«خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَا تُشِيرُونَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٧٠

الحديث رقم ٧٣٧٠ من كتاب «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى وأمرهم شورى بينهم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نصّ حديث: «خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ…

«خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ فِي قَوْمٍ يَسُبُّونَ أَهْلِي، مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوءٍ قَطُّ. وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: لَمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِالْأَمْرِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ

⦗١١٤⦘

إِلَى أَهْلِي؟ فَأَذِنَ لَهَا، وَأَرْسَلَ مَعَهَا الْغُلَامَ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: سُبْحَانَكَ، ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾.»

كِتَابُ التَّوْحِيدِ

بَابُ مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ

إسناد حديث: «خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ…

٧٣٧٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْغَسَّانِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ

رواة الحديث: «خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى…

شرح حديث: «خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَسَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَمْرًا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا. وَذَكَرَ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ.

وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: عَنْ هِشَامٍ.

٧٣٧٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْغَسَّانِيُّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ فِي قَوْمٍ يَسُبُّونَ أَهْلِي مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوءٍ قَطُّ وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ لَمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِالأَمْرِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي فَأَذِنَ لَهَا وَأَرْسَلَ مَعَهَا الْغُلَامَ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى اللَّتَيْنِ بَعْدَهَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ مُؤَخَّرَةٌ عَنْهُمَا، وَأَخَّرَهَا النَّسَفِيُّ أَيْضًا، لَكِنْ سَقَطَتْ عِنْدَهُ تَرْجَمَةُ النَّهْيِ عَلَى التَّحْرِيمِ وَمَا مَعَهَا، فَأَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ بَيْنَهُمْ إِلَّا هَدَاهُمُ اللَّهُ، لِأَفْضَلِ مَا يَحْضُرُهُمْ وَفِي لَفْظِ إِلَّا عَزَمَ اللَّهُ لَهُمْ بِالرُّشْدِ أَوْ بِالَّذِي يَنْفَعُ وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا قَالَ: قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مَا بِهِ إِلَيْهِمْ حَاجَةٌ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ، فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنَ النَّبِيِّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي الشُّرُوطِ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَوْلُهُ : أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَفِيهِ: جَوَابُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَعَمَلُهُ بِمَا أَشَارَا بِهِ، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ وَجْهُ الدَّلَالَةِ مَا وَرَدَ عَنْ قِرَاءَةِ عِكْرِمَةَ، وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ عَزَمْتَ، أَيْ: إِذَا أَرْشَدْتُكَ إِلَيْهِ فَلَا تَعْدِلْ عَنْهُ، فَكَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ عِنْدَ عَدَمِ الْعَزْمِ وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مُتَعَلَّقِ الْمُشَاوَرَةِ، فَقِيلَ: فِي كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، وَقِيلَ: فِي الْأَمْرِ الدُّنْيَوِيِّ فَقَطْ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: إِنَّمَا كَانَ يُشَاوِرُهُ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ ; لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْحُكْمِ إِنَّمَا تُلْتَمَسُ مِنْهُ، قَالَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ يُشَاوِرُهُ فِي الْأَحْكَامِ فَقَدْ غَفَلَ غَفْلَةً عَظِيمَةً، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْأَحْكَامِ فَرُبَّمَا رَأَى غَيْرُهُ أَوْ سَمِعَ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ أَوْ يَرَهُ كَمَا كَانَ يَسْتَصْحِبُ الدَّلِيلَ فِي الطَّرِيقِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخُصُوصُ؛ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُشَاوِرُهُمْ فِي فَرَائِضِ الْأَحْكَامِ.

قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْإِطْلَاقِ نَظَرٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الْآيَةَ، قَالَ لِي النَّبِيُّ : مَا تَرَى، دِينَارٌ؟ قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ قَالَ: فَنِصْفُ دِينَارٍ؟ قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ. قَالَ: فَكَمْ؟ قُلْتُ: شَعِيرَةٌ. قَالَ: إِنَّكَ لَزَهِيدٌ. فَنَزَلَتْ أَأَشْفَقْتُمْ. الْآيَةَ قَالَ: فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُشَاوَرَةُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ.

وَنَقَلَ السُّهَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُشَاوَرَةَ مُخْتَصَّةٌ بِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَلَعَلَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ، ثُمَّ وَجَدْتُ لَهُ مُسْتَنَدًا فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ لِأَسَدِ بْنِ مُوسَى وَالْمَعْرِفَةِ لِيَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

بْنِ غَنْمٍ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ - وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ: لَوْ أَنَّكُمَا تَتَّفِقَانِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ مَا عَصَيْتُكُمَا فِي مَشُورَةٍ أَبَدًا وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي نَوْمِهِمْ فِي الْوَادِي: إِنْ تُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ تَرْشُدُوا لَكِنْ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِلتَّخْصِيصِ، وَوَقَعَ فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ قَالَ: فِي بَعْضِ الْأَمْرِ، قِيلَ: وَهَذَا تَفْسِيرٌ لَا تِلَاوَةٌ، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ قِرَاءَةً عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَدَّ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْمُشَاوَرَةَ فِي الْخَصَائِصِ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا فَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ الِاسْتِحْبَابَ عَنِ النَّصِّ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَهُوَ الْمُرَجَّحُ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) يُرِيدُ أَنَّهُ بَعْدَ الْمَشُورَةِ إِذَا عَزَمَ عَلَى فِعْلِ أَمْرٍ مِمَّا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْمَشُورَةُ، وَشَرَعَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُشِيرَ عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ؛ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي آيَةِ الْحُجُرَاتِ، وَظَهَرَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ آيَةِ الْمَشُورَةِ وَبَيْنَهَا تَخْصِيصُ عُمُومِهَا بِالْمَشُورَةِ، فَيَجُوزُ التَّقَدُّمُ لَكِنْ بِإِذْنٍ مِنْهُ حَيْثُ يَسْتَشِيرُ، وَفِي غَيْرِ صُورَةِ الْمَشُورَةِ لَا يَجُوزُ لَهُمُ التَّقَدُّمُ، فَأَبَاحَ لَهُمُ الْقَوْلَ جَوَابَ الِاسْتِشَارَةِ، وَزَجَرَهُمْ عَنِ الِابْتِدَاءِ بِالْمَشُورَةِ وَغَيْرَهَا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى مَا يَرَاهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَمْرَهُ إِذَا ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَهُ وَلَا يَتَحَيَّلَ فِي مُخَالَفَتِهِ، بَلْ يَجْعَلُهُ الْأَصْلَ الَّذِي يَرُدُّ إِلَيْهِ مَا خَالَفَهُ لَا بِالْعَكْسِ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ الْمُقَلِّدِينَ، وَيَغْفُلُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الْآيَةَ. وَالْمَشُورَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَبِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ لُغَتَانِ، وَالْأُولَى أَرْجَحُ.

قَوْلُهُ: (وَشَاوَرَ النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْمُقَامِ وَالْخُرُوجِ إِلَخْ) هَذَا مِثَالٌ لِمَا تَرْجَمَ بِهِ أَنَّهُ شَاوَرَ فَإِذَا عَزَمَ لَمْ يَرْجِعْ، وَالْقَدْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ لَمْ تَقَعْ مَوْصُولَةً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهَا الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا جَاءَهُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ رَأْيُ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ يُقِيمَ بِالْمَدِينَةِ فَيُقَاتِلَهُمْ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ نَاسٌ - لَمْ يَكُونُوا شَهِدُوا بَدْرًا -: اخْرُجْ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ نُقَاتِلَهُمْ بِأُحُدٍ، وَنَرْجُو أَنْ نُصِيبَ مِنَ الْفَضِيلَةِ مَا أَصَابَ أَهْلُ بَدْرٍ، فَمَا زَالُوا بِرَسُولِ اللَّهِ حَتَّى لَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَلَمَّا لَبِسَهَا نَدِمُوا، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِمْ؛ فَالرَّأْيُ رَأْيُكَ، فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَضَعَ أَدَاتَهُ بَعْدَ أَنْ لَبِسَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهُ، وَكَانَ ذَكَرَ لَهُمْ قَبْلُ أَنْ يَلْبَسَ الْأَدَاةَ: أَنِّي رَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ، وَهَذَا سَنَدٌ حَسَنٌ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ

فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَلَفْظُ أَحْمَدَ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُنْحَرُ، فَأَوَّلْتُ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ الْمَدِينَةَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ سَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي الْمَغَازِي مُطَوَّلَةً، وَفِيهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ رَأْسَ الْخَزْرَجِ كَانَ رَأْيُهُ الْإِقَامَةَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ غَضِبَ وَقَالَ: أَطَاعَهُمْ وَعَصَانِي، فَرَجَعَ بِمَنْ أَطَاعَهُ وَكَانُوا ثُلُثَ النَّاسِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا لَبِسَ لَأْمَتَهُ) بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ هِيَ الدِّرْعُ، وَقِيلَ: الْأَدَاةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَهِيَ الْآلَةُ مِنْ دِرْعٍ وَبَيْضَةٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ السِّلَاحِ، وَالْجَمْعُ: لَأْمٌ بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ، مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمْرٌ، وَقَدْ تُسَهَّلُ وَتُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى لُؤَمٍ، بِضَمٍّ ثُمَّ فَتْحٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَاسْتَلْأَمَ لِلْقِتَالِ إِذَا لَبِسَ سِلَاحَهُ كَامِلًا.

قَوْلُهُ: (وَشَاوَرَ عَلِيًّا، وَأُسَامَةَ فِيمَا رَمَى بِهِ أَهْلُ الْإِفْكِ عَائِشَةَ فَسَمِعَ مِنْهُمَا حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فَجَلَدَ الرَّامِينَ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْقَابِسِيِّ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: مِنْهُمَا: لِعَلِيٍّ، وَأُسَامَةَ

وَأَمَّا جَلْدُهُ الرَّامِينَ، فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ بِإِسْنَادٍ.

قُلْتُ: أَمَّا أَصْلُ مُشَاوَرَتِهِمَا فَذَكَرَهُ مَوْصُولًا فِي الْبَابِ بِاخْتِصَارٍ، وَتَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ مُطَوَّلًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ مَشْرُوحًا، وَقَوْلُهُ: فَسَمِعَ مِنْهُمَا أَيْ فَسَمِعَ كَلَامَهُمَا وَلَمْ يَعْمَلْ بِجَمِيعِهِ حَتَّى نَزَلَ الْوَحْيُ، أَمَّا عَلِيٌّ فَأَوْمَأَ إِلَى الْفِرَاقِ بِقَوْلِهِ: وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ عُذْرِهِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا أُسَامَةُ فَنَفَى أَنْ يَعْلَمَ عَلَيْهَا إِلَّا الْخَيْرَ، فَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا أَوْمَأَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ مِنَ الْمُفَارَقَةِ، وَعَمِلَ بِقَوْلِهِ: وَسَلِ الْجَارِيَةَ فَسَأَلَهَا، وَعَمِلَ بِقَوْلِ أُسَامَةَ فِي عَدَمِ الْمُفَارَقَةِ، وَلَكِنَّهُ أَذِنَ لَهَا فِي التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَجَلَدَ الرَّامِينَ فَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا أَحَدِهِمَا، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَتِي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَدَعَا بِهِمْ وَحَدَّهُمْ وَفِي لَفْظٍ: فَأَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ وَسُمُّوا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: مِسْطَحُ بْنُ أَثَاثَةَ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، قُلْتُ: وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِتَحْدِيثِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي التَّفْسِيرِ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ وَلَكِنْ حَكَمَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْقَابِسِيِّ: كَأَنَّهُ أَرَادَ تَنَازُعَهُمَا فَسَقَطَتِ الْأَلِفُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ أُسَامَةُ، وَعَلِيٌّ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ: تَنَازُعُهُمَا، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، أَوْ أَرَادَ بِالْجَمْعِ هُمَا وَمَنْ مَعَهُمَا أَوْ مَنْ وَافَقَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، انْتَهَى.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَبَرِيرَةَ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ إِلَى ضَمِّ بَرِيرَةَ إِلَى عَلِيٍّ، وَأُسَامَةَ، لَكِنِ اسْتَشْكَلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً؛ لِتَصْرِيحِهِ بِأَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهَا، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّنَازُعِ اخْتِلَافُ قَوْلِ الْمَذْكُورِينَ عِنْدَ مُسَاءَلَتِهِمْ وَاسْتِشَارَتِهِمْ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي قِصَّتَيْ أُحُدٍ وَالْإِفْكِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَتِ الْأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ يَسْتَشِيرُونَ الْأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ؛ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا) أَيْ: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ بِحُكْمٍ مُعَيَّنٍ وَكَانَتْ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، فَمُرَادُهُ مَا احْتَمَلَ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ احْتِمَالًا وَاحِدًا، وَأَمَّا مَا عُرِفَ وَجْهُ الْحُكْمِ فِيهِ فَلَا، وَأَمَّا تَقْيِيدُهُ بِالْأُمَنَاءِ فَهِيَ صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ ; لِأَنَّ غَيْرَ الْمُؤْتَمَنِ لَا يُسْتَشَارُ وَلَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِأَسْهَلِهَا فَلِعُمُومِ الْأَمْرِ بِالْأَخْذِ بِالتَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيلِ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّشْدِيدِ الَّذِي يُدْخِلُ الْمَشَقَّةَ عَلَى الْمُسْلِمِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا يُؤْمَرُ الْحَاكِمُ بِالْمَشُورَةِ؛ لِكَوْنِ الْمُشِيرِ يُنَبِّهُهُ عَلَى مَا يَغْفُلُ عَنْهُ، وَيَدُلُّهُ عَلَى مَا لَا يَسْتَحْضِرُهُ مِنَ الدَّلِيلِ، لَا لِيُقَلِّدَ الْمُشِيرَ فِيمَا يَقُولُهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَقَدْ وَرَدَ مِنَ اسْتِشَارَةِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا مُشَاوَرَةُ أَبِي بَكْرٍ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُصَنِّفُ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ نَظَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِي بِهِ قَضَى بَيْنَهُمْ، وَإِنْ عَلِمَهُ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَضَى بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ خَرَجَ فَسَأَلَ الْمُسْلِمِينَ عَنِ السُّنَّةِ، فَإِنْ أَعْيَاهُ ذَلِكَ دَعَا رُءُوسَ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَاءَهُمْ وَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ

كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ الْقُرَّاءَ كَانُوا أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، وَمُشَاوَرَةُ عُمَرَ الصَّحَابَةَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ تَقَدَّمَتْ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، وَمُشَاوَرَةُ عُمَرَ الصَّحَابَةَ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ تَقَدَّمَتْ فِي الدِّيَاتِ، وَمُشَاوَرَةُ عُمَرَ فِي قِتَالِ الْفُرْسِ تَقَدَّمَتْ فِي الْجِهَادِ، وَمُشَاوَرَةُ عُمَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ ثُمَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَرَادُوا دُخُولَ الشَّامِ وَبَلَغَهُ أَنَّ الطَّاعُونَ وَقَعَ بِهَا، وَقَدْ مَضَى مُطَوَّلًا مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الطِّبِّ وَرُوِّينَا فِي الْقَطْعِيَّاتِ

مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: سَلْ عَنْهَا عَلِيًّا، قَالَ: وَلَقَدْ شَهِدْتُ عُمَرَ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَقَالَ: هَاهُنَا عَلِيٌّ؟ وَفِي كِتَابِ النَّوَادِرِ لِلْحُمَيْدِيِّ، وَالطَّبَقَاتِ لِمُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو الْحَسَنِ - يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - وَمُشَاوَرَةُ عُثْمَانَ الصَّحَابَةَ أَوَّلَ مَا اسْتُخْلِفَ فِيمَا يَفْعَلُ بِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَمَّا قَتَلَ الْهُرْمُزَانَ وَغَيْرَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ لَهُمْ فِي قَتْلِ أَبِيهِ مَدْخَلًا، وَهِيَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَمُشَاوَرَتُهُ الصَّحَابَةَ فِي جَمْعِ النَّاسِ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ مِنْهَا قَوْلُهُ: مَا فَعَلَ عُثْمَانُ الَّذِي فَعَلَ فِي الْمَصَاحِفِ إِلَّا عَنْ مَلَإٍ مِنَّا وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

قَوْلُهُ: (وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ إِلَخْ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ الِاقْتِدَاءِ بِالسَّلَفِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ وَعَمِّهِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ الِاقْتِدَاءِ بِالسَّلَفِ أَيْضًا بِلَفْظِ: وَمُشَاوَرَتُهُ وَوَقَعَ بِلَفْظِ: وَمَشُورَتُهُ مَوْصُولًا فِي التَّفْسِيرِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ هُنَا: وَكَانَ وَقَّافًا بِقَافٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ كَثِيرُ الْوُقُوفِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ تَقَعْ فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ فِي بَابِ الِاقْتِدَاءِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي التَّفْسِيرِ، ثُمَّ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَاقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى مَوْضِعِ حَاجَتِهِ وَهِيَ مُشَاوَرَةُ عَلِيٍّ، وَأُسَامَةَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَذَكَرَ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اخْتَصَرَهُ، وَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَقَدْ أَوْرَدَ طَرِيقَ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ الَّتِي عَلَّقَهَا هُنَا مُطَوَّلَةً فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ وَقَدْ ذَكَرْتُ هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَشَيْخُهُ هُنَا فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ النَّشَائِيُّ بِنُونٍ وَمُعْجَمَةٍ خَفِيفَةٍ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا هُوَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الشَّامِيُّ نَزِيلُ وَاسِطٍ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ شَيْخِ الشَّيْخَيْنِ، وَالْغَسَّانِيُّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَتُهُ مَشْهُورَةٌ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ شَنِيعٌ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّ النَّبِيَّ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ تَقَدَّمَ

فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَقِبَ سَمَاعِهِ كَلَامَ بَرِيرَةَ، وَفِيهِ: قَامَ فِيَّ خَطِيبًا - أَيْ مِنْ أَجْلِي - فَتَشَهَّدَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ.

وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: لَمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِالْأَمْرِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي؟ فَأَذِنَ لَهَا وَأَرْسَلَ مَعَهَا الْغُلَامَ، وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾

قَوْلُهُ: (مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ) هَكَذَا هُنَا بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَتَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ: أَشِيرُوا عَلَيَّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُ بِمَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ بِأَنَّهُمْ وَاقِفُونَ عِنْدَ أَمْرِهِ مُوَافِقُونَ لَهُ فِيمَا يَقُولُ وَيَفْعَلُ، وَوَقَعَ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ السَّعْدَيْنِ، فَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِبَرَاءَتِهَا أَقَامَ حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى مَنْ وَقَعَ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: يَسُبُّونَ أَهْلِي كَذَا هُنَا بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ مِنَ السَّبِّ، وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ بِلَفْظِ: أَبْنُوا بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ نُونٍ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ هُنَاكَ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالسَّبِّ.

قَوْلُهُ: (مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوءٍ قَطُّ) يَعْنِي أَهْلَهُ وَجَمَعَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْأَهْلِ، وَالْقِصَّةُ إِنَّمَا كَانَتْ لِعَائِشَةَ وَحْدَهَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ يَلْزَمُ مِنْ سَبِّهَا سَبُّ أَبَوَيْهَا وَمَنْ هُوَ بِسَبِيلٍ مِنْهَا - وَكُلُّهُمْ كَانُوا بِسَبَبِ عَائِشَةَ مَعْدُودِينَ فِي أَهْلِهِ صَحَّ الْجَمْعُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ الطَّوِيلِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَعْنِي عَائِشَةَ وَأُمَّهَا وَأَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ عُرْوَةَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: أُخْبِرَتْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَةُ مَنْ أَخْبَرَهَا بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي؟) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ: أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ أَبِي.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَخْ) وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ وَأَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ فِي طُرُقِ حَدِيثِ الْإِفْكِ، مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي شَرْحِهِ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا لَكِنْ لَيْسَ هُوَ أَنْصَارِيًّا، وَفِي رِوَايَتِنَا فِي فَوَائِدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ أَخِي مِيمِي مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ إِذَا سَمِعَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَالَا: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَزَيْدٌ أَيْضًا لَيْسَ أَنْصَارِيًّا، وَفِي تَفْسِيرِ سُنَيْدِ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ لَمَّا سَمِعَ مَا قِيلَ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ قَالَ: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، وَفِي الْإِكْلِيلِ لِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَالَ ذَلِكَ، وَحُكِيَ عَنِ الْمُبْهَمَاتِ لِابْنِ بَشْكُوَالَ - وَلَمْ أَرَهُ أَنَا فِيهَا - أَنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ قَالَ ذَلِكَ فَإِنْ ثَبَتَ فَقَدِ اجْتَمَعَ مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ سِتَّةٌ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَمُهَاجِرِيَّانِ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَالْخَطْبُ فِيهَا سَهْلٌ.

(خَاتِمَةٌ):

اشْتَمَلَ كِتَابُ الِاعْتِصَامِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ وَمَا فِي حُكْمِهَا عَلَى مِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْمُتَابَعَةِ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَسَائِرُهَا مَوْصُولٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةُ حَدِيثٍ وَعَشَرَةُ أَحَادِيثَ وَالْبَاقِي خَالِصٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، وَحَدِيثِ عُمَرَ: نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَأْخَذِ الْقُرُونِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الرِّفْقِ، وَحَدِيثِهَا: لَا أُزَكَّى بِهِ، وَحَدِيثِ عُثْمَانَ فِي الْخُطْبَةِ، وَحَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ الْمُرْسَلِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَحَدِيثِ الْمُشَاوَرَةُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى أُحُدٍ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ سِتَّةَ عَشَرَ أَثَرًا. وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.

٩٧ - كِتَاب التَّوْحِيدِ

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ التَّوْحِيدِ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْأَكْثَرُ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَزَادَ الْمُسْتَمْلِي: الرَّدَّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَوَقَعَ لِابْنِ بَطَّالٍ، وَابْنِ التِّينِ: كِتَابُ رَدِّ الْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: التَّوْحِيدَ وَضَبَطُوا التَّوْحِيدَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَظَاهِرُهُ مُعْتَرَضٌ؛ لِأَنَّ الْجَهْمِيَّةَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ لَمْ يَرُدُّوا التَّوْحِيدَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ، وَحُجَجُ الْبَابِ ظَاهِرَةٌ فِي ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَغَيْرِهِمْ: الْقَدَرِيَّةُ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَكَذَا الرَّافِضَةُ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَهَؤُلَاءِ الْفِرَقُ الْأَرْبَعُ هُمْ رُءُوسُ الْبِدْعَةِ، وَقَدْ سَمَّى الْمُعْتَزِلَةُ أَنْفُسَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ وَعَنَوْا بِالتَّوْحِيدِ مَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ نَفْيِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ إِثْبَاتَهَا يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ وَمَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ أَشْرَكَ، وَهُمْ فِي النَّفْيِ مُوَافِقُونَ لِلْجَهْمِيَّةِ، وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَفَسَّرُوا التَّوْحِيدَ بِنَفْيِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْجُنَيْدُ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ: التَّوْحِيدُ إِفْرَادُ الْقَدِيمِ مِنَ الْمُحْدَثِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ التَّمِيمِيُّ

فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ: التَّوْحِيدُ مَصْدَرُ وَحَّدَ يُوَحِّدُ، وَمَعْنَى وَحَّدْتُ اللَّهَ: اعْتَقَدْتُهُ مُنْفَرِدًا بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ،

وَقِيلَ مَعْنَى وَحَّدْتُهُ: عَلِمْتُهُ وَاحِدًا، وَقِيلَ: سَلَبْتُ عَنْهُ الْكَيْفِيَّةَ وَالْكَمِّيَّةَ فَهُوَ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا انْقِسَامَ لَهُ، وَفِي صِفَاتِهِ لَا شَبِيهَ لَهُ، فِي إِلَهِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ وَتَدْبِيرِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، وَلَا خَالِقَ غَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَضَمَّنَتْ تَرْجَمَةُ الْبَابِ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأَنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَشْيَاءَ مُؤَلَّفَةٍ، وَذَلِكَ يَرُدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ جِسْمٌ، كَذَا وَجَدْتُ فِيهِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ الْمُشَبِّهَةَ، وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الْمَقَالَاتِ أَنَّهُمْ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ حَتَّى نُسِبُوا إِلَى التَّعْطِيلِ، وَثَبَتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: بَالَغَ جَهْمٌ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ حَتَّى قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْجَهْمِيَّةُ فِرْقَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ يَنْتَسِبُونَ إِلَى جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ مُقَدَّمِ الطَّائِفَةِ الْقَائِلَةِ: أَنْ لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا، وَهُمُ الْجَبْرِيَّةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَمَاتَ مَقْتُولًا فِي زَمَنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ انْتَهَى.

وَلَيْسَ الَّذِي أَنْكَرُوهُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ مَذْهَبُ الْجَبْرِ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا الَّذِي أَطْبَقَ السَّلَفَ عَلَى ذَمِّهِمْ بِسَبَبِهِ إِنْكَارُ الصِّفَاتِ. حَتَّى قَالُوا: إِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورِ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ التَّمِيمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ أَنَّ رُءُوسَ الْمُبْتَدِعَةِ أَرْبَعَةٌ إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْجَهْمِيَّةُ أَتْبَاعُ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ الَّذِي قَالَ: بِالْإِجْبَارِ وَالِاضْطِرَارِ إِلَى الْأَعْمَالِ، وَقَالَ: لَا فِعْلَ لِأَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يُنْسَبُ الْفِعْلُ إِلَى الْعَبْدِ مَجَازًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا أَوْ مُسْتَطِيعًا لِشَيْءٍ، وَزَعَمَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ حَادِثٌ، وَامْتَنَعَ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ شَيْءٌ أَوْ حَيٌّ أَوْ عَالِمٌ أَوْ مُرِيدٌ، حَتَّى قَالَ: لَا أَصِفُهُ بِوَصْفٍ يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِهِ، قَالَ: وَأَصِفُهُ بِأَنَّهُ خَالِقٌ وَمُحْيٍ وَمُمِيتٌ وَمُوَحَّدٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ خَاصَّةٌ بِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ حَادِثٌ، وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ مُتَكَلِّمًا بِهِ، قَالَ: وَكَانَ جَهْمٌ يَحْمِلُ السِّلَاحَ وَيُقَاتِلُ، وَخَرَجَ مَعَ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ وَجِيمٍ مُصَغَّرٌ، لَمَّا قَامَ عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَامِلِ بَنِي أُمَيَّةَ بِخُرَاسَانَ، فَآلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ قَتَلَهُ سَلْمُ بْنُ أَحَوْزَ وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَأَبُوهُ بِمُهْمَلَةٍ وَآخِرُهُ زَايٌ وَزْنُ أَعْوَرَ، وَكَانَ صَاحِبَ شُرْطَةِ نَصْرٍ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ: بَلَغَنِي أَنَّ جَهْمًا كَانَ يَأْخُذُ عَنِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ وَهُوَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ خَطَبَ فَقَالَ: إِنِّي

مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا. قُلْتُ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَأَنَّ الْكِرْمَانِيَّ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنَ الْجَعْدِ إِلَى الْجَهْمِ؛ فَإِنَّ قَتْلَ جَهْمٍ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، وَنَقَلَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ:

وَلَا أَقُول بِقَوْلِ الْجَهْمِ أَنَّ لَهُ قَوْلًا … يُضَارِعُ قَوْلَ الشِّرْكِ أَحْيَانًا

وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ إِنَّا لَنَحْكِي كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَنَسْتَعْظِمُ أَنْ نَحْكِيَ قَوْلَ جَهْمٍ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: تَرَكَ جَهْمٌ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ خَلَفِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَلْخِيِّ قَالَ: كَانَ جَهْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَكَانَ فَصِيحًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفَاذٌ فِي الْعِلْمِ، فَلَقِيَهُ قَوْمٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، فَقَالُوا لَهُ: صِفْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ، فَدَخَلَ الْبَيْتَ لَا يَخْرُجُ مُدَّةً، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: هُوَ هَذَا الْهَوَاءُ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي التَّوْحِيدِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قُدَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْبَلْخِيَّ يَقُولُ: كَانَ جَهْمٌ عَلَى مَعْبَرِ تِرْمِذَ، وَكَانَ كُوفِيَّ الْأَصْلِ فَصِيحًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ وَلَا مُجَالَسَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقِيلَ لَهُ: صِفْ لَنَا رَبَّكَ، فَدَخَلَ الْبَيْتَ لَا يَخْرُجُ كَذَا، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ أَيَّامٍ فَقَالَ: هُوَ هَذَا الْهَوَاءُ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْءٌ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كَلَامُ جَهْمٍ صِفَةٌ بِلَا مَعْنًى، وَبِنَاءٌ بِلَا أَسَاسٍ، وَلَمْ يُعَدَّ قَطُّ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَالَ: تَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ، وَأَوْرَدَ

آثَارًا كَثِيرَةً عَنِ السَّلَفِ فِي تَكْفِيرِ جَهْمٍ.

وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ فِي حَوَادِثِ سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ سُرَيْجٍ خَرَجَ عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَامِلِ خُرَاسَانَ لِبَنِي أُمَيَّةَ وَحَارَبَهُ، وَالْحَارِثُ حِينَئِذٍ يَدْعُو إِلَى الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَانَ جَهْمٌ حِينَئِذٍ كَاتِبَهُ ثُمَّ تَرَاسَلَا فِي الصُّلْحِ وَتَرَاضَيَا بِحُكْمِ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَالْجَهْمِ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَكُونُ شُورَى حَتَّى يَتَرَاضَى أَهْلُ خُرَاسَانَ عَلَى أَمِيرٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ، فَلَمْ يَقْبَلْ نَصْرٌ ذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى مُحَارَبَةِ الْحَارِثِ إِلَى أَنْ قَتَلَ الْحَارِثَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ فِي خِلَافَةِ مَرْوَانَ الْحِمَارِ، فَيُقَالُ: إِنَّ الْجَهْمَ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَيُقَالُ: بَلْ أُسِرَ، فَأَمَرَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، سَلْمَ بْنَ أَحَوْزَ بِقَتْلِهِ فَادَّعَى جَهْمٌ الْأَمَانَ، فَقَالَ لَهُ سَلْمٌ: لَوْ كُنْتَ فِي بَطْنِي لَشَقَقْتُهُ حَتَّى أَقْتُلَكَ فَقَتَلَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ: قَالَ سَلْمٌ حِينَ أَخَذَهُ: يَا جَهْمُ إِنِّي لَسْتُ أَقْتُلُكَ؛ لِأَنَّكَ قَاتَلْتَنِي، أَنْتَ عِنْدِي أَحْقَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ وَلَكِنِّي سَمِعْتُكَ تَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا أَمْلِكَكَ إِلَّا قَتَلْتُكَ فَقَتَلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ خَلَّادٍ الطُّفَاوِيِّ بَلَغَ سَلْمَ بْنَ أَحَوْزَ وَكَانَ عَلَى شُرْطَةِ خُرَاسَانَ أَنَّ جَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ يُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا فَقَتَلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ قَالَ رَأَيْتُ سَلْمَ بْنَ أَحَوْزَ حِينَ ضَرَبَ عُنُقَ جَهْمٍ فَاسْوَدَّ وَجْهُ جَهْمٍ، وَأَسْنَدَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ لَهُ أَنَّ قَتْلَ جَهْمٍ كَانَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ

وَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ رَحْمَةَ صَاحِبِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ أَنَّ قِصَّةَ جَهْمٍ كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَهَذَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى جَبْرِ الْكَسْرِ، أَوْ عَلَى أَنَّ قَتْلَ جَهْمٍ تَرَاخَى عَنْ قَتْلِ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَأَمَّا قَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ: إِنَّ قَتْلَ جَهْمٍ كَانَ فِي خِلَافَةِ هِشَامٍ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَوَهْمٌ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ الَّذِي كَانَ جَهْمٌ كَاتِبَهُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ مُسْتَنَدُ الْكِرْمَانِيِّ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: قَرَأْتُ فِي دَوَاوِينِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَامِلِ خُرَاسَانَ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ نَجَمَ قِبَلَكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جَهْمٌ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ، فَإِنْ ظَفِرْتَ بِهِ فَاقْتُلْهُ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَتْلُهُ وَقَعَ فِي زَمَنِ هِشَامٍ، وَإِنْ كَانَ ظُهُورُ مَقَالَتِهِ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى كَاتَبَ فِيهِ هِشَامٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ: فِرَقُ الْمُقِرِّينَ بِمِلَّةِ الْإِسْلَامِ خَمْسٌ: أَهْلُ السُّنَّةِ، ثُمَّ الْمُعْتَزِلَةُ؛ وَمِنْهُمُ الْقَدَرِيَّةُ، ثُمَّ الْمُرْجِئَةُ؛ وَمِنْهُمُ الْجَهْمِيَّةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ ثُمَّ الرَّافِضَةُ؛ وَمِنْهُمُ الشِّيعَةُ، ثُمَّ الْخَوَارِجُ؛ وَمِنْهُمُ الْأَزَارِقَةُ وَالْإِبَاضِيَّةُ، ثُمَّ افْتَرَقُوا فِرَقًا كَثِيرَةً، فَأَكْثَرُ افْتِرَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْفُرُوعِ، وَأَمَّا فِي الِاعْتِقَادِ فَفِي نُبَذٍ يَسِيرَةٍ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَفِي مَقَالَاتِهِمْ مَا يُخَالِفُ أَهْلَ السُّنَّةِ الْخِلَافَ الْبَعِيدَ وَالْقَرِيبَ، فَأَقْرَبُ فِرَقٍ الْمُرْجِئَةُ مَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ فَقَطْ، وَلَيْسَتِ الْعِبَادَةُ مِنَ الْإِيمَانِ. وَأَبْعَدُهُمُ الْجَهْمِيَّةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ عَقْدٌ بِالْقَلْبِ فَقَطْ، وَإِنْ أَظْهَرَ الْكُفْرَ وَالتَّثْلِيثَ بِلِسَانِهِ، وَعَبَدَ الْوَثَنَ مِنْ غَيْرِ تَقِيَّةٍ، وَالْكَرَّامِيَّةُ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ فَقَطْ وَإِنِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِقَلْبِهِ، وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَى بَقِيَّةِ الْفِرَقِ ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ فَعُمْدَتُهُمُ الْكَلَامُ فِي الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْعِبَادَةَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَإِنَّهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَلَا يُكَفِّرُ مُؤْمِنًا بِذَنْبٍ، وَلَا يَقُولُ إِنَّهُ يَخْلُدُ فِي النَّارِ فَلَيْسَ مُرْجِئًا، وَلَوْ وَافَقَهُمْ فِي بَقِيَّةِ مَقَالَاتِهِمْ.

وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَعُمْدَتُهُمُ الْكَلَامُ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْقَدَرِ، فَمَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَأَثْبَتَ الْقَدَرَ، وَرُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقِيَامَةِ، وَأَثْبَتَ صِفَاتِهِ الْوَارِدَةَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَّ صَاحِبَ الْكَبَائِرِ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ الْإِيمَانِ فَلَيْسَ بِمُعْتَزِلِيٍّ، وَإِنْ وَافَقَهُمْ فِي سَائِرِ مَقَالَاتِهِمْ.

وَسَاقَ بَقِيَّةَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا الْكَلَامُ فِيمَا يُوصَفُ اللَّهُ بِهِ فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفِرَقِ الْخَمْسَةِ، مِنْ مُثْبِتٍ لَهَا وَنَافٍ، فَرَأْسُ النُّفَاةِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ؛ فَقَدْ بَالَغُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى كَادُوا يُعَطِّلُونَ، وَرَأْسُ الْمُثْبِتَةِ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الرَّافِضَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ؛ فَإِنَّهُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة: (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ عروة [خ¦٤٧٥٧].

٧٣٧٠ - قال المؤلِّف: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بالواو (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) النَّشائيُّ، بالنون والشِّين المُعجَمة الخفيفة قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الغَسَّانِيُّ) بغينٍ معجمةٍ مفتوحةٍ وسينٍ مهملةٍ مشدَّدةٍ وبعد الألف نونٌ، وفي أصل أبي ذرٍّ كما ذكره في حاشية الفرع كأصله «العشانيُّ» بالعين المهملة والشِّين المعجمة، وصحَّح عليه وكتب: نسخة: «الغسَّانيُّ» بالغين المعجمة والسِّين المهملة، قال الحافظ ابن حجرٍ: والذي بالعين المهملة ثمَّ المعجمة تصحيفٌ شنيعٌ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ) تعالى (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) بما هو أهلُه (وَقَالَ: مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (فِي قَوْمٍ يَسُبُّونَ أَهْلِي مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوءٍ قَطُّ؟ وَعَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بالسَّند السَّابق أنَّه (قَالَ: لَمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول وسكون الفوقيَّة (بِالأَمْرِ) الذي قاله أهل الإفك (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي؟ فَأَذِنَ لَهَا، وَأَرْسَلَ مَعَهَا الغُلَامَ، وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو أبو أيُّوب خالدٌ الأنصاريُّ -كما عند ابن إسحاق، وأخرجه الحاكم من طريقه-: (سُبْحَانَكَ ﴿مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]) وسبَّح تعجُّبًا ممَّن يقول ذلك، فهو تنزيهٌ لله تعالى من أن تكون حُرمة نبيِّه فاجرةً، وقوله: «وقال أبو أسامة» هو تعليقٌ، وقوله: «وحدَّثني محمَّد بن حربٍ» طريقٌ موصولٌ، والله أعلم.

هذا آخر «كتاب الاعتصام» نجز (١) سادس عشر (٢) ربيع الأوَّل سنة ستَّ عشرة وتسع مئة.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من مسائل أصول الفقه وما يتعلَّق به (١) شرع في مسائل أصول الكلام وما يتعلَّق به، وبه ختم الكتاب، وكان الأولى تقديم أصول الكلام (٢) لأنَّه الأصل والأساس، والكلُّ مبنيٌّ عليه، لكنَّه من باب التَّرقِّي إرادةً لختم (٣) الكتاب بالأشرف، فقال:

(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذرٍّ، وسقطت لغيره (٤).

((٩٧)) (كِتابُ التَّوحيد) هو مصدر «وحَّد يوحِّد» ومعنى وحَّدت الله: اعتقدته منفردًا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه، وقال الجُنيد: التَّوحيد: إفرادُ القِدَم من الحَدَث (٥)، وهو بمعنى الحدوث، والحدوث يقال للحدوث الذَّاتيِّ وهو كون الشَّيء مسبوقًا بغيره، والزَّمانيِّ وهو كونه مسبوقًا بالعدم، والإضافيِّ وهو ما يكون وجودُه أقلَّ من وجود آخر فيما مضى، وهو تعالى منزَّهٌ عنه بالمعاني الثَّلاثة، وهو من الاعتبارات العقليَّة التي لا وجود لها في الخارج، وفي رواية المُستملي كما في الفرع: «كتاب الرَّدِّ على الجَهْميَّة» بفتح الجيم وسكون الهاء وبعد الميم تحتيَّةٌ مشدَّدةٌ، وهم طوائف يُنسَبون إلى جَهْم بن صفوان من أهل الكوفة: «و» الردِّ على: «غيرهم» أي: القدريَّة، وأمَّا الخوارج فسبق ما يتعلَّق بهم في «كتاب الفِتَن» [خ¦٦٩٣٠] وكذا الرَّافضة في «كتاب الأحكام» [خ¦٦٩٢٢] وهؤلاء الفِرَق الأربعة رؤوس المبتدعة، وقال الحافظ ابن حجرٍ -وتبعه العينيُّ- بعد قوله: «كتاب التَّوحيد»: وزاد المُستملي: «الرَّدّ على الجَهْميَّة».

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَسَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَمْرًا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا. وَذَكَرَ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ.

وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: عَنْ هِشَامٍ.

٧٣٧٠ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْغَسَّانِيُّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ فِي قَوْمٍ يَسُبُّونَ أَهْلِي مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوءٍ قَطُّ وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ لَمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِالأَمْرِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي فَأَذِنَ لَهَا وَأَرْسَلَ مَعَهَا الْغُلَامَ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ هَكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى اللَّتَيْنِ بَعْدَهَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ مُؤَخَّرَةٌ عَنْهُمَا، وَأَخَّرَهَا النَّسَفِيُّ أَيْضًا، لَكِنْ سَقَطَتْ عِنْدَهُ تَرْجَمَةُ النَّهْيِ عَلَى التَّحْرِيمِ وَمَا مَعَهَا، فَأَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ بَيْنَهُمْ إِلَّا هَدَاهُمُ اللَّهُ، لِأَفْضَلِ مَا يَحْضُرُهُمْ وَفِي لَفْظِ إِلَّا عَزَمَ اللَّهُ لَهُمْ بِالرُّشْدِ أَوْ بِالَّذِي يَنْفَعُ وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا قَالَ: قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مَا بِهِ إِلَيْهِمْ حَاجَةٌ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ، فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنَ النَّبِيِّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي الشُّرُوطِ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَوْلُهُ : أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَفِيهِ: جَوَابُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَعَمَلُهُ بِمَا أَشَارَا بِهِ، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبَيُّنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ وَجْهُ الدَّلَالَةِ مَا وَرَدَ عَنْ قِرَاءَةِ عِكْرِمَةَ، وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ عَزَمْتَ، أَيْ: إِذَا أَرْشَدْتُكَ إِلَيْهِ فَلَا تَعْدِلْ عَنْهُ، فَكَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ عِنْدَ عَدَمِ الْعَزْمِ وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مُتَعَلَّقِ الْمُشَاوَرَةِ، فَقِيلَ: فِي كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، وَقِيلَ: فِي الْأَمْرِ الدُّنْيَوِيِّ فَقَطْ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: إِنَّمَا كَانَ يُشَاوِرُهُ فِي أَمْرِ الْحَرْبِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ ; لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْحُكْمِ إِنَّمَا تُلْتَمَسُ مِنْهُ، قَالَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ يُشَاوِرُهُ فِي الْأَحْكَامِ فَقَدْ غَفَلَ غَفْلَةً عَظِيمَةً، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْأَحْكَامِ فَرُبَّمَا رَأَى غَيْرُهُ أَوْ سَمِعَ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ أَوْ يَرَهُ كَمَا كَانَ يَسْتَصْحِبُ الدَّلِيلَ فِي الطَّرِيقِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخُصُوصُ؛ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُشَاوِرُهُمْ فِي فَرَائِضِ الْأَحْكَامِ.

قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْإِطْلَاقِ نَظَرٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ الْآيَةَ، قَالَ لِي النَّبِيُّ : مَا تَرَى، دِينَارٌ؟ قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ قَالَ: فَنِصْفُ دِينَارٍ؟ قُلْتُ: لَا يُطِيقُونَهُ. قَالَ: فَكَمْ؟ قُلْتُ: شَعِيرَةٌ. قَالَ: إِنَّكَ لَزَهِيدٌ. فَنَزَلَتْ أَأَشْفَقْتُمْ. الْآيَةَ قَالَ: فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُشَاوَرَةُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ.

وَنَقَلَ السُّهَيْلِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمُشَاوَرَةَ مُخْتَصَّةٌ بِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَلَعَلَّهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ، ثُمَّ وَجَدْتُ لَهُ مُسْتَنَدًا فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ لِأَسَدِ بْنِ مُوسَى وَالْمَعْرِفَةِ لِيَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

بْنِ غَنْمٍ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ - وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ: لَوْ أَنَّكُمَا تَتَّفِقَانِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ مَا عَصَيْتُكُمَا فِي مَشُورَةٍ أَبَدًا وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ فِي نَوْمِهِمْ فِي الْوَادِي: إِنْ تُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ تَرْشُدُوا لَكِنْ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِلتَّخْصِيصِ، وَوَقَعَ فِي الْأَدَبِ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ قَالَ: فِي بَعْضِ الْأَمْرِ، قِيلَ: وَهَذَا تَفْسِيرٌ لَا تِلَاوَةٌ، وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ قِرَاءَةً عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَدَّ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ الْمُشَاوَرَةَ فِي الْخَصَائِصِ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهَا فَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ الِاسْتِحْبَابَ عَنِ النَّصِّ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَهُوَ الْمُرَجَّحُ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) يُرِيدُ أَنَّهُ بَعْدَ الْمَشُورَةِ إِذَا عَزَمَ عَلَى فِعْلِ أَمْرٍ مِمَّا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْمَشُورَةُ، وَشَرَعَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُشِيرَ عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ؛ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي آيَةِ الْحُجُرَاتِ، وَظَهَرَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ آيَةِ الْمَشُورَةِ وَبَيْنَهَا تَخْصِيصُ عُمُومِهَا بِالْمَشُورَةِ، فَيَجُوزُ التَّقَدُّمُ لَكِنْ بِإِذْنٍ مِنْهُ حَيْثُ يَسْتَشِيرُ، وَفِي غَيْرِ صُورَةِ الْمَشُورَةِ لَا يَجُوزُ لَهُمُ التَّقَدُّمُ، فَأَبَاحَ لَهُمُ الْقَوْلَ جَوَابَ الِاسْتِشَارَةِ، وَزَجَرَهُمْ عَنِ الِابْتِدَاءِ بِالْمَشُورَةِ وَغَيْرَهَا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى مَا يَرَاهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَمْرَهُ إِذَا ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَهُ وَلَا يَتَحَيَّلَ فِي مُخَالَفَتِهِ، بَلْ يَجْعَلُهُ الْأَصْلَ الَّذِي يَرُدُّ إِلَيْهِ مَا خَالَفَهُ لَا بِالْعَكْسِ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ الْمُقَلِّدِينَ، وَيَغْفُلُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الْآيَةَ. وَالْمَشُورَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَبِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ لُغَتَانِ، وَالْأُولَى أَرْجَحُ.

قَوْلُهُ: (وَشَاوَرَ النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْمُقَامِ وَالْخُرُوجِ إِلَخْ) هَذَا مِثَالٌ لِمَا تَرْجَمَ بِهِ أَنَّهُ شَاوَرَ فَإِذَا عَزَمَ لَمْ يَرْجِعْ، وَالْقَدْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ لَمْ تَقَعْ مَوْصُولَةً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهَا الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا جَاءَهُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ رَأْيُ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ يُقِيمَ بِالْمَدِينَةِ فَيُقَاتِلَهُمْ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ نَاسٌ - لَمْ يَكُونُوا شَهِدُوا بَدْرًا -: اخْرُجْ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ نُقَاتِلَهُمْ بِأُحُدٍ، وَنَرْجُو أَنْ نُصِيبَ مِنَ الْفَضِيلَةِ مَا أَصَابَ أَهْلُ بَدْرٍ، فَمَا زَالُوا بِرَسُولِ اللَّهِ حَتَّى لَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَلَمَّا لَبِسَهَا نَدِمُوا، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِمْ؛ فَالرَّأْيُ رَأْيُكَ، فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَضَعَ أَدَاتَهُ بَعْدَ أَنْ لَبِسَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهُ، وَكَانَ ذَكَرَ لَهُمْ قَبْلُ أَنْ يَلْبَسَ الْأَدَاةَ: أَنِّي رَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ، وَهَذَا سَنَدٌ حَسَنٌ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ

فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ وَلَفْظُ أَحْمَدَ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُنْحَرُ، فَأَوَّلْتُ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ الْمَدِينَةَ الْحَدِيثَ، وَقَدْ سَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي الْمَغَازِي مُطَوَّلَةً، وَفِيهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ رَأْسَ الْخَزْرَجِ كَانَ رَأْيُهُ الْإِقَامَةَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ غَضِبَ وَقَالَ: أَطَاعَهُمْ وَعَصَانِي، فَرَجَعَ بِمَنْ أَطَاعَهُ وَكَانُوا ثُلُثَ النَّاسِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا لَبِسَ لَأْمَتَهُ) بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ هِيَ الدِّرْعُ، وَقِيلَ: الْأَدَاةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَهِيَ الْآلَةُ مِنْ دِرْعٍ وَبَيْضَةٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ السِّلَاحِ، وَالْجَمْعُ: لَأْمٌ بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ، مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمْرٌ، وَقَدْ تُسَهَّلُ وَتُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى لُؤَمٍ، بِضَمٍّ ثُمَّ فَتْحٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَاسْتَلْأَمَ لِلْقِتَالِ إِذَا لَبِسَ سِلَاحَهُ كَامِلًا.

قَوْلُهُ: (وَشَاوَرَ عَلِيًّا، وَأُسَامَةَ فِيمَا رَمَى بِهِ أَهْلُ الْإِفْكِ عَائِشَةَ فَسَمِعَ مِنْهُمَا حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فَجَلَدَ الرَّامِينَ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْقَابِسِيِّ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: مِنْهُمَا: لِعَلِيٍّ، وَأُسَامَةَ

وَأَمَّا جَلْدُهُ الرَّامِينَ، فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ بِإِسْنَادٍ.

قُلْتُ: أَمَّا أَصْلُ مُشَاوَرَتِهِمَا فَذَكَرَهُ مَوْصُولًا فِي الْبَابِ بِاخْتِصَارٍ، وَتَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ مُطَوَّلًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النُّورِ مَشْرُوحًا، وَقَوْلُهُ: فَسَمِعَ مِنْهُمَا أَيْ فَسَمِعَ كَلَامَهُمَا وَلَمْ يَعْمَلْ بِجَمِيعِهِ حَتَّى نَزَلَ الْوَحْيُ، أَمَّا عَلِيٌّ فَأَوْمَأَ إِلَى الْفِرَاقِ بِقَوْلِهِ: وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ عُذْرِهِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا أُسَامَةُ فَنَفَى أَنْ يَعْلَمَ عَلَيْهَا إِلَّا الْخَيْرَ، فَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا أَوْمَأَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ مِنَ الْمُفَارَقَةِ، وَعَمِلَ بِقَوْلِهِ: وَسَلِ الْجَارِيَةَ فَسَأَلَهَا، وَعَمِلَ بِقَوْلِ أُسَامَةَ فِي عَدَمِ الْمُفَارَقَةِ، وَلَكِنَّهُ أَذِنَ لَهَا فِي التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَجَلَدَ الرَّامِينَ فَلَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا أَحَدِهِمَا، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَتِي قَامَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَدَعَا بِهِمْ وَحَدَّهُمْ وَفِي لَفْظٍ: فَأَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ وَسُمُّوا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: مِسْطَحُ بْنُ أَثَاثَةَ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، قُلْتُ: وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِتَحْدِيثِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي التَّفْسِيرِ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ وَلَكِنْ حَكَمَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْقَابِسِيِّ: كَأَنَّهُ أَرَادَ تَنَازُعَهُمَا فَسَقَطَتِ الْأَلِفُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ أُسَامَةُ، وَعَلِيٌّ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ: تَنَازُعُهُمَا، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ، أَوْ أَرَادَ بِالْجَمْعِ هُمَا وَمَنْ مَعَهُمَا أَوْ مَنْ وَافَقَهُمَا عَلَى ذَلِكَ، انْتَهَى.

وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَبَرِيرَةَ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ إِلَى ضَمِّ بَرِيرَةَ إِلَى عَلِيٍّ، وَأُسَامَةَ، لَكِنِ اسْتَشْكَلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً؛ لِتَصْرِيحِهِ بِأَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهَا، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّنَازُعِ اخْتِلَافُ قَوْلِ الْمَذْكُورِينَ عِنْدَ مُسَاءَلَتِهِمْ وَاسْتِشَارَتِهِمْ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي قِصَّتَيْ أُحُدٍ وَالْإِفْكِ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَتِ الْأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ يَسْتَشِيرُونَ الْأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ؛ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا) أَيْ: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ بِحُكْمٍ مُعَيَّنٍ وَكَانَتْ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، فَمُرَادُهُ مَا احْتَمَلَ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ احْتِمَالًا وَاحِدًا، وَأَمَّا مَا عُرِفَ وَجْهُ الْحُكْمِ فِيهِ فَلَا، وَأَمَّا تَقْيِيدُهُ بِالْأُمَنَاءِ فَهِيَ صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ ; لِأَنَّ غَيْرَ الْمُؤْتَمَنِ لَا يُسْتَشَارُ وَلَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِأَسْهَلِهَا فَلِعُمُومِ الْأَمْرِ بِالْأَخْذِ بِالتَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيلِ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّشْدِيدِ الَّذِي يُدْخِلُ الْمَشَقَّةَ عَلَى الْمُسْلِمِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا يُؤْمَرُ الْحَاكِمُ بِالْمَشُورَةِ؛ لِكَوْنِ الْمُشِيرِ يُنَبِّهُهُ عَلَى مَا يَغْفُلُ عَنْهُ، وَيَدُلُّهُ عَلَى مَا لَا يَسْتَحْضِرُهُ مِنَ الدَّلِيلِ، لَا لِيُقَلِّدَ الْمُشِيرَ فِيمَا يَقُولُهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَقَدْ وَرَدَ مِنَ اسْتِشَارَةِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا مُشَاوَرَةُ أَبِي بَكْرٍ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُصَنِّفُ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ نَظَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِي بِهِ قَضَى بَيْنَهُمْ، وَإِنْ عَلِمَهُ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَضَى بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ خَرَجَ فَسَأَلَ الْمُسْلِمِينَ عَنِ السُّنَّةِ، فَإِنْ أَعْيَاهُ ذَلِكَ دَعَا رُءُوسَ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَاءَهُمْ وَاسْتَشَارَهُمْ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ

كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ الْقُرَّاءَ كَانُوا أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، وَمُشَاوَرَةُ عُمَرَ الصَّحَابَةَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ تَقَدَّمَتْ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، وَمُشَاوَرَةُ عُمَرَ الصَّحَابَةَ فِي إِمْلَاصِ الْمَرْأَةِ تَقَدَّمَتْ فِي الدِّيَاتِ، وَمُشَاوَرَةُ عُمَرَ فِي قِتَالِ الْفُرْسِ تَقَدَّمَتْ فِي الْجِهَادِ، وَمُشَاوَرَةُ عُمَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ ثُمَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَرَادُوا دُخُولَ الشَّامِ وَبَلَغَهُ أَنَّ الطَّاعُونَ وَقَعَ بِهَا، وَقَدْ مَضَى مُطَوَّلًا مَعَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الطِّبِّ وَرُوِّينَا فِي الْقَطْعِيَّاتِ

مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: سَلْ عَنْهَا عَلِيًّا، قَالَ: وَلَقَدْ شَهِدْتُ عُمَرَ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَقَالَ: هَاهُنَا عَلِيٌّ؟ وَفِي كِتَابِ النَّوَادِرِ لِلْحُمَيْدِيِّ، وَالطَّبَقَاتِ لِمُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو الْحَسَنِ - يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - وَمُشَاوَرَةُ عُثْمَانَ الصَّحَابَةَ أَوَّلَ مَا اسْتُخْلِفَ فِيمَا يَفْعَلُ بِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَمَّا قَتَلَ الْهُرْمُزَانَ وَغَيْرَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ لَهُمْ فِي قَتْلِ أَبِيهِ مَدْخَلًا، وَهِيَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَمُشَاوَرَتُهُ الصَّحَابَةَ فِي جَمْعِ النَّاسِ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ مِنْهَا قَوْلُهُ: مَا فَعَلَ عُثْمَانُ الَّذِي فَعَلَ فِي الْمَصَاحِفِ إِلَّا عَنْ مَلَإٍ مِنَّا وَسَنَدُهُ حَسَنٌ.

قَوْلُهُ: (وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ إِلَخْ) يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ الِاقْتِدَاءِ بِالسَّلَفِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) تَقَدَّمَ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ وَعَمِّهِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ الِاقْتِدَاءِ بِالسَّلَفِ أَيْضًا بِلَفْظِ: وَمُشَاوَرَتُهُ وَوَقَعَ بِلَفْظِ: وَمَشُورَتُهُ مَوْصُولًا فِي التَّفْسِيرِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ هُنَا: وَكَانَ وَقَّافًا بِقَافٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ كَثِيرُ الْوُقُوفِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ تَقَعْ فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ فِي بَابِ الِاقْتِدَاءِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِي التَّفْسِيرِ، ثُمَّ ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِطُولِهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَاقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى مَوْضِعِ حَاجَتِهِ وَهِيَ مُشَاوَرَةُ عَلِيٍّ، وَأُسَامَةَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَذَكَرَ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اخْتَصَرَهُ، وَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَقَدْ أَوْرَدَ طَرِيقَ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ الَّتِي عَلَّقَهَا هُنَا مُطَوَّلَةً فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ وَقَدْ ذَكَرْتُ هُنَاكَ مَنْ وَصَلَهَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَشَيْخُهُ هُنَا فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ النَّشَائِيُّ بِنُونٍ وَمُعْجَمَةٍ خَفِيفَةٍ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا هُوَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الشَّامِيُّ نَزِيلُ وَاسِطٍ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ شَيْخِ الشَّيْخَيْنِ، وَالْغَسَّانِيُّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَتُهُ مَشْهُورَةٌ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ شَنِيعٌ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: إِنَّ النَّبِيَّ خَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ تَقَدَّمَ

فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَقِبَ سَمَاعِهِ كَلَامَ بَرِيرَةَ، وَفِيهِ: قَامَ فِيَّ خَطِيبًا - أَيْ مِنْ أَجْلِي - فَتَشَهَّدَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ.

وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: لَمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ بِالْأَمْرِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي؟ فَأَذِنَ لَهَا وَأَرْسَلَ مَعَهَا الْغُلَامَ، وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا، ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾

قَوْلُهُ: (مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ) هَكَذَا هُنَا بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَتَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ: أَشِيرُوا عَلَيَّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُ بِمَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ بِأَنَّهُمْ وَاقِفُونَ عِنْدَ أَمْرِهِ مُوَافِقُونَ لَهُ فِيمَا يَقُولُ وَيَفْعَلُ، وَوَقَعَ النِّزَاعُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ السَّعْدَيْنِ، فَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِبَرَاءَتِهَا أَقَامَ حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى مَنْ وَقَعَ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: يَسُبُّونَ أَهْلِي كَذَا هُنَا بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ الثَّقِيلَةِ مِنَ السَّبِّ، وَتَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ بِلَفْظِ: أَبْنُوا بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ نُونٍ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ هُنَاكَ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالسَّبِّ.

قَوْلُهُ: (مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوءٍ قَطُّ) يَعْنِي أَهْلَهُ وَجَمَعَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْأَهْلِ، وَالْقِصَّةُ إِنَّمَا كَانَتْ لِعَائِشَةَ وَحْدَهَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ يَلْزَمُ مِنْ سَبِّهَا سَبُّ أَبَوَيْهَا وَمَنْ هُوَ بِسَبِيلٍ مِنْهَا - وَكُلُّهُمْ كَانُوا بِسَبَبِ عَائِشَةَ مَعْدُودِينَ فِي أَهْلِهِ صَحَّ الْجَمْعُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ الطَّوِيلِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَعْنِي عَائِشَةَ وَأُمَّهَا وَأَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ.

قَوْلُهُ: (وَعَنْ عُرْوَةَ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: أُخْبِرَتْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَةُ مَنْ أَخْبَرَهَا بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي؟) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ: أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ أَبِي.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَخْ) وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ وَأَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ فِي طُرُقِ حَدِيثِ الْإِفْكِ، مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَتَقَدَّمَ فِي شَرْحِهِ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا لَكِنْ لَيْسَ هُوَ أَنْصَارِيًّا، وَفِي رِوَايَتِنَا فِي فَوَائِدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ أَخِي مِيمِي مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ إِذَا سَمِعَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَالَا: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَزَيْدٌ أَيْضًا لَيْسَ أَنْصَارِيًّا، وَفِي تَفْسِيرِ سُنَيْدِ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ لَمَّا سَمِعَ مَا قِيلَ فِي أَمْرِ عَائِشَةَ قَالَ: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، وَفِي الْإِكْلِيلِ لِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَالَ ذَلِكَ، وَحُكِيَ عَنِ الْمُبْهَمَاتِ لِابْنِ بَشْكُوَالَ - وَلَمْ أَرَهُ أَنَا فِيهَا - أَنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ قَالَ ذَلِكَ فَإِنْ ثَبَتَ فَقَدِ اجْتَمَعَ مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ سِتَّةٌ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَمُهَاجِرِيَّانِ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَالْخَطْبُ فِيهَا سَهْلٌ.

(خَاتِمَةٌ):

اشْتَمَلَ كِتَابُ الِاعْتِصَامِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ وَمَا فِي حُكْمِهَا عَلَى مِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْمُتَابَعَةِ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا وَسَائِرُهَا مَوْصُولٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى مِائَةُ حَدِيثٍ وَعَشَرَةُ أَحَادِيثَ وَالْبَاقِي خَالِصٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، وَحَدِيثِ عُمَرَ: نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَأْخَذِ الْقُرُونِ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الرِّفْقِ، وَحَدِيثِهَا: لَا أُزَكَّى بِهِ، وَحَدِيثِ عُثْمَانَ فِي الْخُطْبَةِ، وَحَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ الْمُرْسَلِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَحَدِيثِ الْمُشَاوَرَةُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى أُحُدٍ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ سِتَّةَ عَشَرَ أَثَرًا. وَاللَّهُ الْهَادِي إِلَى الصَّوَابِ.

٩٧ - كِتَاب التَّوْحِيدِ

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ التَّوْحِيدِ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْأَكْثَرُ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَزَادَ الْمُسْتَمْلِي: الرَّدَّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَوَقَعَ لِابْنِ بَطَّالٍ، وَابْنِ التِّينِ: كِتَابُ رَدِّ الْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: التَّوْحِيدَ وَضَبَطُوا التَّوْحِيدَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَظَاهِرُهُ مُعْتَرَضٌ؛ لِأَنَّ الْجَهْمِيَّةَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ لَمْ يَرُدُّوا التَّوْحِيدَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ، وَحُجَجُ الْبَابِ ظَاهِرَةٌ فِي ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَغَيْرِهِمْ: الْقَدَرِيَّةُ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ، وَكَذَا الرَّافِضَةُ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَهَؤُلَاءِ الْفِرَقُ الْأَرْبَعُ هُمْ رُءُوسُ الْبِدْعَةِ، وَقَدْ سَمَّى الْمُعْتَزِلَةُ أَنْفُسَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ وَعَنَوْا بِالتَّوْحِيدِ مَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ نَفْيِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ إِثْبَاتَهَا يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ وَمَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ أَشْرَكَ، وَهُمْ فِي النَّفْيِ مُوَافِقُونَ لِلْجَهْمِيَّةِ، وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَفَسَّرُوا التَّوْحِيدَ بِنَفْيِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْجُنَيْدُ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ: التَّوْحِيدُ إِفْرَادُ الْقَدِيمِ مِنَ الْمُحْدَثِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ التَّمِيمِيُّ

فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ: التَّوْحِيدُ مَصْدَرُ وَحَّدَ يُوَحِّدُ، وَمَعْنَى وَحَّدْتُ اللَّهَ: اعْتَقَدْتُهُ مُنْفَرِدًا بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ،

وَقِيلَ مَعْنَى وَحَّدْتُهُ: عَلِمْتُهُ وَاحِدًا، وَقِيلَ: سَلَبْتُ عَنْهُ الْكَيْفِيَّةَ وَالْكَمِّيَّةَ فَهُوَ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا انْقِسَامَ لَهُ، وَفِي صِفَاتِهِ لَا شَبِيهَ لَهُ، فِي إِلَهِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ وَتَدْبِيرِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، وَلَا خَالِقَ غَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: تَضَمَّنَتْ تَرْجَمَةُ الْبَابِ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأَنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَشْيَاءَ مُؤَلَّفَةٍ، وَذَلِكَ يَرُدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ جِسْمٌ، كَذَا وَجَدْتُ فِيهِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ الْمُشَبِّهَةَ، وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الْمَقَالَاتِ أَنَّهُمْ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ حَتَّى نُسِبُوا إِلَى التَّعْطِيلِ، وَثَبَتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: بَالَغَ جَهْمٌ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ حَتَّى قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْجَهْمِيَّةُ فِرْقَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ يَنْتَسِبُونَ إِلَى جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ مُقَدَّمِ الطَّائِفَةِ الْقَائِلَةِ: أَنْ لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا، وَهُمُ الْجَبْرِيَّةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَمَاتَ مَقْتُولًا فِي زَمَنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ انْتَهَى.

وَلَيْسَ الَّذِي أَنْكَرُوهُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ مَذْهَبُ الْجَبْرِ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا الَّذِي أَطْبَقَ السَّلَفَ عَلَى ذَمِّهِمْ بِسَبَبِهِ إِنْكَارُ الصِّفَاتِ. حَتَّى قَالُوا: إِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورِ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ التَّمِيمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ أَنَّ رُءُوسَ الْمُبْتَدِعَةِ أَرْبَعَةٌ إِلَى أَنْ قَالَ: وَالْجَهْمِيَّةُ أَتْبَاعُ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ الَّذِي قَالَ: بِالْإِجْبَارِ وَالِاضْطِرَارِ إِلَى الْأَعْمَالِ، وَقَالَ: لَا فِعْلَ لِأَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يُنْسَبُ الْفِعْلُ إِلَى الْعَبْدِ مَجَازًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا أَوْ مُسْتَطِيعًا لِشَيْءٍ، وَزَعَمَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ حَادِثٌ، وَامْتَنَعَ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ شَيْءٌ أَوْ حَيٌّ أَوْ عَالِمٌ أَوْ مُرِيدٌ، حَتَّى قَالَ: لَا أَصِفُهُ بِوَصْفٍ يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِهِ، قَالَ: وَأَصِفُهُ بِأَنَّهُ خَالِقٌ وَمُحْيٍ وَمُمِيتٌ وَمُوَحَّدٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ خَاصَّةٌ بِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ حَادِثٌ، وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ مُتَكَلِّمًا بِهِ، قَالَ: وَكَانَ جَهْمٌ يَحْمِلُ السِّلَاحَ وَيُقَاتِلُ، وَخَرَجَ مَعَ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ وَجِيمٍ مُصَغَّرٌ، لَمَّا قَامَ عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَامِلِ بَنِي أُمَيَّةَ بِخُرَاسَانَ، فَآلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ قَتَلَهُ سَلْمُ بْنُ أَحَوْزَ وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَأَبُوهُ بِمُهْمَلَةٍ وَآخِرُهُ زَايٌ وَزْنُ أَعْوَرَ، وَكَانَ صَاحِبَ شُرْطَةِ نَصْرٍ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ: بَلَغَنِي أَنَّ جَهْمًا كَانَ يَأْخُذُ عَنِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ وَهُوَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ خَطَبَ فَقَالَ: إِنِّي

مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا. قُلْتُ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَأَنَّ الْكِرْمَانِيَّ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنَ الْجَعْدِ إِلَى الْجَهْمِ؛ فَإِنَّ قَتْلَ جَهْمٍ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، وَنَقَلَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ:

وَلَا أَقُول بِقَوْلِ الْجَهْمِ أَنَّ لَهُ قَوْلًا … يُضَارِعُ قَوْلَ الشِّرْكِ أَحْيَانًا

وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ إِنَّا لَنَحْكِي كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَنَسْتَعْظِمُ أَنْ نَحْكِيَ قَوْلَ جَهْمٍ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: تَرَكَ جَهْمٌ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ خَلَفِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَلْخِيِّ قَالَ: كَانَ جَهْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَكَانَ فَصِيحًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفَاذٌ فِي الْعِلْمِ، فَلَقِيَهُ قَوْمٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ، فَقَالُوا لَهُ: صِفْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ، فَدَخَلَ الْبَيْتَ لَا يَخْرُجُ مُدَّةً، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: هُوَ هَذَا الْهَوَاءُ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي التَّوْحِيدِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قُدَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْبَلْخِيَّ يَقُولُ: كَانَ جَهْمٌ عَلَى مَعْبَرِ تِرْمِذَ، وَكَانَ كُوفِيَّ الْأَصْلِ فَصِيحًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ وَلَا مُجَالَسَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقِيلَ لَهُ: صِفْ لَنَا رَبَّكَ، فَدَخَلَ الْبَيْتَ لَا يَخْرُجُ كَذَا، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ أَيَّامٍ فَقَالَ: هُوَ هَذَا الْهَوَاءُ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْءٌ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كَلَامُ جَهْمٍ صِفَةٌ بِلَا مَعْنًى، وَبِنَاءٌ بِلَا أَسَاسٍ، وَلَمْ يُعَدَّ قَطُّ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَالَ: تَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ، وَأَوْرَدَ

آثَارًا كَثِيرَةً عَنِ السَّلَفِ فِي تَكْفِيرِ جَهْمٍ.

وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ فِي حَوَادِثِ سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ سُرَيْجٍ خَرَجَ عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَامِلِ خُرَاسَانَ لِبَنِي أُمَيَّةَ وَحَارَبَهُ، وَالْحَارِثُ حِينَئِذٍ يَدْعُو إِلَى الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكَانَ جَهْمٌ حِينَئِذٍ كَاتِبَهُ ثُمَّ تَرَاسَلَا فِي الصُّلْحِ وَتَرَاضَيَا بِحُكْمِ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَالْجَهْمِ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَكُونُ شُورَى حَتَّى يَتَرَاضَى أَهْلُ خُرَاسَانَ عَلَى أَمِيرٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ، فَلَمْ يَقْبَلْ نَصْرٌ ذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى مُحَارَبَةِ الْحَارِثِ إِلَى أَنْ قَتَلَ الْحَارِثَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ فِي خِلَافَةِ مَرْوَانَ الْحِمَارِ، فَيُقَالُ: إِنَّ الْجَهْمَ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَيُقَالُ: بَلْ أُسِرَ، فَأَمَرَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، سَلْمَ بْنَ أَحَوْزَ بِقَتْلِهِ فَادَّعَى جَهْمٌ الْأَمَانَ، فَقَالَ لَهُ سَلْمٌ: لَوْ كُنْتَ فِي بَطْنِي لَشَقَقْتُهُ حَتَّى أَقْتُلَكَ فَقَتَلَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ: قَالَ سَلْمٌ حِينَ أَخَذَهُ: يَا جَهْمُ إِنِّي لَسْتُ أَقْتُلُكَ؛ لِأَنَّكَ قَاتَلْتَنِي، أَنْتَ عِنْدِي أَحْقَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ وَلَكِنِّي سَمِعْتُكَ تَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا أَمْلِكَكَ إِلَّا قَتَلْتُكَ فَقَتَلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ خَلَّادٍ الطُّفَاوِيِّ بَلَغَ سَلْمَ بْنَ أَحَوْزَ وَكَانَ عَلَى شُرْطَةِ خُرَاسَانَ أَنَّ جَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ يُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا فَقَتَلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ قَالَ رَأَيْتُ سَلْمَ بْنَ أَحَوْزَ حِينَ ضَرَبَ عُنُقَ جَهْمٍ فَاسْوَدَّ وَجْهُ جَهْمٍ، وَأَسْنَدَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ لَهُ أَنَّ قَتْلَ جَهْمٍ كَانَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ

وَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ رَحْمَةَ صَاحِبِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ أَنَّ قِصَّةَ جَهْمٍ كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَهَذَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى جَبْرِ الْكَسْرِ، أَوْ عَلَى أَنَّ قَتْلَ جَهْمٍ تَرَاخَى عَنْ قَتْلِ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَأَمَّا قَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ: إِنَّ قَتْلَ جَهْمٍ كَانَ فِي خِلَافَةِ هِشَامٍ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَوَهْمٌ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ الَّذِي كَانَ جَهْمٌ كَاتِبَهُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ مُسْتَنَدُ الْكِرْمَانِيِّ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: قَرَأْتُ فِي دَوَاوِينِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَامِلِ خُرَاسَانَ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ نَجَمَ قِبَلَكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جَهْمٌ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ، فَإِنْ ظَفِرْتَ بِهِ فَاقْتُلْهُ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَتْلُهُ وَقَعَ فِي زَمَنِ هِشَامٍ، وَإِنْ كَانَ ظُهُورُ مَقَالَتِهِ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى كَاتَبَ فِيهِ هِشَامٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ: فِرَقُ الْمُقِرِّينَ بِمِلَّةِ الْإِسْلَامِ خَمْسٌ: أَهْلُ السُّنَّةِ، ثُمَّ الْمُعْتَزِلَةُ؛ وَمِنْهُمُ الْقَدَرِيَّةُ، ثُمَّ الْمُرْجِئَةُ؛ وَمِنْهُمُ الْجَهْمِيَّةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ ثُمَّ الرَّافِضَةُ؛ وَمِنْهُمُ الشِّيعَةُ، ثُمَّ الْخَوَارِجُ؛ وَمِنْهُمُ الْأَزَارِقَةُ وَالْإِبَاضِيَّةُ، ثُمَّ افْتَرَقُوا فِرَقًا كَثِيرَةً، فَأَكْثَرُ افْتِرَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْفُرُوعِ، وَأَمَّا فِي الِاعْتِقَادِ فَفِي نُبَذٍ يَسِيرَةٍ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَفِي مَقَالَاتِهِمْ مَا يُخَالِفُ أَهْلَ السُّنَّةِ الْخِلَافَ الْبَعِيدَ وَالْقَرِيبَ، فَأَقْرَبُ فِرَقٍ الْمُرْجِئَةُ مَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ فَقَطْ، وَلَيْسَتِ الْعِبَادَةُ مِنَ الْإِيمَانِ. وَأَبْعَدُهُمُ الْجَهْمِيَّةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ عَقْدٌ بِالْقَلْبِ فَقَطْ، وَإِنْ أَظْهَرَ الْكُفْرَ وَالتَّثْلِيثَ بِلِسَانِهِ، وَعَبَدَ الْوَثَنَ مِنْ غَيْرِ تَقِيَّةٍ، وَالْكَرَّامِيَّةُ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ فَقَطْ وَإِنِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِقَلْبِهِ، وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَى بَقِيَّةِ الْفِرَقِ ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ فَعُمْدَتُهُمُ الْكَلَامُ فِي الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْعِبَادَةَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَإِنَّهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَلَا يُكَفِّرُ مُؤْمِنًا بِذَنْبٍ، وَلَا يَقُولُ إِنَّهُ يَخْلُدُ فِي النَّارِ فَلَيْسَ مُرْجِئًا، وَلَوْ وَافَقَهُمْ فِي بَقِيَّةِ مَقَالَاتِهِمْ.

وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَعُمْدَتُهُمُ الْكَلَامُ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْقَدَرِ، فَمَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَأَثْبَتَ الْقَدَرَ، وَرُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقِيَامَةِ، وَأَثْبَتَ صِفَاتِهِ الْوَارِدَةَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَّ صَاحِبَ الْكَبَائِرِ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ الْإِيمَانِ فَلَيْسَ بِمُعْتَزِلِيٍّ، وَإِنْ وَافَقَهُمْ فِي سَائِرِ مَقَالَاتِهِمْ.

وَسَاقَ بَقِيَّةَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا الْكَلَامُ فِيمَا يُوصَفُ اللَّهُ بِهِ فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفِرَقِ الْخَمْسَةِ، مِنْ مُثْبِتٍ لَهَا وَنَافٍ، فَرَأْسُ النُّفَاةِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ؛ فَقَدْ بَالَغُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى كَادُوا يُعَطِّلُونَ، وَرَأْسُ الْمُثْبِتَةِ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الرَّافِضَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ؛ فَإِنَّهُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة: (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ عروة [خ¦٤٧٥٧].

٧٣٧٠ - قال المؤلِّف: (حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بالواو (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) النَّشائيُّ، بالنون والشِّين المُعجَمة الخفيفة قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الغَسَّانِيُّ) بغينٍ معجمةٍ مفتوحةٍ وسينٍ مهملةٍ مشدَّدةٍ وبعد الألف نونٌ، وفي أصل أبي ذرٍّ كما ذكره في حاشية الفرع كأصله «العشانيُّ» بالعين المهملة والشِّين المعجمة، وصحَّح عليه وكتب: نسخة: «الغسَّانيُّ» بالغين المعجمة والسِّين المهملة، قال الحافظ ابن حجرٍ: والذي بالعين المهملة ثمَّ المعجمة تصحيفٌ شنيعٌ (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة (عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ) تعالى (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) بما هو أهلُه (وَقَالَ: مَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ) بتشديد الياء (فِي قَوْمٍ يَسُبُّونَ أَهْلِي مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُوءٍ قَطُّ؟ وَعَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بالسَّند السَّابق أنَّه (قَالَ: لَمَّا أُخْبِرَتْ عَائِشَةُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول وسكون الفوقيَّة (بِالأَمْرِ) الذي قاله أهل الإفك (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى أَهْلِي؟ فَأَذِنَ لَهَا، وَأَرْسَلَ مَعَهَا الغُلَامَ، وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو أبو أيُّوب خالدٌ الأنصاريُّ -كما عند ابن إسحاق، وأخرجه الحاكم من طريقه-: (سُبْحَانَكَ ﴿مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]) وسبَّح تعجُّبًا ممَّن يقول ذلك، فهو تنزيهٌ لله تعالى من أن تكون حُرمة نبيِّه فاجرةً، وقوله: «وقال أبو أسامة» هو تعليقٌ، وقوله: «وحدَّثني محمَّد بن حربٍ» طريقٌ موصولٌ، والله أعلم.

هذا آخر «كتاب الاعتصام» نجز (١) سادس عشر (٢) ربيع الأوَّل سنة ستَّ عشرة وتسع مئة.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من مسائل أصول الفقه وما يتعلَّق به (١) شرع في مسائل أصول الكلام وما يتعلَّق به، وبه ختم الكتاب، وكان الأولى تقديم أصول الكلام (٢) لأنَّه الأصل والأساس، والكلُّ مبنيٌّ عليه، لكنَّه من باب التَّرقِّي إرادةً لختم (٣) الكتاب بالأشرف، فقال:

(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذرٍّ، وسقطت لغيره (٤).

((٩٧)) (كِتابُ التَّوحيد) هو مصدر «وحَّد يوحِّد» ومعنى وحَّدت الله: اعتقدته منفردًا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه، وقال الجُنيد: التَّوحيد: إفرادُ القِدَم من الحَدَث (٥)، وهو بمعنى الحدوث، والحدوث يقال للحدوث الذَّاتيِّ وهو كون الشَّيء مسبوقًا بغيره، والزَّمانيِّ وهو كونه مسبوقًا بالعدم، والإضافيِّ وهو ما يكون وجودُه أقلَّ من وجود آخر فيما مضى، وهو تعالى منزَّهٌ عنه بالمعاني الثَّلاثة، وهو من الاعتبارات العقليَّة التي لا وجود لها في الخارج، وفي رواية المُستملي كما في الفرع: «كتاب الرَّدِّ على الجَهْميَّة» بفتح الجيم وسكون الهاء وبعد الميم تحتيَّةٌ مشدَّدةٌ، وهم طوائف يُنسَبون إلى جَهْم بن صفوان من أهل الكوفة: «و» الردِّ على: «غيرهم» أي: القدريَّة، وأمَّا الخوارج فسبق ما يتعلَّق بهم في «كتاب الفِتَن» [خ¦٦٩٣٠] وكذا الرَّافضة في «كتاب الأحكام» [خ¦٦٩٢٢] وهؤلاء الفِرَق الأربعة رؤوس المبتدعة، وقال الحافظ ابن حجرٍ -وتبعه العينيُّ- بعد قوله: «كتاب التَّوحيد»: وزاد المُستملي: «الرَّدّ على الجَهْميَّة».

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.9 / 29.5
الإضاءة 17%
البدر بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل