«مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٣٧

الحديث رقم ٧١٣٧ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الأحكام.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧١٣٧ في صحيح البخاري

«مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي

⦗٦٢⦘

فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي.»

إسناد حديث رقم ٧١٣٧ من صحيح البخاري

٧١٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧١٣٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٩٣ - كِتَاب الْأَحْكَامِ

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ الْأَحْكَامِ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَسَقَطَ لَفْظُ بَابُ بَعْدَهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَحْكَامُ جَمْعُ حُكْمٍ، وَالْمُرَادُ بَيَانُ آدَابِهِ وَشُرُوطِهِ، وَكَذَا الْحَاكِمُ وَيَتَنَاوَلُ لَفْظَ الْحَاكِمِ الْخَلِيفَةُ وَالْقَاضِي، فَذَكَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا. وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ، وَمَادَّةُ الْحُكْمِ مِنَ الْإِحْكَامِ، وَهُوَ الْإِتْقَانُ لِلشَّيْءِ وَمَنْعُهُ مِنَ الْعَيْبِ.

١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

٧١٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي.

٧١٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فِي هَذَا إِشَارَةٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ إِلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ نَزَلَتْ فِي الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ رَجَّحَ ذَلِكَ أَيْضًا الطَّبَرِيُّ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ عَنْهَا وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ مِثْلُهُ فَقَالَ: اقْرَأْ مَا قَبْلَهَا تَعْرِفْ، فَقَرَأْتُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ: هَذِهِ فِي الْوُلَاةِ، وَالنُّكْتَةُ فِي إِعَادَةِ الْعَامِلِ فِي الرَّسُولِ دُونَ أُولِي الْأَمْرِ مَعَ أَنَّ الْمُطَاعَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى كَوْنُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ مَا يَقَعُ بِهِ التَّكْلِيفُ هُمَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، فَكَأَنَّ التَّقْدِيرَ أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا نَصَّ عَلَيْكُمْ فِي الْقُرْآنِ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فِيمَا بَيَّنَ لَكُمْ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَا يَنُصُّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ السُّنَّةِ. أَوِ الْمَعْنَى أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ الْمُتَعَبَّدِ بِتِلَاوَتِهِ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ الَّذِي لَيْسَ بِقُرْآنٍ.

وَمِنْ بَدِيعِ الْجَوَابِ قَوْلُ بَعْضِ التَّابِعِينَ لِبَعْضِ الْأُمَرَاءِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ لَمَّا قَالَ لَهُ: أَلَيْسَ اللَّهُ أَمَرَكُمْ أَنْ تُطِيعُونَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فَقَالَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ نُزِعَتْ عَنْكُمْ - يَعْنِي الطَّاعَةَ - إِذَا خَالَفْتُمُ الْحَقَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قَالَ الطِّيبِيُّ:

أَعَادَ الْفِعْلَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إِشَارَةً إِلَى اسْتِقْلَالِ الرَّسُولِ بِالطَّاعَةِ، وَلَمْ يُعِدْهُ فِي أُولِي الْأَمْرِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِمْ مَنْ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ كَأَنَّهُ قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَعْمَلُوا بِالْحَقِّ فَلَا تُطِيعُوهُمْ، وَرُدُّوا مَا تَخَالَفْتُمْ فِيهِ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ. وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.

قَوْلُهُ: (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾؛ أَيْ لِأَنِّي لَا آمُرُ إِلَّا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَمَنْ فَعَلَ مَا آمُرُهُ بِهِ فَإِنَّمَا أَطَاعَ مَنْ أَمَرَنِي أَنْ آمُرَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِطَاعَتِي، فَمَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ أَمْرَ اللَّهِ لَهُ بِطَاعَتِي، وَفِي الْمَعْصِيَةِ كَذَلِكَ. وَالطَّاعَةُ هِيَ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَالِانْتِهَاءُ عَنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْعِصْيَانُ بِخِلَافِهِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، وَالْأَعْرَجِ وَغَيْرِهِمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ وَمَنْ أَطَاعَ الْأَمِيرَ وَيُمْكِنُ رَدُّ اللَّفْظَيْنِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يَأْمُرُ بِحَقٍّ وَكَانَ عَادِلًا فَهُوَ أَمِيرُ الشَّارِعِ لِأَنَّهُ تَوَلَّى بِأَمْرِهِ وَبِشَرِيعَتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَوْحِيدُ الْجَوَابِ فِي الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَقَدْ أَطَاعَنِي؛ أَيْ عَمِلَ بِمَا شَرَعْتُهُ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَخْصِيصِ أَمِيرِهِ بِالذِّكْرِ أَنَّهُ الْمُرَادُ وَقْتَ الْخِطَابِ، وَلِأَنَّهُ سَبَبُ وُرُودِ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا الْحُكْمُ فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ أَيْضًا وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ، وَكَذَا وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي وَهُوَ أَدْخَلَ فِي إِرَادَةِ تَعْمِيمِ مَنْ خُوطِبَ وَمَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيلَ كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ يَلِيهَا مِنَ الْعَرَبِ لَا يَعْرِفُونَ الْإِمَارَةَ فَكَانُوا يَمْتَنِعُونَ عَلَى الْأُمَرَاءِ، فَقَالَ هَذَا الْقَوْلُ يُحِثُّهُمْ عَلَى طَاعَةِ مَنْ يُؤَمِّرُهُمْ عَلَيْهِمْ وَالِانْقِيَادِ لَهُمْ إِذَا بَعَثَهُمْ فِي السَّرَايَا، وَإِذَا وَلَّاهُمُ الْبِلَادَ فَلَا يَخْرُجُوا عَلَيْهِمْ لِئَلَّا تَفْتَرِقَ الْكَلِمَةُ.

قُلْتُ: هِيَ عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ ذَكَرَهُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا، وَعَجِبْتُ لِبَعْضِ شُيُوخِنَا الشُّرَّاحِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ كَيْفَ قَنَعَ بِنِسْبَةِ هَذَا الْكَلَامِ إِلَى ابْنِ التِّينِ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِصِيغَةِ قِيلَ: وَابْنُ التِّينِ إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي يَعْلَى، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَإِنَّ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ طَاعَتِي؟ قَالُوا: بَلَى نَشْهَدُ، قَالَ: فَإِنَّ مِنْ طَاعَتِي أَنْ تُطِيعُوا أُمَرَاءَكُمْ وَفِي لَفْظٍ أَئِمَّتَكُمْ. وَفِي الْحَدِيثِ وُجُوبُ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِغَيْرِ الْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْفِتَنِ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْأَمْرِ بِطَاعَتِهِمُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى اتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ لِمَا فِي الِافْتِرَاقِ مِنَ الْفَسَادِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَذَا وَقَعَ هُنَا وَكَذَا فِي الْعِتْقِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَذَلِكَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِهَذَا فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَخْبَرَهُ فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْجِنَانِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ، وَقَالَ: كُلُّكُمْ رَاعٍ الْحَدِيثَ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي مُسْنَدِ أَبِي لُبَابَةَ، وَلَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْبَابِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَقَالَ مَعْطُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ لَا عَلَى أَبِي لُبَابَةَ، وَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ لَا مِنْ مُرْسَلِهِ.

قَوْلُهُ: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ) كَذَا فِيهِ، وَأَلَا بِتَخْفِيفِ اللَّامِ حَرْفُ افْتِتَاحٍ، وَسَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ، وَسَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالرَّاعِي هُوَ الْحَافِظُ الْمُؤْتَمَنُ الْمُلْتَزِمُ صَلَاحَ مَا اؤْتُمِنَ عَلَى حِفْظِهِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِالْعَدْلِ فِيهِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ.

قَوْلُهُ: (فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ) أَيِ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمَاضِيَةِ فِي الْعِتْقِ فَالْأَمِيرُ بَدَلَ الْإِمَامُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي النِّكَاحِ، وَلَمْ يَقُلْ الَّذِي عَلَى النَّاسِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأولو الأمر منكم في شيءٍ من أمور الدِّين، وهذا يؤيِّد أنَّ المراد بـ «أولي الأمر»: أمراء المسلمين؛ إذ ليس للمقلِّد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس إلَّا أن يقال: الخطاب لأولي الأمر على طريقة (١) الالتفات، أي: تنازعتم في شيءٍ فيردُّه العلماء إلى الكتاب والسُّنَّة، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر؛ ليؤذن بأنَّه لا استقلال لهم في الطَّاعة استقلالَ الرَّسول، ودلَّت الآية على أنَّ طاعة الأمراء واجبةٌ إذا وافقوا الحقَّ، فإذا خالفوه؛ فلا طاعة لهم لقوله : «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق».

وسقط الباب لغير أبي ذرٍّ، فالتَّالي رفعٌ.

٧١٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) عبد الله بن عثمان قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ (٢) أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) لأنِّي لا آمر إلَّا بما (٣) أمر الله به، فمن فعل ما آمره به؛ فإنَّما أطاع من أمرني أن آمره (وَمَنْ عَصَانِي) فيما أمرته به أو نهيته (فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي) وقال الخطَّابيُّ: كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يدينون لغير رؤساء قبائلهم، فلمَّا كان الإسلام ووُلِّي (٤) عليهم الأمراء؛ أنكرته نفوسهم وامتنع بعضهم من الطَّاعة، فأعلمهم بأنَّ طاعتهم مربوطةٌ بطاعته؛ ليطيعوا من أمَّره عليهم (٥) ولا يستَعْصُوا عليه؛ لئلَّا تتفرَّق الكلمة.

والحديث سبق في «المغازي» [خ¦٢٩٥٧].

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٩٣ - كِتَاب الْأَحْكَامِ

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ الْأَحْكَامِ) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَسَقَطَ لَفْظُ بَابُ بَعْدَهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْأَحْكَامُ جَمْعُ حُكْمٍ، وَالْمُرَادُ بَيَانُ آدَابِهِ وَشُرُوطِهِ، وَكَذَا الْحَاكِمُ وَيَتَنَاوَلُ لَفْظَ الْحَاكِمِ الْخَلِيفَةُ وَالْقَاضِي، فَذَكَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا. وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ، وَمَادَّةُ الْحُكْمِ مِنَ الْإِحْكَامِ، وَهُوَ الْإِتْقَانُ لِلشَّيْءِ وَمَنْعُهُ مِنَ الْعَيْبِ.

١ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

٧١٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي.

٧١٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قال: "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فِي هَذَا إِشَارَةٌ مِنَ الْمُصَنِّفِ إِلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ الصَّائِرِ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ نَزَلَتْ فِي الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ رَجَّحَ ذَلِكَ أَيْضًا الطَّبَرِيُّ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ عَنْهَا وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ مِثْلُهُ فَقَالَ: اقْرَأْ مَا قَبْلَهَا تَعْرِفْ، فَقَرَأْتُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الْآيَةَ، فَقَالَ: هَذِهِ فِي الْوُلَاةِ، وَالنُّكْتَةُ فِي إِعَادَةِ الْعَامِلِ فِي الرَّسُولِ دُونَ أُولِي الْأَمْرِ مَعَ أَنَّ الْمُطَاعَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى كَوْنُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ مَا يَقَعُ بِهِ التَّكْلِيفُ هُمَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، فَكَأَنَّ التَّقْدِيرَ أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا نَصَّ عَلَيْكُمْ فِي الْقُرْآنِ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فِيمَا بَيَّنَ لَكُمْ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَا يَنُصُّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ السُّنَّةِ. أَوِ الْمَعْنَى أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ الْمُتَعَبَّدِ بِتِلَاوَتِهِ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ الَّذِي لَيْسَ بِقُرْآنٍ.

وَمِنْ بَدِيعِ الْجَوَابِ قَوْلُ بَعْضِ التَّابِعِينَ لِبَعْضِ الْأُمَرَاءِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ لَمَّا قَالَ لَهُ: أَلَيْسَ اللَّهُ أَمَرَكُمْ أَنْ تُطِيعُونَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فَقَالَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ نُزِعَتْ عَنْكُمْ - يَعْنِي الطَّاعَةَ - إِذَا خَالَفْتُمُ الْحَقَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ قَالَ الطِّيبِيُّ:

أَعَادَ الْفِعْلَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إِشَارَةً إِلَى اسْتِقْلَالِ الرَّسُولِ بِالطَّاعَةِ، وَلَمْ يُعِدْهُ فِي أُولِي الْأَمْرِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ يُوجَدُ فِيهِمْ مَنْ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ كَأَنَّهُ قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَعْمَلُوا بِالْحَقِّ فَلَا تُطِيعُوهُمْ، وَرُدُّوا مَا تَخَالَفْتُمْ فِيهِ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ. وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.

قَوْلُهُ: (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾؛ أَيْ لِأَنِّي لَا آمُرُ إِلَّا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَمَنْ فَعَلَ مَا آمُرُهُ بِهِ فَإِنَّمَا أَطَاعَ مَنْ أَمَرَنِي أَنْ آمُرَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِطَاعَتِي، فَمَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ أَمْرَ اللَّهِ لَهُ بِطَاعَتِي، وَفِي الْمَعْصِيَةِ كَذَلِكَ. وَالطَّاعَةُ هِيَ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَالِانْتِهَاءُ عَنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْعِصْيَانُ بِخِلَافِهِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي) فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، وَالْأَعْرَجِ وَغَيْرِهِمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ وَمَنْ أَطَاعَ الْأَمِيرَ وَيُمْكِنُ رَدُّ اللَّفْظَيْنِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يَأْمُرُ بِحَقٍّ وَكَانَ عَادِلًا فَهُوَ أَمِيرُ الشَّارِعِ لِأَنَّهُ تَوَلَّى بِأَمْرِهِ وَبِشَرِيعَتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَوْحِيدُ الْجَوَابِ فِي الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَقَدْ أَطَاعَنِي؛ أَيْ عَمِلَ بِمَا شَرَعْتُهُ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَخْصِيصِ أَمِيرِهِ بِالذِّكْرِ أَنَّهُ الْمُرَادُ وَقْتَ الْخِطَابِ، وَلِأَنَّهُ سَبَبُ وُرُودِ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا الْحُكْمُ فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ أَيْضًا وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ، وَكَذَا وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي وَهُوَ أَدْخَلَ فِي إِرَادَةِ تَعْمِيمِ مَنْ خُوطِبَ وَمَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: قِيلَ كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ يَلِيهَا مِنَ الْعَرَبِ لَا يَعْرِفُونَ الْإِمَارَةَ فَكَانُوا يَمْتَنِعُونَ عَلَى الْأُمَرَاءِ، فَقَالَ هَذَا الْقَوْلُ يُحِثُّهُمْ عَلَى طَاعَةِ مَنْ يُؤَمِّرُهُمْ عَلَيْهِمْ وَالِانْقِيَادِ لَهُمْ إِذَا بَعَثَهُمْ فِي السَّرَايَا، وَإِذَا وَلَّاهُمُ الْبِلَادَ فَلَا يَخْرُجُوا عَلَيْهِمْ لِئَلَّا تَفْتَرِقَ الْكَلِمَةُ.

قُلْتُ: هِيَ عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ ذَكَرَهُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا، وَعَجِبْتُ لِبَعْضِ شُيُوخِنَا الشُّرَّاحِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ كَيْفَ قَنَعَ بِنِسْبَةِ هَذَا الْكَلَامِ إِلَى ابْنِ التِّينِ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِصِيغَةِ قِيلَ: وَابْنُ التِّينِ إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي يَعْلَى، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَإِنَّ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ طَاعَتِي؟ قَالُوا: بَلَى نَشْهَدُ، قَالَ: فَإِنَّ مِنْ طَاعَتِي أَنْ تُطِيعُوا أُمَرَاءَكُمْ وَفِي لَفْظٍ أَئِمَّتَكُمْ. وَفِي الْحَدِيثِ وُجُوبُ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِغَيْرِ الْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْفِتَنِ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْأَمْرِ بِطَاعَتِهِمُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى اتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ لِمَا فِي الِافْتِرَاقِ مِنَ الْفَسَادِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَذَا وَقَعَ هُنَا وَكَذَا فِي الْعِتْقِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَذَلِكَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِهَذَا فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَخْبَرَهُ فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْجِنَانِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ، وَقَالَ: كُلُّكُمْ رَاعٍ الْحَدِيثَ، هَكَذَا أَوْرَدَهُ فِي مُسْنَدِ أَبِي لُبَابَةَ، وَلَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْبَابِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَقَالَ مَعْطُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ لَا عَلَى أَبِي لُبَابَةَ، وَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ لَا مِنْ مُرْسَلِهِ.

قَوْلُهُ: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ) كَذَا فِيهِ، وَأَلَا بِتَخْفِيفِ اللَّامِ حَرْفُ افْتِتَاحٍ، وَسَقَطَتْ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ، وَسَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالرَّاعِي هُوَ الْحَافِظُ الْمُؤْتَمَنُ الْمُلْتَزِمُ صَلَاحَ مَا اؤْتُمِنَ عَلَى حِفْظِهِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِالْعَدْلِ فِيهِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ.

قَوْلُهُ: (فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ) أَيِ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمَاضِيَةِ فِي الْعِتْقِ فَالْأَمِيرُ بَدَلَ الْإِمَامُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي النِّكَاحِ، وَلَمْ يَقُلْ الَّذِي عَلَى النَّاسِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأولو الأمر منكم في شيءٍ من أمور الدِّين، وهذا يؤيِّد أنَّ المراد بـ «أولي الأمر»: أمراء المسلمين؛ إذ ليس للمقلِّد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس إلَّا أن يقال: الخطاب لأولي الأمر على طريقة (١) الالتفات، أي: تنازعتم في شيءٍ فيردُّه العلماء إلى الكتاب والسُّنَّة، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر؛ ليؤذن بأنَّه لا استقلال لهم في الطَّاعة استقلالَ الرَّسول، ودلَّت الآية على أنَّ طاعة الأمراء واجبةٌ إذا وافقوا الحقَّ، فإذا خالفوه؛ فلا طاعة لهم لقوله : «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق».

وسقط الباب لغير أبي ذرٍّ، فالتَّالي رفعٌ.

٧١٣٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) عبد الله بن عثمان قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ (٢) أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) لأنِّي لا آمر إلَّا بما (٣) أمر الله به، فمن فعل ما آمره به؛ فإنَّما أطاع من أمرني أن آمره (وَمَنْ عَصَانِي) فيما أمرته به أو نهيته (فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي) وقال الخطَّابيُّ: كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يدينون لغير رؤساء قبائلهم، فلمَّا كان الإسلام ووُلِّي (٤) عليهم الأمراء؛ أنكرته نفوسهم وامتنع بعضهم من الطَّاعة، فأعلمهم بأنَّ طاعتهم مربوطةٌ بطاعته؛ ليطيعوا من أمَّره عليهم (٥) ولا يستَعْصُوا عليه؛ لئلَّا تتفرَّق الكلمة.

والحديث سبق في «المغازي» [خ¦٢٩٥٧].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله