصُ الْمَدِينَةُ فَذَلِكَ يَوْمُ الْخَلَاصِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ أَوَّلَ الْبَابِ وَتُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ طَيَّ فَرْوَةِ الْكَبْشِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَدِينَةَ فَيَغْلِبَ عَلَى خَارِجِهَا وَيُمْنَعَ دَاخِلَهَا، ثُمَّ يَأْتِيَ إِيلْيَا فَيُحَاصِرَ عِصَابَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحَاصِلُ مَا وَقَعَ بِهِ الْجَمْعُ أَنَّ الرُّعْبَ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ حَتَّى لَا يَحْصُلَ لِأَحَدٍ فِيهَا بِسَبَبِ نُزُولِهِ قُرْبَهَا شَيْءٌ مِنْهُ، أَوْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ غَايَتِهِ وَهُوَ غَلَبَتُهُ عَلَيْهَا، وَالْمُرَادُ بِالرَّجْفَةِ الْأَرْفَاقُ وَهُوَ إِشَاعَةُ مَجِيئِهِ وَأَنَّهُ لَا طَاقَةَ لِأَحَدٍ بِهِ، فَيُسَارِعُ حِينَئِذٍ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ يَتَّصِفُ بِالنِّفَاقِ أَوِ الْفِسْقِ، فَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ تَمَامُ أَنَّهَا تَنْفِي خَبَثَهَا. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَخْ) ثَبَتَ هَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ هُنَا وَسَقَطَ لِسَائِرِهِمْ، وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ سَنَدًا وَمَتْنًا. وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَيِ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدٌ هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ فِي السَّنَدِ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) تَقَدَّمَ ضَبْطُ الْمَسِيحِ فِي بَابِ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَهُوَ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ قَالَهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ صَحَّفَ، وَالْقَوْلُ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ الْمَسِيحَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا. وَحَكَى شَيْخُنَا مَجْدُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ الدَّجَّالِ الْمَسِيحَ خَمْسُونَ قَوْلًا، وَبَالَغَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: ضَلَّ قَوْمٌ فَرَوَوْهُ الْمَسِيخَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَشَدَّدَ بَعْضُهُمُ السِّينَ لِيُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ بِزَعْمِهِمْ، وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ فِي الدَّجَّالِ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عِيسَى مَسِيحُ الْهُدَى، فَأَرَادَ هَؤُلَاءِ تَعْظِيمَ عِيسَى فَحَرَّفُوا الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) قَالَ عِيَاضٌ: هَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَنْقَابِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَعْنِي ثَانِيَ أَحَادِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ الْأَبْوَابُ وَفُوَّهَاتُ الطَّرِيقِ.

قَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ لِكُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ مُسَافِعٍ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: أَكْثَرَ النَّاسُ فِي شَأْنِ مُسَيْلِمَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّهُ كَذَّابٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كَذَّابًا قَبْلَ الدَّجَّالِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَلَدٌ إِلَّا يَدْخُلُهُ رُعْبُ الدَّجَّالِ إِلَّا الْمَدِينَةَ، عَلَى كُلِّ نَقَبٍ مِنْ أَنْقَابِهَا مَلَكَانِ يَذُبَّانِ عَنْهَا رُعْبَ الْمَسِيحِ.

الحديث الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بِالتَّصْغِيرِ وَأَيُّوبُ هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أُرَاهُ عَنِ النَّبِيِّ الْقَائِلُ أُرَاهُ عَنِ النَّبِيِّ هُوَ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ سَقَطَ قَوْلُهُ: أُرَاهُ إِلَخْ لِلْمُسْتَمْلِي، وَلِأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ، فَصَارَتْ صُورَتُهُ مَوْقُوفًا، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُوسَى، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ دَاوُدَ الْمَكِّيِّ، عَنْ مُوسَى،

وَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ أَيْضًا، وَاقْتَصَرَ الْمِزِّيُّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ: أُرَاهُ، وَالْحَدِيثُ فِي الْأَصْلِ مَرْفُوعٌ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، فَقَالَ فِيهِ: عَنِ النَّبِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ ذَكَرَ النَّبِيُّ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ.

قَوْلُهُ: (أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى بِلَفْظِهِ: أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ وَالْبَحْثُ فِي إِعْرَابِهِ.

قَوْلُهُ: (كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ السَّادِسِ، هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَ الْجَمِيعِ لَمْ يُذْكَرِ الْمَوْصُوفُ بِذَلِكَ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ: يَعْنِي الدَّجَّالَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي أَوَّلِهِ: الدَّجَّالُ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى.

قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) هُوَ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ أَخُو سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ ثُبُوتَ لِقَاءِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، لِأَبِي بَكْرَةَ، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ مَدَنِيٌّ، وَقَدْ تُسْتَنْكَرُ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، لِأَنَّهُ نَزَلَ الْبَصْرَةَ مِنْ عَهْدِ عُمَرَ إِلَى أَنْ مَاتَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِيَ أَبُو بَكْرَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ بِهَذَا) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْحَرَّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهَذَا السَّنَدِ، وَبَقِيَّتُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ فَقَالَ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: كُلُّ قَرْيَةٍ يَدْخُلُهَا فَزَعُ الدَّجَّالِ إِلَّا الْمَدِينَةَ يَأْتِيهَا لِيَدْخُلَهَا فَيَجِدَ عَلَى بَابِهَا مَلَكًا مُصْلِتًا بِالسَّيْفِ فَيَرُدُّهُ عَنْهَا، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ صَالِحٍ إِلَّا ابْنُ إِسْحَاقَ. قُلْتُ: وَصَالِحٌ الْمَذْكُورُ ثِقَةٌ مُقِلٌّ، أَخْرَجَا لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثًا وَاحِدًا غَيْرَ هَذَا، وَقَوْلُهُ: بِهَذَا يُرِيدُ أَصْلَ الْحَدِيثِ، وَإِلَّا فَبَيْنَ لَفْظِ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَلَفْظِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ مُغَايَرَاتٌ تَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهِمَا.

الْحَدِيثُ الخَامِسُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْأُوَيْسِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَابْنُ شِهَابٍ هُوَ الزُّهْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا، وَطَوَّلَهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ وَأَوَّلُهُ: أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا، وَفِيهِ خَبَّأْتُ لَكَ خَبيا وَفِيهِ فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ الْأُخْرَى وَفِيهَا: وَهُوَ مُضْطَجِعٌ فِي قَطِيفَةٍ وَفِيهَا لَوْ تَرَكْتُهُ بَيَّنَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ فِي النَّاسِ، الْحَدِيثَ. فَجَمَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ كَيْفَ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ وَكَذَا صَنَعَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ أَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَاقْتَصَرَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الثَّالِثَ أَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا صَنَعَ فِي الشَّهَادَاتِ أَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، وَقَدْ شَرَحْتُهُمَا هُنَاكَ، وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ بِسَنَدِهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِتَمَامِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ بَعْدَ نُوحٍ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجَّالَ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ: لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ أُمَّتَهُ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ. أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ إِنْذَارُ نُوحٍ قَوْمَهُ بِالدَّجَّالِ مَعَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ

ثَبَتَتْ أَنَّهُ يَخْرُجُ بَعْدَ أُمُورٍ ذُكِرَتْ، وَأَنَّ عِيسَى يَقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ يَنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ فَيَحْكُمَ بِالشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ وَقْتُ خُرُوجِهِ أَخْفَى عَلَى نُوحٍ وَمَنْ بَعْدَهُ فَكَأَنَّهُمْ أُنْذِرُوا بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ وَقْتَ خُرُوجِهِ فَحَذَّرُوا قَوْمَهُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ وَقْتُ خُرُوجِهِ وَعَلَامَاتُهُ، فَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ فِي حَيَاتِهِ ، ثُمَّ بُيِّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَالُهُ وَوَقْتُ خُرُوجِهِ فَأَخْبَرَ بِهِ، فَبِذَلِكَ تَجْتَمِعُ الْأَخْبَارُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِنْذَارُ الْأَنْبِيَاءِ قَوْمَهُمْ بِأَمْرِ الدَّجَّالِ تَحْذِيرٌ مِنَ الْفِتَنِ وَطُمَأْنِينَةٌ لَهَا حَتَّى لَا يُزَعْزِعَهَا عَنْ حُسْنِ الِاعْتِقَادِ، وَكَذَلِكَ تَقْرِيبُ النَّبِيِّ لَهُ زِيَادَةٌ فِي التَّحْذِيرِ، وَأَشَارَ مَعَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا عَلَى الْإِيمَانِ ثَابِتِينَ دَفَعُوا الشُّبَهَ بِالْيَقِينِ.

قَوْلُهُ: (وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ) قِيلَ إِنَّ السِّرَّ فِي اخْتِصَاصِ النَّبِيِّ بِالتَّنْبِيهِ الْمَذْكُورِ، مَعَ أَنَّهُ أَوْضَحَ الْأَدِلَّةَ فِي تَكْذِيبِ الدَّجَّالِ أَنَّ الدَّجَّالَ إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي أُمَّتِهِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَدَلَّ الْخَبَرُ عَلَى أَنَّ عِلْمَ كَوْنِهِ يَخْتَصُّ خُرُوجُهُ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ طُوِيَ عَنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا طُوِيَ عَنِ الْجَمِيعِ عِلْمُ وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ.

قَوْلُهُ: (أنَّهُ أَعْوَرُ، وَإنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّ أَدِلَّةَ الْحُدُوثِ فِي الدَّجَّالِ ظَاهِرَةٌ لِكَوْنِ الْعَوَرِ أَثَرًا مَحْسُوسًا يُدْرِكُهُ الْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ وَمَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِذَا ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ وَهُوَ نَاقِصُ الْخِلْقَةِ وَالْإِلَهُ يَتَعَالَى عَنِ النَّقْصِ عُلِمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ يَوْمَئِذٍ لِلنَّاسِ وَهُوَ يُحَذِّرُهُمْ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ نَحْوُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَعِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ دَعْوَاهُ الرُّبُوبِيَّةَ كَذِبٌ لِأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى مُقَيَّدَةٌ بِالْمَوْتِ، وَالدَّجَّالُ يَدَّعِي أَنَّهُ اللَّهُ، وَيَرَاهُ النَّاسُ مَعَ ذَلِكَ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَرَى اللَّهَ تَعَالَى فِي الْيَقَظَةِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ لَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا الْقُوَّةَ الَّتِي يُنْعِمُ بِهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ: (عَنْ عُقَيْلٍ) بِالضَّمِّ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ) زَادَ فِي ذِكْرِ عِيسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ بِهَذَا السَّنَدِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ لِعِيسَى أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ بَيْنَمَا الْحَدِيثَ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: رَأَيْتُنِي قَبْلَ قَوْلِهِ أَطُوفُ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ، وَتَقَدَّمَ فِي التَّعْبِيرِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهَا رُؤْيَا مَنَامٍ، وَالَّذِي نَفَاهُ ابْنُ عُمَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ جَاءَ عَنْهُ إِثْبَاتُهُ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ عِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي تَرْجَمَتِهِ مُسْتَوْفًى وَأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّ مُجَاهِدًا إِنَّمَا رَوَى هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ) بِالْمَدِّ، فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ رَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ.

قَوْلُهُ (سَبْطُ الشَّعْرِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِهَا أَيْضًا.

قَوْلُهُ (يَنْطِفُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (أَوْ يُهْرَاقُ) كَذَا بِالشَّكِّ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ لَهُ لِمَّةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ: تَضْرِبُ بِهِ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ رَجْلُ الشَّعْرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً.

قَوْلُهُ: (قَدْ رَجَّلَهَا) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ (يَقْطُرُ مَاءً) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: مُتَّكِئًا عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ

بِالْبَيْتِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الْخَلْقِ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأْسِ، زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ: كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، يَعْنِي الْحَمَّامَ، وَفِي رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: يَسْكُبُ رَأْسُهُ أَوْ يَقْطُرُ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَفِي رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ: فَقَالُوا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ جَعْدُ الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: جَعْدٌ قَطَطٌ أَعْوَرُ، وَزَادَ شُعَيْبٌ: أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ أَوَّلَ الْبَابِ، وَفِي رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ: وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا أَحْمَرَ جَعْدَ الرَّأْسِ أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، فَفِي هَذِهِ الطُّرُقِ أَنَّهُ أَحْمَرُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ آدَمُ جَعْدٌ، فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أُدْمَتُهُ صَافِيَةً، وَلَا يُنَافِي أَنْ يُوصَفَ مَعَ ذَلِكَ بِالْحُمْرَةِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأُدْمِ قَدْ تَحْمَرُّ وَجْنَتُهُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ: مَمْسُوحُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى كَأَنَّهَا عَيْنُ أَبِي يَحْيَى شَيْخٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، انْتَهَى. وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ، ضَبَطَهُ ابْنُ مَاكُولَا، عَنْ جَعْفَرٍ الْمُسْتَغْفِرِيِّ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) بِيَاءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ أَيْ بَارِزَةٌ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْهَمْزِ، أَيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهَا، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: رُوِّينَاهُ عَنِ الْأَكْثَرِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ الْأَخْفَشُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا نَاتِئَةٌ نُتُوءَ حَبَّةِ الْعِنَبِ مِنْ بَيْنِ أَخَوَاتِهَا، قَالَ: وَضَبَطَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِالْهَمْزِ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهِ، فَقَدْ جَاءَ فِي آخَرَ أَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ مَطْمُوسَةٌ، وَلَيْسَتْ جَحْرَاءَ وَلَا نَاتِئَةً، وَهَذِهِ صِفَةُ حَبَّةِ الْعِنَبِ إِذَا سَالَ مَاؤُهَا، وَهُوَ يُصَحِّحُ رِوَايَةَ الْهَمْزِ.

قُلْتُ: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ يُوَافِقُهُ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَلَفْظُهُ: رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ بِفَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مِنَ الْفَحَجِ، وَهُوَ تَبَاعُدُ مَا بَيْنَ السَّاقَيْنِ أَوِ الْفَخِذَيْنِ، وَقِيلَ: تَدَانِي صُدُورِ الْقَدَمَيْنِ مَعَ تَبَاعُدِ الْعَقِبَيْنِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي فِي رِجْلِهِ اعْوِجَاجٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: جَعْدٌ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ، وَلَا جَحْرَاءَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ مَمْدُودٌ أَيْ عَمِيقَةٌ، وَبِتَقْدِيمِ الْحَاءِ أَيْ لَيْسَتْ مُتَصَلِّبَةً، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: مَمْسُوحُ الْعَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ سَمُر ةَ مِثْلُهُ، وَكِلَاهُمَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَلَكِنْ فِي حَدِيثِهِمَا: أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى. وَمِثْلُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى.

وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَيَكُونُ أَرْجَحُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَكِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فَقَالَ: تُصَحَّحُ الرِّوَايَتَانِ مَعًا بِأَنْ تَكُونَ الْمَطْمُوسَةُ وَالْمَمْسُوحَةُ هِيَ الْعَوْرَاءُ الطَّافِئَةُ بِالْهَمْزِ أَيِ الَّتِي ذَهَبَ ضَوْؤُهَا، وَهِيَ الْعَيْنُ الْيُمْنَى كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَكُونُ الْجَاحِظَةُ الَّتِي كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ وَكَأَنَّهَا نُخَاعَةٌ فِي حَائِطٍ هِيَ الطَّافِيَةُ بِلَا هَمْزٍ وَهِيَ الْعَيْنُ الْيُسْرَى كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى مَعًا فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَوْرَاءُ أَيْ مَعِيبَةٌ، فَإِنَّ الْأَعْوَرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ الْمَعِيبُ، وَكِلَا عَيْنَيِ الدَّجَّالِ مَعِيبَةٌ، فَإِحْدَاهُمَا مَعِيبَةٌ بِذَهَابِ ضَوْئِهَا حَتَّى ذَهَبَ إِدْرَاكُهَا، وَالْأُخْرَى بِنُتُوئِهَا انْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ فِي نِهَايَةِ الْحُسْنِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: حَاصِلُ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ عَيْنَيِ الدَّجَّالِ عَوْرَاءُ إِحْدَاهُمَا بِمَا أَصَابَهَا حَتَّى ذَهَبَ إِدْرَاكُهَا، وَالْأُخْرَى بِأَصْلِ خَلْقِهَا مَعِيبَةٌ، لَكِنْ يُبْعِدُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ عَيْنَيْهِ قَدْ جَاءَ وَصْفُهَا فِي الرِّوَايَةِ بِمِثْلِ مَا وُصِفَتْ بِهِ الْأُخْرَى مِنَ الْعَوَرِ فَتَأَمَّلْهُ.

وَأَجَابَ صَاحِبُهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ بِأَنَّ الَّذِي تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْمَطْمُوسَةَ وَهِيَ الَّتِي لَيْسَتْ نَاتِئَةً وَلَا جَحْرَاءَ هِيَ الَّتِي فَقَدَتِ الْإِدْرَاكَ، وَالْأُخْرَى وُصِفَتْ بِأَنَّ

عَلَيْهَا ظَفَرَةً غَلِيظَةً، وَهِيَ جِلْدَةٌ تَغْشَى الْعَيْنَ، وَإِذَا لَمْ تُقْطَعْ عَمِيَتِ الْعَيْنُ، وَعَلَى هَذَا فَالْعَوَرُ فِيهِمَا لِأَنَّ الظَّفَرَةَ مَعَ غِلَظِهَا تَمْنَعُ الْإِدْرَاكَ أَيْضًا، فَيَكُونُ الدَّجَّالَ أَعْمَى أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ ذِكْرُ الظَّفَرَةِ فِي الْعَيْنِ الْيُمْنَى فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ، وَجَاءَ فِي الْعَيْنِ الشِّمَالِ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَاءَ وَصْفُهَا بِمِثْلِ مَا وُصِفَتِ الْأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ فِي التَّذْكِرَةِ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ؛ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، قَالَ: وَإِذَا كَانَتِ الْمَمْسُوحَةُ عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ فَالَّتِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ أَوْلَى، قَالَ: وَقَدْ فُسِّرَتِ الظَّفَرَةُ بِأَنَّهَا لَحْمَةٌ كَالْعَلَقَةِ. قُلْتُ: وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَعَيْنُهُ الْيُمْنَى عَوْرَاءُ جَاحِظَةٌ لَا تَخْفَى كَأَنَّهَا نُخَاعَةٌ فِي حَائِطٍ مُجَصَّصٍ، وَعَيْنُهُ الْيُسْرَى كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، فَوَصَفَ عَيْنَيْهِ مَعًا، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَعْوَرُ ذُو حَدَقَةٍ جَاحِظَةٍ لَا تَخْفَى كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ. وَلَعَلَّهَا أَبْيَنُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِوَصْفِهَا بِالْكَوْكَبِ شِدَّةُ اتِّقَادِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ وَصْفِهَا بِالطَّمْسِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ: إِحْدَى عَيْنَيْهِ كَأَنَّهَا زُجَاجَةٌ خَضْرَاءُ، وَهُوَ يُوَافِقُ وَصْفَهَا بِالْكَوْكَبِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ: أَعْوَرُ عَيْنُهُ الْيُسْرَى بِعَيْنِهِ الْيُمْنَى ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ.

وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَخْبَارِ أَنَّ الصَّوَابَ فِي طَافِيَةٍ أَنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ؛ فَإِنَّهَا قُيِّدَتْ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ بِأَنَّهَا الْيُمْنَى، وَصَرَّحَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَسَمُرَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ بِأَنَّ عَيْنَهُ الْيُسْرَى مَمْسُوحَةٌ، وَالطَّافِيَةُ هِيَ الْبَارِزَةُ وَهِيَ غَيْرُ الْمَمْسُوحَةِ، وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يُجَوِّزُ رِوَايَةَ الْهَمْزِ فِي طَافِيَةٍ، وَعَدَمِهِ، مَعَ تَضَادِّ الْمَعْنَى فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثَيْنِ لَسَهُلَ الْأَمْرُ، وَأَمَّا الظَّفَرَةُ فَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ فِي كِلَا عَيْنَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُضَادُّ الطَّمْسَ وَلَا النُّتُوءَ، وَتَكُونُ الَّتِي ذَهَبَ ضَوْؤُهَا هِيَ الْمَطْمُوسَةُ وَالْمَعِيبَةُ مَعَ بَقَاءِ ضَوْئِهَا هِيَ الْبَارِزَةُ، وَتَشْبِيهُهَا بِالنُّخَاعَةِ فِي الْحَائِطِ الْمُجَصَّصِ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ، وَأَمَّا تَشْبِيهُهَا بِالزُّجَاجَةِ الْخَضْرَاءِ وَبِالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَحْدُثُ لَهُ فِي عَيْنِهِ النُّتُوءُ يَبْقَى مَعَهُ الْإِدْرَاكُ، فَيَكُونُ الدَّجَّالُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي اخْتِلَافِ صِفَاتِ الدَّجَّالِ بِمَا ذُكِرَ مِنَ النَّقْصِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّقْصَ عَنْ نَفْسِهِ كَيْفَ كَانَ، وَأَنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الظَّفَرَةُ لَحْمَةٌ تَنْبُتُ عِنْدَ الْمَاقِ، وَقِيلَ: جِلْدَةٌ تَخْرُجُ فِي الْعَيْنِ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يَلِيَ الْأَنْفَ، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ فِي الْعَيْنِ السَّالِمَةِ بِحَيْثُ لَا تُوَارِي الْحَدَقَةَ بِأَسْرِهَا بَلْ تَكُونُ عَلَى حِدَتِهَا.

قَوْلُهُ: (هَذَا الدَّجَّالُ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: قُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْقَائِلِ مُعَيَّنًا.

قَوْلُهُ: (أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: وَابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَفِي رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ: أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ ابْنُ قَطَنٍ، وَزَادَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدَّمْتُ هُنَاكَ سِيَاقَ نَسَبِهِ إِلَى خُزَاعَةَ مِنْ فَوَائِدِ الدِّمْيَاطِيِّ، وَسَأَذْكُرُ اسْمَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ مَعَ بَقِيَّةِ صِفَتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاسْتَشْكَلَ كَوْنُ الدَّجَّالِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَكَوْنُهُ يَتْلُو عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ إِذَا رَآهُ يَذُوبُ، وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ فِي الْمَنَامِ، وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَإِنْ كَانَتْ وَحْيًا لَكِنْ فِيهَا مَا يَقْبَلُ التَّعْبِيرَ. وَقَالَ عِيَاضٌ: لَا إِشْكَالَ فِي طَوَافِ عِيسَى بِالْبَيْتِ، وَأَمَّا الدَّجَّالُ فَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَنَّهُ طَافَ وَهِيَ أَثْبَتُ مِمَّنْ رَوَى طَوَافَهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ مَرْدُودٌ، لِأَنَّ سُكُوتَ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ذِكْرِ الطَّوَافِ لَا يَرُدُّ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَسَوَاءٌ ثَبَتَ أَنَّهُ طَافَ أَمْ لَمْ يَطُفْ فَرُؤْيَتُهُ إِيَّاهُ بِمَكَّةَ مُشْكِلَةٌ مَعَ ثُبُوتِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ وَلَا الْمَدِينَةَ، وَقَدِ انْفَصَلَ عَنْهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ دُخُولِهَا إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ خُرُوجِهِ فِي آخِرِ

الزَّمَانِ.

قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا دَارَ بَيْنَ أَبِي سَعِيدٍ وَبَيْنَ ابْنِ صَيَّادٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ قَالَ لَهُ: أَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ وَلَا الْمَدِينَةَ، وَقَدْ خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ أُرِيدُ مَكَّةَ، فَتَأَوَّلَهُ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ، عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَخْرُجُ، وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ مَشْيِهِ وَرَاءَ عِيسَى .

الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي بَابِ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ وَهُوَ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجُمُعَةِ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ مُطَوَّلًا، ثُمَّ قَالَ: وَعَنِ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا.

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَبِي) هُوَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، وَنُسِبَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ.

قَوْلُهُ: (ررِبْعِيٍّ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ، وَهُوَ ابْنُ حِرَاشٍ بِمُهْمَلَةٍ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ، وَحُذَيْفَةُ هُوَ ابْنُ الْيَمَانِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ النَّبِيِّ ، قَالَ فِي الدَّجَّالِ: إِنَّ مَعَهُ) كَذَا ذَكَرَهُ شُعْبَةُ مُخْتَصَرًا، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ قَالَ: قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو، لِحُذَيْفَةَ: أَلَا تُحَدِّثُنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ مَعَ الدَّجَّالِ إِذَا خَرَجَ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا) عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ فَقَالَ حُذَيْفَةُ لَأَنَا بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ لَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ؛ مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ أَحَدُهُمَا رَأْيَ الْعَيْنِ مَاءٌ أَبْيَضُ وَالْآخَرُ رَأْيَ الْعَيْنِ نَارٌ تَأَجَّجُ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ: فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارٌ تُحْرِقُ، وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَارًا فَمَاءٌ بَارِدٌ الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ سَفِينَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ: مَعَهُ وَادِيَانِ أَحَدُهُمَا جَنَّةٌ وَالْآخَرُ نَارٌ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا؛ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ، فَمَنِ ابْتُلِيَ بِنَارِهِ فَلْيَسْتَغِثْ بِاللَّهِ وَلْيَقْرَأْ فَوَاتِحَ الْكَهْفِ، فَتَكُونَ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا.

قَوْلُهُ: (فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ وَمَاؤُهُ نَارٌ) زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي رِوَايَتِهِ فَلَا تَهْلِكُوا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مَالِكٍ فَإِنْ أَدْرَكَهُ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا وَلِيُغْمِضْ ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبْ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ نَارًا، فَإِنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ مِثْلُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَالَّتِي يَقُولُ إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلَافِ الْمَرْئِيِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّائِي، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّجَّالُ سَاحِرًا فَيُخَيِّلُ الشَّيْءَ بِصُورَةِ عَكْسِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ بَاطِنَ الْجَنَّةِ الَّتِي يُسَخِّرُهَا الدَّجَّالُ نَارًا وَبَاطِنَ النَّارِ جَنَّةً، وَهَذَا الرَّاجِحُ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنِ النِّعْمَةِ وَالرَّحْمَةِ بِالْجَنَّةِ وَعَنِ الْمِحْنَةِ وَالنِّقْمَةِ بِالنَّارِ، فَمَنْ أَطَاعَهُ فَأَنْعَمَ عَلَيْهِ بِجَنَّتِهِ يَئُولُ أَمْرُهُ إِلَى دُخُولِ نَارِ الْآخِرَةِ وَبِالْعَكْسِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْمِحْنَةِ وَالْفِتْنَةِ فَيَرَى النَّاظِرُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ دَهْشَتِهِ النَّارَ فَيَظُنُّهَا جَنَّةً وَبِالْعَكْسِ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: قَوْلُهُ: (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) يَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ شُعْبَةَ أَنْبَأَنَا قَتَادَةُ سَمِعْتُ أَنَسًا.

قَوْلُهُ: (مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ) فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ.

قَوْلُهُ: (أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ وَهِيَ حَرْفُ تَنْبِيهٍ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) تَقَدَّمَ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِيهِ فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ) كَذَا

لِلْأَكْثَرِ وَالْجُمْهُورُ مَكْتُوبًا وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّهُ إِمَّا اسْمُ إِنَّ وَإِمَّا حَالٌ، وَتَوْجِيهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ حَذَفَ اسْمَ إِنَّ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ إِنَّ وَالِاسْمُ الْمَحْذُوفُ إِمَّا ضَمِيرُ الشَّأْنِ أَوْ يَعُودُ عَلَى الدَّجَّالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَافِرٌ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ بِلَفْظِ الدَّجَّالِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر أَيْ كَافِرٌ، وَمِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسٍ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ ثُمَّ تَهَجَّاهَا ك ف ر يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ يَقْرَؤُهُ الْأُمِّيُّ وَالْكَاتِبُ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ وَلِأَحْمَدَ، عَنْ جَابِرٍ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ مُهَجَّاةٌ وَمِثْلُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي قَوْلِهِ ك ف ر إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِعْلَ وَفَاعِلَ مِنَ الْكُفْرِ إِنَّمَا يُكْتَبُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَكَذَا هُوَ فِي رَسْمُ الْمُصْحَفِ وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْخَطِّ أَثْبَتُوا فِي فَاعِلٍ أَلِفًا فَذَاكَ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ، وَقَوْلُهُ: يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ. إِخْبَارٌ بِالْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِدْرَاكَ فِي الْبَصَرِ يَخْلُقُهُ اللَّهُ لِلْعَبْدِ كَيْفَ شَاءَ وَمَتَى شَاءَ، فَهَذَا يَرَاهُ الْمُؤْمِنُ بِغَيْرِ بَصَرِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ، وَلَا يَرَاهُ الْكَافِرُ وَلَوْ كَانَ يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ كَمَا يَرَى الْمُؤْمِنُ الْأَدِلَّةَ بِعَيْنِ بَصِيرَتِهِ وَلَا يَرَاهَا الْكَافِرُ فَيَخْلُقُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ الْإِدْرَاكَ دُونَ تَعَلُّمٍ لِأَنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ تَنْخَرِقُ فِيهِ الْعَادَاتُ فِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ عُمُومًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ بِبَعْضِهِمْ مِمَّنْ قَوِيَ إِيمَانُهُ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ الْكِتَابَةَ الْمَذْكُورَةَ حَقِيقَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَامَةً قَاطِعَةً بِكَذِبِ الدَّجَّالِ فَيُظْهِرُ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ عَلَيْهَا وَيُخْفِيهَا عَلَى مَنْ أَرَادَ شَقَاوَتَهُ. وَحَكَى عِيَاضٌ خِلَافًا وَأَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ هِيَ مَجَازٌ عَنْ سِمَةِ الْحُدُوثِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ أَنْ لَا تَكُونَ الْكِتَابَةُ حَقِيقَةً بَلْ يُقَدِّرُ اللَّهُ عَلَى غَيْرِ الْكَاتِبِ عِلْمَ الْإِدْرَاكِ فَيَقْرَأُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ لَهُ مَعْرِفَةُ الْكِتَابَةِ، وَكَأَنَّ السِّرَّ اللَّطِيفَ فِي أَنَّ الْكَاتِبَ وَغَيْرَ الْكَاتِبِ يَقْرَأُ ذَلِكَ لِمُنَاسَبَةِ أَنَّ كَوْنَهُ أَعْوَرَ يُدْرِكُهُ كُلُّ مَنْ رَآهُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ وَالْحَادِي عَشَرَ، قَوْلُهُ: (فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ) أَيْ يَدْخُلُ فِي الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَصْلَ الْبَابِ فَيَتَنَاوَلَ كَلَامُهُ كُلَّ شَيْءٍ وَرَدَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالدَّجَّالِ مِنْ حَدِيثِ الْمَذْكُورِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ خُصُوصَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجَّالَ وَهُوَ أَقْرَبُ، فَمِمَّا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ نُوحٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ : أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عَنِ الدَّجَّالِ مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ؟ إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ تِمْثَالُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَالَّتِي يَقُولُ إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ، وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ يَقُولُ: يَخْرُجُ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ فَيَبْلُغُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ مِنَ الْأَرْضِ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَيَلْقَى الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُ شِدَّةً شَدِيدَةً الْحَدِيثَ، وَمِمَّا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الْمَلَائِكَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذِكْرِ صِفَةِ مُوسَى وَفِيهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى الدَّجَّالَ وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّجَّالِ: أَعْوَرُ هِجَانُ - بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ؛ أَيْ أَبْيَضُ أَزْهَرُ - كَأَنَّ رَأْسَهُ أَصَلَةٌ أَشْبَهُ

النَّاسِ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَأَمَّا هَلَكَ الْهُلَّكُ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَفِي لَفْظٍ لِلطَّبَرَانِيِّ ضَخْمٌ فَيْلَمَانِيٌّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«انطلقت معه (١) إلى حذيفة، فقال له عقبة: حدِّثني ما (٢) سمعتَ من رسول الله في الدَّجَّال» الحديث، وفي آخره: قال عقبة: وأنا قد سمعته من رسول الله ؛ تصديقًا لحذيفة، وعنده أيضًا عن ربعيٍّ قال: اجتمع حذيفة وأبو مسعود، فقال حذيفة: لأنا بما مع الدَّجَّال أعلم منه، الحديث، ثمَّ قال في آخره: قال أبو مسعود: هكذا سمعت النَّبيَّ يقول.

٧١٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : مَا بُعِثَ نَبِيٌّ) بضمِّ الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام؛ حرف تنبيهٍ (إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) إنَّما اقتصر على وصف الدَّجَّال بالعور مع أنَّ أدلَّة الحدوث (٣) كثيرةٌ ظاهرةٌ؛ لأنَّ العَوَر أثرٌ محسوسٌ يُدركه كلُّ أحدٍ، فدعواه الرُّبوبيَّة مع نقص خلقته علم كذبه؛ لأنَّ الإله يتعالى عن النَّقص (وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ) برفع «مكتوبٌ»، فاسم «إنَّ» محذوف؛ وهو ضمير نصبٍ إمَّا ضمير الشَّأن، أو عائدٌ على الدَّجَّال، و «بين عينيه مكتوبٌ» جملةٌ هي الخبر، و «كافرٌ» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: بين عينيه شيءٌ مكتوبٌ، وذلك الشَّيء هو كلمة كافرٍ، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «مكتوبًا» بالنَّصب، قال في «المصابيح»: فالظَّاهر جعله اسم «إنَّ»، و «كافرٌ» على ما سبق، ولا يحتاج مع هذا إلى أن يرتكب حذف اسم «إنَّ» مع كونه ضميرًا؛ فإنَّه ضعيفٌ أو قليلٌ. انتهى. وقوله في «الفتح»: وإمَّا حالٌ، قال العينيُّ: ليس صحيحًا، بل قوله: «كافرٌ» عمل فيه «مكتوبٌ»، وزاد أبو أمامة عند ابن ماجه: «يقرؤه كلُّ مؤمنٍ كاتبٍ وغير كاتبٍ»، وهذا إخبارٌ بالحقيقة؛ لأنَّ الإدراك في البصر (٤) يخلقه الله للعبد (٥) كيف شاء، ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن

بعين بَصَره ولو (١) كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة (فِيهِ) أي: في الباب (أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ) أي: يدخل فيه حديثهما (عَنِ النَّبِيِّ ) فأمَّا حديث أبي هريرة، فسبق في «ترجمة نوحٍ» في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٣٨] وأمَّا حديث ابن عبَّاسٍ فـ «في صفة موسى» [خ¦٣٢٣٩] وقد وصف (٢) الدَّجَّال وصفًا لم يبق معه لذي لبٍّ إشكالٌ، وتلك الأوصاف كلُّها ذميمةٌ تبيِّن لكلِّ ذي حاسَّةٍ سليمةٍ كذبه فيما يدَّعيه، وإنَّ الإيمان به حقٌّ، وهو مذهب أهل السُّنَّة خلافًا لمن أنكر ذلك من الخوارج وبعض المعتزلة، ووافقنا على إثباته بعض الجهميَّة وغيرهم، لكن زعموا أنَّ ما عنده مخاريق (٣) وحيلٌ؛ لأنَّها لو كانت أمورًا صحيحةً؛ لكان ذلك إلباسًا للكاذب بالصَّادق، وحينئذٍ لا يكون فرقٌ بين النَّبيِّ والمتنبِّي، وهذا هذيان لا يُلتفَت إليه ولا يُعرَّج عليه؛ فإن هذا (٤) إنَّما كان يلزم لو أنَّ الدَّجَّال يدَّعي النُّبوَّة وليس كذلك، فإنَّه إنَّما يدَّعي الإلهيَّة، ولهذا قال : «إنَّ الله ليس بأعور» تنبيهًا للعقول على حدوثه (٥) ونقصه (٦)، وأمَّا الفرق بين النَّبيِّ والمتنبِّي؛ فالمعجزة لا تظهر على يد المتنبيِّ (٧)، لأنَّه يلزم منه انقلاب دليل الصِّدق دليل الكذب وهو محالٌ (٨)، وقوله: إنَّ الذي يأتي (٩) به الدَّجَّال حيلٌ ومخاريق، فقول معزول عن الحقائق؛ لأنَّ ما أخبر به النبيُّ من تلك الأمور حقائق، والعقل لا يحيل شيئًا منها، فوجب إبقاؤها على حقائقها. انتهى. ملخَّصًا من «التَّذكرة».

(٢٧) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر (١٠) فيه: (لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ) النَّبويَّة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أبي زرْعَة الرَّازِيّ قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى عمي فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أبْغض مُعَاوِيَة، قَالَ: لم؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَاتل عليّاً بِغَيْر حق، فَقَالَ لَهُ أَبُو زرْعَة: رب مُعَاوِيَة رب رَحِيم وخصم مُعَاوِيَة خصم كريم فَمَا دخولك بَينهمَا؟ وَقيل: الفئتان الْخَوَارِج وَعلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: دعوتهما وَاحِدَة أَي: يدعيان الْإِسْلَام ويتأول كل مِنْهُمَا أَنه محق. قَوْله: حَتَّى يبْعَث أَي: حَتَّى يظْهر دجالون جمع دجال أَي خلاطون بَين الْحق وَالْبَاطِل مموهون، وَالْفرق بَينهم وَبَين الدَّجَّال الْأَكْبَر أَنهم يدعونَ النُّبُوَّة وَهُوَ يَدعِي الإلاهية لكِنهمْ كلهم مشتركون فِي التمويه وادعاء الْبَاطِل الْعَظِيم، وَقد وجد كثير مِنْهُم فضحهم الله وأهلكهم. قَوْله: قريب مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: عَددهمْ قريب. قَالَ الْكرْمَانِي: أَو مَنْصُوب مَكْتُوب بِلَا ألف على اللُّغَة الربيعية، وَقد وَقع فِي حَدِيث ثَوْبَان بِالْجَزْمِ: أَنهم ثَلَاثُونَ، وَهُوَ: سَيكون فِي أمتِي كذابون ثَلَاثُونَ، كلهم يزْعم أَنه نَبِي وَأَنا خَاتم النَّبِيين لَا نَبِي بعدِي. أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان، وروى أَبُو يعلى من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: بَين يَدي السَّاعَة ثَلَاثُونَ دجالًا كذابا، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود، وروى أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سَمُرَة الْمصدر بالكسوف، وَفِيه: وَلَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج ثَلَاثُونَ كذابا آخِرهم الْأَعْوَر الدَّجَّال، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن عمر وَلَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج سَبْعُونَ كذابا، وَسَنَده ضَعِيف، وَكَذَا عَن أبي يعلى من حَدِيث أنس، وَهُوَ أَيْضا ضَعِيف، وَهُوَ وَإِن ثَبت فَمَحْمُول على الْمُبَالغَة فِي الْكَثْرَة لَا على التَّحْدِيد. وروى أَحْمد بِسَنَد جيد عَن حُذَيْفَة: يكون فِي أمتِي دجالون كذابون سَبْعَة وَعِشْرُونَ، مِنْهُم أَربع نسْوَة وَإِنِّي خَاتم النَّبِيين وَلَا نَبِي بعدِي. قَوْله: وَكلهمْ يزْعم أَنه رَسُول الله ظَاهره يدل على أَن كلاًّ مِنْهُم يَدعِي النُّبُوَّة، وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي قَوْله: وَيقبض الْعلم يَعْنِي: يقبض الْعلمَاء، وَقد تقدم فِي كتاب الْعلم: من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يرفع الْعلم، وَفِي رِوَايَة: أَن يقل الْعلم. قَوْله: وتكثر الزلازل وَقد استمرت الزلزلة فِي بَلْدَة من بِلَاد الرّوم الَّتِي هِيَ للْمُسلمين ثَلَاثَة عشر شهرا. قَوْله: ويتقارب الزَّمَان أَي: أَهله بِأَن يكون كلهم جُهَّالًا، وَيحْتَمل الْحمل على الْحَقِيقَة بِأَن يعتدل اللَّيْل وَالنَّهَار دَائِما، وَذَلِكَ بِأَن تنطبق منْطقَة البروج على معدل النَّهَار. قَوْله: حَتَّى يكثر فِيكُم المَال إِشَارَة إِلَى مَا وَقع من الْفتُوح واقتسامهم أَمْوَال الْفرس وَالروم فِي زمن الصَّحَابَة. قَوْله: فيفيض من الفيضان وَهُوَ أَن يكثر حَتَّى يسيل كالوادي، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى مَا وَقع فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز لِأَنَّهُ وَقع فِي زَمَنه أَن الرجل كَانَ يعرض مَاله للصدقة فَلَا يجد من يقبل صدقته. قَوْله: حَتَّى يهم بِضَم الْيَاء وَكسر الْهَاء قَالَ ابْن بطال: رب هُوَ مفعول، و: من يقبل، فَاعله، ويهمه أَي: يحزنهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ بِضَم الْيَاء وَكسر الْهَاء وبفتح الْيَاء وَضم الْهَاء وحينئذٍ يكون: رب، فَاعِلا. أَي: يَقْصِدهُ. قَوْله: من يقبل قَالَ الْكرْمَانِي: ظَاهره أَن يُقَال من لَا يقبل. قلت: يُرِيد بِهِ من شَأْنه أَن يكون قَابلا لَهَا قَوْله: لَا أرب بِفتْحَتَيْنِ أَي: لَا حَاجَة لي بِهِ، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى مَا سيقع فِي زمن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. قَوْله: بِهِ للْمُبَالَغَة. قَوْله: لقحته بِكَسْر اللَّام الْقَرِيبَة الْعَهْد بِالْولادَةِ والناقة الحلوب. قَوْله: فَلَا يطعمهُ أَي: فَلَا يشربه. قَوْله: هُوَ يليط يُقَال لَاطَ ويليط إِذْ طينه وَأَصْلحهُ وألصقه. يُقَال: لَاطَ حبه بقلبي يليط ويلوط ليطاً ولوطاً ولياطة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لطت الْحَوْض بالطين ألواطه لوطاً أَي: طينته. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: كل شَيْء لصق بِشَيْء فقد لَاطَ بِهِ يلوط لوطاً ويليط أَيْضا. قَوْله: أَكلته بِضَم الْهمزَة وَهِي اللُّقْمَة، وَبِفَتْحِهَا الْمرة الْوَاحِدَة. إِلَى فِيهِ أَي: إِلَى فَمه.

٢٦ - (بابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر الدَّجَّال، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.

٧١٢٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَحْياى، حَدثنَا إسْماعِيلُ، حدّثني قيْسٌ قَالَ: قَالَ لي المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ: مَا سَأَلَ أحَدٌ النبيَّ عنِ الدَّجَّالِ مَا سألْتهُ، وإنَّهُ قَالَ لي: مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ؟ قُلْتُ لأنّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ مَعَه جَبَلَ خُبْزٍ ونَهَرَ ماءٍ، قَالَ: هُوَ أهْوَنُ عَلى الله مِنْ ذالِكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن شهَاب بن عباد وَآخَرين: وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير.

قَوْله: الدَّجَّال قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ شخص بِعَيْنِه ابتلى الله عباده بِهِ وأقدره على أَشْيَاء من مقدورات الله تعال من إحْيَاء الْمَيِّت وَاتِّبَاع كنوز الأَرْض وإمطار السَّمَاء وإنبات الأَرْض بأَمْره، ثمَّ يعجزه الله عز وَجل بعد ذَلِك فَلَا يقدر على شَيْء من ذَلِك، وَهُوَ يكون مُدعيًا للإلاهية وَهُوَ فِي نفس دَعْوَاهُ مكذب لَهَا بِصُورَة حَاله من انتقاصه بالعور وعجزه عَن إِزَالَته عَن نَفسه وَعَن إِزَالَة الشَّاهِد بِكُفْرِهِ الْمَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ. فَإِن قلت: إِظْهَار المعجزة على يَد الْكذَّاب لَيْسَ يُمكن. قلت: إِنَّه يَدعِي الإلاهية واستحالته ظَاهِرَة فَلَا مَحْذُور فِيهِ، بِخِلَاف مدعي النُّبُوَّة فَإِنَّهَا مُمكنَة، فَلَو أَتَى الْكَاذِب فِيهَا بمعجزة لالتبس النَّبِي بالمتنبي. وَفَائِدَة تَمْكِينه من هَذِه الخوارق امتحان الْعباد. قَوْله: وَإنَّهُ أَي وَإِن النَّبِي، قَالَ لي: مَا يَضرك مِنْهُ أَي: من الدَّجَّال. قَوْله: لأَنهم أَي: لِأَن النَّاس، ويروى: أَنهم، وَهُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مُتَعَلق بمقدر يُنَاسب الْمقَام، وَقدر بَعضهم الخشية مِنْهُ مثلا، وَفِيه تَأمل. قَوْله: جبل وَفِي رِوَايَة مُسلم: مَعَه جبال من خبز وَلحم قَوْله: ونهر بِسُكُون الْهَاء وَفتحهَا. قَوْله: هُوَ أَهْون على الله من ذَلِك قَالَ القَاضِي: هُوَ أَهْون على الله من أَن يَجْعَل ذَلِك سَببا لضلال الْمُؤمنِينَ، بل هُوَ لِيَزْدَادَ الَّذين آمنُوا إِيمَانًا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ مَعَه شَيْء من ذَلِك.

٧١٢٣ - حدّثنا مُوساى بنُ إسماعِيلُ، حدّثنا وُهَيْبٌ، حدّثنا أيُّوبَ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ أراهُ عنِ النبيِّ قَالَ: أعْوَرُ العَيْنِ اليُمْناى كأنَّها عِنَبَةٌ طافِيَةٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ووهيب مصغر وهب ابْن خَالِد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.

قَوْله: أرَاهُ بِضَم الْهمزَة الْقَائِل بِهِ هُوَ البُخَارِيّ، وَقد سقط قَوْله: أرَاهُ إِلَى آخِره فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَأبي زيد الْمروزِي وَأبي أَحْمد الْجِرْجَانِيّ، فَصَارَت صورته مَوْقُوفَة وَبِذَلِك جزم الْإِسْمَاعِيلِيّ. والْحَدِيث فِي الأَصْل مَرْفُوع فقد أخرجه مُسلم من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب فَقَالَ فِيهِ: عَن النَّبِي، قَوْله: أَعور الْعين الْيُمْنَى أَي: أَعور عين الْجِهَة الْيُمْنَى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: أَعور عين الْيُمْنَى، بِلَا ألف وَلَام. قَوْله: طافئة بِالْهَمْزَةِ وَهِي الَّتِي ذهب نورها، وَبلا همزَة: الناتئة الشاخصة.

٧١٢٤ - حدّثنا سَعْدُ بنُ حَفصٍ، حدّثنا شَيْبانُ، عنْ يَحْياى، عنْ إسْحاقَ بنِ عبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ، عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، قَالَ النبيُّ يَجِىءُ الدَّجَالُ حتَّى يَنْزِلَ فِي ناحِيَةَ المَدِينَةِ، ثُمَّ تَرْجِفُ المَدِينَةُ ثَلَاثَ رجَفاتٍ، فَيَخْرُجُ إلَيْهِ كلُّ كافِرٍ ومُنافِق.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسعد بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي، وشيبان هُوَ أَبُو مُعَاوِيَة النَّحْوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير بالثاء الْمُثَلَّثَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: حَتَّى ينزل فِي نَاحيَة الْمَدِينَة وَيَأْتِي عَن قريب بعد بَاب: ينزل بعض السباخ الَّتِي تلِي الْمَدِينَة، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن إِسْحَاق عَن أنس: فَيَأْتِي سبخَة الجرف، فَيضْرب رواقه فَيخرج إِلَيْهِ كل مُنَافِق وَمُنَافِقَة، والجرف بِضَم الْجِيم وَالرَّاء وبالفاء مَكَان بطرِيق الْمَدِينَة من جِهَة الشَّام على ميل، وَقيل: ثَلَاثَة أَمْيَال، والرواق الْفسْطَاط، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي أُمَامَة. ينزل عِنْد الطَّرِيق الْأَحْمَر عِنْد مُنْقَطع السبخة قَوْله: ثمَّ ترجف الْمَدِينَة ويروى: فترجف الْمَدِينَة، وَهُوَ أوجه، وَمَعْنَاهُ: تتحرك الْمَدِينَة ويضطرب أَهلهَا. قَوْله: فَيخرج إِلَيْهِ أَي: إِلَى الدَّجَّال كل كَافِر ومنافق قلت: الَّذِي يظْهر لي أَن المُرَاد بالكافر غلاة الروافض، لأَنهم كفرة، وَفِي الْمَدِينَة رفضة، وَفِي حَدِيث محجن بن الأدرع عِنْد أَحْمد وَالْحَاكِم: فَلَا يبْقى مُنَافِق وَلَا منافقة وَلَا فَاسق وَلَا فاسقة إِلَّا خرج إِلَيْهِ.

٠٧١٢٥ - حدّثنا عبدُ الْعَزِيز بنُ عبد الله، حدّثنا إبراهيمُ بنُ سعد، عَن أبيهِ عَن جدِّهِ، عَن أبي بكرةَ عَن النبيّ قَالَ: لَا يدخُلُ المدينةَ رُعبُ الْمَسِيح الدّجال، وَلها يومئذٍ

سَبْعَة أبوابٍ عَلى كُلِّ بابٍ مَلَكان

انْظُر الحَدِيث ١٨٧٩ وطرفه

٧١٢٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بِشْرٍ، حدّثنا مِسْعَرٌ، حدّثنا سَعْدُ بنُ إبْرَاهِيمَ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي بَكْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيح، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أبْوَابٍ عَلى كُلِّ بابٍ مَلَكانِ.

قَالَ: وَقَالَ ابنُ إسْحاق عنْ صَالِحٍ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِيهِ قَالَ: قَدِمْتُ البَصْرَةَ فَقَالَ لي أبُو بَكْرَة، سَمِعْتُ النبيَّ بِهاذا.

انْظُر الحَدِيث ١٨٧٩ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَمُحَمّد بن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الْعَبْدي، ومسعر بِكَسْر الْمِيم ابْن كدام الْكُوفِي، وَسعد بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف عَن أبي بكرَة نفيع الثَّقَفِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي الْحَج عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَهَذَا ثَبت للمستملي وَحده، وَسقط للْكُلّ غَيره.

قَوْله: رعب بِضَم الرَّاء وَالْعين وبكسون الثَّانِي وَهُوَ الْفَزع.

قَوْله: وَقَالَ ابْن إِسْحَاق أَي: مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي روى عَنهُ مُسلم وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن عبد الرحمان بن عَوْف وَهُوَ أَخُو سعد بن إِبْرَاهِيم. وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق ثُبُوت لِقَاء إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف لأبي بكرَة لِأَن إِبْرَاهِيم مدنِي وَقد تستنكر رِوَايَته عَن أبي بكرَة. لِأَنَّهُ نزل الْبَصْرَة على عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى أَن مَاتَ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة مُحَمَّد بن سَلمَة الْحَرَّانِي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بِهَذَا السَّنَد. قَوْله: بِهَذَا أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور.

٧١٢٧ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله، حَدثنَا إبْرَاهِيمُ، عنْ صالِحٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: قامَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّاسِ، فأثْنى عَلى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيَ إلاّ وقَدْ أنْذَرَهُ قَوْمَهُ، ولَكِنِّي سأقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: إنَّهُ أعْوَرُ وإنَّ الله لَيْسَ بِأعْوَرَ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

قَوْله: وَمَا من نَبِي إلَاّ وَقد أنذره قومه زَاد فِي رِوَايَة معمر: لقد أنذره نوح قومه، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: لم يكن نَبِي بعد نوح إلَاّ وَقد أنذر قومه الدَّجَّال. فَإِن قلت: هَذَا مُشكل لِأَن الْأَحَادِيث قد ثبتَتْ أَنه يخرج بعد أُمُور ذكرت، وَأَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، يقْتله بعد أَن ينزل من السَّمَاء فَيحكم بالشريعة المحمدية. قلت: كَانَ وَقت خُرُوجه أُخْفِي عَن نوح وَمن بعده فكأنهم أنذروا بِهِ وَلم يذكر لَهُم وَقت خُرُوجه، فحذروا قَومهمْ من فتنته. قَوْله: إِنَّه أَعور إِنَّمَا اقْتصر على هَذَا مَعَ أَن أَدِلَّة الْحُدُوث فِي الدَّجَّال ظَاهِرَة، لَكِن العور أثر محسوس يُدْرِكهُ الْعَالم والعامي وَمن لَا يَهْتَدِي إِلَى الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة، فَإِذا ادّعى الربوبية وَهُوَ نَاقص الْخلقَة، والإلاه يتعالى عَن النَّقْص، علم أَنه كَذَّاب.

٧١٢٨ - حدّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ، حَدثنَا اللَّيْثُ، عنْ عُقَيْلٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ سالِمٍ عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: بَيْنما أَنا نائمٌ أطُوفُ بالكَعْبَةِ، فإذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يَنْطُفُ أوْ يُهَراقُ رأسُهُ مَاء قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ، ألْتَفِتُ فإذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ جَعْدُ الرَّأسِ، أعْوَرُ العَيْنِ، كَأَن عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافِيَةٌ، قالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ، أقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً، ابنُ قَطَنٍ رجُلٌ مِنْ خُزاعَةَ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهَذَا قد مضى فِي كتاب التَّعْبِير فِي: بَاب الطّواف بِالْكَعْبَةِ فِي الْمَنَام، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فَليرْجع إِلَيْهِ،

لِأَن الْمسَافَة قريبَة.

٧١٢٩ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله، حَدثنَا إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عنْ صالِحٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ، رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: سَمِعْتُ رسولَ الله يَسْتَعيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز وَإِبْرَاهِيم وَصَالح وَابْن شهَاب قد مروا الْآن. والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب الدُّعَاء قبل السَّلَام، قبيل كتاب الْجُمُعَة مطولا.

٧١٣٠ - حدّثنا عَبْدَانُ، أَخْبرنِي أبي، عنْ شُعْبَةَ، عنْ عَبْدِ المَلِكِ، عنْ رِبْعِيَ، عنْ حُذَيْفَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الدَّجَّالِ: إنَّ مَعَهُ مَاء وَنَارًا فَنارُهُ ماءٌ بارِدٌ وماؤُهُ نارٌ قَالَ أبُو مَسْعُودٍ: أَنا سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ الله

انْظُر الحَدِيث ٣٤٥٠

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان يروي عَن أَبِيه عُثْمَان بن جبلة بن أبي رواد بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْوَاو، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر، ورِبْعِي بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة اسْم بِلَفْظ النِّسْبَة وَهُوَ ابْن حِرَاش بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة، وَحُذَيْفَة هُوَ ابْن الْيَمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَذَا ذكره شُعْبَة مُخْتَصرا، وَقد تقدم فِي أول ذكر بني إِسْرَائِيل من طَرِيق أبي عوَانَة عَن عبد الْملك عَن ربعي إِلَى آخِره.

قَوْله: قَالَ فِي الدَّجَّال أَي: فِي شَأْنه وحكايته. قَوْله: فناره مَاء قيل: النَّار كَيفَ تكون مَاء وهما حقيقتان مُخْتَلِفَتَانِ؟ وَأجِيب: بِأَن مَعْنَاهُ مَا صورته نعْمَة وَرَحْمَة فَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ لمن مَال إِلَيْهِ نقمة ومحنة، وَبِالْعَكْسِ. وَأَبُو مَسْعُود هُوَ عقبَة بن عَمْرو البدري الْأنْصَارِيّ.

٧١٣١ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، حَدثنَا شُعْبَةُ، عنْ قتادَةَ، عنْ أنَسٍ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ النبيُّ مَا بُعِثَ نَبِي إلاّ أنْذَرَ أُمَّتَهُ الأعْوَر الكَذَّابَ، ألَا إنّهُ أعْوَرُ، وإنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بأعْوَر، وإنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ: كافِرٌ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن أبي مُوسَى وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ.

قَوْله: أَلا أَنه أَعور بِفَتْح الْهمزَة وَاللَّام المخففة لِأَنَّهُ حرف التَّنْبِيه. قَوْله: وَإِن بَين عَيْنَيْهِ مَكْتُوب: كَافِر كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، ويروى: مَكْتُوبًا كَافِرًا. قَالَ بَعضهم: وَلَا إِشْكَال فِيهِ لِأَنَّهُ إِمَّا اسْم: إِن، وَإِمَّا حَال. قلت: نعم مَكْتُوبًا نصب على أَنه اسْم إِن، وَأما قَوْله: وَإِمَّا حَال، فَغير صَحِيح بل قَوْله: كَافِرًا عمل فِيهِ مَكْتُوبًا وَأما إِعْرَاب الأول فَهُوَ إِن اسْم إِن مَحْذُوف: ومكتوب كَافِر، فِي مَوضِع الْخَبَر وَالتَّقْدِير: وَإنَّهُ أَي: وَإِن الدَّجَّال بَين عَيْنَيْهِ مَكْتُوب كَافِر، وَكَافِر أما حُرُوف هجائه هِيَ الْمَكْتُوبَة غير مقطعَة وَأما الْمَكْتُوب وَفِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة: مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ.

فِيهِ أبُو هُرَيْرَةَ وابنُ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ أَي: فِي هَذَا الْبَاب يدْخل أَبُو هُرَيْرَة أَي: حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَابْن عَبَّاس أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فقد تقدم فِي تَرْجَمَة نوح، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ النَّبِي أَلا أحدثكُم حَدِيثا عَن الدَّجَّال، مَا حدث بِهِ نَبِي قومه؟ إِنَّه أَعور ... الحَدِيث، وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَهُوَ مَا تقدم فِي الْمَلَائِكَة من طَرِيق أبي الْعَالِيَة عَن ابْن عَبَّاس فِي ذكر صفة مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام. وَذكر أَنه رأى الدَّجَّال.

٢٧ - (بابٌ لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَالَ فِي الدَّجَّالِ: إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا، فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ وَمَاؤُهُ نَارٌ" قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ

٧١٣١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ "عَنْ أَنَسٍ قَالَ قال النبي : مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلاَّ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ: كَافِرٌ" فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ

[الحديث ٧١٣١ - طرفه في: ٧٤٠٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ) هُوَ فَعَّالٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ الدَّجَلِ وَهُوَ التَّغْطِيَةُ، وَسُمِّيَ الْكَذَّابُ دَجَّالًا لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْحَقَّ بِبَاطِلِهِ، وَيُقَالُ دَجَلَ الْبَعِيرَ بِالْقَطِرَانِ إِذَا غَطَّاهُ، وَالْإِنَاءَ بِالذَّهَبِ إِذَا طَلَاهُ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: الدَّجَّالُ الْمُمَوَّهُ سَيْفٌ مُدَجَّلٌ إِذَا طُلِيَ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: سُمِّيَ دَجَّالًا لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْحَقَّ بِالْكَذِبِ، وَقِيلَ لِضَرْبِهِ نَوَاحِيَ الْأَرْضِ، يُقَالُ: دَجَلَ مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: بَلْ قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْأَرْضَ فَرَجَعَ إِلَى الْأَوَّلِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: اُخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ دَجَّالًا عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ. وَمِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ الدَّجَّالِ أَصْلُهُ وَهَلْ هُوَ ابْنُ صَيَّادٍ أَوْ غَيْرُهُ، وَعَلَى الثَّانِي فَهَلْ كَانَ مَوْجُودًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ لَا، وَمَتَى يَخْرُجُ، وَمَا سَبَبُ خُرُوجِهِ، وَمِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ، وَمَا صِفَتُهُ، وَمَا الَّذِي يَدَّعِيهِ، وَمَا الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ حَتَّى تَكْثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَمَتَى يَهْلِكُ وَمَنْ يَقْتُلُهُ؟

فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَحْلِفُ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ.

وَأَمَّا الثَّانِي فَمُقْتَضَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي قِصَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ، وَأَنَّهُ مَحْبُوسٌ فِي بَعْضِ الْجَزَائِرِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا.

وَأَمَّا الثَّالِثُ فَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ عِنْدَ فَتْحِ الْمُسْلِمِينَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ. وَأَمَّا سَبَبُ خُرُوجِهِ فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبهَا. وَأَمَّا مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ؟ فَمِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ جَزْمًا. ثُمَّ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خُرَاسَانَ، أَخْرَجَ ذَلِكَ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، وَفِي أُخْرَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ أَصْبَهَانَ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ.

وَأَمَّا صِفَتُهُ فَمَذْكُورَةٌ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ. وَأَمَّا الَّذِي يَدَّعِيهِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ أَوَّلًا فَيَدَّعِي الْإِيمَانَ وَالصَّلَاحَ ثُمَّ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَدَّعِي الْإِلَهِيَّةَ كَمَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: نَزَلَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِرِ وَكَانَ صَحَابِيًّا فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الدَّجَّالُ لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ، يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَيَدْعُو إِلَى الدِّينِ فَيُتَّبَعُ وَيَظْهَرُ، فَلَا يَزَالُ حَتَّى يَقْدَمَ الْكُوفَةَ فَيُظْهِرَ الدِّينَ وَيَعْمَلَ بِهِ فَيُتَّبَعَ وَيَحُثَّ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ نَبِيٌّ فَيَفْزَعُ مِنْ ذَلِكَ كُلُّ ذِي لُبٍّ وَيُفَارِقُهُ، فَيَمْكُثُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: أَنَا اللَّهُ، فَتُغْشَى عَيْنُهُ وَتُقْطَعُ أُذُنُهُ وَيُكْتَبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ فَلَا يَخْفَى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَيُفَارِقُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.

(تَنْبِيهٌ):

اشْتَهَرَ السُّؤَالُ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِ الدَّجَّالِ فِي الْقُرْآنِ مَعَ مَا ذُكِرَ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ وَعِظَمِ الْفِتْنَةِ بِهِ وَتَحْذِيرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهُ وَالْأَمْرِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ، وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: ثَلَاثَةٌ إِذَا خَرَجْنَ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا

إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ: الدَّجَّالُ وَالدَّابَّةُ وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا. الثَّانِي: قَدْ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ فِي الْقُرْآنِ إِلَى نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ وَصَحَّ أَنَّهُ الَّذِي يقتل الدَّجَّالَ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الْآخَرِ، وَلِكَوْنِهِ يُلَقَّبُ الْمَسِيحَ كَعِيسَى ; لَكِنَّ الدَّجَّالَ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ وَعِيسَى مَسِيحُ الْهُدَى.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَهُ احْتِقَارًا، وَتُعُقِّبَ بِذِكْرِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَلَيْسَتِ الْفِتْنَةُ بِهِمْ بِدُونِ الْفِتْنَةِ بِالدَّجَّالِ وَالَّذِي قَبْلَهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ السُّؤَالَ بَاقٍ وَهُوَ مَا الْحِكْمَةُ فِي تَرْكِ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ؟ وَأَجَابَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهُ اعْتَبَرَ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَوَجَدَ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ إِنَّمَا هُمْ مِمَّنْ مَضَى وَانْقَضَى أَمْرُهُ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ فَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهُمْ أَحَدًا انْتَهَى. وَهَذَا يَنْتَقِضُ بِيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. وَقَدْ وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْبَغَوِيِّ أَنَّ الدَّجَّالَ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هُنَا الدَّجَّالُ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ. وَهَذَا إِنْ ثَبَتَ أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ، فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَكَفَّلَ النَّبِيُّ بِبَيَانِهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا مَا يَظْهَرُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ فَسَيُذْكَرُ هُنَا. وَأَمَّا مَتَى يَهْلِكُ وَمَنْ يَقْتُلُهُ؟ فَإِنَّهُ يَهْلِكُ بَعْدَ ظُهُورِهِ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، ثُمَّ يَقْصِدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَيَنْزِلُ عِيسَى فَيَقْتُلُهُ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. وَسَأَذْكُرُ لَفْظَهُ. وَفِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ فِتْنَةٌ أَعْظَمُ مِنَ الدَّجَّالِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ.

وَعِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ رَفَعَهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ - يَعْنِي الدَّجَّالَ - فِي نَقْصٍ مِنَ الدُّنْيَا وَخِفَّةٍ مِنَ الدِّينِ وَسُوءِ ذَاتِ بَيْنٍ، فَيَرِدُ كُلَّ مَنْهَلٍ وَتُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ. الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنْ طَرِيقِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: يَتَوَجَّهُ الدَّجَّالُ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ بَابِ دِمَشْقَ الشَّرْقِيِّ. ثُمَّ يَلْتَمِسُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ; ثُمَّ يَرَى عِنْدَ الْمِيَاهِ الَّتِي عِنْدَ نَهَرِ الْكِسْوَةِ، ثُمَّ يَطْلُبُ فَلَا يَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهَ، ثُمَّ يَظْهَرُ بِالْمَشْرِقِ فَيُعْطَى الْخِلَافَةَ، ثُمَّ يُظْهِرُ السِّحْرَ، ثُمَّ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ فَتَتَفَرَّقُ النَّاسُ عَنْهُ، فَيَأْتِي النَّهَرَ فَيَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيلَ إِلَيْهِ فَيَسِيلَ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَرْجِعَ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَيْبَسَ فَيَيْبَسَ، وَيَأْمُرُ جَبَلَ طُورٍ وَجَبَلَ زِيتَا أَنْ يَنْتَطِحَا فَيَنْتَطِحَا، وَيَأْمُرُ الرِّيحَ أَنْ تُثِيرَ سَحَابًا مِنَ الْبَحْرِ فَتُمْطِرَ الْأَرْضَ، وَيَخُوضُ الْبَحْرَ فِي يَوْمٍ ثَلَاثَ خَوْضَاتٍ، فَلَا يَبْلُغُ حِقْوَيْهِ، وَإِحْدَى يَدَيْهِ أَطْوَلُ مِنَ الْأُخْرَى، فَيَمُدُّ الطَّوِيلَةَ فِي الْبَحْرِ فَتَبْلُغُ قَعْرَهُ فَيُخْرِجُ مِنَ الْحِيتَانِ مَا يُرِيدُ. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ أَحَدِ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ مِنَ الْحِلْيَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ قَالَ: لَا يَنْجُو مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَسَبْعَةُ آلَافِ امْرَأَةٍ، وَهَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أَرْسَلَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَحَدَ عَشَرَ حَدِيثًا:

الحديث الأول: قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لِيَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.

قَوْلُهُ: (مَا سَأَلَ أَحَدٌ النَّبِيَّ عَنِ الدَّجَّالِ مَا سَأَلْتُهُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ.

قَوْلُهُ: (وَأَنَّهُ قَالَ لِي: مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ؟) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ: وَمَا يَنْصِبُكَ مِنْهُ بِنُونٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مِنَ النَّصَبِ، بِمَعْنَى التَّعَبِ، وَمِثْلُهُ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَزَادَ: فَقَالَ لِي: أَيْ بُنَيَّ وَمَا يَنْصِبُكَ مِنْهُ؟ وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ: وَمَا سُؤَالُكَ عَنْهُ؟ أَيْ: وَمَا سَبَبُ سُؤَالِكِ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: مَا يَنْصِبُكَ، أَيْ: مَا الَّذِي يَغُمُّكَ مِنْهُ، مِنَ الْغَمِّ حَتَّى يَهُولَكَ أَمْرُهُ، قُلْتُ: وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ، وَإِلَّا فَالنَّصَبُ التَّعَبُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاه،

وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَرَضِ؛ لأن فِيهِ تَعَبًا. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: يُقَالُ: نَصَبَهُ الْمَرَضُ وَأَنْصَبَهُ، وَهُوَ تَغَيُّرُ الْحَالِ مِنْ تَعَبٍ أَوْ وَجَعٍ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ) هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ الْخَشْيَةُ مِنْهُ، مَثَلًا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَالضَّمِيرُ فِي أَنَّهُمْ لِلنَّاسِ أَوْ لِأَهْلِ الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (جَبَلَ خُبْزٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، بَعْدَهَا زَايٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَعَهُ مِنَ الْخُبْزِ قَدْرُ الْجَبَلِ، وَأَطْلَقَ الْخُبْزَ وَأَرَادَ بِهِ أَصْلَهُ، وَهُوَ الْقَمْحُ مَثَلًا، زَادَ فِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: مَعَهُ جِبَالٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ وَنَهَرٌ مِنْ مَاءٍ، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حُمَيْدٍ: إِنَّ مَعَهُ الطَّعَامَ وَالْأَنْهَارَ. وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ: أَنَّ مَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ.

قَوْلُهُ: (وَنَهَرَ مَاءٍ) بِسُكُونِ الْهَاءِ وَبِفَتْحِهَا.

قَوْلُهُ: قَالَ: (بَلْ هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ) سَقَطَ لَفْظُ: بَلْ، مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. وَقَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ هُوَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ مَا يَخْلُقُهُ عَلَى يَدَيْهِ مُضِلًّا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَمُشَكِّكًا لِقُلُوبِ الْمُوقِنِينَ، بَلْ لِيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا، وَيَرْتَابَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الَّذِي يَقْتُلُهُ: مَا كُنْتُ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي فِيكَ، لَا أَنَّ قَوْلَهُ: هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَعَهُ، بَلِ الْمُرَادُ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ آيَةً عَلَى صِدْقِهِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَعَلَ فِيهِ آيَةً ظَاهِرَةً فِي كَذِبِهِ وَكُفْرِهِ يَقْرَؤهَا مَنْ قَرَأَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ، زَائِدَةً عَلَى شَوَاهِدِ كَذِبِهِ مَنْ حَدَثِهِ وَنَقْصِهِ. قُلْتُ: الْحَامِلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مَرْفُوعٍ: وَمَعَهُ جَبَلٌ مِنْ خُبْزٍ وَنَهْرٌ مِنْ مَاءٍ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، مِنْ طَرِيقِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: انْطَلَقْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فِي الدَّجَّالِ، وَلَا تُحَدِّثْنَا عَنْ غَيْرِهِ، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ: تُمْطَرُ الْأَرْضُ وَلَا يُنْبِتُ الشَّجَرُ، وَمَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ؛ فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نَارٌ، وَمَعَهُ جَبَلُ خُبْزٍ.

الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جُنَادَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: مَعَهُ جِبَالُ الْخُبْزِ وَأَنْهَارُ الْمَاءِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: مَعَهُ جِبَالٌ مِنْ خُبْزٍ، وَالنَّاسُ فِي جَهْدٍ إِلَّا مَنْ تَبِعَهُ، وَمَعَهُ نَهْرَانِ الْحَدِيثَ، فَدَلَّ مَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ظَاهِرَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ عَلَى يَدَيْهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ عَلَى التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الثَّامِنِ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا، وَغَفَلَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ عِنْدِ مُسْلِمٍ لَمَّا قَالَ لَهُ لَنْ يَضُرَّكَ، قَالَ: إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا. قُلْتُ: وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَخَذَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَدَّ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ: وَكَيْفَ يَرُدُّ بِحَدِيثٍ مُحْتَمَلٍ مَا ثَبَتَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: فَلَعَلَّ الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ النَّبِيُّ أَمْرَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: هُوَ أَهْوَنُ؛ أَيْ لَا يُجْعَلُ لَهُ ذَلِكَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ وَتَشْبِيهٌ عَلَى الْأَبْصَارِ، فَيَثْبُتُ الْمُؤْمِنُ وَيَزِلُّ الْكَافِرُ، وَمَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ إِلَى الْآخَرِ؛ فَقَالَ: هَذَا لَا يُضَادُّ خَبَرَ أَبِي مَسْعُودٍ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَهْرَ مَاءٍ يَجْرِي، فَإِنَّ الَّذِي مَعَهُ يَرَى أَنَّهُ مَاءٌ وَلَيْسَ بِمَاءٍ.

الحديث الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ، وَفِي بَعْضِ النَّسْخِ بِكَسْرِهَا وَزِيَادَةِ يَاءٍ وَهُوَ تَحْرِيفٌ.

قَوْلُهُ: (شَيْبَانُ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَسَبَهُ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ حَفْصٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ: (يَجِيءُ الدَّجَّالُ حَتَّى يَنْزِلَ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ) فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي بَعْدَ بَابِ يَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي فِي الْمَدِينَةِ: وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ فَيَأْتِي سَبَخَةَ الْجُرُفِ فَيَضْرِبُ رِوَاقَهُ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ وَالْجُرُفُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ مَكَانٌ بِطَرِيقِ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ عَلَى مِيلٍ وَقِيلَ: عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَالْمُرَادُ بِالرِّوَاقِ الْفُسْطَاطُ. وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ: نَزَلَ عِنْدَ الطَّرِيقِ

الْأَحْمَرِ عِنْدَ مُنْقَطَعِ السَّبَخَةِ.

قَوْلُهُ: (تَرْجُفُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ) فِي رِوَايَةِ الدُّورِيِّ: فَتَرْجُفُ. وَهِيَ أَوْجَهُ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ أَتَمُّ مِنْ هَذَا وَفِيهِ لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ هُنَاكَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ: تَرْجُفُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِي هَذَا لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَفِي حَدِيثِ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْحَاكِمِ رَفَعَهُ: يَجِيءُ الدَّجَّالُ فَيَصْعَدُ أُحُدًا فَيَتَطَلَّعُ فَيَنْظُرُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى هَذَا الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ؟ هَذَا مَسْجِدُ أَحْمَدَ.

ثُمَّ يَأْتِي الْمَدِينَةَ فَيَجِدُ بِكُلِّ نَقَبٍ مِنْ نِقَابِهَا مَلَكًا مُصْلِتًا سَيْفَهُ، فَيَأْتِي سَبَخَةَ الْجُرُفِ فَيَضْرِبُ رِوَاقَهُ، ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ وَلَا فَاسِقٌ وَلَا فَاسِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ فَتَخْلُصُ الْمَدِينَةُ فَذَلِكَ يَوْمُ الْخَلَاصِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ أَوَّلَ الْبَابِ وَتُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ طَيَّ فَرْوَةِ الْكَبْشِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَدِينَةَ فَيَغْلِبَ عَلَى خَارِجِهَا وَيُمْنَعَ دَاخِلَهَا، ثُمَّ يَأْتِيَ إِيلْيَا فَيُحَاصِرَ عِصَابَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَحَاصِلُ مَا وَقَعَ بِهِ الْجَمْعُ أَنَّ الرُّعْبَ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ حَتَّى لَا يَحْصُلَ لِأَحَدٍ فِيهَا بِسَبَبِ نُزُولِهِ قُرْبَهَا شَيْءٌ مِنْهُ، أَوْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ غَايَتِهِ وَهُوَ غَلَبَتُهُ عَلَيْهَا، وَالْمُرَادُ بِالرَّجْفَةِ الْأَرْفَاقُ وَهُوَ إِشَاعَةُ مَجِيئِهِ وَأَنَّهُ لَا طَاقَةَ لِأَحَدٍ بِهِ، فَيُسَارِعُ حِينَئِذٍ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ يَتَّصِفُ بِالنِّفَاقِ أَوِ الْفِسْقِ، فَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ تَمَامُ أَنَّهَا تَنْفِي خَبَثَهَا. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَخْ) ثَبَتَ هَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ هُنَا وَسَقَطَ لِسَائِرِهِمْ، وَقَدْ مَضَى فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ سَنَدًا وَمَتْنًا. وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَيِ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدٌ هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ فِي السَّنَدِ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) تَقَدَّمَ ضَبْطُ الْمَسِيحِ فِي بَابِ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَهُوَ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَتَقَدَّمَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ قَالَهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ صَحَّفَ، وَالْقَوْلُ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ الْمَسِيحَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا. وَحَكَى شَيْخُنَا مَجْدُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْأَقْوَالِ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ الدَّجَّالِ الْمَسِيحَ خَمْسُونَ قَوْلًا، وَبَالَغَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ: ضَلَّ قَوْمٌ فَرَوَوْهُ الْمَسِيخَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَشَدَّدَ بَعْضُهُمُ السِّينَ لِيُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ بِزَعْمِهِمْ، وَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ فِي الدَّجَّالِ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عِيسَى مَسِيحُ الْهُدَى، فَأَرَادَ هَؤُلَاءِ تَعْظِيمَ عِيسَى فَحَرَّفُوا الْحَدِيثَ.

قَوْلُهُ: (لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) قَالَ عِيَاضٌ: هَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَنْقَابِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَعْنِي ثَانِيَ أَحَادِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ الْأَبْوَابُ وَفُوَّهَاتُ الطَّرِيقِ.

قَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ لِكُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ مُسَافِعٍ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: أَكْثَرَ النَّاسُ فِي شَأْنِ مُسَيْلِمَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّهُ كَذَّابٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كَذَّابًا قَبْلَ الدَّجَّالِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَلَدٌ إِلَّا يَدْخُلُهُ رُعْبُ الدَّجَّالِ إِلَّا الْمَدِينَةَ، عَلَى كُلِّ نَقَبٍ مِنْ أَنْقَابِهَا مَلَكَانِ يَذُبَّانِ عَنْهَا رُعْبَ الْمَسِيحِ.

الحديث الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بِالتَّصْغِيرِ وَأَيُّوبُ هُوَ السَّخْتِيَانِيُّ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أُرَاهُ عَنِ النَّبِيِّ الْقَائِلُ أُرَاهُ عَنِ النَّبِيِّ هُوَ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ سَقَطَ قَوْلُهُ: أُرَاهُ إِلَخْ لِلْمُسْتَمْلِي، وَلِأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيِّ، فَصَارَتْ صُورَتُهُ مَوْقُوفًا، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُوسَى، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ النَّبِيَّ ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ دَاوُدَ الْمَكِّيِّ، عَنْ مُوسَى،

وَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ أَيْضًا، وَاقْتَصَرَ الْمِزِّيُّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ السَّرَخْسِيِّ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ: أُرَاهُ، وَالْحَدِيثُ فِي الْأَصْلِ مَرْفُوعٌ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، فَقَالَ فِيهِ: عَنِ النَّبِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ ذَكَرَ النَّبِيُّ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَسِيَاقُهُ هُنَاكَ أَتَمُّ.

قَوْلُهُ: (أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ: أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى بِلَفْظِهِ: أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ وَالْبَحْثُ فِي إِعْرَابِهِ.

قَوْلُهُ: (كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ السَّادِسِ، هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَ الْجَمِيعِ لَمْ يُذْكَرِ الْمَوْصُوفُ بِذَلِكَ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ: يَعْنِي الدَّجَّالَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي أَوَّلِهِ: الدَّجَّالُ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى.

قَوْلُهُ (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) هُوَ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ أَخُو سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ) أَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ ثُبُوتَ لِقَاءِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، لِأَبِي بَكْرَةَ، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ مَدَنِيٌّ، وَقَدْ تُسْتَنْكَرُ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، لِأَنَّهُ نَزَلَ الْبَصْرَةَ مِنْ عَهْدِ عُمَرَ إِلَى أَنْ مَاتَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِيَ أَبُو بَكْرَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ بِهَذَا) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْحَرَّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بِهَذَا السَّنَدِ، وَبَقِيَّتُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ فَقَالَ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: كُلُّ قَرْيَةٍ يَدْخُلُهَا فَزَعُ الدَّجَّالِ إِلَّا الْمَدِينَةَ يَأْتِيهَا لِيَدْخُلَهَا فَيَجِدَ عَلَى بَابِهَا مَلَكًا مُصْلِتًا بِالسَّيْفِ فَيَرُدُّهُ عَنْهَا، قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ صَالِحٍ إِلَّا ابْنُ إِسْحَاقَ. قُلْتُ: وَصَالِحٌ الْمَذْكُورُ ثِقَةٌ مُقِلٌّ، أَخْرَجَا لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثًا وَاحِدًا غَيْرَ هَذَا، وَقَوْلُهُ: بِهَذَا يُرِيدُ أَصْلَ الْحَدِيثِ، وَإِلَّا فَبَيْنَ لَفْظِ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَلَفْظِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ مُغَايَرَاتٌ تَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهِمَا.

الْحَدِيثُ الخَامِسُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْأُوَيْسِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَابْنُ شِهَابٍ هُوَ الزُّهْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا، وَطَوَّلَهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ وَأَوَّلُهُ: أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا، وَفِيهِ خَبَّأْتُ لَكَ خَبيا وَفِيهِ فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ الْأُخْرَى وَفِيهَا: وَهُوَ مُضْطَجِعٌ فِي قَطِيفَةٍ وَفِيهَا لَوْ تَرَكْتُهُ بَيَّنَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ فِي النَّاسِ، الْحَدِيثَ. فَجَمَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ كَيْفَ يُعْرَضُ الْإِسْلَامُ عَلَى الصَّبِيِّ وَكَذَا صَنَعَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ أَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَاقْتَصَرَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الثَّالِثَ أَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا صَنَعَ فِي الشَّهَادَاتِ أَوْرَدَهُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، وَقَدْ شَرَحْتُهُمَا هُنَاكَ، وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ بِسَنَدِهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِتَمَامِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ.

قَوْلُهُ: (وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ بَعْدَ نُوحٍ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجَّالَ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ: لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ أُمَّتَهُ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ. أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَ إِنْذَارُ نُوحٍ قَوْمَهُ بِالدَّجَّالِ مَعَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ

ثَبَتَتْ أَنَّهُ يَخْرُجُ بَعْدَ أُمُورٍ ذُكِرَتْ، وَأَنَّ عِيسَى يَقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ يَنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ فَيَحْكُمَ بِالشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ وَقْتُ خُرُوجِهِ أَخْفَى عَلَى نُوحٍ وَمَنْ بَعْدَهُ فَكَأَنَّهُمْ أُنْذِرُوا بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ وَقْتَ خُرُوجِهِ فَحَذَّرُوا قَوْمَهُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ وَقْتُ خُرُوجِهِ وَعَلَامَاتُهُ، فَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ فِي حَيَاتِهِ ، ثُمَّ بُيِّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَالُهُ وَوَقْتُ خُرُوجِهِ فَأَخْبَرَ بِهِ، فَبِذَلِكَ تَجْتَمِعُ الْأَخْبَارُ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِنْذَارُ الْأَنْبِيَاءِ قَوْمَهُمْ بِأَمْرِ الدَّجَّالِ تَحْذِيرٌ مِنَ الْفِتَنِ وَطُمَأْنِينَةٌ لَهَا حَتَّى لَا يُزَعْزِعَهَا عَنْ حُسْنِ الِاعْتِقَادِ، وَكَذَلِكَ تَقْرِيبُ النَّبِيِّ لَهُ زِيَادَةٌ فِي التَّحْذِيرِ، وَأَشَارَ مَعَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا عَلَى الْإِيمَانِ ثَابِتِينَ دَفَعُوا الشُّبَهَ بِالْيَقِينِ.

قَوْلُهُ: (وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ) قِيلَ إِنَّ السِّرَّ فِي اخْتِصَاصِ النَّبِيِّ بِالتَّنْبِيهِ الْمَذْكُورِ، مَعَ أَنَّهُ أَوْضَحَ الْأَدِلَّةَ فِي تَكْذِيبِ الدَّجَّالِ أَنَّ الدَّجَّالَ إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي أُمَّتِهِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَدَلَّ الْخَبَرُ عَلَى أَنَّ عِلْمَ كَوْنِهِ يَخْتَصُّ خُرُوجُهُ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ طُوِيَ عَنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا طُوِيَ عَنِ الْجَمِيعِ عِلْمُ وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ.

قَوْلُهُ: (أنَّهُ أَعْوَرُ، وَإنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّ أَدِلَّةَ الْحُدُوثِ فِي الدَّجَّالِ ظَاهِرَةٌ لِكَوْنِ الْعَوَرِ أَثَرًا مَحْسُوسًا يُدْرِكُهُ الْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ وَمَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِذَا ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ وَهُوَ نَاقِصُ الْخِلْقَةِ وَالْإِلَهُ يَتَعَالَى عَنِ النَّقْصِ عُلِمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ يَوْمَئِذٍ لِلنَّاسِ وَهُوَ يُحَذِّرُهُمْ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ نَحْوُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَعِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ دَعْوَاهُ الرُّبُوبِيَّةَ كَذِبٌ لِأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى مُقَيَّدَةٌ بِالْمَوْتِ، وَالدَّجَّالُ يَدَّعِي أَنَّهُ اللَّهُ، وَيَرَاهُ النَّاسُ مَعَ ذَلِكَ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَرَى اللَّهَ تَعَالَى فِي الْيَقَظَةِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ لَهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا الْقُوَّةَ الَّتِي يُنْعِمُ بِهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ.

الْحَدِيثُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ: (عَنْ عُقَيْلٍ) بِالضَّمِّ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ) زَادَ فِي ذِكْرِ عِيسَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ بِهَذَا السَّنَدِ إِلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ لِعِيسَى أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ بَيْنَمَا الْحَدِيثَ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: رَأَيْتُنِي قَبْلَ قَوْلِهِ أَطُوفُ وَهُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ، وَتَقَدَّمَ فِي التَّعْبِيرِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهَا رُؤْيَا مَنَامٍ، وَالَّذِي نَفَاهُ ابْنُ عُمَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ جَاءَ عَنْهُ إِثْبَاتُهُ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ عِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي تَرْجَمَتِهِ مُسْتَوْفًى وَأَنَّ الصَّوَابَ أَنَّ مُجَاهِدًا إِنَّمَا رَوَى هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ) بِالْمَدِّ، فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ رَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ.

قَوْلُهُ (سَبْطُ الشَّعْرِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِهَا أَيْضًا.

قَوْلُهُ (يَنْطِفُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (أَوْ يُهْرَاقُ) كَذَا بِالشَّكِّ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ لَهُ لِمَّةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ، كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ: تَضْرِبُ بِهِ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ رَجْلُ الشَّعْرِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً.

قَوْلُهُ: (قَدْ رَجَّلَهَا) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ (يَقْطُرُ مَاءً) وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: مُتَّكِئًا عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ

بِالْبَيْتِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَرْبُوعَ الْخَلْقِ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ سَبْطَ الرَّأْسِ، زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ: كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، يَعْنِي الْحَمَّامَ، وَفِي رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: يَسْكُبُ رَأْسُهُ أَوْ يَقْطُرُ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَفِي رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ: فَقَالُوا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ ذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ فَإِذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ جَعْدُ الرَّأْسِ أَعْوَرُ الْعَيْنِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: جَعْدٌ قَطَطٌ أَعْوَرُ، وَزَادَ شُعَيْبٌ: أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ أَوَّلَ الْبَابِ، وَفِي رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ: وَرَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا أَحْمَرَ جَعْدَ الرَّأْسِ أَعْوَرَ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، فَفِي هَذِهِ الطُّرُقِ أَنَّهُ أَحْمَرُ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّهُ آدَمُ جَعْدٌ، فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أُدْمَتُهُ صَافِيَةً، وَلَا يُنَافِي أَنْ يُوصَفَ مَعَ ذَلِكَ بِالْحُمْرَةِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأُدْمِ قَدْ تَحْمَرُّ وَجْنَتُهُ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ: مَمْسُوحُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى كَأَنَّهَا عَيْنُ أَبِي يَحْيَى شَيْخٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، انْتَهَى. وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ، ضَبَطَهُ ابْنُ مَاكُولَا، عَنْ جَعْفَرٍ الْمُسْتَغْفِرِيِّ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ) بِيَاءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ أَيْ بَارِزَةٌ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْهَمْزِ، أَيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهَا، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: رُوِّينَاهُ عَنِ الْأَكْثَرِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَجَزَمَ بِهِ الْأَخْفَشُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا نَاتِئَةٌ نُتُوءَ حَبَّةِ الْعِنَبِ مِنْ بَيْنِ أَخَوَاتِهَا، قَالَ: وَضَبَطَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِالْهَمْزِ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهِ، فَقَدْ جَاءَ فِي آخَرَ أَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ مَطْمُوسَةٌ، وَلَيْسَتْ جَحْرَاءَ وَلَا نَاتِئَةً، وَهَذِهِ صِفَةُ حَبَّةِ الْعِنَبِ إِذَا سَالَ مَاؤُهَا، وَهُوَ يُصَحِّحُ رِوَايَةَ الْهَمْزِ.

قُلْتُ: الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ يُوَافِقُهُ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَلَفْظُهُ: رَجُلٌ قَصِيرٌ أَفْحَجُ بِفَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مِنَ الْفَحَجِ، وَهُوَ تَبَاعُدُ مَا بَيْنَ السَّاقَيْنِ أَوِ الْفَخِذَيْنِ، وَقِيلَ: تَدَانِي صُدُورِ الْقَدَمَيْنِ مَعَ تَبَاعُدِ الْعَقِبَيْنِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي فِي رِجْلِهِ اعْوِجَاجٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ: جَعْدٌ أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ، وَلَا جَحْرَاءَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ مَمْدُودٌ أَيْ عَمِيقَةٌ، وَبِتَقْدِيمِ الْحَاءِ أَيْ لَيْسَتْ مُتَصَلِّبَةً، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: مَمْسُوحُ الْعَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ سَمُر ةَ مِثْلُهُ، وَكِلَاهُمَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَلَكِنْ فِي حَدِيثِهِمَا: أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى. وَمِثْلُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ: أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى.

وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَيَكُونُ أَرْجَحُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَكِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فَقَالَ: تُصَحَّحُ الرِّوَايَتَانِ مَعًا بِأَنْ تَكُونَ الْمَطْمُوسَةُ وَالْمَمْسُوحَةُ هِيَ الْعَوْرَاءُ الطَّافِئَةُ بِالْهَمْزِ أَيِ الَّتِي ذَهَبَ ضَوْؤُهَا، وَهِيَ الْعَيْنُ الْيُمْنَى كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَكُونُ الْجَاحِظَةُ الَّتِي كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ وَكَأَنَّهَا نُخَاعَةٌ فِي حَائِطٍ هِيَ الطَّافِيَةُ بِلَا هَمْزٍ وَهِيَ الْعَيْنُ الْيُسْرَى كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى مَعًا فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَوْرَاءُ أَيْ مَعِيبَةٌ، فَإِنَّ الْأَعْوَرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ الْمَعِيبُ، وَكِلَا عَيْنَيِ الدَّجَّالِ مَعِيبَةٌ، فَإِحْدَاهُمَا مَعِيبَةٌ بِذَهَابِ ضَوْئِهَا حَتَّى ذَهَبَ إِدْرَاكُهَا، وَالْأُخْرَى بِنُتُوئِهَا انْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ فِي نِهَايَةِ الْحُسْنِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: حَاصِلُ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ عَيْنَيِ الدَّجَّالِ عَوْرَاءُ إِحْدَاهُمَا بِمَا أَصَابَهَا حَتَّى ذَهَبَ إِدْرَاكُهَا، وَالْأُخْرَى بِأَصْلِ خَلْقِهَا مَعِيبَةٌ، لَكِنْ يُبْعِدُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ عَيْنَيْهِ قَدْ جَاءَ وَصْفُهَا فِي الرِّوَايَةِ بِمِثْلِ مَا وُصِفَتْ بِهِ الْأُخْرَى مِنَ الْعَوَرِ فَتَأَمَّلْهُ.

وَأَجَابَ صَاحِبُهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ بِأَنَّ الَّذِي تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْمَطْمُوسَةَ وَهِيَ الَّتِي لَيْسَتْ نَاتِئَةً وَلَا جَحْرَاءَ هِيَ الَّتِي فَقَدَتِ الْإِدْرَاكَ، وَالْأُخْرَى وُصِفَتْ بِأَنَّ

عَلَيْهَا ظَفَرَةً غَلِيظَةً، وَهِيَ جِلْدَةٌ تَغْشَى الْعَيْنَ، وَإِذَا لَمْ تُقْطَعْ عَمِيَتِ الْعَيْنُ، وَعَلَى هَذَا فَالْعَوَرُ فِيهِمَا لِأَنَّ الظَّفَرَةَ مَعَ غِلَظِهَا تَمْنَعُ الْإِدْرَاكَ أَيْضًا، فَيَكُونُ الدَّجَّالَ أَعْمَى أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ ذِكْرُ الظَّفَرَةِ فِي الْعَيْنِ الْيُمْنَى فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ، وَجَاءَ فِي الْعَيْنِ الشِّمَالِ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَاءَ وَصْفُهَا بِمِثْلِ مَا وُصِفَتِ الْأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ فِي التَّذْكِرَةِ: يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ؛ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، قَالَ: وَإِذَا كَانَتِ الْمَمْسُوحَةُ عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ فَالَّتِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ أَوْلَى، قَالَ: وَقَدْ فُسِّرَتِ الظَّفَرَةُ بِأَنَّهَا لَحْمَةٌ كَالْعَلَقَةِ. قُلْتُ: وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَعَيْنُهُ الْيُمْنَى عَوْرَاءُ جَاحِظَةٌ لَا تَخْفَى كَأَنَّهَا نُخَاعَةٌ فِي حَائِطٍ مُجَصَّصٍ، وَعَيْنُهُ الْيُسْرَى كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، فَوَصَفَ عَيْنَيْهِ مَعًا، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَعْوَرُ ذُو حَدَقَةٍ جَاحِظَةٍ لَا تَخْفَى كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ. وَلَعَلَّهَا أَبْيَنُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِوَصْفِهَا بِالْكَوْكَبِ شِدَّةُ اتِّقَادِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ وَصْفِهَا بِالطَّمْسِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ: إِحْدَى عَيْنَيْهِ كَأَنَّهَا زُجَاجَةٌ خَضْرَاءُ، وَهُوَ يُوَافِقُ وَصْفَهَا بِالْكَوْكَبِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ: أَعْوَرُ عَيْنُهُ الْيُسْرَى بِعَيْنِهِ الْيُمْنَى ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ.

وَالَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَخْبَارِ أَنَّ الصَّوَابَ فِي طَافِيَةٍ أَنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ؛ فَإِنَّهَا قُيِّدَتْ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ بِأَنَّهَا الْيُمْنَى، وَصَرَّحَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَسَمُرَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ بِأَنَّ عَيْنَهُ الْيُسْرَى مَمْسُوحَةٌ، وَالطَّافِيَةُ هِيَ الْبَارِزَةُ وَهِيَ غَيْرُ الْمَمْسُوحَةِ، وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يُجَوِّزُ رِوَايَةَ الْهَمْزِ فِي طَافِيَةٍ، وَعَدَمِهِ، مَعَ تَضَادِّ الْمَعْنَى فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثَيْنِ لَسَهُلَ الْأَمْرُ، وَأَمَّا الظَّفَرَةُ فَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ فِي كِلَا عَيْنَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُضَادُّ الطَّمْسَ وَلَا النُّتُوءَ، وَتَكُونُ الَّتِي ذَهَبَ ضَوْؤُهَا هِيَ الْمَطْمُوسَةُ وَالْمَعِيبَةُ مَعَ بَقَاءِ ضَوْئِهَا هِيَ الْبَارِزَةُ، وَتَشْبِيهُهَا بِالنُّخَاعَةِ فِي الْحَائِطِ الْمُجَصَّصِ فِي غَايَةِ الْبَلَاغَةِ، وَأَمَّا تَشْبِيهُهَا بِالزُّجَاجَةِ الْخَضْرَاءِ وَبِالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَحْدُثُ لَهُ فِي عَيْنِهِ النُّتُوءُ يَبْقَى مَعَهُ الْإِدْرَاكُ، فَيَكُونُ الدَّجَّالُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي اخْتِلَافِ صِفَاتِ الدَّجَّالِ بِمَا ذُكِرَ مِنَ النَّقْصِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّقْصَ عَنْ نَفْسِهِ كَيْفَ كَانَ، وَأَنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: الظَّفَرَةُ لَحْمَةٌ تَنْبُتُ عِنْدَ الْمَاقِ، وَقِيلَ: جِلْدَةٌ تَخْرُجُ فِي الْعَيْنِ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يَلِيَ الْأَنْفَ، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ فِي الْعَيْنِ السَّالِمَةِ بِحَيْثُ لَا تُوَارِي الْحَدَقَةَ بِأَسْرِهَا بَلْ تَكُونُ عَلَى حِدَتِهَا.

قَوْلُهُ: (هَذَا الدَّجَّالُ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: قُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْقَائِلِ مُعَيَّنًا.

قَوْلُهُ: (أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: وَابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَفِي رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ: أَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ ابْنُ قَطَنٍ، وَزَادَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدَّمْتُ هُنَاكَ سِيَاقَ نَسَبِهِ إِلَى خُزَاعَةَ مِنْ فَوَائِدِ الدِّمْيَاطِيِّ، وَسَأَذْكُرُ اسْمَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ مَعَ بَقِيَّةِ صِفَتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاسْتَشْكَلَ كَوْنُ الدَّجَّالِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَكَوْنُهُ يَتْلُو عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ إِذَا رَآهُ يَذُوبُ، وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ فِي الْمَنَامِ، وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَإِنْ كَانَتْ وَحْيًا لَكِنْ فِيهَا مَا يَقْبَلُ التَّعْبِيرَ. وَقَالَ عِيَاضٌ: لَا إِشْكَالَ فِي طَوَافِ عِيسَى بِالْبَيْتِ، وَأَمَّا الدَّجَّالُ فَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَنَّهُ طَافَ وَهِيَ أَثْبَتُ مِمَّنْ رَوَى طَوَافَهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ مَرْدُودٌ، لِأَنَّ سُكُوتَ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ذِكْرِ الطَّوَافِ لَا يَرُدُّ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، وَسَوَاءٌ ثَبَتَ أَنَّهُ طَافَ أَمْ لَمْ يَطُفْ فَرُؤْيَتُهُ إِيَّاهُ بِمَكَّةَ مُشْكِلَةٌ مَعَ ثُبُوتِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ وَلَا الْمَدِينَةَ، وَقَدِ انْفَصَلَ عَنْهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ دُخُولِهَا إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ خُرُوجِهِ فِي آخِرِ

الزَّمَانِ.

قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا دَارَ بَيْنَ أَبِي سَعِيدٍ وَبَيْنَ ابْنِ صَيَّادٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ قَالَ لَهُ: أَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ وَلَا الْمَدِينَةَ، وَقَدْ خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ أُرِيدُ مَكَّةَ، فَتَأَوَّلَهُ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ، عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَخْرُجُ، وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ مَشْيِهِ وَرَاءَ عِيسَى .

الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ عَائِشَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي بَابِ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ وَهُوَ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجُمُعَةِ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ مُطَوَّلًا، ثُمَّ قَالَ: وَعَنِ الزُّهْرِيِّ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ هُنَا.

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَبِي) هُوَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، وَنُسِبَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ.

قَوْلُهُ: (ررِبْعِيٍّ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ، وَهُوَ ابْنُ حِرَاشٍ بِمُهْمَلَةٍ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ، وَحُذَيْفَةُ هُوَ ابْنُ الْيَمَانِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ النَّبِيِّ ، قَالَ فِي الدَّجَّالِ: إِنَّ مَعَهُ) كَذَا ذَكَرَهُ شُعْبَةُ مُخْتَصَرًا، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ قَالَ: قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو، لِحُذَيْفَةَ: أَلَا تُحَدِّثُنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ مَعَ الدَّجَّالِ إِذَا خَرَجَ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا) عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ فَقَالَ حُذَيْفَةُ لَأَنَا بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ لَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ؛ مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ أَحَدُهُمَا رَأْيَ الْعَيْنِ مَاءٌ أَبْيَضُ وَالْآخَرُ رَأْيَ الْعَيْنِ نَارٌ تَأَجَّجُ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ: فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارٌ تُحْرِقُ، وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَارًا فَمَاءٌ بَارِدٌ الْحَدِيثَ، وَفِي حَدِيثِ سَفِينَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ: مَعَهُ وَادِيَانِ أَحَدُهُمَا جَنَّةٌ وَالْآخَرُ نَارٌ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا؛ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ، فَمَنِ ابْتُلِيَ بِنَارِهِ فَلْيَسْتَغِثْ بِاللَّهِ وَلْيَقْرَأْ فَوَاتِحَ الْكَهْفِ، فَتَكُونَ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا.

قَوْلُهُ: (فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ وَمَاؤُهُ نَارٌ) زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فِي رِوَايَتِهِ فَلَا تَهْلِكُوا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مَالِكٍ فَإِنْ أَدْرَكَهُ أَحَدٌ فَلْيَأْتِ النَّهْرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا وَلِيُغْمِضْ ثُمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ فَيَشْرَبْ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ نَارًا، فَإِنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ مِثْلُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَالَّتِي يَقُولُ إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلَافِ الْمَرْئِيِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّائِي، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّجَّالُ سَاحِرًا فَيُخَيِّلُ الشَّيْءَ بِصُورَةِ عَكْسِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ بَاطِنَ الْجَنَّةِ الَّتِي يُسَخِّرُهَا الدَّجَّالُ نَارًا وَبَاطِنَ النَّارِ جَنَّةً، وَهَذَا الرَّاجِحُ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنِ النِّعْمَةِ وَالرَّحْمَةِ بِالْجَنَّةِ وَعَنِ الْمِحْنَةِ وَالنِّقْمَةِ بِالنَّارِ، فَمَنْ أَطَاعَهُ فَأَنْعَمَ عَلَيْهِ بِجَنَّتِهِ يَئُولُ أَمْرُهُ إِلَى دُخُولِ نَارِ الْآخِرَةِ وَبِالْعَكْسِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْمِحْنَةِ وَالْفِتْنَةِ فَيَرَى النَّاظِرُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ دَهْشَتِهِ النَّارَ فَيَظُنُّهَا جَنَّةً وَبِالْعَكْسِ.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: قَوْلُهُ: (عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ) يَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ شُعْبَةَ أَنْبَأَنَا قَتَادَةُ سَمِعْتُ أَنَسًا.

قَوْلُهُ: (مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ) فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ.

قَوْلُهُ: (أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ وَهِيَ حَرْفُ تَنْبِيهٍ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) تَقَدَّمَ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِيهِ فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ) كَذَا

لِلْأَكْثَرِ وَالْجُمْهُورُ مَكْتُوبًا وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّهُ إِمَّا اسْمُ إِنَّ وَإِمَّا حَالٌ، وَتَوْجِيهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ حَذَفَ اسْمَ إِنَّ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ خَبَرِ إِنَّ وَالِاسْمُ الْمَحْذُوفُ إِمَّا ضَمِيرُ الشَّأْنِ أَوْ يَعُودُ عَلَى الدَّجَّالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَافِرٌ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ بِلَفْظِ الدَّجَّالِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ك ف ر أَيْ كَافِرٌ، وَمِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، عَنْ أَنَسٍ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ ثُمَّ تَهَجَّاهَا ك ف ر يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ يَقْرَؤُهُ الْأُمِّيُّ وَالْكَاتِبُ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ وَلِأَحْمَدَ، عَنْ جَابِرٍ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ مُهَجَّاةٌ وَمِثْلُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي قَوْلِهِ ك ف ر إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ فِعْلَ وَفَاعِلَ مِنَ الْكُفْرِ إِنَّمَا يُكْتَبُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَكَذَا هُوَ فِي رَسْمُ الْمُصْحَفِ وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْخَطِّ أَثْبَتُوا فِي فَاعِلٍ أَلِفًا فَذَاكَ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ، وَقَوْلُهُ: يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ. إِخْبَارٌ بِالْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِدْرَاكَ فِي الْبَصَرِ يَخْلُقُهُ اللَّهُ لِلْعَبْدِ كَيْفَ شَاءَ وَمَتَى شَاءَ، فَهَذَا يَرَاهُ الْمُؤْمِنُ بِغَيْرِ بَصَرِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ، وَلَا يَرَاهُ الْكَافِرُ وَلَوْ كَانَ يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ كَمَا يَرَى الْمُؤْمِنُ الْأَدِلَّةَ بِعَيْنِ بَصِيرَتِهِ وَلَا يَرَاهَا الْكَافِرُ فَيَخْلُقُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ الْإِدْرَاكَ دُونَ تَعَلُّمٍ لِأَنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ تَنْخَرِقُ فِيهِ الْعَادَاتُ فِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ عُمُومًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ بِبَعْضِهِمْ مِمَّنْ قَوِيَ إِيمَانُهُ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ الْكِتَابَةَ الْمَذْكُورَةَ حَقِيقَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَامَةً قَاطِعَةً بِكَذِبِ الدَّجَّالِ فَيُظْهِرُ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ عَلَيْهَا وَيُخْفِيهَا عَلَى مَنْ أَرَادَ شَقَاوَتَهُ. وَحَكَى عِيَاضٌ خِلَافًا وَأَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ هِيَ مَجَازٌ عَنْ سِمَةِ الْحُدُوثِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ أَنْ لَا تَكُونَ الْكِتَابَةُ حَقِيقَةً بَلْ يُقَدِّرُ اللَّهُ عَلَى غَيْرِ الْكَاتِبِ عِلْمَ الْإِدْرَاكِ فَيَقْرَأُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ لَهُ مَعْرِفَةُ الْكِتَابَةِ، وَكَأَنَّ السِّرَّ اللَّطِيفَ فِي أَنَّ الْكَاتِبَ وَغَيْرَ الْكَاتِبِ يَقْرَأُ ذَلِكَ لِمُنَاسَبَةِ أَنَّ كَوْنَهُ أَعْوَرَ يُدْرِكُهُ كُلُّ مَنْ رَآهُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ وَالْحَادِي عَشَرَ، قَوْلُهُ: (فِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ) أَيْ يَدْخُلُ فِي الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَصْلَ الْبَابِ فَيَتَنَاوَلَ كَلَامُهُ كُلَّ شَيْءٍ وَرَدَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالدَّجَّالِ مِنْ حَدِيثِ الْمَذْكُورِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ خُصُوصَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجَّالَ وَهُوَ أَقْرَبُ، فَمِمَّا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ نُوحٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ : أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عَنِ الدَّجَّالِ مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ؟ إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ تِمْثَالُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَالَّتِي يَقُولُ إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ، وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ يَقُولُ: يَخْرُجُ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ فَيَبْلُغُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ مِنَ الْأَرْضِ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَيَلْقَى الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُ شِدَّةً شَدِيدَةً الْحَدِيثَ، وَمِمَّا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي الْمَلَائِكَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذِكْرِ صِفَةِ مُوسَى وَفِيهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى الدَّجَّالَ وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّجَّالِ: أَعْوَرُ هِجَانُ - بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ؛ أَيْ أَبْيَضُ أَزْهَرُ - كَأَنَّ رَأْسَهُ أَصَلَةٌ أَشْبَهُ

النَّاسِ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَأَمَّا هَلَكَ الْهُلَّكُ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَفِي لَفْظٍ لِلطَّبَرَانِيِّ ضَخْمٌ فَيْلَمَانِيٌّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«انطلقت معه (١) إلى حذيفة، فقال له عقبة: حدِّثني ما (٢) سمعتَ من رسول الله في الدَّجَّال» الحديث، وفي آخره: قال عقبة: وأنا قد سمعته من رسول الله ؛ تصديقًا لحذيفة، وعنده أيضًا عن ربعيٍّ قال: اجتمع حذيفة وأبو مسعود، فقال حذيفة: لأنا بما مع الدَّجَّال أعلم منه، الحديث، ثمَّ قال في آخره: قال أبو مسعود: هكذا سمعت النَّبيَّ يقول.

٧١٣١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : مَا بُعِثَ نَبِيٌّ) بضمِّ الموحَّدة مبنيًّا للمفعول (إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام؛ حرف تنبيهٍ (إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ) إنَّما اقتصر على وصف الدَّجَّال بالعور مع أنَّ أدلَّة الحدوث (٣) كثيرةٌ ظاهرةٌ؛ لأنَّ العَوَر أثرٌ محسوسٌ يُدركه كلُّ أحدٍ، فدعواه الرُّبوبيَّة مع نقص خلقته علم كذبه؛ لأنَّ الإله يتعالى عن النَّقص (وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ) برفع «مكتوبٌ»، فاسم «إنَّ» محذوف؛ وهو ضمير نصبٍ إمَّا ضمير الشَّأن، أو عائدٌ على الدَّجَّال، و «بين عينيه مكتوبٌ» جملةٌ هي الخبر، و «كافرٌ» خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: بين عينيه شيءٌ مكتوبٌ، وذلك الشَّيء هو كلمة كافرٍ، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «مكتوبًا» بالنَّصب، قال في «المصابيح»: فالظَّاهر جعله اسم «إنَّ»، و «كافرٌ» على ما سبق، ولا يحتاج مع هذا إلى أن يرتكب حذف اسم «إنَّ» مع كونه ضميرًا؛ فإنَّه ضعيفٌ أو قليلٌ. انتهى. وقوله في «الفتح»: وإمَّا حالٌ، قال العينيُّ: ليس صحيحًا، بل قوله: «كافرٌ» عمل فيه «مكتوبٌ»، وزاد أبو أمامة عند ابن ماجه: «يقرؤه كلُّ مؤمنٍ كاتبٍ وغير كاتبٍ»، وهذا إخبارٌ بالحقيقة؛ لأنَّ الإدراك في البصر (٤) يخلقه الله للعبد (٥) كيف شاء، ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن

بعين بَصَره ولو (١) كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر ولو كان يعرف الكتابة (فِيهِ) أي: في الباب (أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ) أي: يدخل فيه حديثهما (عَنِ النَّبِيِّ ) فأمَّا حديث أبي هريرة، فسبق في «ترجمة نوحٍ» في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٣٨] وأمَّا حديث ابن عبَّاسٍ فـ «في صفة موسى» [خ¦٣٢٣٩] وقد وصف (٢) الدَّجَّال وصفًا لم يبق معه لذي لبٍّ إشكالٌ، وتلك الأوصاف كلُّها ذميمةٌ تبيِّن لكلِّ ذي حاسَّةٍ سليمةٍ كذبه فيما يدَّعيه، وإنَّ الإيمان به حقٌّ، وهو مذهب أهل السُّنَّة خلافًا لمن أنكر ذلك من الخوارج وبعض المعتزلة، ووافقنا على إثباته بعض الجهميَّة وغيرهم، لكن زعموا أنَّ ما عنده مخاريق (٣) وحيلٌ؛ لأنَّها لو كانت أمورًا صحيحةً؛ لكان ذلك إلباسًا للكاذب بالصَّادق، وحينئذٍ لا يكون فرقٌ بين النَّبيِّ والمتنبِّي، وهذا هذيان لا يُلتفَت إليه ولا يُعرَّج عليه؛ فإن هذا (٤) إنَّما كان يلزم لو أنَّ الدَّجَّال يدَّعي النُّبوَّة وليس كذلك، فإنَّه إنَّما يدَّعي الإلهيَّة، ولهذا قال : «إنَّ الله ليس بأعور» تنبيهًا للعقول على حدوثه (٥) ونقصه (٦)، وأمَّا الفرق بين النَّبيِّ والمتنبِّي؛ فالمعجزة لا تظهر على يد المتنبيِّ (٧)، لأنَّه يلزم منه انقلاب دليل الصِّدق دليل الكذب وهو محالٌ (٨)، وقوله: إنَّ الذي يأتي (٩) به الدَّجَّال حيلٌ ومخاريق، فقول معزول عن الحقائق؛ لأنَّ ما أخبر به النبيُّ من تلك الأمور حقائق، والعقل لا يحيل شيئًا منها، فوجب إبقاؤها على حقائقها. انتهى. ملخَّصًا من «التَّذكرة».

(٢٧) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- يُذكَر (١٠) فيه: (لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ) النَّبويَّة.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أبي زرْعَة الرَّازِيّ قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى عمي فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أبْغض مُعَاوِيَة، قَالَ: لم؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَاتل عليّاً بِغَيْر حق، فَقَالَ لَهُ أَبُو زرْعَة: رب مُعَاوِيَة رب رَحِيم وخصم مُعَاوِيَة خصم كريم فَمَا دخولك بَينهمَا؟ وَقيل: الفئتان الْخَوَارِج وَعلي بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: دعوتهما وَاحِدَة أَي: يدعيان الْإِسْلَام ويتأول كل مِنْهُمَا أَنه محق. قَوْله: حَتَّى يبْعَث أَي: حَتَّى يظْهر دجالون جمع دجال أَي خلاطون بَين الْحق وَالْبَاطِل مموهون، وَالْفرق بَينهم وَبَين الدَّجَّال الْأَكْبَر أَنهم يدعونَ النُّبُوَّة وَهُوَ يَدعِي الإلاهية لكِنهمْ كلهم مشتركون فِي التمويه وادعاء الْبَاطِل الْعَظِيم، وَقد وجد كثير مِنْهُم فضحهم الله وأهلكهم. قَوْله: قريب مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: عَددهمْ قريب. قَالَ الْكرْمَانِي: أَو مَنْصُوب مَكْتُوب بِلَا ألف على اللُّغَة الربيعية، وَقد وَقع فِي حَدِيث ثَوْبَان بِالْجَزْمِ: أَنهم ثَلَاثُونَ، وَهُوَ: سَيكون فِي أمتِي كذابون ثَلَاثُونَ، كلهم يزْعم أَنه نَبِي وَأَنا خَاتم النَّبِيين لَا نَبِي بعدِي. أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ ابْن حبَان، وروى أَبُو يعلى من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: بَين يَدي السَّاعَة ثَلَاثُونَ دجالًا كذابا، وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود، وروى أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سَمُرَة الْمصدر بالكسوف، وَفِيه: وَلَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج ثَلَاثُونَ كذابا آخِرهم الْأَعْوَر الدَّجَّال، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن عمر وَلَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج سَبْعُونَ كذابا، وَسَنَده ضَعِيف، وَكَذَا عَن أبي يعلى من حَدِيث أنس، وَهُوَ أَيْضا ضَعِيف، وَهُوَ وَإِن ثَبت فَمَحْمُول على الْمُبَالغَة فِي الْكَثْرَة لَا على التَّحْدِيد. وروى أَحْمد بِسَنَد جيد عَن حُذَيْفَة: يكون فِي أمتِي دجالون كذابون سَبْعَة وَعِشْرُونَ، مِنْهُم أَربع نسْوَة وَإِنِّي خَاتم النَّبِيين وَلَا نَبِي بعدِي. قَوْله: وَكلهمْ يزْعم أَنه رَسُول الله ظَاهره يدل على أَن كلاًّ مِنْهُم يَدعِي النُّبُوَّة، وَهَذَا هُوَ السِّرّ فِي قَوْله: وَيقبض الْعلم يَعْنِي: يقبض الْعلمَاء، وَقد تقدم فِي كتاب الْعلم: من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يرفع الْعلم، وَفِي رِوَايَة: أَن يقل الْعلم. قَوْله: وتكثر الزلازل وَقد استمرت الزلزلة فِي بَلْدَة من بِلَاد الرّوم الَّتِي هِيَ للْمُسلمين ثَلَاثَة عشر شهرا. قَوْله: ويتقارب الزَّمَان أَي: أَهله بِأَن يكون كلهم جُهَّالًا، وَيحْتَمل الْحمل على الْحَقِيقَة بِأَن يعتدل اللَّيْل وَالنَّهَار دَائِما، وَذَلِكَ بِأَن تنطبق منْطقَة البروج على معدل النَّهَار. قَوْله: حَتَّى يكثر فِيكُم المَال إِشَارَة إِلَى مَا وَقع من الْفتُوح واقتسامهم أَمْوَال الْفرس وَالروم فِي زمن الصَّحَابَة. قَوْله: فيفيض من الفيضان وَهُوَ أَن يكثر حَتَّى يسيل كالوادي، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى مَا وَقع فِي زمن عمر بن عبد الْعَزِيز لِأَنَّهُ وَقع فِي زَمَنه أَن الرجل كَانَ يعرض مَاله للصدقة فَلَا يجد من يقبل صدقته. قَوْله: حَتَّى يهم بِضَم الْيَاء وَكسر الْهَاء قَالَ ابْن بطال: رب هُوَ مفعول، و: من يقبل، فَاعله، ويهمه أَي: يحزنهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ بِضَم الْيَاء وَكسر الْهَاء وبفتح الْيَاء وَضم الْهَاء وحينئذٍ يكون: رب، فَاعِلا. أَي: يَقْصِدهُ. قَوْله: من يقبل قَالَ الْكرْمَانِي: ظَاهره أَن يُقَال من لَا يقبل. قلت: يُرِيد بِهِ من شَأْنه أَن يكون قَابلا لَهَا قَوْله: لَا أرب بِفتْحَتَيْنِ أَي: لَا حَاجَة لي بِهِ، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى مَا سيقع فِي زمن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. قَوْله: بِهِ للْمُبَالَغَة. قَوْله: لقحته بِكَسْر اللَّام الْقَرِيبَة الْعَهْد بِالْولادَةِ والناقة الحلوب. قَوْله: فَلَا يطعمهُ أَي: فَلَا يشربه. قَوْله: هُوَ يليط يُقَال لَاطَ ويليط إِذْ طينه وَأَصْلحهُ وألصقه. يُقَال: لَاطَ حبه بقلبي يليط ويلوط ليطاً ولوطاً ولياطة، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: لطت الْحَوْض بالطين ألواطه لوطاً أَي: طينته. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: كل شَيْء لصق بِشَيْء فقد لَاطَ بِهِ يلوط لوطاً ويليط أَيْضا. قَوْله: أَكلته بِضَم الْهمزَة وَهِي اللُّقْمَة، وَبِفَتْحِهَا الْمرة الْوَاحِدَة. إِلَى فِيهِ أَي: إِلَى فَمه.

٢٦ - (بابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر الدَّجَّال، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.

٧١٢٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا يَحْياى، حَدثنَا إسْماعِيلُ، حدّثني قيْسٌ قَالَ: قَالَ لي المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ: مَا سَأَلَ أحَدٌ النبيَّ عنِ الدَّجَّالِ مَا سألْتهُ، وإنَّهُ قَالَ لي: مَا يَضُرُّكَ مِنْهُ؟ قُلْتُ لأنّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ مَعَه جَبَلَ خُبْزٍ ونَهَرَ ماءٍ، قَالَ: هُوَ أهْوَنُ عَلى الله مِنْ ذالِكَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَيحيى هُوَ الْقطَّان وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي خَالِد.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن شهَاب بن عباد وَآخَرين: وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير.

قَوْله: الدَّجَّال قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ شخص بِعَيْنِه ابتلى الله عباده بِهِ وأقدره على أَشْيَاء من مقدورات الله تعال من إحْيَاء الْمَيِّت وَاتِّبَاع كنوز الأَرْض وإمطار السَّمَاء وإنبات الأَرْض بأَمْره، ثمَّ يعجزه الله عز وَجل بعد ذَلِك فَلَا يقدر على شَيْء من ذَلِك، وَهُوَ يكون مُدعيًا للإلاهية وَهُوَ فِي نفس دَعْوَاهُ مكذب لَهَا بِصُورَة حَاله من انتقاصه بالعور وعجزه عَن إِزَالَته عَن نَفسه وَعَن إِزَالَة الشَّاهِد بِكُفْرِهِ الْمَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ. فَإِن قلت: إِظْهَار المعجزة على يَد الْكذَّاب لَيْسَ يُمكن. قلت: إِنَّه يَدعِي الإلاهية واستحالته ظَاهِرَة فَلَا مَحْذُور فِيهِ، بِخِلَاف مدعي النُّبُوَّة فَإِنَّهَا مُمكنَة، فَلَو أَتَى الْكَاذِب فِيهَا بمعجزة لالتبس النَّبِي بالمتنبي. وَفَائِدَة تَمْكِينه من هَذِه الخوارق امتحان الْعباد. قَوْله: وَإنَّهُ أَي وَإِن النَّبِي، قَالَ لي: مَا يَضرك مِنْهُ أَي: من الدَّجَّال. قَوْله: لأَنهم أَي: لِأَن النَّاس، ويروى: أَنهم، وَهُوَ رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي. قَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ مُتَعَلق بمقدر يُنَاسب الْمقَام، وَقدر بَعضهم الخشية مِنْهُ مثلا، وَفِيه تَأمل. قَوْله: جبل وَفِي رِوَايَة مُسلم: مَعَه جبال من خبز وَلحم قَوْله: ونهر بِسُكُون الْهَاء وَفتحهَا. قَوْله: هُوَ أَهْون على الله من ذَلِك قَالَ القَاضِي: هُوَ أَهْون على الله من أَن يَجْعَل ذَلِك سَببا لضلال الْمُؤمنِينَ، بل هُوَ لِيَزْدَادَ الَّذين آمنُوا إِيمَانًا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ مَعَه شَيْء من ذَلِك.

٧١٢٣ - حدّثنا مُوساى بنُ إسماعِيلُ، حدّثنا وُهَيْبٌ، حدّثنا أيُّوبَ، عنْ نافِعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ أراهُ عنِ النبيِّ قَالَ: أعْوَرُ العَيْنِ اليُمْناى كأنَّها عِنَبَةٌ طافِيَةٌ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. ووهيب مصغر وهب ابْن خَالِد، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ.

قَوْله: أرَاهُ بِضَم الْهمزَة الْقَائِل بِهِ هُوَ البُخَارِيّ، وَقد سقط قَوْله: أرَاهُ إِلَى آخِره فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَأبي زيد الْمروزِي وَأبي أَحْمد الْجِرْجَانِيّ، فَصَارَت صورته مَوْقُوفَة وَبِذَلِك جزم الْإِسْمَاعِيلِيّ. والْحَدِيث فِي الأَصْل مَرْفُوع فقد أخرجه مُسلم من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب فَقَالَ فِيهِ: عَن النَّبِي، قَوْله: أَعور الْعين الْيُمْنَى أَي: أَعور عين الْجِهَة الْيُمْنَى، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: أَعور عين الْيُمْنَى، بِلَا ألف وَلَام. قَوْله: طافئة بِالْهَمْزَةِ وَهِي الَّتِي ذهب نورها، وَبلا همزَة: الناتئة الشاخصة.

٧١٢٤ - حدّثنا سَعْدُ بنُ حَفصٍ، حدّثنا شَيْبانُ، عنْ يَحْياى، عنْ إسْحاقَ بنِ عبْدِ الله بنِ أبي طَلْحَةَ، عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ، قَالَ النبيُّ يَجِىءُ الدَّجَالُ حتَّى يَنْزِلَ فِي ناحِيَةَ المَدِينَةِ، ثُمَّ تَرْجِفُ المَدِينَةُ ثَلَاثَ رجَفاتٍ، فَيَخْرُجُ إلَيْهِ كلُّ كافِرٍ ومُنافِق.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَسعد بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي، وشيبان هُوَ أَبُو مُعَاوِيَة النَّحْوِيّ، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير بالثاء الْمُثَلَّثَة. والْحَدِيث من أَفْرَاده.

قَوْله: حَتَّى ينزل فِي نَاحيَة الْمَدِينَة وَيَأْتِي عَن قريب بعد بَاب: ينزل بعض السباخ الَّتِي تلِي الْمَدِينَة، وَفِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن إِسْحَاق عَن أنس: فَيَأْتِي سبخَة الجرف، فَيضْرب رواقه فَيخرج إِلَيْهِ كل مُنَافِق وَمُنَافِقَة، والجرف بِضَم الْجِيم وَالرَّاء وبالفاء مَكَان بطرِيق الْمَدِينَة من جِهَة الشَّام على ميل، وَقيل: ثَلَاثَة أَمْيَال، والرواق الْفسْطَاط، وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي أُمَامَة. ينزل عِنْد الطَّرِيق الْأَحْمَر عِنْد مُنْقَطع السبخة قَوْله: ثمَّ ترجف الْمَدِينَة ويروى: فترجف الْمَدِينَة، وَهُوَ أوجه، وَمَعْنَاهُ: تتحرك الْمَدِينَة ويضطرب أَهلهَا. قَوْله: فَيخرج إِلَيْهِ أَي: إِلَى الدَّجَّال كل كَافِر ومنافق قلت: الَّذِي يظْهر لي أَن المُرَاد بالكافر غلاة الروافض، لأَنهم كفرة، وَفِي الْمَدِينَة رفضة، وَفِي حَدِيث محجن بن الأدرع عِنْد أَحْمد وَالْحَاكِم: فَلَا يبْقى مُنَافِق وَلَا منافقة وَلَا فَاسق وَلَا فاسقة إِلَّا خرج إِلَيْهِ.

٠٧١٢٥ - حدّثنا عبدُ الْعَزِيز بنُ عبد الله، حدّثنا إبراهيمُ بنُ سعد، عَن أبيهِ عَن جدِّهِ، عَن أبي بكرةَ عَن النبيّ قَالَ: لَا يدخُلُ المدينةَ رُعبُ الْمَسِيح الدّجال، وَلها يومئذٍ

سَبْعَة أبوابٍ عَلى كُلِّ بابٍ مَلَكان

انْظُر الحَدِيث ١٨٧٩ وطرفه

٧١٢٦ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله، حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بِشْرٍ، حدّثنا مِسْعَرٌ، حدّثنا سَعْدُ بنُ إبْرَاهِيمَ، عنْ أبِيهِ عنْ أبي بَكْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيح، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أبْوَابٍ عَلى كُلِّ بابٍ مَلَكانِ.

قَالَ: وَقَالَ ابنُ إسْحاق عنْ صَالِحٍ بنِ إبْرَاهِيمَ عنْ أبِيهِ قَالَ: قَدِمْتُ البَصْرَةَ فَقَالَ لي أبُو بَكْرَة، سَمِعْتُ النبيَّ بِهاذا.

انْظُر الحَدِيث ١٨٧٩ وطرفه

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَمُحَمّد بن بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة الْعَبْدي، ومسعر بِكَسْر الْمِيم ابْن كدام الْكُوفِي، وَسعد بن إِبْرَاهِيم يروي عَن أَبِيه إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف عَن أبي بكرَة نفيع الثَّقَفِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي الْحَج عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَهَذَا ثَبت للمستملي وَحده، وَسقط للْكُلّ غَيره.

قَوْله: رعب بِضَم الرَّاء وَالْعين وبكسون الثَّانِي وَهُوَ الْفَزع.

قَوْله: وَقَالَ ابْن إِسْحَاق أَي: مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي روى عَنهُ مُسلم وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن عبد الرحمان بن عَوْف وَهُوَ أَخُو سعد بن إِبْرَاهِيم. وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيق ثُبُوت لِقَاء إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان بن عَوْف لأبي بكرَة لِأَن إِبْرَاهِيم مدنِي وَقد تستنكر رِوَايَته عَن أبي بكرَة. لِأَنَّهُ نزل الْبَصْرَة على عهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِلَى أَن مَاتَ، وَوصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة مُحَمَّد بن سَلمَة الْحَرَّانِي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق بِهَذَا السَّنَد. قَوْله: بِهَذَا أَي: بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور.

٧١٢٧ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله، حَدثنَا إبْرَاهِيمُ، عنْ صالِحٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ سالِمِ بنِ عَبْدِ الله أنَّ عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ، رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ: قامَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي النَّاسِ، فأثْنى عَلى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيَ إلاّ وقَدْ أنْذَرَهُ قَوْمَهُ، ولَكِنِّي سأقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: إنَّهُ أعْوَرُ وإنَّ الله لَيْسَ بِأعْوَرَ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَإِبْرَاهِيم هُوَ ابْن سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرحمان، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

قَوْله: وَمَا من نَبِي إلَاّ وَقد أنذره قومه زَاد فِي رِوَايَة معمر: لقد أنذره نوح قومه، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ: لم يكن نَبِي بعد نوح إلَاّ وَقد أنذر قومه الدَّجَّال. فَإِن قلت: هَذَا مُشكل لِأَن الْأَحَادِيث قد ثبتَتْ أَنه يخرج بعد أُمُور ذكرت، وَأَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، يقْتله بعد أَن ينزل من السَّمَاء فَيحكم بالشريعة المحمدية. قلت: كَانَ وَقت خُرُوجه أُخْفِي عَن نوح وَمن بعده فكأنهم أنذروا بِهِ وَلم يذكر لَهُم وَقت خُرُوجه، فحذروا قَومهمْ من فتنته. قَوْله: إِنَّه أَعور إِنَّمَا اقْتصر على هَذَا مَعَ أَن أَدِلَّة الْحُدُوث فِي الدَّجَّال ظَاهِرَة، لَكِن العور أثر محسوس يُدْرِكهُ الْعَالم والعامي وَمن لَا يَهْتَدِي إِلَى الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة، فَإِذا ادّعى الربوبية وَهُوَ نَاقص الْخلقَة، والإلاه يتعالى عَن النَّقْص، علم أَنه كَذَّاب.

٧١٢٨ - حدّثنا يَحْياى بنُ بُكَيْرٍ، حَدثنَا اللَّيْثُ، عنْ عُقَيْلٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ سالِمٍ عنْ عبْدِ الله بنِ عُمَرَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: بَيْنما أَنا نائمٌ أطُوفُ بالكَعْبَةِ، فإذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يَنْطُفُ أوْ يُهَراقُ رأسُهُ مَاء قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ، ألْتَفِتُ فإذَا رَجُلٌ جَسِيمٌ أَحْمَرُ جَعْدُ الرَّأسِ، أعْوَرُ العَيْنِ، كَأَن عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافِيَةٌ، قالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ، أقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهاً، ابنُ قَطَنٍ رجُلٌ مِنْ خُزاعَةَ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَهَذَا قد مضى فِي كتاب التَّعْبِير فِي: بَاب الطّواف بِالْكَعْبَةِ فِي الْمَنَام، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم بن عبد الله إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ فَليرْجع إِلَيْهِ،

لِأَن الْمسَافَة قريبَة.

٧١٢٩ - حدّثنا عبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله، حَدثنَا إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ، عنْ صالِحٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ، عنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ، رَضِي الله عَنْهَا، قالَتْ: سَمِعْتُ رسولَ الله يَسْتَعيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَعبد الْعَزِيز وَإِبْرَاهِيم وَصَالح وَابْن شهَاب قد مروا الْآن. والْحَدِيث قد مضى فِي: بَاب الدُّعَاء قبل السَّلَام، قبيل كتاب الْجُمُعَة مطولا.

٧١٣٠ - حدّثنا عَبْدَانُ، أَخْبرنِي أبي، عنْ شُعْبَةَ، عنْ عَبْدِ المَلِكِ، عنْ رِبْعِيَ، عنْ حُذَيْفَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الدَّجَّالِ: إنَّ مَعَهُ مَاء وَنَارًا فَنارُهُ ماءٌ بارِدٌ وماؤُهُ نارٌ قَالَ أبُو مَسْعُودٍ: أَنا سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ الله

انْظُر الحَدِيث ٣٤٥٠

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وعبدان لقب عبد الله بن عُثْمَان يروي عَن أَبِيه عُثْمَان بن جبلة بن أبي رواد بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الْوَاو، وَعبد الْملك هُوَ ابْن عُمَيْر، ورِبْعِي بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْعين الْمُهْملَة اسْم بِلَفْظ النِّسْبَة وَهُوَ ابْن حِرَاش بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وبالشين الْمُعْجَمَة، وَحُذَيْفَة هُوَ ابْن الْيَمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَذَا ذكره شُعْبَة مُخْتَصرا، وَقد تقدم فِي أول ذكر بني إِسْرَائِيل من طَرِيق أبي عوَانَة عَن عبد الْملك عَن ربعي إِلَى آخِره.

قَوْله: قَالَ فِي الدَّجَّال أَي: فِي شَأْنه وحكايته. قَوْله: فناره مَاء قيل: النَّار كَيفَ تكون مَاء وهما حقيقتان مُخْتَلِفَتَانِ؟ وَأجِيب: بِأَن مَعْنَاهُ مَا صورته نعْمَة وَرَحْمَة فَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ لمن مَال إِلَيْهِ نقمة ومحنة، وَبِالْعَكْسِ. وَأَبُو مَسْعُود هُوَ عقبَة بن عَمْرو البدري الْأنْصَارِيّ.

٧١٣١ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ، حَدثنَا شُعْبَةُ، عنْ قتادَةَ، عنْ أنَسٍ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ النبيُّ مَا بُعِثَ نَبِي إلاّ أنْذَرَ أُمَّتَهُ الأعْوَر الكَذَّابَ، ألَا إنّهُ أعْوَرُ، وإنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بأعْوَر، وإنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ: كافِرٌ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. والْحَدِيث أخرجه أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن حَفْص بن عمر. وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن أبي مُوسَى وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن بنْدَار بِهِ.

قَوْله: أَلا أَنه أَعور بِفَتْح الْهمزَة وَاللَّام المخففة لِأَنَّهُ حرف التَّنْبِيه. قَوْله: وَإِن بَين عَيْنَيْهِ مَكْتُوب: كَافِر كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، ويروى: مَكْتُوبًا كَافِرًا. قَالَ بَعضهم: وَلَا إِشْكَال فِيهِ لِأَنَّهُ إِمَّا اسْم: إِن، وَإِمَّا حَال. قلت: نعم مَكْتُوبًا نصب على أَنه اسْم إِن، وَأما قَوْله: وَإِمَّا حَال، فَغير صَحِيح بل قَوْله: كَافِرًا عمل فِيهِ مَكْتُوبًا وَأما إِعْرَاب الأول فَهُوَ إِن اسْم إِن مَحْذُوف: ومكتوب كَافِر، فِي مَوضِع الْخَبَر وَالتَّقْدِير: وَإنَّهُ أَي: وَإِن الدَّجَّال بَين عَيْنَيْهِ مَكْتُوب كَافِر، وَكَافِر أما حُرُوف هجائه هِيَ الْمَكْتُوبَة غير مقطعَة وَأما الْمَكْتُوب وَفِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن شُعْبَة: مَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ.

فِيهِ أبُو هُرَيْرَةَ وابنُ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ أَي: فِي هَذَا الْبَاب يدْخل أَبُو هُرَيْرَة أَي: حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَابْن عَبَّاس أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فقد تقدم فِي تَرْجَمَة نوح، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ النَّبِي أَلا أحدثكُم حَدِيثا عَن الدَّجَّال، مَا حدث بِهِ نَبِي قومه؟ إِنَّه أَعور ... الحَدِيث، وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَهُوَ مَا تقدم فِي الْمَلَائِكَة من طَرِيق أبي الْعَالِيَة عَن ابْن عَبَّاس فِي ذكر صفة مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام. وَذكر أَنه رأى الدَّجَّال.

٢٧ - (بابٌ لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ)

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
اللهم صل على محمد