«بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشَرَةً، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٤٠٢

الحديث رقم ٧٤٠٢ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٤٠٢ في صحيح البخاري

«بَعَثَ رَسُولُ اللهِ عَشَرَةً، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ، فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عِيَاضٍ: أَنَّ ابْنَةَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ:

وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلهِ مَصْرَعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحَارِثِ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا.»

قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٧٤٠٢

٧٤٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ، حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٤٠٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَكِنَّ التَّشْدِيدَ فِي مِثْلِ هَذَا قَلِيلٌ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْأُضْحِيَّةِ بِكَبْشَيْنِ، وَفِيهِ: فَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْأَضَاحِيِّ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: حَدِيثُ جُنْدُبٍ فِي مَنْعِ الذَّبْحِ فِي الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ: فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الضَّحَايَا أَيْضًا.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ. تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ: دَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ. يَعْنِي الْوَارِدَةَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ، وَالسُّؤَالُ بِهَا مِثْلُ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ: بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، وَكِلَاهُمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عُبَادَةَ، وَمَيْمُونَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ، عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ إِذْ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَمْ يَسْتَعِذْ بِهَا إِذْ لَا يُسْتَعَاذُ بِمَخْلُوقٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ : وَإِذَا اسْتَعَذْتَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ، قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، قُلْتُمْ بِقَوْلِ النَّصَارَى حَيْثُ جَعَلُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، فَأَجَابُوا بِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّهُ وَاحِدٌ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَلَا نَصِفَ إِلَّا وَاحِدًا بِصِفَاتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وَصَفَهُ بِالْوَحْدَةِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ لِسَانٌ وَعَيْنَانِ وَأُذُنَانِ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ عَنْ كَوْنِهِ وَاحِدًا، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى.

١٤ - بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ وَأَسَامِي اللَّهِ ﷿

وَقَالَ خُبَيْبٌ:

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ، فَذَكَرَ الذَّاتَ بِاسْمِهِ تَعَالَى

٧٤٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عَشَرَةً، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ، أَنَّ ابْنَةَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ:

وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَا … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحَارِثِ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا.

قَوْلُهُ: بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ، وَأَسَامِي اللَّهِ ﷿، أَيْ: مَا يُذْكَرُ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَنُعُوتِهِ مِنْ تَجْوِيزِ إِطْلَاقِ ذَلِكَ كَأَسْمَائِهِ، أَوْ مَنْعِهِ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّصِّ بِهِ، فَأَمَّا الذَّاتُ فَقَالَ الرَّاغِبُ: هِيَ تَأْنِيثُ ذُو، وَهِيَ كَلِمَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْوَصْفِ بِأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وَالْأَنْوَاعِ وَتُضَافُ إِلَى الظَّاهِرِ دُونَ الْمُضْمَرِ، وَتُثَنَّى وَتُجْمَعُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا مُضَافًا، وَقَدِ اسْتَعَارُوا لَفْظَ الذَّاتِ لِعَيْنِ الشَّيْءِ وَاسْتَعْمَلُوهَا مُفْرَدَةً وَمُضَافَةً وَأَدْخَلُوا عَلَيْهَا الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَأَجْرَوْهَا مَجْرَى النَّفْسِ وَالْخَاصَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، انْتَهَى. وَقَالَ عِيَاضٌ: ذَاتُ الشَّيْءِ نَفْسُهُ وَحَقِيقَتُهُ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَ أَهْلُ الْكَلَامِ الذَّاتَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَغَلَّطَهُمْ أَكْثَرُ النُّحَاةِ وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهَا تَرِدُ بِمَعْنَى النَّفْسِ

وَحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وَجَاءَ فِي الشِّعْرِ لَكِنَّهُ شَاذٌّ، وَاسْتِعْمَالُ الْبُخَارِيِّ لَهَا دَالٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا نَفْسُ الشَّيْءِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَفَرَّقَ بَيْنَ النُّعُوتِ وَالذَّاتِ، وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانَ: إِطْلَاقُ الْمُتَكَلِّمِينَ الذَّاتَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جَهْلِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَاتَ تَأْنِيثُ ذُو، وَهُوَ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ - لَا يَصِحُّ لَهُ إِلْحَاقُ تَاءِ التَّأْنِيثِ؛ وَلِهَذَا امْتَنَعَ أَنْ يُقَالَ عَلَّامَةٌ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ الْعَالَمِينَ.

قَالَ: وَقَوْلُهُمُ الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةِ جَهْلٌ مِنْهُمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ إِلَى ذَاتَ: ذَوِي، وَقَالَ التَّاجُ الْكِنْدِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْخَطِيبِ بْنِ نَبَاتَةَ فِي قَوْلِهِ كُنْهُ ذَاتَهُ ذَاتٌ، بِمَعْنَى صَاحِبَةُ تَأْنِيثِ ذُو وَلَيْسَ لَهَا فِي اللُّغَةِ مَدْلُولٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِطْلَاقُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرُهُمُ الذَّاتَ بِمَعْنَى النَّفْسِ خَطَأٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ اسْتِعْمَالُهَا بِمَعْنَى صَاحِبَةٍ، أَمَّا إِذَا قُطِعَتْ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى وَاسْتُعْمِلَتْ بِمَعْنَى الِاسْمِيَّةِ فَلَا مَحْذُورَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أَيْ: بِنَفْسِ الصُّدُورِ، وَقَدْ حَكَى الْمُطَرِّزِيُّ كُلُّ ذَاتٍ شَيْءٌ، وَلَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ ذَاتًا، وَأَنْشَدَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ:

فَنِعْمَ ابْنُ عَمِّ الْقَوْمِ فِي ذَاتِ مَالِهِ … إِذَا كَانَ بَعْضُ الْقَوْمِ فِي مَالِهِ وَفْرُ

وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ذَاتُ هُنَا مُقْحَمَةٌ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِيهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ فِي بَابِ الْعِظَةِ بِاللَّيْلِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ - أَيِ: الْفُقَهَاءُ - فِي بَابِ الْأَيْمَانِ فَإِنْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَقَوْلُ الْمُهَذَّبِ اللَّوْنُ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ أَعْرَاضٌ تَحِلُّ الذَّاتَ فَمُرَادُهَا بِالذَّاتِ الْحَقِيقَةُ وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ، وَقَالَ: لَا يُعْرَفُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ذَاتٌ بِمَعْنَى حَقِيقَةٍ، قَالَ: وَهَذَا الْإِنْكَارُ مُنْكَرٌ، فَقَدْ قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ قَالَ ثَعْلَبٌ: أَيِ الْحَالَةُ الَّتِي بَيْنَكُمْ، فَالتَّأْنِيثُ عِنْدَهُ لِلحَالَةٍ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى ذَاتَ: حَقِيقَةَ، وَالْمُرَادُ بِالْبَيْنِ الْوَصْلُ، فَالتَّقْدِيرُ: فَأَصْلِحُوا حَقِيقَةَ وَصْلِكُمْ، قَالَ: فَذَاتُ عِنْدَهُ بِمَعْنَى النَّفْسِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ذَاتُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْمُنَازَعَةِ فَأُمِرُوا بِالْمُوَافَقَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ النَّفَقَاتِ شَيْءٌ آخَرُ فِي مَعْنَى ذَاتِ يَدِهِ، وَأَمَّا النُّعُوتُ فَإِنَّهَا جَمْعُ نَعْتٍ وَهُوَ الْوَصْفُ، يُقَالُ: نَعَتَ فُلَانٌ نَعْتًا مِثْلُ وَصَفَهُ وَصْفًا، وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي إِطْلَاقِ الصِّفَةِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَأَمَّا الْأَسَامِي فَهِيَ جَمْعُ اسْمٍ وَتُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى أَسْمَاءٍ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبَ: أَحَدُهَا يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِهِ وَهُوَ اللَّهُ، وَالثَّانِي يَرْجِعُ إِلَى صِفَةٍ قَائِمَةٍ بِهِ كَالْحَيِّ، وَالثَّالِثُ يَرْجِعُ إِلَى فِعْلِهِ كَالْخَالِقِ، وَطَرِيقُ إِثْبَاتِهَا السَّمْعُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ صِفَاتِ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الْفِعْلِ أَنَّ صِفَاتَ الذَّاتِ قَائِمَةٌ بِهِ، وَصِفَاتَ الْفِعْلِ ثَابِتَةٌ لَهُ بِالْقُدْرَةِ وَوُجُودُ الْمَفْعُولِ بِإِرَادَتِهِ جَلَّ وَعَلَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ خُبَيْبٌ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ هُوَ ابْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ) يُشِيرُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الْمُسَاقِ فِي الْبَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ هَلْ يُسْتَأْسَرُ الرَّجُلُ.

قَوْلُهُ: (فَذَكَرَ الذَّاتَ بِاسْمِهِ تَعَالَى)، أَيْ: ذَكَرَ الذَّاتَ مُتَلَبِّسًا بِاسْمِ اللَّهِ، أَوْ ذَكَرَ حَقِيقَةَ اللَّهِ بِلَفْظِ الذَّاتِ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ. قُلْتُ: وَظَاهِرُ لَفْظِهِ أَنَّ مُرَادَهُ أَضَافَ لَفْظَ الذَّاتِ إِلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَمِعَهُ النَّبِيُّ فَلَمْ يُنْكِرْهُ فَكَانَ جَائِزًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قِيلَ لَيْسَ فِيهِ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ذَاتُ الْإِلَهِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالذَّاتِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي هِيَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ وَذَلِكَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ غَرَضَهُ جَوَازُ إِطْلَاقِ الذَّاتِ فِي الْجُمْلَةِ، انْتَهَى. وَالِاعْتِرَاضُ أَقْوَى مِنَ الْجَوَابِ، وَأَصْلُ الِاعْتِرَاضِ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ فِيمَا أَخْبَرَنِي بِهِ عَنْهُ شَيْخُنَا أَبُو الْفَضْلِ الْحَافِظُ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مَا جَاءَ فِي الذَّاتِ، وَأَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ فِي ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٤٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بفتح العين (بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ) بفتح الهمزة وكسر السِّين، و «جارية» بالجيم (الثَّقَفِيُّ) بالمثلَّثة (حَلِيفٌ) بالحاء المهملة (لِبَنِي (١) زُهْرَةَ) بضمِّ الزَّاي، أي: معاهدٌ لهم (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ) لمَّا قدم بعد أُحُدٍ رهطٌ من عَضَلٍ (٢) والقَارَة فقالوا: يا رسول الله؛ إنَّ فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يُفقِّهوننا (عَشْرَةً: مِنْهُمْ: خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ) فلمَّا كانوا بالهَدَأَة ذُكِروا لبني لَحْيان، فنفروا لهم قريبًا من مئتي رجلٍ، فلمَّا رأوهم لجؤوا إلى فَدْفَدٍ، أي: رابيةٍ، فأحاط بهم القوم ورموهم بالنَّبْل، وقتلوا عاصمًا أميرهم في سبعةٍ من العشرة ونزل إليهم ثلاثةٌ: منهم: خُبيبٌ، وابن دَثِنَة، وعبد الله بن طارقٍ فأوثقوهم بأوتار قِسيِّهم، وباعوا خُبيبًا وابن دثنة بمكَّة، فاشترى خُبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد منافٍ، فلبث خُبيب عندهم أسيرًا، قال ابن شهابٍ الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عِيَاضٍ) بكسر العين آخره ضادٌ معجمةٌ، القاريُّ، من القارة: (أَنَّ ابْنَةَ الحَارِثِ) زينب (أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا) أي: لقتله (اسْتَعَارَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فاستعار» (مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا) يحلق بها شعر عانته؛ لئلَّا يظهر عند قتله (فَلَمَّا خَرَجُوا) به (مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ) في الحلِّ (قَالَ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ: وَلَسْتُ أُبَالِي) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «ما أبالي» (حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ شِقٍّ) بكسر المعجمة (كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي) أي: مطرحي على الأرض (وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ) في طلب ثوابه (وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى

أَوْصَالِ شِلْوٍ) بكسر المعجمة وسكون اللَّام، أي: أوصال جسدٍ (مُمَزَّعِ) بضمِّ الميم الأولى وفتح الثَّانية والزَّاي المشدَّدة بعدها عينٌ مهملةٌ، أي: مُقطَّع مفرَّق (فَقَتَلَهُ ابْنُ الحَارِثِ) عُقبةُ بالتَّنعيم، وصلبه ثَمَّ (فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا).

والحديث سبق في «الجهاد» بأتمَّ من هذا في «باب هل يستأسر (١) الرَّجل» [خ¦٣٠٤٥].

(١٥) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]) مفعولٌ ثانٍ لـ «يحذِّر» (٢)؛ لأنَّه في الأصل متعدٍّ لواحدٍ، فازداد بالتَّضعيف آخر، وقدَّر بعضهم حذف مضافٍ، أي: عقاب نفسه، وصرَّح بعضهم بعدم الاحتياج إليه، كذا نقله أبو البقاء، قال في «الدُّرِّ»: وليس بشيءٍ؛ إذ لا بدَّ من تقدير هذا المضاف لصحَّة المعنى، ألا ترى إلى غير ما نحن فيه، نحو قولك: حذَّرتك نفس زيد، أنَّه لا بدَّ من شيءٍ يُحذَّر منه كالعقاب والسَّطوة؛ لأنَّ الذَّوات لا يُتَصوَّر الحذر منها نفسها، إنَّما يُتصَوَّر من أفعالها وما يصدر عنها، وقال أبو مسلمٍ: المعنى ويحذِّركم الله نفسه أن تعصوه فتستحقُّوا عقابه، وعبَّر هنا بالنَّفس عن الذَّات جريًا على عادة العرب، كما قال الأعشى:

يومًا بأجود نائلًا منه إذا … نفسُ الجبانِ تحمَّدت سُؤَّالها

وقال بعضهم: الهاء في ﴿نَفْسَهُ﴾ تعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ﴾ (٣) أي: ويحذِّركم الله نفس الاتِّخاذ، والنَّفس عبارةٌ عن وجود الشَّيء وذاته، وقال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ النَّفس في القرآن بمعنى العلم بالشَّيء والشَّهادة كقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] يعني: علمه فيكم وشهادته عليكم، وبمعنى البدن، قال تعالى: ﴿كُلُّ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لَكِنَّ التَّشْدِيدَ فِي مِثْلِ هَذَا قَلِيلٌ.

الْحَدِيثُ السَّابِعُ: حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْأُضْحِيَّةِ بِكَبْشَيْنِ، وَفِيهِ: فَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْأَضَاحِيِّ.

الْحَدِيثُ الثَّامِنُ: حَدِيثُ جُنْدُبٍ فِي مَنْعِ الذَّبْحِ فِي الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ: فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الضَّحَايَا أَيْضًا.

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ. تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ: دَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ. يَعْنِي الْوَارِدَةَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ، وَالسُّؤَالُ بِهَا مِثْلُ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ: بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ، وَكِلَاهُمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عُبَادَةَ، وَمَيْمُونَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ، عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ إِذْ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَمْ يَسْتَعِذْ بِهَا إِذْ لَا يُسْتَعَاذُ بِمَخْلُوقٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ : وَإِذَا اسْتَعَذْتَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ، قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، قُلْتُمْ بِقَوْلِ النَّصَارَى حَيْثُ جَعَلُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، فَأَجَابُوا بِأَنَّا نَقُولُ: إِنَّهُ وَاحِدٌ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَلَا نَصِفَ إِلَّا وَاحِدًا بِصِفَاتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وَصَفَهُ بِالْوَحْدَةِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ لِسَانٌ وَعَيْنَانِ وَأُذُنَانِ وَسَمْعٌ وَبَصَرٌ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ عَنْ كَوْنِهِ وَاحِدًا، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى.

١٤ - بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ وَأَسَامِي اللَّهِ ﷿

وَقَالَ خُبَيْبٌ:

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ، فَذَكَرَ الذَّاتَ بِاسْمِهِ تَعَالَى

٧٤٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عَشَرَةً، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ، أَنَّ ابْنَةَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ:

وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَا … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحَارِثِ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا.

قَوْلُهُ: بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ، وَأَسَامِي اللَّهِ ﷿، أَيْ: مَا يُذْكَرُ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَنُعُوتِهِ مِنْ تَجْوِيزِ إِطْلَاقِ ذَلِكَ كَأَسْمَائِهِ، أَوْ مَنْعِهِ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّصِّ بِهِ، فَأَمَّا الذَّاتُ فَقَالَ الرَّاغِبُ: هِيَ تَأْنِيثُ ذُو، وَهِيَ كَلِمَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْوَصْفِ بِأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وَالْأَنْوَاعِ وَتُضَافُ إِلَى الظَّاهِرِ دُونَ الْمُضْمَرِ، وَتُثَنَّى وَتُجْمَعُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا مُضَافًا، وَقَدِ اسْتَعَارُوا لَفْظَ الذَّاتِ لِعَيْنِ الشَّيْءِ وَاسْتَعْمَلُوهَا مُفْرَدَةً وَمُضَافَةً وَأَدْخَلُوا عَلَيْهَا الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَأَجْرَوْهَا مَجْرَى النَّفْسِ وَالْخَاصَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، انْتَهَى. وَقَالَ عِيَاضٌ: ذَاتُ الشَّيْءِ نَفْسُهُ وَحَقِيقَتُهُ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَ أَهْلُ الْكَلَامِ الذَّاتَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَغَلَّطَهُمْ أَكْثَرُ النُّحَاةِ وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهَا تَرِدُ بِمَعْنَى النَّفْسِ

وَحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وَجَاءَ فِي الشِّعْرِ لَكِنَّهُ شَاذٌّ، وَاسْتِعْمَالُ الْبُخَارِيِّ لَهَا دَالٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا نَفْسُ الشَّيْءِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَفَرَّقَ بَيْنَ النُّعُوتِ وَالذَّاتِ، وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانَ: إِطْلَاقُ الْمُتَكَلِّمِينَ الذَّاتَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جَهْلِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَاتَ تَأْنِيثُ ذُو، وَهُوَ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ - لَا يَصِحُّ لَهُ إِلْحَاقُ تَاءِ التَّأْنِيثِ؛ وَلِهَذَا امْتَنَعَ أَنْ يُقَالَ عَلَّامَةٌ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ الْعَالَمِينَ.

قَالَ: وَقَوْلُهُمُ الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةِ جَهْلٌ مِنْهُمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ إِلَى ذَاتَ: ذَوِي، وَقَالَ التَّاجُ الْكِنْدِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْخَطِيبِ بْنِ نَبَاتَةَ فِي قَوْلِهِ كُنْهُ ذَاتَهُ ذَاتٌ، بِمَعْنَى صَاحِبَةُ تَأْنِيثِ ذُو وَلَيْسَ لَهَا فِي اللُّغَةِ مَدْلُولٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِطْلَاقُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرُهُمُ الذَّاتَ بِمَعْنَى النَّفْسِ خَطَأٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ اسْتِعْمَالُهَا بِمَعْنَى صَاحِبَةٍ، أَمَّا إِذَا قُطِعَتْ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى وَاسْتُعْمِلَتْ بِمَعْنَى الِاسْمِيَّةِ فَلَا مَحْذُورَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أَيْ: بِنَفْسِ الصُّدُورِ، وَقَدْ حَكَى الْمُطَرِّزِيُّ كُلُّ ذَاتٍ شَيْءٌ، وَلَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ ذَاتًا، وَأَنْشَدَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ:

فَنِعْمَ ابْنُ عَمِّ الْقَوْمِ فِي ذَاتِ مَالِهِ … إِذَا كَانَ بَعْضُ الْقَوْمِ فِي مَالِهِ وَفْرُ

وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ذَاتُ هُنَا مُقْحَمَةٌ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِيهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ فِي بَابِ الْعِظَةِ بِاللَّيْلِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ - أَيِ: الْفُقَهَاءُ - فِي بَابِ الْأَيْمَانِ فَإِنْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَقَوْلُ الْمُهَذَّبِ اللَّوْنُ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ أَعْرَاضٌ تَحِلُّ الذَّاتَ فَمُرَادُهَا بِالذَّاتِ الْحَقِيقَةُ وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ، وَقَالَ: لَا يُعْرَفُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ذَاتٌ بِمَعْنَى حَقِيقَةٍ، قَالَ: وَهَذَا الْإِنْكَارُ مُنْكَرٌ، فَقَدْ قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ قَالَ ثَعْلَبٌ: أَيِ الْحَالَةُ الَّتِي بَيْنَكُمْ، فَالتَّأْنِيثُ عِنْدَهُ لِلحَالَةٍ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى ذَاتَ: حَقِيقَةَ، وَالْمُرَادُ بِالْبَيْنِ الْوَصْلُ، فَالتَّقْدِيرُ: فَأَصْلِحُوا حَقِيقَةَ وَصْلِكُمْ، قَالَ: فَذَاتُ عِنْدَهُ بِمَعْنَى النَّفْسِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ذَاتُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْمُنَازَعَةِ فَأُمِرُوا بِالْمُوَافَقَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ النَّفَقَاتِ شَيْءٌ آخَرُ فِي مَعْنَى ذَاتِ يَدِهِ، وَأَمَّا النُّعُوتُ فَإِنَّهَا جَمْعُ نَعْتٍ وَهُوَ الْوَصْفُ، يُقَالُ: نَعَتَ فُلَانٌ نَعْتًا مِثْلُ وَصَفَهُ وَصْفًا، وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي إِطْلَاقِ الصِّفَةِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَأَمَّا الْأَسَامِي فَهِيَ جَمْعُ اسْمٍ وَتُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى أَسْمَاءٍ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبَ: أَحَدُهَا يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِهِ وَهُوَ اللَّهُ، وَالثَّانِي يَرْجِعُ إِلَى صِفَةٍ قَائِمَةٍ بِهِ كَالْحَيِّ، وَالثَّالِثُ يَرْجِعُ إِلَى فِعْلِهِ كَالْخَالِقِ، وَطَرِيقُ إِثْبَاتِهَا السَّمْعُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ صِفَاتِ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الْفِعْلِ أَنَّ صِفَاتَ الذَّاتِ قَائِمَةٌ بِهِ، وَصِفَاتَ الْفِعْلِ ثَابِتَةٌ لَهُ بِالْقُدْرَةِ وَوُجُودُ الْمَفْعُولِ بِإِرَادَتِهِ جَلَّ وَعَلَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ خُبَيْبٌ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ هُوَ ابْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ) يُشِيرُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الْمُسَاقِ فِي الْبَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي الْمَغَازِي، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ هَلْ يُسْتَأْسَرُ الرَّجُلُ.

قَوْلُهُ: (فَذَكَرَ الذَّاتَ بِاسْمِهِ تَعَالَى)، أَيْ: ذَكَرَ الذَّاتَ مُتَلَبِّسًا بِاسْمِ اللَّهِ، أَوْ ذَكَرَ حَقِيقَةَ اللَّهِ بِلَفْظِ الذَّاتِ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ. قُلْتُ: وَظَاهِرُ لَفْظِهِ أَنَّ مُرَادَهُ أَضَافَ لَفْظَ الذَّاتِ إِلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَمِعَهُ النَّبِيُّ فَلَمْ يُنْكِرْهُ فَكَانَ جَائِزًا. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: قِيلَ لَيْسَ فِيهِ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ذَاتُ الْإِلَهِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالذَّاتِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي هِيَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ وَذَلِكَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ غَرَضَهُ جَوَازُ إِطْلَاقِ الذَّاتِ فِي الْجُمْلَةِ، انْتَهَى. وَالِاعْتِرَاضُ أَقْوَى مِنَ الْجَوَابِ، وَأَصْلُ الِاعْتِرَاضِ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ فِيمَا أَخْبَرَنِي بِهِ عَنْهُ شَيْخُنَا أَبُو الْفَضْلِ الْحَافِظُ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مَا جَاءَ فِي الذَّاتِ، وَأَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ فِي ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٤٠٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بفتح العين (بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ) بفتح الهمزة وكسر السِّين، و «جارية» بالجيم (الثَّقَفِيُّ) بالمثلَّثة (حَلِيفٌ) بالحاء المهملة (لِبَنِي (١) زُهْرَةَ) بضمِّ الزَّاي، أي: معاهدٌ لهم (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ) لمَّا قدم بعد أُحُدٍ رهطٌ من عَضَلٍ (٢) والقَارَة فقالوا: يا رسول الله؛ إنَّ فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يُفقِّهوننا (عَشْرَةً: مِنْهُمْ: خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ) فلمَّا كانوا بالهَدَأَة ذُكِروا لبني لَحْيان، فنفروا لهم قريبًا من مئتي رجلٍ، فلمَّا رأوهم لجؤوا إلى فَدْفَدٍ، أي: رابيةٍ، فأحاط بهم القوم ورموهم بالنَّبْل، وقتلوا عاصمًا أميرهم في سبعةٍ من العشرة ونزل إليهم ثلاثةٌ: منهم: خُبيبٌ، وابن دَثِنَة، وعبد الله بن طارقٍ فأوثقوهم بأوتار قِسيِّهم، وباعوا خُبيبًا وابن دثنة بمكَّة، فاشترى خُبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد منافٍ، فلبث خُبيب عندهم أسيرًا، قال ابن شهابٍ الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بضمِّ العين (بْنُ عِيَاضٍ) بكسر العين آخره ضادٌ معجمةٌ، القاريُّ، من القارة: (أَنَّ ابْنَةَ الحَارِثِ) زينب (أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا) أي: لقتله (اسْتَعَارَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «فاستعار» (مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا) يحلق بها شعر عانته؛ لئلَّا يظهر عند قتله (فَلَمَّا خَرَجُوا) به (مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ) في الحلِّ (قَالَ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ: وَلَسْتُ أُبَالِي) ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «ما أبالي» (حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ شِقٍّ) بكسر المعجمة (كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي) أي: مطرحي على الأرض (وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ) في طلب ثوابه (وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى

أَوْصَالِ شِلْوٍ) بكسر المعجمة وسكون اللَّام، أي: أوصال جسدٍ (مُمَزَّعِ) بضمِّ الميم الأولى وفتح الثَّانية والزَّاي المشدَّدة بعدها عينٌ مهملةٌ، أي: مُقطَّع مفرَّق (فَقَتَلَهُ ابْنُ الحَارِثِ) عُقبةُ بالتَّنعيم، وصلبه ثَمَّ (فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا).

والحديث سبق في «الجهاد» بأتمَّ من هذا في «باب هل يستأسر (١) الرَّجل» [خ¦٣٠٤٥].

(١٥) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]) مفعولٌ ثانٍ لـ «يحذِّر» (٢)؛ لأنَّه في الأصل متعدٍّ لواحدٍ، فازداد بالتَّضعيف آخر، وقدَّر بعضهم حذف مضافٍ، أي: عقاب نفسه، وصرَّح بعضهم بعدم الاحتياج إليه، كذا نقله أبو البقاء، قال في «الدُّرِّ»: وليس بشيءٍ؛ إذ لا بدَّ من تقدير هذا المضاف لصحَّة المعنى، ألا ترى إلى غير ما نحن فيه، نحو قولك: حذَّرتك نفس زيد، أنَّه لا بدَّ من شيءٍ يُحذَّر منه كالعقاب والسَّطوة؛ لأنَّ الذَّوات لا يُتَصوَّر الحذر منها نفسها، إنَّما يُتصَوَّر من أفعالها وما يصدر عنها، وقال أبو مسلمٍ: المعنى ويحذِّركم الله نفسه أن تعصوه فتستحقُّوا عقابه، وعبَّر هنا بالنَّفس عن الذَّات جريًا على عادة العرب، كما قال الأعشى:

يومًا بأجود نائلًا منه إذا … نفسُ الجبانِ تحمَّدت سُؤَّالها

وقال بعضهم: الهاء في ﴿نَفْسَهُ﴾ تعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ﴾ (٣) أي: ويحذِّركم الله نفس الاتِّخاذ، والنَّفس عبارةٌ عن وجود الشَّيء وذاته، وقال أبو العباس المقرئ: ورد لفظ النَّفس في القرآن بمعنى العلم بالشَّيء والشَّهادة كقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] يعني: علمه فيكم وشهادته عليكم، وبمعنى البدن، قال تعالى: ﴿كُلُّ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله