الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٤٠٦
الحديث رقم ٧٤٠٦ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ تُغَذَّى وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾
٧٤٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِاعْتِبَارِ الْكَثْرَةِ دُونَ التَّفْضِيلِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَصْبَحَ الْأَمِيرُ لَا يُخَالِفُهُ رَئِيسٌ وَلَا مَرْءُوسٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ إِرَادَةِ التَّفْضِيلِ، فَغَايَتُهُ تَفْضِيلُ الْمُقَرَّبِينَ مِمَّنْ حَوْلَ الْعَرْشِ، بَلْ مَنْ هُوَ
أَعْلَى رُتْبَةً مِنْهُمْ عَلَى الْمَسِيحِ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ فَضْلَ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مُطْلَقًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا تَتِمُّ لَهُمُ الدَّلَالَةُ إِلَّا إِنْ سُلِّمَ أَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِلرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى فَقَطْ فَيَصِحُّ: لَنْ يَتَرَفَّعَ الْمَسِيحُ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ وَلَا مَنْ هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ، وَالَّذِي يَدَّعِي ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ أَنَّ النَّصَارَى تَعْتَقِدُ تَفْضِيلَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْمَسِيحِ، وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ بَلْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ، فَلَا يَتِمُّ اسْتِدْلَالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ، قَالَ: وَسِيَاقُهُ الْآيَةَ مِنْ أُسْلُوبِ التَّتْمِيمِ وَالْمُبَالَغَةِ لَا لِلتَّرَقِّي، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَكِيلا﴾ فَقَرَّرَ الْوَحْدَانِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ وَالْقُدْرَةَ التَّامَّةَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِعَدَمِ الِاسْتِنْكَافِ، فَالتَّقْدِيرُ لَا يَسْتَحِقُّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ أَنْ يَسْتَكْبِرَ عَلَيْهِ الَّذِي تَتَّخِذُونَهُ أَيُّهَا النَّصَارَى إِلَهًا لِاعْتِقَادِكُمْ فِيهِ الْكَمَالَ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ اتَّخَذَهَا غَيْرُكُمْ آلِهَةً لِاعْتِقَادِهِمْ فِيهِمُ الْكَمَالَ.
قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْبَغَوِيُّ مُلَخَّصًا، وَلَفْظُهُ: لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَفْعًا لِمَقَامِهِمْ عَلَى مَقَامِ عِيسَى، بَلْ رَدًّا عَلَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ آلِهَةٌ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ كَمَا رَدَّ عَلَى النَّصَارَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ التَّثْلِيثَ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فَنَفَى أَنْ يَكُونَ مَلَكًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَفْضَلُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا نَفَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ طَلَبُوا مِنْهُ الْخَزَائِنَ وَعِلْمَ الْغَيْبِ، وَأَنْ يَكُونَ بِصِفَةِ الْمَلَكِ مِنْ تَرْكِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، وَهُوَ مِنْ نَمَطِ إِنْكَارِهِمْ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا مِثْلَهُمْ فَنَفَى عَنْهُ أَنَّهُ مَلَكٌ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا وَصَفَ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدًا، قَالَ فِي جِبْرِيلَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وَقَالَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ وَبَيْنَ الْوَصْفَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا سِيقَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الَّذِي يَأْتِيهِ - شَيْطَانٌ، فَكَانَ وَصْفُ جِبْرِيلَ بِذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَدْ وَصَفَ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمِثْلِ مَا وَصَفَ بِهِ جِبْرِيلَ هُنَا وَأَعْظَمَ مِنْهُ، وَقَدْ أَفْرَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي سُوءِ الْأَدَبِ هُنَا، وَقَالَ كَلَامًا يَسْتَلْزِمُ تَنْقِيصَ الْمَقَامِ الْمُحَمَّدِيِّ، وَبَالَغَ الْأَئِمَّةُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ زَلَّاتِهِ الشَّنِيعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ: بِشِبْرٍ بِزِيَادَةِ مُوَحَّدَةٍ فِي أَوَّلِهِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ فِي بَابِ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرِوَايَتِهِ عَنْ رَبِّهِ.
١٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾
٧٤٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فَقَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ. قَالَ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا أَيْسَرُ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: هَذَا أَيْسَرُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ: هَذِهِ، وَسَقَطَ لَفْظُ الْإِشَارَةِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ وَجْهًا وَهُوَ مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ، وَلَيْسَ بِجَارِحَةٍ وَلَا كَالْوُجُوهِ الَّتِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفي الحديث: جواز إطلاق «النَّفس» على الذَّات، فإطلاقه في الكتاب والسُّنَّة إذنٌ شرعيٌّ فيه، أو يقال: هو بطريق المشاكلة، لكن يعكِّر على هذا الثَّاني قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
والحديث من أفراده (١).
(١٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]) أي: إلَّا إيَّاه، فالوجه يعبَّر به عن الذَّات، وإنَّما جرى على عادة العرب في التَّعبير بالأشرف عن الجملة، ومن جَعَل «شيئًا» يُطلَق على البارئ تعالى -وهو الصَّحيح- قال: هذا استثناءٌ متصلٌ، ومن لم يطلقه عليه جعله متَّصلًا أيضًا، وجعل «الوجه» ما عُمِل لأجله، أو يجعله منقطعًا، أي: لكن هو لم يهلك، ويجوز رفع ﴿وَجْهَهُ﴾ على الصِّفة، وفُسِّر الهلاك بالعدم، أي: إنَّ الله تعالى يُعدِم كلَّ شيءٍ، وفُسِّر أيضًا بإخراج الشَّيء عن كونه منتفعًا به، إمَّا بالإماتة، أو بتفريق الأجزاء وإن كانت باقيةً، كما يقال: هلك الثَّوب، وقيل: معنى كونه هالكًا كونه قابلًا للهلاك في ذاته، وقال مجاهدٌ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ يعني: عِلْمَ العلماء إذا أريد به وجه الله. انتهى. وثبت لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ.
٧٤٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بْنُ زَيْدٍ) وسقط «بن زيدٍ» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵄ أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾) أي: الكامل القدرة (﴿عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾) أي: كما أمطر (٢) على قوم لوطٍ وعلى أصحاب الفيل الحجارة (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ)
أي: بذاتك (فَقَالَ: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: ٦٥]) أو يخلطكم فِرَقًا مختلفين على أهواءٍ شتّى (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا أَيْسَرُ) لأنَّ الفتن بين المخلوقين أهون من عذاب الله، وفي رواية ابن السَّكن ممَّا ذكره في «فتح الباري»: «هذه أيسر» قال: وسقط لفظ الإشارة من رواية الأَصيليِّ، قال الزَّركشيُّ: ورواية غيره هي الصَّحيحة، وبها يستقلُّ الكلام، قال (١) في «المصابيح»: وروايته (٢) أيضًا صحيحةٌ، وقُصَارى ما فيها حذف المبتدأ الذي ثبت في الرِّوايتين، وذلك جائزٌ، فكيف يحكم بعدم صحَّتها ولا شاهدَ يستند إليه هذا الحكم (٣)؟ انتهى. والمراد منه قوله: «أعوذ بوجهك» قال البيهقيُّ: تكرَّر ذكر الوجه (٤) في الكتاب والسُّنَّة الصَّحيحة، وهو في بعضها صفة ذاتٍ، كقوله: «إلَّا برداء الكبرياء على وجهه» وفي بعضها من أجل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الإنسان: ٩] وفي بعضها بمعنى الرِّضا، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ (٥) [الروم: ٣٨] ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ [الليل: ٢٠] وليس المراد الجارحة جزمًا.
والحديث سبق في تفسير سورة الأنعام [خ¦٤٦٢٨] وفي «كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» في قوله: «بابِ قولِ الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾» [خ¦٧٣١٣].
(١٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] تُغَذَّى) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الغين والذَّال المشدَّدة (٦) المعجمتين، من التَّغذية، قاله قتادة، وفي نسخة الصَّغانيِّ: بالدَّال المهملة ولا يُفتَح أوَّله على حذف إحدى التَّاءين، فإنَّه تفسير «تُصْنَع» وقال عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم، يعني: أجعله في بيت المَلِك، يَنْعَم ويترف غذاؤه عندهم، وقال أبو عمران الجونيُّ: قال: تُربَّى بعين الله، وقال معمر بن المثنَّى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾: بحيث أرى، وقيل: لتُربَّى بمرأًى
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
بِاعْتِبَارِ الْكَثْرَةِ دُونَ التَّفْضِيلِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَصْبَحَ الْأَمِيرُ لَا يُخَالِفُهُ رَئِيسٌ وَلَا مَرْءُوسٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ إِرَادَةِ التَّفْضِيلِ، فَغَايَتُهُ تَفْضِيلُ الْمُقَرَّبِينَ مِمَّنْ حَوْلَ الْعَرْشِ، بَلْ مَنْ هُوَ
أَعْلَى رُتْبَةً مِنْهُمْ عَلَى الْمَسِيحِ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ فَضْلَ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مُطْلَقًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَا تَتِمُّ لَهُمُ الدَّلَالَةُ إِلَّا إِنْ سُلِّمَ أَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِلرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى فَقَطْ فَيَصِحُّ: لَنْ يَتَرَفَّعَ الْمَسِيحُ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ وَلَا مَنْ هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ، وَالَّذِي يَدَّعِي ذَلِكَ يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتِ أَنَّ النَّصَارَى تَعْتَقِدُ تَفْضِيلَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْمَسِيحِ، وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ بَلْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ، فَلَا يَتِمُّ اسْتِدْلَالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ، قَالَ: وَسِيَاقُهُ الْآيَةَ مِنْ أُسْلُوبِ التَّتْمِيمِ وَالْمُبَالَغَةِ لَا لِلتَّرَقِّي، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَكِيلا﴾ فَقَرَّرَ الْوَحْدَانِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ وَالْقُدْرَةَ التَّامَّةَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِعَدَمِ الِاسْتِنْكَافِ، فَالتَّقْدِيرُ لَا يَسْتَحِقُّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ أَنْ يَسْتَكْبِرَ عَلَيْهِ الَّذِي تَتَّخِذُونَهُ أَيُّهَا النَّصَارَى إِلَهًا لِاعْتِقَادِكُمْ فِيهِ الْكَمَالَ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ اتَّخَذَهَا غَيْرُكُمْ آلِهَةً لِاعْتِقَادِهِمْ فِيهِمُ الْكَمَالَ.
قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْبَغَوِيُّ مُلَخَّصًا، وَلَفْظُهُ: لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَفْعًا لِمَقَامِهِمْ عَلَى مَقَامِ عِيسَى، بَلْ رَدًّا عَلَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ آلِهَةٌ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ كَمَا رَدَّ عَلَى النَّصَارَى الَّذِينَ يَدَّعُونَ التَّثْلِيثَ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فَنَفَى أَنْ يَكُونَ مَلَكًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَفْضَلُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا نَفَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ طَلَبُوا مِنْهُ الْخَزَائِنَ وَعِلْمَ الْغَيْبِ، وَأَنْ يَكُونَ بِصِفَةِ الْمَلَكِ مِنْ تَرْكِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، وَهُوَ مِنْ نَمَطِ إِنْكَارِهِمْ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا مِثْلَهُمْ فَنَفَى عَنْهُ أَنَّهُ مَلَكٌ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا وَصَفَ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدًا، قَالَ فِي جِبْرِيلَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وَقَالَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ وَبَيْنَ الْوَصْفَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا سِيقَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الَّذِي يَأْتِيهِ - شَيْطَانٌ، فَكَانَ وَصْفُ جِبْرِيلَ بِذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَدْ وَصَفَ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمِثْلِ مَا وَصَفَ بِهِ جِبْرِيلَ هُنَا وَأَعْظَمَ مِنْهُ، وَقَدْ أَفْرَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي سُوءِ الْأَدَبِ هُنَا، وَقَالَ كَلَامًا يَسْتَلْزِمُ تَنْقِيصَ الْمَقَامِ الْمُحَمَّدِيِّ، وَبَالَغَ الْأَئِمَّةُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ زَلَّاتِهِ الشَّنِيعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ: بِشِبْرٍ بِزِيَادَةِ مُوَحَّدَةٍ فِي أَوَّلِهِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ فِي بَابِ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرِوَايَتِهِ عَنْ رَبِّهِ.
١٦ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾
٧٤٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، فَقَالَ: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ. قَالَ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا أَيْسَرُ.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: هَذَا أَيْسَرُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ: هَذِهِ، وَسَقَطَ لَفْظُ الْإِشَارَةِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ وَجْهًا وَهُوَ مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ، وَلَيْسَ بِجَارِحَةٍ وَلَا كَالْوُجُوهِ الَّتِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وفي الحديث: جواز إطلاق «النَّفس» على الذَّات، فإطلاقه في الكتاب والسُّنَّة إذنٌ شرعيٌّ فيه، أو يقال: هو بطريق المشاكلة، لكن يعكِّر على هذا الثَّاني قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
والحديث من أفراده (١).
(١٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]) أي: إلَّا إيَّاه، فالوجه يعبَّر به عن الذَّات، وإنَّما جرى على عادة العرب في التَّعبير بالأشرف عن الجملة، ومن جَعَل «شيئًا» يُطلَق على البارئ تعالى -وهو الصَّحيح- قال: هذا استثناءٌ متصلٌ، ومن لم يطلقه عليه جعله متَّصلًا أيضًا، وجعل «الوجه» ما عُمِل لأجله، أو يجعله منقطعًا، أي: لكن هو لم يهلك، ويجوز رفع ﴿وَجْهَهُ﴾ على الصِّفة، وفُسِّر الهلاك بالعدم، أي: إنَّ الله تعالى يُعدِم كلَّ شيءٍ، وفُسِّر أيضًا بإخراج الشَّيء عن كونه منتفعًا به، إمَّا بالإماتة، أو بتفريق الأجزاء وإن كانت باقيةً، كما يقال: هلك الثَّوب، وقيل: معنى كونه هالكًا كونه قابلًا للهلاك في ذاته، وقال مجاهدٌ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ يعني: عِلْمَ العلماء إذا أريد به وجه الله. انتهى. وثبت لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ.
٧٤٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بْنُ زَيْدٍ) وسقط «بن زيدٍ» لغير أبي ذرٍّ (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ ﵄ أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾) أي: الكامل القدرة (﴿عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾) أي: كما أمطر (٢) على قوم لوطٍ وعلى أصحاب الفيل الحجارة (قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ)
أي: بذاتك (فَقَالَ: ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعُوذُ بِوَجْهِكَ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال»: (﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: ٦٥]) أو يخلطكم فِرَقًا مختلفين على أهواءٍ شتّى (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا أَيْسَرُ) لأنَّ الفتن بين المخلوقين أهون من عذاب الله، وفي رواية ابن السَّكن ممَّا ذكره في «فتح الباري»: «هذه أيسر» قال: وسقط لفظ الإشارة من رواية الأَصيليِّ، قال الزَّركشيُّ: ورواية غيره هي الصَّحيحة، وبها يستقلُّ الكلام، قال (١) في «المصابيح»: وروايته (٢) أيضًا صحيحةٌ، وقُصَارى ما فيها حذف المبتدأ الذي ثبت في الرِّوايتين، وذلك جائزٌ، فكيف يحكم بعدم صحَّتها ولا شاهدَ يستند إليه هذا الحكم (٣)؟ انتهى. والمراد منه قوله: «أعوذ بوجهك» قال البيهقيُّ: تكرَّر ذكر الوجه (٤) في الكتاب والسُّنَّة الصَّحيحة، وهو في بعضها صفة ذاتٍ، كقوله: «إلَّا برداء الكبرياء على وجهه» وفي بعضها من أجل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الإنسان: ٩] وفي بعضها بمعنى الرِّضا، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ (٥) [الروم: ٣٨] ﴿إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ﴾ [الليل: ٢٠] وليس المراد الجارحة جزمًا.
والحديث سبق في تفسير سورة الأنعام [خ¦٤٦٢٨] وفي «كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» في قوله: «بابِ قولِ الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾» [خ¦٧٣١٣].
(١٧) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] تُغَذَّى) بضمِّ الفوقيَّة وفتح الغين والذَّال المشدَّدة (٦) المعجمتين، من التَّغذية، قاله قتادة، وفي نسخة الصَّغانيِّ: بالدَّال المهملة ولا يُفتَح أوَّله على حذف إحدى التَّاءين، فإنَّه تفسير «تُصْنَع» وقال عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم، يعني: أجعله في بيت المَلِك، يَنْعَم ويترف غذاؤه عندهم، وقال أبو عمران الجونيُّ: قال: تُربَّى بعين الله، وقال معمر بن المثنَّى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾: بحيث أرى، وقيل: لتُربَّى بمرأًى