«فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ: أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا، فَأَرَادُوا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٤٠٩

الحديث رقم ٧٤٠٩ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله هو الله الخالق البارئ المصور.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٤٠٩ في صحيح البخاري

«فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ: أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ وَلَا يَحْمِلْنَ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَالَ: مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا، فَإِنَّ اللهَ قَدْ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ قَزَعَةَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إِلَّا اللهُ خَالِقُهَا.

قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾

إسناد حديث رقم ٧٤٠٩ من صحيح البخاري

٧٤٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى، هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٤٠٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِعَيْنِي أَيْ أَحْفَظُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أَيْ: نَحْنُ نَرَاكَ وَنَحْفَظُكَ، وَمِثْلُهُ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أَيْ: بِحِفْظِي، قَالَ: وَتُسْتَعَارُ الْعَيْنُ لِمَعَانٍ أُخْرَى كَثِيرَةٍ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: احْتَجَّتِ الْمُجَسِّمَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ عَيْنَهُ كَسَائِرِ الْأَعْيُنِ، وَتُعُقِّبَ بِاسْتِحَالَةِ الْجِسْمِيَّةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجِسْمَ حَادِثٌ وَهُوَ قَدِيمٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ النَّقْصِ عَنْهُ، انْتَهَى.

وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْعَيْنُ صِفَةُ ذَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْعَيْنِ الرُّؤْيَةُ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أَيْ: لِتَكُونَ بِمَرْأًى مِنِّي، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أَيْ: بِمَرْأًى مِنَّا وَالنُّونُ لِلتَّعْظِيمِ، وَمَالَ إِلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ السَّلَفِ، وَيَتَأَيَّدُ بِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَإِنَّ فِيهِ إِيمَاءً إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ مَعْنَاهَا الْقُدْرَةُ، صَرَّحَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا صِفَةَ ذَاتٍ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِثْبَاتِ الْعَيْنِ لِلَّهِ مِنْ حَدِيثِ الدَّجَّالِ، مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَوَرَ عُرْفًا عَدَمُ الْعَيْنِ وَضِدُّ الْعَوَرِ ثُبُوتُ الْعَيْنِ، فَلَمَّا نُزِعَتْ هَذِهِ النَّقِيصَةُ لَزِمَ ثُبُوتُ الْكَمَالِ بِضِدِّهَا وَهُوَ وُجُودُ الْعَيْنِ، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّقْرِيبِ لِلْفَهْمِ لَا عَلَى مَعْنَى إِثْبَاتِ الْجَارِحَةِ، قَالَ: وَلِأَهْلِ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ كَالْعَيْنِ وَالْوَجْهِ وَالْيَدِ ثَلَاثَةٌ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهَا صِفَاتُ ذَاتٍ أَثْبَتَهَا السَّمْعُ وَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعَقْلُ، وَالثَّانِي أَنَّ الْعَيْنَ كِنَايَةٌ عَنْ صِفَةِ الْبَصَرِ، وَالْيَدَ كِنَايَةٌ عَنْ صِفَةِ الْقُدْرَةِ، وَالْوَجْهَ كِنَايَةٌ عَنْ صِفَةِ الْوُجُودِ، وَالثَّالِثُ إِمْرَارُهَا عَلَى مَا جَاءَتْ مُفَوَّضًا مَعْنَاهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السَّهْرَوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الْعَقِيدَةِ لَهُ، أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِهِ الِاسْتِوَاءُ وَالنُّزُولُ وَالنَّفْسُ وَالْيَدُ وَالْعَيْنُ، فَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهَا بِتَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، إِذْ لَوْلَا إِخْبَارُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا تَجَاسَرَ عَقْلٌ أَنْ يَحُومَ حَوْلَ ذَلِكَ الْحِمَى، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ، وَبِهِ يَقُولُ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ التَّصْرِيحُ بِوُجُوبِ تَأْوِيلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا الْمَنْعُ مِنْ ذِكْرِهِ، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَيُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ثُمَّ يَتْرُكَ هَذَا الْبَابَ فَلَا يُمَيِّزَ مَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ

مِمَّا لَا يَجُوزُ مَعَ حَضِّهِ عَلَى التَّبْلِيغِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، حَتَّى نَقَلُوا أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ وَأَحْوَالَهُ وَصِفَاتِهُ، وَمَا فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى الْإِيمَانِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَوَجَبَ تَنْزِيهُهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَمَنْ أَوْجَبَ خِلَافَ ذَلِكَ بَعْدَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ سَبِيلَهُمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَقَدْ سُئِلْتُ: هَلْ يَجُوزُ لِقَارِئِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَأَجَبْتُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ أنَّهُ إِنْ حَضَرَ عِنْدَهُ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى مُعْتَقَدِهِ، وَكَانَ يَعْتَقِدُ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْحُدُوثِ وَأَرَادَ التَّأَسِّي مَحْضًا جَازَ، وَالْأَوْلَى بِهِ التَّرْكُ خَشْيَةَ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى مَنْ يَرَاهُ شُبْهَةَ التَّشْبِيهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الشُّرَّاحِ فِي حَمْلِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنًى خَطَرَ لِي فِيهِ إِثْبَاتُ التَّنْزِيهِ، وَحَسْمُ مَادَّةِ التَّشْبِيهِ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى عَيْنِهِ إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَيْنِ الدَّجَّالِ فَإِنَّهَا كَانَتْ صَحِيحَةً مِثْلَ هَذِهِ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا الْعَوَرُ لِزِيَادَةِ كَذِبِهِ فِي دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ صَحِيحَ الْعَيْنِ مِثْلَ هَذِهِ فَطَرَأَ عَلَيْهَا النَّقْصُ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ دَفْعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ.

١٨ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾

٧٤٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى - هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ -، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ

يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ وَلَا يَحْمِلْنَ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ عَنْ الْعَزْلِ، فَقَالَ: مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ قَزَعَةَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ، فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إِلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا.

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَالتِّلَاوَةُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾ إِلَخْ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: إِنَّ الْأَلْفَاظَ الثَّلَاثَةَ مُتَرَادِفَةٌ، وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنَّ الْخَالِقَ مِنَ الْخَلْقِ، وَأَصْلُهُ التَّقْدِيرُ الْمُسْتَقِيمُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِبْدَاعِ وَهُوَ إِيجَادُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وَعَلَى التَّكْوِينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وَ: الْبَارِئُ مِنَ الْبُرْءِ، وَأَصْلُهُ خُلُوصُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّقَصِّي مِنْهُ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: بَرأ فُلَانٌ مِنْ مَرَضِهِ، وَالْمَدْيُونَ مِنْ دَيْنِهِ، وَمِنْهُ اسْتَبْرَأْتِ الْجَارِيَةُ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْشَاءِ، وَمِنْهُ بَرَأَ اللَّهُ النَّسَمَةَ، وَقِيلَ: الْبَارِئُ الْخَالِقُ الْبَرِئُ مِنَ التَّفَاوُتِ وَالتَّنَافُرِ الْمُخِلَّيْنِ بِالنِّظَامِ، وَالْمُصَوِّرُ مُبْدِعُ صُوَرَ الْمُخْتَرَعَاتِ وَمُرَتِّبُهَا بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، فَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُوجِدُهُ مِنْ أَصْلٍ وَمِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، وَبَارِئُهُ بِحَسَبِ مَا اقْتَضَتْهُ الْحِكْمَةُ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ وَلَا اخْتِلَالٍ، وَمُصَوِّرُهُ فِي صُورَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا خَوَاصُّهُ وَيَتِمُّ بِهَا كَمَالُهُ، وَالثَّلَاثَةُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ إِلَّا إِذَا أُرِيدَ بِالْخَالِقِ الْمُقَدِّرُ فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ التَّقْدِيرِ إِلَى الْإِرَادَةِ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّقْدِيرُ يَقَعُ أَوَّلًا، ثُمَّ الْإِحْدَاثُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُقَدَّرِ يَقَعُ ثَانِيًا، ثُمَّ التَّصْوِيرُ بِالتَّسْوِيَةِ يَقَعُ ثَالِثًا انْتَهَى.

وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: الْخَالِقُ مَعْنَاهُ الَّذِي جَعَلَ الْمُبْدَعَاتِ أَصْنَافًا، وَجَعَلَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا قَدْرًا، وَالْبَارِئُ مَعْنَاهُ الْمُوجِدُ لِمَا كَانَ فِي مَعْلُومِهِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَالَبُ الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّهُ أَبْدَعَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ وَالنَّارَ وَالْهَوَاءَ لَا مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهَا الْأَجْسَامَ الْمُخْتَلِفَةَ، وَالْمُصَوِّرُ مَعْنَاهُ الْمُهَيِّئُ لِلْأَشْيَاءِ عَلَى مَا أَرَادَهُ مِنْ تَشَابُهٍ وَتَخَالُفٍ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: لَيْسَ الْخَلْقُ بِمَعْنَى الْإِبْدَاعِ إِلَّا لِلَّهِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ وَأَمَّا الَّذِي يُوجَدُ بِالِاسْتِحَالَةِ فَقَدْ وَقَعَ لِغَيْرِهِ بِتَقْدِيرِهِ ، مِثْلُ قَوْلِهِ لِعِيسَى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ وَالْخَلْقُ فِي حَقِّ غَيْرِ اللَّهِ يَقَعُ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ وَبِمَعْنَى الْكَذِبِ، وَالْبَارِئُ أَخَصُّ بِوَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبَرِيَّةُ الْخَلْقُ، قِيلَ: أَصْلُهُ الْهَمْزُ فَهُوَ مِنْ بَرَّأَ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ الْبَرِّيُّ مِنْ بَرَيْتُ الْعُودَ، وَقِيلَ: الْبَرِيَّةُ مِنَ الْبَرَى بِالْقَصْرِ وَهُوَ التُّرَابُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مُوجِدُ الْخَلْقَ مِنَ الْبَرَى وَهُوَ التُّرَابُ، وَالْمُصَوِّرُ مَعْنَاهُ الْمُهَيِّئُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ وَالصُّورَةُ فِي الْأَصْلِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّيْءُ عَنْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ مَحْسُوسٌ كَصُورَةِ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ، وَمِنْهُ مَعْقُولٌ كَالَّذِي اخْتَصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الْعَقْلِ وَالرُّؤْيَةِ، وَإِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، ﴿هُوَ الَّذِي

يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾

قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ لِكَوْنِهِ أَيْضًا رَوَى عَنْ عَفَّانَ، أَنَّ ابْنَ رَاهْوَيْهِ لَا يَقُولُ إِلَّا أَخْبَرَنَا، وَهُنَا ثَبَتَ فِي النُّسَخِ: حَدَّثَنَا فَتَأَيَّدَ أَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ هُنَا فِي الْعَزْلِ فِي (كِتَابِ النِّكَاحِ) مُسْتَوْفًى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ قَزْعَةَ) هُوَ ابْنُ يَحْيَى، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ؛ لِأَنَّ مُجَاهِدًا وهُوَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٤٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ أو ابن رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ) قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو، ابن خالدٍ، قال (١): (حَدَّثَنَا مُوسَى هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ) وسقط لأبي ذرٍّ «هو ابن عقبة» قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ) بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة وسكون التَّحتيَّة بعدها راءٌ فتحتيَّةٌ ساكنةٌ فزايٌ، الجمحيِّ القرشيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) (فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ) بكسر اللَّام: (أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا) جمع سبيئةٍ، بالهمز، وهي المرأة تُسبَى، مثل: خطيئة وخطايا، أي: جواريَ أُخِذُوا من الكفَّار أسرًا (فَأَرَادُوا) لمَّا طالت عليهم العزبة (أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ) في الجماع (وَلَا يَحْمِلْنَ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ عَنِ العَزْلِ) وهو نزع الذَّكر من الفرج وقت الإنزال (فَقَالَ) : (مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا) أي: ليس عليكم ضررٌ في ترك العزل، أو ليس عدم العزل واجبًا عليكم، أو «لا» زائدةٌ، كما قاله المبرِّد (فَإِنَّ اللهَ) ﷿ (قَدْ كَتَبَ) أي: أمر من كتب (مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) فلا فائدة في عزلكم، فإنَّه تعالى إن كان قد خلقها؛ سبقكم الماء فلا ينفعكم الحرص.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (٢)، فيما وَصَلَهُ: (عَنْ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي المفتوحتين: (سَمِعْتُ) ولأبي ذرٍّ: «قال: سألت» (أَبَا سَعِيدٍ) الخدريَّ عن العزل (فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ) مقدَّرة الخلق (إِلَّا اللهُ) ﷿ (خَالِقُهَا) أي: مُبرِزُها من العدم إلى الوجود.

(١٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]) يريد قوله تعالى لإبليس لمَّا لم يسجد لآدم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ امتثالًا لأمري، أي: خلقته بنفسي من غير توسُّطٍ كأبٍ وأمٍّ، والتَّثنية (٣) لِمَا في خلقه من مزيد القدرة واختلاف الفعل، وقيل: المراد باليد القدرة،

وتُعقِّب: بأنَّه لو كان اليد بمعنى القدرة لم يكن بين آدم وإبليس فرقٌ؛ لتشاركهما فيما خُلِق كلٌّ منهما به، وهي قدرته، وفي كلام المحقِّقين من علماء البيان أنَّ قولنا: اليد مجازٌ عن القدرة إنَّما هو لنفي وَهْمِ التَّشبيه والتَّجسيم بسرعةٍ، وإلَّا فهي تمثيلاتٌ وتصويراتٌ للمعاني العقليَّة بإبرازها في الصُّور الحسِّيَّة، ولأنَّه عُهِدَ أنَّه من اعتنى بشيءٍ باشره بيديه (١)، فيستفاد من ذلك أنَّ العناية بخلق آدم أتمُّ من العناية بخلق غيره، وثبت لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِعَيْنِي أَيْ أَحْفَظُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أَيْ: نَحْنُ نَرَاكَ وَنَحْفَظُكَ، وَمِثْلُهُ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أَيْ: بِحِفْظِي، قَالَ: وَتُسْتَعَارُ الْعَيْنُ لِمَعَانٍ أُخْرَى كَثِيرَةٍ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: احْتَجَّتِ الْمُجَسِّمَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ: وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ عَيْنَهُ كَسَائِرِ الْأَعْيُنِ، وَتُعُقِّبَ بِاسْتِحَالَةِ الْجِسْمِيَّةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجِسْمَ حَادِثٌ وَهُوَ قَدِيمٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ النَّقْصِ عَنْهُ، انْتَهَى.

وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْعَيْنُ صِفَةُ ذَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْعَيْنِ الرُّؤْيَةُ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أَيْ: لِتَكُونَ بِمَرْأًى مِنِّي، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أَيْ: بِمَرْأًى مِنَّا وَالنُّونُ لِلتَّعْظِيمِ، وَمَالَ إِلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ السَّلَفِ، وَيَتَأَيَّدُ بِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَإِنَّ فِيهِ إِيمَاءً إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ مَعْنَاهَا الْقُدْرَةُ، صَرَّحَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا صِفَةَ ذَاتٍ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِثْبَاتِ الْعَيْنِ لِلَّهِ مِنْ حَدِيثِ الدَّجَّالِ، مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَوَرَ عُرْفًا عَدَمُ الْعَيْنِ وَضِدُّ الْعَوَرِ ثُبُوتُ الْعَيْنِ، فَلَمَّا نُزِعَتْ هَذِهِ النَّقِيصَةُ لَزِمَ ثُبُوتُ الْكَمَالِ بِضِدِّهَا وَهُوَ وُجُودُ الْعَيْنِ، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّقْرِيبِ لِلْفَهْمِ لَا عَلَى مَعْنَى إِثْبَاتِ الْجَارِحَةِ، قَالَ: وَلِأَهْلِ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ كَالْعَيْنِ وَالْوَجْهِ وَالْيَدِ ثَلَاثَةٌ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهَا صِفَاتُ ذَاتٍ أَثْبَتَهَا السَّمْعُ وَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعَقْلُ، وَالثَّانِي أَنَّ الْعَيْنَ كِنَايَةٌ عَنْ صِفَةِ الْبَصَرِ، وَالْيَدَ كِنَايَةٌ عَنْ صِفَةِ الْقُدْرَةِ، وَالْوَجْهَ كِنَايَةٌ عَنْ صِفَةِ الْوُجُودِ، وَالثَّالِثُ إِمْرَارُهَا عَلَى مَا جَاءَتْ مُفَوَّضًا مَعْنَاهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السَّهْرَوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الْعَقِيدَةِ لَهُ، أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِهِ الِاسْتِوَاءُ وَالنُّزُولُ وَالنَّفْسُ وَالْيَدُ وَالْعَيْنُ، فَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهَا بِتَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، إِذْ لَوْلَا إِخْبَارُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا تَجَاسَرَ عَقْلٌ أَنْ يَحُومَ حَوْلَ ذَلِكَ الْحِمَى، قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ، وَبِهِ يَقُولُ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ التَّصْرِيحُ بِوُجُوبِ تَأْوِيلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا الْمَنْعُ مِنْ ذِكْرِهِ، وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَيُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ثُمَّ يَتْرُكَ هَذَا الْبَابَ فَلَا يُمَيِّزَ مَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ

مِمَّا لَا يَجُوزُ مَعَ حَضِّهِ عَلَى التَّبْلِيغِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، حَتَّى نَقَلُوا أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ وَأَحْوَالَهُ وَصِفَاتِهُ، وَمَا فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى الْإِيمَانِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَوَجَبَ تَنْزِيهُهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَمَنْ أَوْجَبَ خِلَافَ ذَلِكَ بَعْدَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ سَبِيلَهُمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَقَدْ سُئِلْتُ: هَلْ يَجُوزُ لِقَارِئِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَأَجَبْتُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ أنَّهُ إِنْ حَضَرَ عِنْدَهُ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى مُعْتَقَدِهِ، وَكَانَ يَعْتَقِدُ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْحُدُوثِ وَأَرَادَ التَّأَسِّي مَحْضًا جَازَ، وَالْأَوْلَى بِهِ التَّرْكُ خَشْيَةَ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى مَنْ يَرَاهُ شُبْهَةَ التَّشْبِيهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الشُّرَّاحِ فِي حَمْلِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَعْنًى خَطَرَ لِي فِيهِ إِثْبَاتُ التَّنْزِيهِ، وَحَسْمُ مَادَّةِ التَّشْبِيهِ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِلَى عَيْنِهِ إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَيْنِ الدَّجَّالِ فَإِنَّهَا كَانَتْ صَحِيحَةً مِثْلَ هَذِهِ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا الْعَوَرُ لِزِيَادَةِ كَذِبِهِ فِي دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ صَحِيحَ الْعَيْنِ مِثْلَ هَذِهِ فَطَرَأَ عَلَيْهَا النَّقْصُ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ دَفْعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ.

١٨ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾

٧٤٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى - هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ -، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ

يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ وَلَا يَحْمِلْنَ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ عَنْ الْعَزْلِ، فَقَالَ: مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ قَزَعَةَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ، فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إِلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا.

قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَالتِّلَاوَةُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾ إِلَخْ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قِيلَ: إِنَّ الْأَلْفَاظَ الثَّلَاثَةَ مُتَرَادِفَةٌ، وَهُوَ وَهْمٌ، فَإِنَّ الْخَالِقَ مِنَ الْخَلْقِ، وَأَصْلُهُ التَّقْدِيرُ الْمُسْتَقِيمُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِبْدَاعِ وَهُوَ إِيجَادُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وَعَلَى التَّكْوِينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وَ: الْبَارِئُ مِنَ الْبُرْءِ، وَأَصْلُهُ خُلُوصُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّقَصِّي مِنْهُ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: بَرأ فُلَانٌ مِنْ مَرَضِهِ، وَالْمَدْيُونَ مِنْ دَيْنِهِ، وَمِنْهُ اسْتَبْرَأْتِ الْجَارِيَةُ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْشَاءِ، وَمِنْهُ بَرَأَ اللَّهُ النَّسَمَةَ، وَقِيلَ: الْبَارِئُ الْخَالِقُ الْبَرِئُ مِنَ التَّفَاوُتِ وَالتَّنَافُرِ الْمُخِلَّيْنِ بِالنِّظَامِ، وَالْمُصَوِّرُ مُبْدِعُ صُوَرَ الْمُخْتَرَعَاتِ وَمُرَتِّبُهَا بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، فَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُوجِدُهُ مِنْ أَصْلٍ وَمِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، وَبَارِئُهُ بِحَسَبِ مَا اقْتَضَتْهُ الْحِكْمَةُ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ وَلَا اخْتِلَالٍ، وَمُصَوِّرُهُ فِي صُورَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا خَوَاصُّهُ وَيَتِمُّ بِهَا كَمَالُهُ، وَالثَّلَاثَةُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ إِلَّا إِذَا أُرِيدَ بِالْخَالِقِ الْمُقَدِّرُ فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ التَّقْدِيرِ إِلَى الْإِرَادَةِ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّقْدِيرُ يَقَعُ أَوَّلًا، ثُمَّ الْإِحْدَاثُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُقَدَّرِ يَقَعُ ثَانِيًا، ثُمَّ التَّصْوِيرُ بِالتَّسْوِيَةِ يَقَعُ ثَالِثًا انْتَهَى.

وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: الْخَالِقُ مَعْنَاهُ الَّذِي جَعَلَ الْمُبْدَعَاتِ أَصْنَافًا، وَجَعَلَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا قَدْرًا، وَالْبَارِئُ مَعْنَاهُ الْمُوجِدُ لِمَا كَانَ فِي مَعْلُومِهِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَالَبُ الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّهُ أَبْدَعَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ وَالنَّارَ وَالْهَوَاءَ لَا مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهَا الْأَجْسَامَ الْمُخْتَلِفَةَ، وَالْمُصَوِّرُ مَعْنَاهُ الْمُهَيِّئُ لِلْأَشْيَاءِ عَلَى مَا أَرَادَهُ مِنْ تَشَابُهٍ وَتَخَالُفٍ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: لَيْسَ الْخَلْقُ بِمَعْنَى الْإِبْدَاعِ إِلَّا لِلَّهِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ وَأَمَّا الَّذِي يُوجَدُ بِالِاسْتِحَالَةِ فَقَدْ وَقَعَ لِغَيْرِهِ بِتَقْدِيرِهِ ، مِثْلُ قَوْلِهِ لِعِيسَى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ وَالْخَلْقُ فِي حَقِّ غَيْرِ اللَّهِ يَقَعُ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ وَبِمَعْنَى الْكَذِبِ، وَالْبَارِئُ أَخَصُّ بِوَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبَرِيَّةُ الْخَلْقُ، قِيلَ: أَصْلُهُ الْهَمْزُ فَهُوَ مِنْ بَرَّأَ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ الْبَرِّيُّ مِنْ بَرَيْتُ الْعُودَ، وَقِيلَ: الْبَرِيَّةُ مِنَ الْبَرَى بِالْقَصْرِ وَهُوَ التُّرَابُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مُوجِدُ الْخَلْقَ مِنَ الْبَرَى وَهُوَ التُّرَابُ، وَالْمُصَوِّرُ مَعْنَاهُ الْمُهَيِّئُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ وَالصُّورَةُ فِي الْأَصْلِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّيْءُ عَنْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ مَحْسُوسٌ كَصُورَةِ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ، وَمِنْهُ مَعْقُولٌ كَالَّذِي اخْتَصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الْعَقْلِ وَالرُّؤْيَةِ، وَإِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، ﴿هُوَ الَّذِي

يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾

قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ لِكَوْنِهِ أَيْضًا رَوَى عَنْ عَفَّانَ، أَنَّ ابْنَ رَاهْوَيْهِ لَا يَقُولُ إِلَّا أَخْبَرَنَا، وَهُنَا ثَبَتَ فِي النُّسَخِ: حَدَّثَنَا فَتَأَيَّدَ أَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ هُنَا فِي الْعَزْلِ فِي (كِتَابِ النِّكَاحِ) مُسْتَوْفًى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ قَزْعَةَ) هُوَ ابْنُ يَحْيَى، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ؛ لِأَنَّ مُجَاهِدًا وهُوَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٤٠٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن منصورٍ أو ابن رَاهُوْيَه قال: (حَدَّثَنَا عَفَّانُ) قال: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو، ابن خالدٍ، قال (١): (حَدَّثَنَا مُوسَى هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ) وسقط لأبي ذرٍّ «هو ابن عقبة» قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ) بضمِّ الميم وفتح الحاء المهملة وسكون التَّحتيَّة بعدها راءٌ فتحتيَّةٌ ساكنةٌ فزايٌ، الجمحيِّ القرشيِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) (فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ) بكسر اللَّام: (أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا) جمع سبيئةٍ، بالهمز، وهي المرأة تُسبَى، مثل: خطيئة وخطايا، أي: جواريَ أُخِذُوا من الكفَّار أسرًا (فَأَرَادُوا) لمَّا طالت عليهم العزبة (أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ) في الجماع (وَلَا يَحْمِلْنَ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ عَنِ العَزْلِ) وهو نزع الذَّكر من الفرج وقت الإنزال (فَقَالَ) : (مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا) أي: ليس عليكم ضررٌ في ترك العزل، أو ليس عدم العزل واجبًا عليكم، أو «لا» زائدةٌ، كما قاله المبرِّد (فَإِنَّ اللهَ) ﷿ (قَدْ كَتَبَ) أي: أمر من كتب (مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) فلا فائدة في عزلكم، فإنَّه تعالى إن كان قد خلقها؛ سبقكم الماء فلا ينفعكم الحرص.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) هو ابن جبرٍ المفسِّر (٢)، فيما وَصَلَهُ: (عَنْ قَزَعَةَ) بالقاف والزَّاي المفتوحتين: (سَمِعْتُ) ولأبي ذرٍّ: «قال: سألت» (أَبَا سَعِيدٍ) الخدريَّ عن العزل (فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ) مقدَّرة الخلق (إِلَّا اللهُ) ﷿ (خَالِقُهَا) أي: مُبرِزُها من العدم إلى الوجود.

(١٩) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]) يريد قوله تعالى لإبليس لمَّا لم يسجد لآدم: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ امتثالًا لأمري، أي: خلقته بنفسي من غير توسُّطٍ كأبٍ وأمٍّ، والتَّثنية (٣) لِمَا في خلقه من مزيد القدرة واختلاف الفعل، وقيل: المراد باليد القدرة،

وتُعقِّب: بأنَّه لو كان اليد بمعنى القدرة لم يكن بين آدم وإبليس فرقٌ؛ لتشاركهما فيما خُلِق كلٌّ منهما به، وهي قدرته، وفي كلام المحقِّقين من علماء البيان أنَّ قولنا: اليد مجازٌ عن القدرة إنَّما هو لنفي وَهْمِ التَّشبيه والتَّجسيم بسرعةٍ، وإلَّا فهي تمثيلاتٌ وتصويراتٌ للمعاني العقليَّة بإبرازها في الصُّور الحسِّيَّة، ولأنَّه عُهِدَ أنَّه من اعتنى بشيءٍ باشره بيديه (١)، فيستفاد من ذلك أنَّ العناية بخلق آدم أتمُّ من العناية بخلق غيره، وثبت لفظ: «باب» لأبي ذرٍّ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.8 / 29.5
الإضاءة 16%
البدر بعد 11 يوم
الحمد لله