الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧١٧٥
الحديث رقم ٧١٧٥ من كتاب «كتاب الأحكام» في صحيح البخاري، تحت باب: باب استقضاء الموالي واستعمالهم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْعُرَفَاءِ لِلنَّاسِ
٧١٧٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ يَشْهَدُ عَلَى مَا أَقُولُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَحُكُّ مَنْكِبَهُ مَنْكِبِي، رَأَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتُ، وَشَهِدَ مِثْلَ الَّذِي شَهِدْتُ وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ أَنِّي لَمْ أَجِدْهُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقُلِ الزُّهْرِيُّ سَمِعَ أُذُنِي) هُوَ مَقُولُ سُفْيَانَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (خُوَارٌ صَوْتٌ، وَالْجُؤَارُ مِنْ تَجْأَرُونَ كَصَوْتِ الْبَقَرَةِ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْأَوَّلُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ وَهُوَ فِي الرِّوَايَةِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْجِيمِ، وَأَشَارَ إِلَى مَا فِي سُورَةِ طَهَ: ﴿عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ وَهُوَ صَوْتُ الْعِجْلِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْبَقَرِ مِنَ الْحَيَوَانِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالْجُؤَارُ فَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَوَاوٍ مَهْمُوزَةٍ وَيَجُوزُ تَسْهِيلُهَا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ يَجْأَرُونَ إِلَى مَا فِي سُورَةِ قَدْ أَفْلَحَ: ﴿بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ كَمَا يَجْأَرُ الثَّوْرُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ بِالْجِيمِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِمَعْنًى، إِلَّا أَنَّهُ بِالْخَاءِ لِلْبَقَرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحَيَوَانِ، وَبِالْجِيمِ لِلْبَقَرِ وَالنَّاسِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ وَفِي قِصَّةِ مُوسَى: لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ أَيْ صَوْتٌ عَالٍ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ أَصْلُهُ فِي الْبَقَرِ وَاسْتُعْمِلَ فِي النَّاسِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ أَيْضًا إِلَى قِرَاءَةِ الْأَعْمَشِ: عِجْلًا جَسَدًا لَهُ جُؤَارٌ بِالْجِيمِ، وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ الْإِمَامَ يَخْطُبُ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَاسْتِعْمَالُ أَمَّا بَعْدُ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ مُحَاسَبَةِ الْمُؤْتَمَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي الزَّكَاةِ، وَمَنْعِ الْعُمَّالِ مِنْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ، لِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: لَا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِي فَإِنَّهُ غُلُولٌ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ أَنَّهَا إِذَا أُخِذَتْ تُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَخْتَصُّ الْعَامل مِنْهَا إِلَّا بِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ الْإِمَامُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ أَخَذَ مِنْهُ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ أُهْدِيَ لَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ، وَلَا سِيَّمَا فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ قَبْلُ، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ صَرِيحًا.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي لَمَّا ذَكَرَ الرِّشْوَةَ: وَعَلَيْهِ رَدُّهَا لِصَاحِبِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُجْعَلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرِ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ بِرَدِّ الْهَدِيَّةِ الَّتِي أُهْدِيَتْ لَهُ لِمَنْ أَهْدَاهَا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يَلْحَقُ بِهَدِيَّةِ الْعَامِلِ الْهَدِيَّةُ لِمَنْ لَهُ دَيْنٌ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُحَاسَبَ بِذَلِكَ مِنْ دَيْنِهِ. وَفِيهِ إِبْطَالُ كُلِّ طَرِيقٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا مَنْ يَأْخُذُ الْمَالَ إِلَى مُحَابَاةِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَالِانْفِرَادِ بِالْمَأْخُوذِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ. جَوَازُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ، كَذَا قَالَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الْعَادَةِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ رَأَى مُتَأَوِّلًا أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلٍ يَضُرُّ مَنْ أَخَذَ بِهِ أَنْ يُشْهِرَ الْقَوْلَ لِلنَّاسِ، وَيُبَيِّنَ خَطَأَهُ لِيَحْذَرَ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَوْبِيخِ الْمُخْطِئِ، وَاسْتِعْمَالُ الْمَفْضُولِ فِي الْإِمَارَةِ وَالْإِمَامَةِ وَالْأَمَانَةِ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَفِيهِ اسْتِشْهَادُ الرَّاوِي وَالنَّاقِلِ بِقَوْلِ مَنْ يُوَافِقُهُ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ وَأَبْلَغَ فِي طُمَأْنِينَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٥ - بَاب اسْتِقْضَاءِ الْمَوَالِي وَاسْتِعْمَالِهِمْ
٧١٧٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَزَيْدٌ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مفتوحة آخره راءُ: (مِنْ تَجْأَرُونَ؛ كَصَوْتِ البَقَرَةِ) وفي رواية: «البقر»؛ بحذف التَّاء، قال تعالى: ﴿بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] أي: يرفعون أصواتهم؛ كما يجأر الثَّور، والحاصل: أنَّه بالجيم للبقر والنَّاس، وبالخاء للبقر وغيرها من الحيوان، وهذا ثابتٌ في رواية الكُشْمِيهَنيِّ دون غيره.
وفي الحديث: أنَّ ما يُهدى للعمَّال وخَدَمة السُّلطان بسبب السَّلطنة يكون لبيت المال إلَّا إن أباح له الإمام قبول الهديَّة لنفسه؛ كما في قصَّة معاذٍ ﵁ السَّابق التَّنبيهُ عليها في «الهبة» [خ¦٢٥٩٧].
(٢٥) (باب اسْتِقْضَاءِ المَوَالِي) أي: توليتهم القضاء (وَاسْتِعْمَالِهِمْ) على البلاد.
٧١٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ) السَّهميُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك: (أَنَّ نَافِعًا) مولى ابن عمر (أَخْبَرَهُ: أَنَّ) مولاه (ابْنَ عُمَرَ) عبد الله (﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ سَالِمٌ) هو ابن عبيدٍ أو ابن معقلٍ (مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) بن عتبة بن ربيعة القرشيِّ، قال البخاريُّ في «تاريخه»: يُعرَف به، ومولاته امرأةٌ من الأنصار (يَؤُمُّ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ) الذين سبقوا بالهجرة إلى المدينة (وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ) بالصَّرف (فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (١) (وَعُمَرُ) بن الخطَّاب (وَأَبُو سَلَمَةَ) ابن عبد الأسد المخزوميُّ، زوج أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين قبل النَّبيِّ ﷺ (وَزَيْدٌ) أي: ابن حارثة، قاله في «الفتح»، وقال في «الكواكب»: هو زيد بن الخطَّاب العدويُّ من المهاجرين الأوَّلين، قال في «عمدة القاري»: والظَّاهر أنَّه الصَّواب (وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ) العَنَزيُّ -بفتح المهملة والنُّون بعدها زايٌ- مولى عمر ﵃، وكان زيدٌ أكثرهم قرآنًا (٢)، وفي «البخاريِّ» [خ¦٣٧٥٨]
و «مسلم» و «التِّرمذيِّ» و «النَّسائيِّ» عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه: «خذوا القرآن من أربعةٍ؛ من ابن مسعودٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، وأُبيِّ بن كعبٍ، ومعاذ بن جبلٍ»، ومن طريق ابن المبارك في «كتاب الجهاد» له عن حنظلة بن أبي سفيان عن ابن سابطٍ: أنَّ عائشة ﵂ احْتَبست عن (١) النَّبيِّ ﷺ، فقال: «ما حَبَسَك؟» قالت: سمعت قارئًا يقرأ، فذكرت من حُسْنِ قراءته، فأخذ رداءه وخرج، فإذا هو سالمٌ مولى أبي حذيفة، فقال: «الحمد لله الذي جعل في أمَّتي مثلك»، وأخرجه أحمد والحاكم في «مستدركه»، فكان سبب تقديمه في إمامة الصَّلاة مع كونه من الموالي على من ذُكِر القراءة، ومَن كان رضًا في أمر الدِّين؛ فهو رضًا في أمور الدُّنيا، فيجوز أن يُولَّى (٢) القضاء، والإمرة على الحرب، وجباية الخراج، لا الإمامة العظمى؛ إذ شرطها كون الإمام قرشيًّا.
والحديث من أفراده، وسبق ما فيه في «باب إمامة الموالي» من «الصَّلاة» [خ¦٦٩٢] ولم يقل هناك: فيهم (٣) أبو بكر … إلى آخره، فاستُشكِل؛ لتصريحه هناك بأنَّ ذلك كان (٤) قبل مقدمه ﷺ المدينة، وكان أبو بكر رفيقه ﵊، فكيف ذكره فيهم؟ وأجاب البيهقيُّ باحتمال أن يكون سالمٌ (٥) استمرَّ على الصَّلاة بعد أن تحوَّل النَّبيُّ ﷺ إلى المدينة، ونزل بدار أبي أيُّوب قبل بناء مسجده بها، فيُحتَمل أن يقال: كان أبو بكر يصلِّي خلفه إذا جاء إلى قباء، قال في «الفتح»: ولا يخفى ما فيه.
(٢٦) (باب العُرَفَاءِ لِلنَّاسِ) بضمِّ العين وفتح الرَّاء بعدها فاءٌ، جمع عريفٍ: الذي يتولَّى أمر سياستهم وحفظ أمورهم، وسُمِّي به؛ لأنَّه يتعرَّف أمورهم حتَّى يُعرِّف بها مَن فوقه عند الحاجة لذلك.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ يَشْهَدُ عَلَى مَا أَقُولُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَحُكُّ مَنْكِبَهُ مَنْكِبِي، رَأَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتُ، وَشَهِدَ مِثْلَ الَّذِي شَهِدْتُ وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ أَنِّي لَمْ أَجِدْهُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقُلِ الزُّهْرِيُّ سَمِعَ أُذُنِي) هُوَ مَقُولُ سُفْيَانَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (خُوَارٌ صَوْتٌ، وَالْجُؤَارُ مِنْ تَجْأَرُونَ كَصَوْتِ الْبَقَرَةِ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْأَوَّلُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ وَهُوَ فِي الرِّوَايَةِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَلِبَعْضِهِمْ بِالْجِيمِ، وَأَشَارَ إِلَى مَا فِي سُورَةِ طَهَ: ﴿عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ وَهُوَ صَوْتُ الْعِجْلِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْبَقَرِ مِنَ الْحَيَوَانِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالْجُؤَارُ فَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَوَاوٍ مَهْمُوزَةٍ وَيَجُوزُ تَسْهِيلُهَا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ يَجْأَرُونَ إِلَى مَا فِي سُورَةِ قَدْ أَفْلَحَ: ﴿بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ كَمَا يَجْأَرُ الثَّوْرُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ بِالْجِيمِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِمَعْنًى، إِلَّا أَنَّهُ بِالْخَاءِ لِلْبَقَرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحَيَوَانِ، وَبِالْجِيمِ لِلْبَقَرِ وَالنَّاسِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ وَفِي قِصَّةِ مُوسَى: لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ أَيْ صَوْتٌ عَالٍ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ أَصْلُهُ فِي الْبَقَرِ وَاسْتُعْمِلَ فِي النَّاسِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ أَيْضًا إِلَى قِرَاءَةِ الْأَعْمَشِ: عِجْلًا جَسَدًا لَهُ جُؤَارٌ بِالْجِيمِ، وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ الْإِمَامَ يَخْطُبُ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَاسْتِعْمَالُ أَمَّا بَعْدُ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ مُحَاسَبَةِ الْمُؤْتَمَنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي الزَّكَاةِ، وَمَنْعِ الْعُمَّالِ مِنْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي تَرْكِ الْحِيَلِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ، لِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: لَا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِي فَإِنَّهُ غُلُولٌ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ أَنَّهَا إِذَا أُخِذَتْ تُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَخْتَصُّ الْعَامل مِنْهَا إِلَّا بِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ الْإِمَامُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ أَخَذَ مِنْهُ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ أُهْدِيَ لَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ، وَلَا سِيَّمَا فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ قَبْلُ، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ صَرِيحًا.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي لَمَّا ذَكَرَ الرِّشْوَةَ: وَعَلَيْهِ رَدُّهَا لِصَاحِبِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُجْعَلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرِ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ بِرَدِّ الْهَدِيَّةِ الَّتِي أُهْدِيَتْ لَهُ لِمَنْ أَهْدَاهَا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يَلْحَقُ بِهَدِيَّةِ الْعَامِلِ الْهَدِيَّةُ لِمَنْ لَهُ دَيْنٌ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُحَاسَبَ بِذَلِكَ مِنْ دَيْنِهِ. وَفِيهِ إِبْطَالُ كُلِّ طَرِيقٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا مَنْ يَأْخُذُ الْمَالَ إِلَى مُحَابَاةِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَالِانْفِرَادِ بِالْمَأْخُوذِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ. جَوَازُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ، كَذَا قَالَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الْعَادَةِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ رَأَى مُتَأَوِّلًا أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلٍ يَضُرُّ مَنْ أَخَذَ بِهِ أَنْ يُشْهِرَ الْقَوْلَ لِلنَّاسِ، وَيُبَيِّنَ خَطَأَهُ لِيَحْذَرَ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَوْبِيخِ الْمُخْطِئِ، وَاسْتِعْمَالُ الْمَفْضُولِ فِي الْإِمَارَةِ وَالْإِمَامَةِ وَالْأَمَانَةِ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَفِيهِ اسْتِشْهَادُ الرَّاوِي وَالنَّاقِلِ بِقَوْلِ مَنْ يُوَافِقُهُ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ وَأَبْلَغَ فِي طُمَأْنِينَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٥ - بَاب اسْتِقْضَاءِ الْمَوَالِي وَاسْتِعْمَالِهِمْ
٧١٧٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَزَيْدٌ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
مفتوحة آخره راءُ: (مِنْ تَجْأَرُونَ؛ كَصَوْتِ البَقَرَةِ) وفي رواية: «البقر»؛ بحذف التَّاء، قال تعالى: ﴿بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] أي: يرفعون أصواتهم؛ كما يجأر الثَّور، والحاصل: أنَّه بالجيم للبقر والنَّاس، وبالخاء للبقر وغيرها من الحيوان، وهذا ثابتٌ في رواية الكُشْمِيهَنيِّ دون غيره.
وفي الحديث: أنَّ ما يُهدى للعمَّال وخَدَمة السُّلطان بسبب السَّلطنة يكون لبيت المال إلَّا إن أباح له الإمام قبول الهديَّة لنفسه؛ كما في قصَّة معاذٍ ﵁ السَّابق التَّنبيهُ عليها في «الهبة» [خ¦٢٥٩٧].
(٢٥) (باب اسْتِقْضَاءِ المَوَالِي) أي: توليتهم القضاء (وَاسْتِعْمَالِهِمْ) على البلاد.
٧١٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ) السَّهميُّ المصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك: (أَنَّ نَافِعًا) مولى ابن عمر (أَخْبَرَهُ: أَنَّ) مولاه (ابْنَ عُمَرَ) عبد الله (﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ سَالِمٌ) هو ابن عبيدٍ أو ابن معقلٍ (مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) بن عتبة بن ربيعة القرشيِّ، قال البخاريُّ في «تاريخه»: يُعرَف به، ومولاته امرأةٌ من الأنصار (يَؤُمُّ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ) الذين سبقوا بالهجرة إلى المدينة (وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ) بالصَّرف (فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (١) (وَعُمَرُ) بن الخطَّاب (وَأَبُو سَلَمَةَ) ابن عبد الأسد المخزوميُّ، زوج أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين قبل النَّبيِّ ﷺ (وَزَيْدٌ) أي: ابن حارثة، قاله في «الفتح»، وقال في «الكواكب»: هو زيد بن الخطَّاب العدويُّ من المهاجرين الأوَّلين، قال في «عمدة القاري»: والظَّاهر أنَّه الصَّواب (وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ) العَنَزيُّ -بفتح المهملة والنُّون بعدها زايٌ- مولى عمر ﵃، وكان زيدٌ أكثرهم قرآنًا (٢)، وفي «البخاريِّ» [خ¦٣٧٥٨]
و «مسلم» و «التِّرمذيِّ» و «النَّسائيِّ» عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه: «خذوا القرآن من أربعةٍ؛ من ابن مسعودٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، وأُبيِّ بن كعبٍ، ومعاذ بن جبلٍ»، ومن طريق ابن المبارك في «كتاب الجهاد» له عن حنظلة بن أبي سفيان عن ابن سابطٍ: أنَّ عائشة ﵂ احْتَبست عن (١) النَّبيِّ ﷺ، فقال: «ما حَبَسَك؟» قالت: سمعت قارئًا يقرأ، فذكرت من حُسْنِ قراءته، فأخذ رداءه وخرج، فإذا هو سالمٌ مولى أبي حذيفة، فقال: «الحمد لله الذي جعل في أمَّتي مثلك»، وأخرجه أحمد والحاكم في «مستدركه»، فكان سبب تقديمه في إمامة الصَّلاة مع كونه من الموالي على من ذُكِر القراءة، ومَن كان رضًا في أمر الدِّين؛ فهو رضًا في أمور الدُّنيا، فيجوز أن يُولَّى (٢) القضاء، والإمرة على الحرب، وجباية الخراج، لا الإمامة العظمى؛ إذ شرطها كون الإمام قرشيًّا.
والحديث من أفراده، وسبق ما فيه في «باب إمامة الموالي» من «الصَّلاة» [خ¦٦٩٢] ولم يقل هناك: فيهم (٣) أبو بكر … إلى آخره، فاستُشكِل؛ لتصريحه هناك بأنَّ ذلك كان (٤) قبل مقدمه ﷺ المدينة، وكان أبو بكر رفيقه ﵊، فكيف ذكره فيهم؟ وأجاب البيهقيُّ باحتمال أن يكون سالمٌ (٥) استمرَّ على الصَّلاة بعد أن تحوَّل النَّبيُّ ﷺ إلى المدينة، ونزل بدار أبي أيُّوب قبل بناء مسجده بها، فيُحتَمل أن يقال: كان أبو بكر يصلِّي خلفه إذا جاء إلى قباء، قال في «الفتح»: ولا يخفى ما فيه.
(٢٦) (باب العُرَفَاءِ لِلنَّاسِ) بضمِّ العين وفتح الرَّاء بعدها فاءٌ، جمع عريفٍ: الذي يتولَّى أمر سياستهم وحفظ أمورهم، وسُمِّي به؛ لأنَّه يتعرَّف أمورهم حتَّى يُعرِّف بها مَن فوقه عند الحاجة لذلك.