«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ. قَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٢

الحديث رقم ٧٣٢ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رسول الله ﷺ ركب فرسا، فجحش شقه الأيمن…

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَكِبَ فَرَسًا، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ. قَالَ أَنَسٌ : فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَهُوَ قَاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، ثُمَّ قَالَ لَمَّا سَلَّمَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ.»

سند حديث: ٧٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ…

٧٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رسول الله ﷺ ركب فرسا، فجحش شقه الأيمن…

أرشد النبي صلى الله عليه وسلم المأمومين إلى الحكمة من جعل الإمام وهي أن يقتدي به المصلون في صلاتهم، ولا يختلفون عليه بعمل من أعمال الصلاة، وإنما تراعى تَنَقلاته بنظام فإذا كبر للإحرام، فكبروا أنتم كذلك، وإذا رَكع فاركعوا بعده، وإذا ذكركم أن الله مجيب لمن حمده بقوله: "سمع الله لمن حمده" فاحمدوه تعالى بقولكم:
"ربنا لك الحمد"، وكذلك ما ورد من صيغ أخرى مثل: "ربنا ولك الحمد" "اللهم ربنا ولك الحمد" "اللهم ربنا لك الحمد"، وإذا سجد فتابعوه واسجدوا، وإذا صلى جالساً لعجزه عن القيام -فتحقيقاً للمتابعة- صلوا جلوساً، ولو كنتم قادرين على القيام.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تأكيد متابعة الإمام، وأنها مقدمة على غيرها من أعمال الصلاة، فقد أسقط القيام عن المأمومين القادرين عليه، مع أنه أحد أركان الصلاة، كل ذلك لأجل كمال الاقتداء.
  • ومنه يؤخذ تَحَتمُ طاعة القادة وولاة الأمر ومراعاة النظام، وعدم المخالفة والانشقاق عليهم؛ لأن الإمامة العظمى مقيسة على الإمامة الصغرى.
  • تحريم مخالفته وبطلان الصلاة بها.
  • أن الأفضل في المتابعة، أن تقع أعمال المأموم بعد أعمال الإمام مباشرة، قال الفقهاء: وتكره المساواة والموافقة في هذه الأعمال.
  • أن الإمام الراتب إذا صلى جالسا من أول صلاته -لعجزه عن القيام- صلى خلفه المأمومون جلوسًا ولو كانوا قادرين على القيام، تحقيقا للمتابعة والاقتداء.
  • أن المأموم يقول: "ربنا لك الحمد" حينما يقول الإمام: "سمع الله لمن حمده" وقال ابن عبد البر: لا أعلم خلافا في أن المنفرد يقول: "سمع الله لمن حمده"، "ربنا ولك الحمد" وقال ابن حجر: وأما الإِمام فيسمع ويحمد، جمع بينهما فقد ثبت في البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجمع بينهما.
  • أن من الحكمة في جعل الإمام في الصلاة، الاقتداء والمتابعة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رسول الله ﷺ ركب فرسا، فجحش شقه الأيمن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَيَنْفِرَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ، وَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِقَوْلِهِ: فِي بَيْتِهِ بَيْتُ غَيْرِهِ وَلَوْ أَمِنَ فِيهِ مِنَ الرِّيَاءِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَفَّانُ) كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَحْدَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَا أَبُو نُعَيْمٍ، وَذَكَرَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ بِوَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَفَّانَ. ثُمَّ فَائِدَةُ هَذِهِ الطَّرِيقِ بَيَانُ سَمَاعِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ لَهُ مِنْ أَبِي النَّضْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ الْجَمَاعَةِ وَالْإِمَامَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهَا سِتَّةٌ وَتِسْعُونَ، وَالْمُعَلَّقُ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعُونَ حَدِيثًا، الْخَالِصُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى تِسْعَةِ أَحَادِيثَ وَهِيَ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي فَضْلِ الْجَمَاعَةِ، وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا أَعْرِفُ شَيْئًا، وَحَدِيثُ أَنَسٍ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ضَخْمًا، وَحَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُصَلُّونَ فَإِنْ أَصَابُوا، وَحَدِيثُ النُّعْمَانِ الْمُعَلَّقِ فِي الصُّفُوفِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ: كَانَ أَحَدُنَا يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ، وَحَدِيثُهِ فِي إِنْكَارِهِ إِقَامَةِ الصُّفُوفِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ سَبْعَةَ عَشَرَ أَثَرًا، كُلُّهَا مُعَلَّقَةٌ إِلَّا أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ: كَانَ يَأْكُلُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، وَأَثَرَ عُثْمَانَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ فَإِنَّهُمَا مَوْصُولَانِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

٨٢ - بَاب إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ

٧٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَكِبَ فَرَسًا فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، قَالَ أَنَسٌ : فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، ثُمَّ قَالَ لَمَّا سَلَّمَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ.

٧٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَّ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ، فَصَلَّى لَنَا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُودًا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: إِنَّمَا الْإِمَامُ - أَوْ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ - لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا.

٧٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ.

(أبواب صفة الصلاة).

قَوْلُهُ: (بَابُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ) قِيلَ: أَطْلَقَ الْإِيجَابَ وَالْمُرَادُ الْوُجُوبُ تَجَوُّزًا؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ خِطَابُ الشَّارِعِ، وَالْوُجُوبَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُكَلَّفِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ،

إِمَّا عَلَى الْمُضَافِ وَهُوَ إِيجَابٌ، وَإِمَّا عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَهُوَ التَّكْبِيرُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِافْتِتَاحِ الدُّعَاءُ؛ لَكِنَّهُ لَا يَجِبُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى مَعَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالِافْتِتَاحِ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى الْمُوَحَّدَةِ أَوِ اللَّامِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ يَفْتَتِحُ بِالتَّكْبِيرِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى تَعَيُّنِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْظِيمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو يُوسُفَ.

وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ تَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ. وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ رِفَاعَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، فَيَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: ثُمَّ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا وَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهَذَا فِيهِ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالتَّكْبِيرِ وَهُوَ قَوْلُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِأَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ كُلَّمَا وَضَعَ وَرَفَعَ ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ، ثُمَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ ذِكْرُ التَّكْبِيرِ وَلَا فِي الثَّانِي، وَالثَّالِثُ بَيَانُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِتَأْخِيرِ الْمَأْمُومِ عَنِ الْإِمَامِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ إِيجَابًا لِلتَّكْبِيرِ لَكَانَ قَوْلُهُ: فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ إِيجَابًا لِذَلِكَ عَلَى الْمَأْمُومِ.

وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ وَاحِدٌ، اخْتَصَرَهُ شُعَيْبٌ وَأَتَمَّهُ اللَّيْثُ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى ذِكْرِ الطَّرِيقِ الْمُخْتَصَرَةِ؛ لِتَصْرِيحِ الزُّهْرِيِّ فِيهَا بِإِخْبَارِ أَنَسٍ لَهُ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، وَفِعْلُهُ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الصَّلَاةِ، وَبَيَانُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ، كَذَا وَجَّهَهُ ابْنُ رَشِيدٍ، وَتُعُقِّبَ بِالِاعْتِرَاضِ الثَّالِثِ وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى الْبُخَارِيِّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَائِلًا بِوُجُوبِهِ، كَمَا قَالَ بِهِ شَيْخُهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.

وَقِيلَ فِي الْجَوَابِ أَيْضًا: إِذَا ثَبَتَ إِيجَابُ التَّكْبِيرِ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ طَابَقَ التَّرْجَمَةَ، وَوُجُوبُهُ عَلَى الْمَأْمُومِ ظَاهِرٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: فِي السِّيَاقِ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيجَابِ؛ لِتَعْبِيرِهِ بِإِذَا الَّتِي تَخْتَصُّ بِمَا يُجْزَمُ بِوُقُوعِهِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ: إِذَا صَلَّى قَائِمًا مُتَنَاوِلٌ لِكَوْنِ الِافْتِتَاحِ فِي حَالِ الْقِيَامِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا افْتَتَحَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ قَائِمًا فَافْتَتِحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِيَامًا. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ، وَالْمَعْنَى: بَابُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، فَحِينَئِذٍ دَلَالَتُهُ عَلَى التَّرْجَمَةِ مُشْكِلٌ. انْتَهَى. وَمُحَصِّلُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ تَوْجِيهُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ: لَوْلَا الدَّلِيلُ الْخَارِجِيُّ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ لَكَانَ هُوَ أَيْضًا وَاجِبًا. انْتَهَى. وَقَدْ قَالَ بِوُجُوبِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمُ الْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ الْمَتْنِ الْمَذْكُورِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ فِي طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي طَرِيقِ اللَّيْثِ: ثُمَّ انْصَرَفَ بَدَلَ قَوْلِهِ: فَلَمَّا انْصَرَفَ، وَزِيَادَةُ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ: رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَسَقَطَ لَفْظُ: جُعِلَ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ.

(فَائِدَةٌ): تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ رُكْنٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: شَرْطٌ وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لا تمنع الاسم. كـ «الله الجليل أكبر» في الأصحِّ، ومن عجز عن التَّكبير ترجم عنه بأيِّ لغةٍ شاء، ولا يعدل عنه إلى غيره من الأذكار، وقال الحنفيَّة: ينعقد بكلِّ لفظٍ يُقصَد به التَّعظيم خلافًا لأبي يوسف فإنَّه يقتصر على المُعرَّف والمُنكَّر من التَّكبير، فيقول: الله أكبر، الله الأكبر، الله كبيرٌ، الله الكبير، وهل تكبيرة الإحرام ركنٌ أو شرطٌ؟ قال بالأوَّل: الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة، وقال الحنفيَّة بالثَّاني.

٧٣٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ البَهْرانيُّ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الأمويُّ الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ) : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَكِبَ فَرَسًا) في ذي الحجَّة سنة خمسٍ من هجرته، وأتى الغابة، فسقط عنها (فَجُحِشَ) بضمِّ الجيم وكسر الحاء المُهْمَلَة ثمَّ شينٍ مُعجَمةٍ، أي: خُدِش (شِقُّهُ الأَيْمَنُ، قَالَ أَنَسٌ) وللأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ» (: فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَهْوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، ثُمَّ قَالَ) (لَمَّا سَلَّمَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا) زاد في «باب إنَّما جُعِل الإمام ليُؤتَمَّ به» [خ¦٦٨٨]: «وإذا (١) صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون» وهو منسوخٌ بصلاتهم

خلفه قيامًا وهو قاعدٌ في مرض موته (وَإِذَا رَكَعَ؛ فَارْكَعُوا) وفي الرِّواية التَّالية لهذه [خ¦٧٣٣]: «فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا» فالتَّكبير هنا مقدَّرٌ إذ الرُّكوع يستدعي سبق التَّكبير بلا ريبٍ، فالمقدَّر كالملفوظ، والأمر للوجوب، وتعيَّنت تكبيرة الإحرام دون غيرها بقوله: وافتتاح الصَّلاة المُفَسَّر بمع الشَّروع فيها كما مرَّ، وفي حديث أبي حُمَيْدٍ: كان إذا قام إلى الصَّلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه، ثمَّ قال: «الله أكبر» أخرجه ابن ماجه، وصحَّحَه ابنا خزيمةَ وحبَّان، وحينئذٍ فحصلت المطابقة بين الحديث والتَّرجمة من حيث الجزء الأوَّل منها (١) وهو إيجاب التَّكبير، ومن (٢) الجزء الثَّاني بطريق اللُّزوم لأنَّ التَّكبير أوَّل الصَّلاة لا يكون إلَّا عند الشُّروع فيها (وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي: أجاب دعاء الحامدين (فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) أي: بعد قولكم: «سمع الله لمن حمده» فقد ثبت الجمع بينهما من فعله ، وقد قال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»، فـ «سمع الله لمن حمده» للارتفاع، و «ربَّنا ولك الحمد» للاعتدال، وسقط لغير أبي ذَرٍّ عن المُستملي «وإذا سجد فاسجدوا» (٣).

ورواة هذا الحديث حمصيَّان ومدنيَّان، وفيه: التَّحديث بالجمع، والإخبار بالجمع والإفراد، والعنعنة، وهذا الحديث والتَّالي له حديثٌ واحدٌ عن الزُّهريِّ عن ثابتٍ، لكنَّه من طريقين: شعيبٌ واللَّيث، فاختصره شعيبٌ، لكنَّه صرَّح الزُّهريُّ فيهما بإخبار أنسٍ، وأتمَّه اللَّيث.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَيَنْفِرَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ، وَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِقَوْلِهِ: فِي بَيْتِهِ بَيْتُ غَيْرِهِ وَلَوْ أَمِنَ فِيهِ مِنَ الرِّيَاءِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عَفَّانُ) كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَحْدَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَلَا أَبُو نُعَيْمٍ، وَذَكَرَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ بِوَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَفَّانَ. ثُمَّ فَائِدَةُ هَذِهِ الطَّرِيقِ بَيَانُ سَمَاعِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ لَهُ مِنْ أَبِي النَّضْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ الْجَمَاعَةِ وَالْإِمَامَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهَا سِتَّةٌ وَتِسْعُونَ، وَالْمُعَلَّقُ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى تِسْعُونَ حَدِيثًا، الْخَالِصُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى تِسْعَةِ أَحَادِيثَ وَهِيَ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي فَضْلِ الْجَمَاعَةِ، وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا أَعْرِفُ شَيْئًا، وَحَدِيثُ أَنَسٍ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ضَخْمًا، وَحَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يُصَلُّونَ فَإِنْ أَصَابُوا، وَحَدِيثُ النُّعْمَانِ الْمُعَلَّقِ فِي الصُّفُوفِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ: كَانَ أَحَدُنَا يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ، وَحَدِيثُهِ فِي إِنْكَارِهِ إِقَامَةِ الصُّفُوفِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ سَبْعَةَ عَشَرَ أَثَرًا، كُلُّهَا مُعَلَّقَةٌ إِلَّا أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ: كَانَ يَأْكُلُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، وَأَثَرَ عُثْمَانَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ فَإِنَّهُمَا مَوْصُولَانِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

٨٢ - بَاب إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ

٧٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَكِبَ فَرَسًا فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، قَالَ أَنَسٌ : فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، ثُمَّ قَالَ لَمَّا سَلَّمَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ.

٧٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَّ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ، فَصَلَّى لَنَا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُودًا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: إِنَّمَا الْإِمَامُ - أَوْ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ - لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا.

٧٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ.

(أبواب صفة الصلاة).

قَوْلُهُ: (بَابُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ) قِيلَ: أَطْلَقَ الْإِيجَابَ وَالْمُرَادُ الْوُجُوبُ تَجَوُّزًا؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ خِطَابُ الشَّارِعِ، وَالْوُجُوبَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُكَلَّفِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ،

إِمَّا عَلَى الْمُضَافِ وَهُوَ إِيجَابٌ، وَإِمَّا عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَهُوَ التَّكْبِيرُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِافْتِتَاحِ الدُّعَاءُ؛ لَكِنَّهُ لَا يَجِبُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى مَعَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالِافْتِتَاحِ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى الْمُوَحَّدَةِ أَوِ اللَّامِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ يَفْتَتِحُ بِالتَّكْبِيرِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى تَعَيُّنِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْظِيمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو يُوسُفَ.

وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ تَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ. وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ رِفَاعَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ: لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، فَيَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرَ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: ثُمَّ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اعْتَدَلَ قَائِمًا وَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهَذَا فِيهِ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالتَّكْبِيرِ وَهُوَ قَوْلُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِأَحْمَدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ كُلَّمَا وَضَعَ وَرَفَعَ ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ، ثُمَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ فِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ ذِكْرُ التَّكْبِيرِ وَلَا فِي الثَّانِي، وَالثَّالِثُ بَيَانُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِتَأْخِيرِ الْمَأْمُومِ عَنِ الْإِمَامِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ إِيجَابًا لِلتَّكْبِيرِ لَكَانَ قَوْلُهُ: فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ إِيجَابًا لِذَلِكَ عَلَى الْمَأْمُومِ.

وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ وَاحِدٌ، اخْتَصَرَهُ شُعَيْبٌ وَأَتَمَّهُ اللَّيْثُ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى ذِكْرِ الطَّرِيقِ الْمُخْتَصَرَةِ؛ لِتَصْرِيحِ الزُّهْرِيِّ فِيهَا بِإِخْبَارِ أَنَسٍ لَهُ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، وَفِعْلُهُ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الصَّلَاةِ، وَبَيَانُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ، كَذَا وَجَّهَهُ ابْنُ رَشِيدٍ، وَتُعُقِّبَ بِالِاعْتِرَاضِ الثَّالِثِ وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى الْبُخَارِيِّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَائِلًا بِوُجُوبِهِ، كَمَا قَالَ بِهِ شَيْخُهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ.

وَقِيلَ فِي الْجَوَابِ أَيْضًا: إِذَا ثَبَتَ إِيجَابُ التَّكْبِيرِ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ طَابَقَ التَّرْجَمَةَ، وَوُجُوبُهُ عَلَى الْمَأْمُومِ ظَاهِرٌ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: فِي السِّيَاقِ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيجَابِ؛ لِتَعْبِيرِهِ بِإِذَا الَّتِي تَخْتَصُّ بِمَا يُجْزَمُ بِوُقُوعِهِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ: إِذَا صَلَّى قَائِمًا مُتَنَاوِلٌ لِكَوْنِ الِافْتِتَاحِ فِي حَالِ الْقِيَامِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا افْتَتَحَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ قَائِمًا فَافْتَتِحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِيَامًا. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ، وَالْمَعْنَى: بَابُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، فَحِينَئِذٍ دَلَالَتُهُ عَلَى التَّرْجَمَةِ مُشْكِلٌ. انْتَهَى. وَمُحَصِّلُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ تَوْجِيهُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ: لَوْلَا الدَّلِيلُ الْخَارِجِيُّ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ لَكَانَ هُوَ أَيْضًا وَاجِبًا. انْتَهَى. وَقَدْ قَالَ بِوُجُوبِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمُ الْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ الْمَتْنِ الْمَذْكُورِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ فِي طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي طَرِيقِ اللَّيْثِ: ثُمَّ انْصَرَفَ بَدَلَ قَوْلِهِ: فَلَمَّا انْصَرَفَ، وَزِيَادَةُ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ: رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَسَقَطَ لَفْظُ: جُعِلَ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ.

(فَائِدَةٌ): تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ رُكْنٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: شَرْطٌ وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لا تمنع الاسم. كـ «الله الجليل أكبر» في الأصحِّ، ومن عجز عن التَّكبير ترجم عنه بأيِّ لغةٍ شاء، ولا يعدل عنه إلى غيره من الأذكار، وقال الحنفيَّة: ينعقد بكلِّ لفظٍ يُقصَد به التَّعظيم خلافًا لأبي يوسف فإنَّه يقتصر على المُعرَّف والمُنكَّر من التَّكبير، فيقول: الله أكبر، الله الأكبر، الله كبيرٌ، الله الكبير، وهل تكبيرة الإحرام ركنٌ أو شرطٌ؟ قال بالأوَّل: الشَّافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة، وقال الحنفيَّة بالثَّاني.

٧٣٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ البَهْرانيُّ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الأمويُّ الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ) : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ رَكِبَ فَرَسًا) في ذي الحجَّة سنة خمسٍ من هجرته، وأتى الغابة، فسقط عنها (فَجُحِشَ) بضمِّ الجيم وكسر الحاء المُهْمَلَة ثمَّ شينٍ مُعجَمةٍ، أي: خُدِش (شِقُّهُ الأَيْمَنُ، قَالَ أَنَسٌ) وللأَصيليِّ: «أنس بن مالكٍ» (: فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَهْوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، ثُمَّ قَالَ) (لَمَّا سَلَّمَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا) زاد في «باب إنَّما جُعِل الإمام ليُؤتَمَّ به» [خ¦٦٨٨]: «وإذا (١) صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون» وهو منسوخٌ بصلاتهم

خلفه قيامًا وهو قاعدٌ في مرض موته (وَإِذَا رَكَعَ؛ فَارْكَعُوا) وفي الرِّواية التَّالية لهذه [خ¦٧٣٣]: «فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا» فالتَّكبير هنا مقدَّرٌ إذ الرُّكوع يستدعي سبق التَّكبير بلا ريبٍ، فالمقدَّر كالملفوظ، والأمر للوجوب، وتعيَّنت تكبيرة الإحرام دون غيرها بقوله: وافتتاح الصَّلاة المُفَسَّر بمع الشَّروع فيها كما مرَّ، وفي حديث أبي حُمَيْدٍ: كان إذا قام إلى الصَّلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه، ثمَّ قال: «الله أكبر» أخرجه ابن ماجه، وصحَّحَه ابنا خزيمةَ وحبَّان، وحينئذٍ فحصلت المطابقة بين الحديث والتَّرجمة من حيث الجزء الأوَّل منها (١) وهو إيجاب التَّكبير، ومن (٢) الجزء الثَّاني بطريق اللُّزوم لأنَّ التَّكبير أوَّل الصَّلاة لا يكون إلَّا عند الشُّروع فيها (وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي: أجاب دعاء الحامدين (فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ) أي: بعد قولكم: «سمع الله لمن حمده» فقد ثبت الجمع بينهما من فعله ، وقد قال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»، فـ «سمع الله لمن حمده» للارتفاع، و «ربَّنا ولك الحمد» للاعتدال، وسقط لغير أبي ذَرٍّ عن المُستملي «وإذا سجد فاسجدوا» (٣).

ورواة هذا الحديث حمصيَّان ومدنيَّان، وفيه: التَّحديث بالجمع، والإخبار بالجمع والإفراد، والعنعنة، وهذا الحديث والتَّالي له حديثٌ واحدٌ عن الزُّهريِّ عن ثابتٍ، لكنَّه من طريقين: شعيبٌ واللَّيث، فاختصره شعيبٌ، لكنَّه صرَّح الزُّهريُّ فيهما بإخبار أنسٍ، وأتمَّه اللَّيث.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
الحمد لله