الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٤٠
الحديث رقم ٧٤٠ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ
٧٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ،
⦗١٤٩⦘
عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَالَ: فَلَعَلَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ دَخَلَ لَهُ بَابٌ فِي بَابٍ، يَعْنِي أَنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ يَلِيقُ بِحَدِيثِ سَالِمٍ الَّذِي فِي الْبَابِ الْمَاضِي. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ رِوَايَةَ نَافِعٍ لِأَصْلِ الْحَدِيثِ مَوْقُوفَةٌ وَأَنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ سَالِمًا كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى نَافِعٍ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ لَا خُصُوصِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ نَافِعًا كَانَ يَرْوِيهِ مَوْقُوفًا ثُمَّ يُعْقِبُهُ بِالرَّفْعِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَوْقُوفِ أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٨٧ - بَاب وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى
٧٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: يُنْمَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ: يَنْمِي.
قَوْلُهُ: (بَابُ وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ) أَيْ: فِي حَالِ الْقِيَامِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ) هَذَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ لَهُمْ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (عَلَى ذِرَاعِهِ) أَبْهَمَ مَوْضِعَهُ مِنَ الذِّرَاعِ، وَفِي حَدِيثِ وَائِلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ: ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغَ وَالسَّاعِدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ، وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، وَالرُّسْغُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ هُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ السَّاعِدِ وَالْكَفِّ، وَسَيَأْتِي أَثَرُ عَلِيٍّ نَحْوُهُ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا مَحَلَّهُمَا مِنَ الْجَسَدِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ أَنَّهُ وَضَعَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ، وَالْبَزَّارُ عِنْدَ صَدْرِهِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ فِي حَدِيثِ هُلْبٍ الطَّائِيِّ نَحْوُهُ. وَهُلْبٌ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَفِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ وَضَعَهُمَا تَحْتَ السُّرَّةِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
وَاعْتَرَضَ الدَّانِيُّ فِي أَطْرَافِ الْمُوَطَّأِ فَقَالَ: هَذَا مَعْلُولٌ؛ لِأَنَّهُ ظَنٌّ مِنْ أَبِي حَازِمٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ أَبَا حَازِمٍ لَوْ لَمْ يَقُلْ لَا أَعْلَمُهُ إِلَخْ لَكَانَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نُؤْمَرُ بِكَذَا يُصْرَفُ بِظَاهِرِهِ إِلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ فِي مَقَامِ تَعْرِيفِ الشَّرْعِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَنْ صَدَرَ عَنْهُ الشَّرْعُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ. وَأَطْلَقَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَصَحِيحِ ابْنِ السَّكَنِ شَيْءٌ يُسْتَأْنَسُ بِهِ عَلَى تَعْيِينِ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ وَاضِعًا يَدِيَ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى فَنَزَعَهَا وَوَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، قِيلَ: لَوْ كَانَ مَرْفُوعًا مَا احْتَاجَ أَبُو حَازِمٍ إِلَى قَوْلِهِ لَا أَعْلَمُهُ إِلَخْ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ الِانْتِقَالَ إِلَى التَّصْرِيحِ، فَالْأَوَّلُ لَا يُقَالُ لَهُ مَرْفُوعٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ: لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي هَذِهِ الْهَيْئَةِ أَنَّهُ صِفَةُ السَّائِلِ الذَّلِيلِ، وَهُوَ أَمْنَعُ مِنَ الْعَبَثِ وَأَقْرَبُ إِلَى الْخُشُوعِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَحِظَ ذَلِكَ فَعَقَّبَهُ بِبَابِ الْخُشُوعِ. وَمِنَ اللَّطَائِفِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْقَلْبُ مَوْضِعُ النِّيَّةِ، وَالْعَادَةُ أَنَّ مَنِ احْتَرَزَ عَلَى حِفْظِ شَيْءٍ جَعَلَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ خِلَافٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ غَيْرَهُ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ الْإِرْسَالَ، وَصَارَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَعَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ الْإِمْسَاكَ. وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ يُمْسِكُ مُعْتَمِدًا لِقَصْدِ الرَّاحَةِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عن ابن عمر أنَّه «كان يرفع يديه حين يفتتح الصَّلاة، وإذا ركع، وإذا استوى قائمًا من ركوعه حذو منكبيه، ويقول: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك» وقال الدَّارقُطنيُّ: ورواه ابن صخرٍ، عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ، عن ابن عمر موقوفًا.
(٨٧) (بابُ وَضْعِ) المصلِّي يده (اليُمْنَى عَلَى) اليد (اليُسْرَى) أي: في حال القيام، وزاد الأَصيليُّ والهرويُّ: «في الصَّلاة» وسقط «الباب» للأَصيليِّ (١).
٧٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنَبِيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة سلمة (٢) ابن دينار الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، السَّاعديِّ الأنصاريِّ (قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ) الآمرُ لهم النَّبيُّ ﷺ (أَنْ) أي: بأن (يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ (٣) اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ اليُسْرَى فِي الصَّلَاةِ) أي: يضع يده اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى، والرُّسغ من السَّاعد كما في حديث واثلة المرويِّ عند أبي داود والنَّسائيِّ، وصحَّحه ابن خزيمة. والحكمة في ذلك أنَّ القائم بين يديِ الملك الجبَّار يتأدَّب بوضع يده على يده، و (٤) هو أمنع للعبث، وأقرب إلى الخشوع، والرُّسغ: المفصل بين السَّاعد والكفِّ، والسُّنَّة أن يجعلهما تحت صدره لحديثٍ عند ابن خزيمة أنَّه وضعهما تحت صدره (٥) لأنَّ القلب موضع النِّيَّة،
والعادة أنَّ من احترز على حفظ شيءٍ جعل يديه عليه، وقال في «عوارف المعارف»: إنَّ الله تعالى بلطيف حكمته جعل الآدميَّ محلَّ نظره، ومورد وحيه، ونخبة ما في (١) أرضه وسمائه، روحانيًّا جسمانيًّا أرضيًّا سماويًّا، منتصب القامة، مرتفع الهيئة، فنصفه الأعلى من حدِّ (٢) الفؤاد مُستودَع أسرار السَّموات، ونصفه التَّحتانيُّ مُستودَع أسرار الأرض، فمحلُّ نفسه ومركزها النِّصفُ الأسفل، ومحلُّ روحه الرُّوحانيُّ والقلب النِّصفُ الأعلى فجواذب الرُّوح مع جواذب (٣) النَّفس يتطاردان ويتحاوران (٤) ويتجاذبان (٥) ويتحاربان (٦) ويتحادثان (٧)، وباعتبار تطاردهما وتغالبهما لمَّة الملَك ولمَّة الشَّيطان، ووقت الصَّلاة يكثر التَّطارد لوجود (٨) التَّجاذب بين
الإيمان والطَّبع، فيكاشف المصلِّي الَّذي صار قلبه سماويًّا، متردِّدًا بين الفناء والبقاء بجواذب النَّفس، متصاعدًا من مركزها، وللجوارح وتصرُّفها وحركتها مع معاني الباطن ارتباطٌ وموازنةٌ، فبوضع اليمين (١) على الشِّمال حَصْرٌ للنَّفس ومَنْعٌ من صعود جواذبها، وأثر ذلك يظهر برفع الوسوسة وزوال حديث النَّفس في الصَّلاة. انتهى. وروى ابنُ القاسم عن مالكٍ الإرسالَ، وصار إليه أكثر أصحابه، وعن الحنفيَّة: يضع يديه تحت سرَّته إشارةً إلى ستر العورة بين يدي الله تعالى، وكان الأصل أن يقول: يضعون، فوضع المُظهَر موضع المُضمَر. (قَالَ أَبُو حَازِمٍ) الأعرج: (لَا أَعْلَمُهُ) ولابن عساكر: «ولا أعلمه» أي: الأمر (إِلَّا) أنَّ سهلًا (يَنْمِي ذَلِكَ) بفتح أوَّله، أي: يسنده ويرفعه (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ).
(قَالَ إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويسٍ، لا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ولابن عساكر: «قال محمَّدٌ: قال إسماعيل» ويعني بمحمَّدٍ: المؤلِّف (يُنْمَى ذَلِكَ) بضمِّ الياء وفتح الميم بالبناء للمفعول (وَلَمْ يَقُلْ) أبو حازمٍ: (يَنْمِي) بفتح أوَّله وكسر الميم؛ كرواية القَعْنَبِيِّ.
ولمَّا فرغ المؤلِّف (١) من الكلام في وضع اليمنى على اليسرى، وهي صفةُ السَّائل الذَّليل، وأنَّه أقرب إلى الخشوع شَرَعَ يذكر (٢) الخشوع حثًّا للمصلِّي على ملازمته فقال:
(٨٨) (بابُ الخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ) الصَّلاةُ صلةُ العبد بربِّه، فمن تحقَّق بالصِّلة في الصَّلاة لمعت له طوالع التَّجلِّي فيخشع، وقد شهد القرآن بفلاحِ مُصَلٍّ خاشعٍ، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ (٣) فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] أي: خائفون من الله، متذلِّلون له، يُلزِمون أبصارَهم مساجدَهم، وعلامة ذلك ألَّا يلتفت المصلِّي يمينًا ولا شمالًا، ولا يجاوز (٤) بصرُه موضعَ سجوده، صلَّى بعضهم في جامع البصرة، فسقطت ناحيةٌ من المسجد، فاجتمع النَّاس عليها ولم يشعر هو بها، والفلاحُ أَجْمَعُ اسمٍ لسعادة الآخرة، وفقد الخشوع ينفيه، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهر الأمر الوجوب، فالغفلة ضدهُ (٥)، فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيمًا للصَّلاة لذكره تعالى؟! فافهم واعمل، فليُقْبِلِ العبدُ على ربِّه، ويستحضر بين يدي من هو واقفٌ، كان مكتوبًا في محراب داود ﵊: أيُّها المصلِّي، من أنت؟ ولمن أنت؟ وبين يدي من أنت؟ ومن تناجي؟ ومن يسمع كلامك؟ ومن ينظر إليك؟ وقال الخرَّاز: ليكن إقبالك
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَالَ: فَلَعَلَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ دَخَلَ لَهُ بَابٌ فِي بَابٍ، يَعْنِي أَنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ يَلِيقُ بِحَدِيثِ سَالِمٍ الَّذِي فِي الْبَابِ الْمَاضِي. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ رِوَايَةَ نَافِعٍ لِأَصْلِ الْحَدِيثِ مَوْقُوفَةٌ وَأَنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ سَالِمًا كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى نَافِعٍ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ لَا خُصُوصِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ نَافِعًا كَانَ يَرْوِيهِ مَوْقُوفًا ثُمَّ يُعْقِبُهُ بِالرَّفْعِ، فَكَأَنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَوْقُوفِ أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٨٧ - بَاب وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى
٧٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: يُنْمَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ: يَنْمِي.
قَوْلُهُ: (بَابُ وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ) أَيْ: فِي حَالِ الْقِيَامِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ) هَذَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ لَهُمْ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (عَلَى ذِرَاعِهِ) أَبْهَمَ مَوْضِعَهُ مِنَ الذِّرَاعِ، وَفِي حَدِيثِ وَائِلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ: ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغَ وَالسَّاعِدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ، وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، وَالرُّسْغُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ هُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ السَّاعِدِ وَالْكَفِّ، وَسَيَأْتِي أَثَرُ عَلِيٍّ نَحْوُهُ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا مَحَلَّهُمَا مِنَ الْجَسَدِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ أَنَّهُ وَضَعَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ، وَالْبَزَّارُ عِنْدَ صَدْرِهِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ فِي حَدِيثِ هُلْبٍ الطَّائِيِّ نَحْوُهُ. وَهُلْبٌ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَفِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ وَضَعَهُمَا تَحْتَ السُّرَّةِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
وَاعْتَرَضَ الدَّانِيُّ فِي أَطْرَافِ الْمُوَطَّأِ فَقَالَ: هَذَا مَعْلُولٌ؛ لِأَنَّهُ ظَنٌّ مِنْ أَبِي حَازِمٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ أَبَا حَازِمٍ لَوْ لَمْ يَقُلْ لَا أَعْلَمُهُ إِلَخْ لَكَانَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نُؤْمَرُ بِكَذَا يُصْرَفُ بِظَاهِرِهِ إِلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ فِي مَقَامِ تَعْرِيفِ الشَّرْعِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَنْ صَدَرَ عَنْهُ الشَّرْعُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ. وَأَطْلَقَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَصَحِيحِ ابْنِ السَّكَنِ شَيْءٌ يُسْتَأْنَسُ بِهِ عَلَى تَعْيِينِ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ ﷺ وَاضِعًا يَدِيَ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى فَنَزَعَهَا وَوَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، قِيلَ: لَوْ كَانَ مَرْفُوعًا مَا احْتَاجَ أَبُو حَازِمٍ إِلَى قَوْلِهِ لَا أَعْلَمُهُ إِلَخْ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ الِانْتِقَالَ إِلَى التَّصْرِيحِ، فَالْأَوَّلُ لَا يُقَالُ لَهُ مَرْفُوعٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ: لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي هَذِهِ الْهَيْئَةِ أَنَّهُ صِفَةُ السَّائِلِ الذَّلِيلِ، وَهُوَ أَمْنَعُ مِنَ الْعَبَثِ وَأَقْرَبُ إِلَى الْخُشُوعِ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَحِظَ ذَلِكَ فَعَقَّبَهُ بِبَابِ الْخُشُوعِ. وَمِنَ اللَّطَائِفِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْقَلْبُ مَوْضِعُ النِّيَّةِ، وَالْعَادَةُ أَنَّ مَنِ احْتَرَزَ عَلَى حِفْظِ شَيْءٍ جَعَلَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ خِلَافٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ غَيْرَهُ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ الْإِرْسَالَ، وَصَارَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَعَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ الْإِمْسَاكَ. وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ يُمْسِكُ مُعْتَمِدًا لِقَصْدِ الرَّاحَةِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
عن ابن عمر أنَّه «كان يرفع يديه حين يفتتح الصَّلاة، وإذا ركع، وإذا استوى قائمًا من ركوعه حذو منكبيه، ويقول: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك» وقال الدَّارقُطنيُّ: ورواه ابن صخرٍ، عن موسى بن عقبة، عن نافعٍ، عن ابن عمر موقوفًا.
(٨٧) (بابُ وَضْعِ) المصلِّي يده (اليُمْنَى عَلَى) اليد (اليُسْرَى) أي: في حال القيام، وزاد الأَصيليُّ والهرويُّ: «في الصَّلاة» وسقط «الباب» للأَصيليِّ (١).
٧٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القَعْنَبِيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة سلمة (٢) ابن دينار الأعرج (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون العين، السَّاعديِّ الأنصاريِّ (قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ) الآمرُ لهم النَّبيُّ ﷺ (أَنْ) أي: بأن (يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ (٣) اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ اليُسْرَى فِي الصَّلَاةِ) أي: يضع يده اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى، والرُّسغ من السَّاعد كما في حديث واثلة المرويِّ عند أبي داود والنَّسائيِّ، وصحَّحه ابن خزيمة. والحكمة في ذلك أنَّ القائم بين يديِ الملك الجبَّار يتأدَّب بوضع يده على يده، و (٤) هو أمنع للعبث، وأقرب إلى الخشوع، والرُّسغ: المفصل بين السَّاعد والكفِّ، والسُّنَّة أن يجعلهما تحت صدره لحديثٍ عند ابن خزيمة أنَّه وضعهما تحت صدره (٥) لأنَّ القلب موضع النِّيَّة،
والعادة أنَّ من احترز على حفظ شيءٍ جعل يديه عليه، وقال في «عوارف المعارف»: إنَّ الله تعالى بلطيف حكمته جعل الآدميَّ محلَّ نظره، ومورد وحيه، ونخبة ما في (١) أرضه وسمائه، روحانيًّا جسمانيًّا أرضيًّا سماويًّا، منتصب القامة، مرتفع الهيئة، فنصفه الأعلى من حدِّ (٢) الفؤاد مُستودَع أسرار السَّموات، ونصفه التَّحتانيُّ مُستودَع أسرار الأرض، فمحلُّ نفسه ومركزها النِّصفُ الأسفل، ومحلُّ روحه الرُّوحانيُّ والقلب النِّصفُ الأعلى فجواذب الرُّوح مع جواذب (٣) النَّفس يتطاردان ويتحاوران (٤) ويتجاذبان (٥) ويتحاربان (٦) ويتحادثان (٧)، وباعتبار تطاردهما وتغالبهما لمَّة الملَك ولمَّة الشَّيطان، ووقت الصَّلاة يكثر التَّطارد لوجود (٨) التَّجاذب بين
الإيمان والطَّبع، فيكاشف المصلِّي الَّذي صار قلبه سماويًّا، متردِّدًا بين الفناء والبقاء بجواذب النَّفس، متصاعدًا من مركزها، وللجوارح وتصرُّفها وحركتها مع معاني الباطن ارتباطٌ وموازنةٌ، فبوضع اليمين (١) على الشِّمال حَصْرٌ للنَّفس ومَنْعٌ من صعود جواذبها، وأثر ذلك يظهر برفع الوسوسة وزوال حديث النَّفس في الصَّلاة. انتهى. وروى ابنُ القاسم عن مالكٍ الإرسالَ، وصار إليه أكثر أصحابه، وعن الحنفيَّة: يضع يديه تحت سرَّته إشارةً إلى ستر العورة بين يدي الله تعالى، وكان الأصل أن يقول: يضعون، فوضع المُظهَر موضع المُضمَر. (قَالَ أَبُو حَازِمٍ) الأعرج: (لَا أَعْلَمُهُ) ولابن عساكر: «ولا أعلمه» أي: الأمر (إِلَّا) أنَّ سهلًا (يَنْمِي ذَلِكَ) بفتح أوَّله، أي: يسنده ويرفعه (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ).
(قَالَ إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويسٍ، لا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ولابن عساكر: «قال محمَّدٌ: قال إسماعيل» ويعني بمحمَّدٍ: المؤلِّف (يُنْمَى ذَلِكَ) بضمِّ الياء وفتح الميم بالبناء للمفعول (وَلَمْ يَقُلْ) أبو حازمٍ: (يَنْمِي) بفتح أوَّله وكسر الميم؛ كرواية القَعْنَبِيِّ.
ولمَّا فرغ المؤلِّف (١) من الكلام في وضع اليمنى على اليسرى، وهي صفةُ السَّائل الذَّليل، وأنَّه أقرب إلى الخشوع شَرَعَ يذكر (٢) الخشوع حثًّا للمصلِّي على ملازمته فقال:
(٨٨) (بابُ الخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ) الصَّلاةُ صلةُ العبد بربِّه، فمن تحقَّق بالصِّلة في الصَّلاة لمعت له طوالع التَّجلِّي فيخشع، وقد شهد القرآن بفلاحِ مُصَلٍّ خاشعٍ، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ (٣) فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] أي: خائفون من الله، متذلِّلون له، يُلزِمون أبصارَهم مساجدَهم، وعلامة ذلك ألَّا يلتفت المصلِّي يمينًا ولا شمالًا، ولا يجاوز (٤) بصرُه موضعَ سجوده، صلَّى بعضهم في جامع البصرة، فسقطت ناحيةٌ من المسجد، فاجتمع النَّاس عليها ولم يشعر هو بها، والفلاحُ أَجْمَعُ اسمٍ لسعادة الآخرة، وفقد الخشوع ينفيه، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وظاهر الأمر الوجوب، فالغفلة ضدهُ (٥)، فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيمًا للصَّلاة لذكره تعالى؟! فافهم واعمل، فليُقْبِلِ العبدُ على ربِّه، ويستحضر بين يدي من هو واقفٌ، كان مكتوبًا في محراب داود ﵊: أيُّها المصلِّي، من أنت؟ ولمن أنت؟ وبين يدي من أنت؟ ومن تناجي؟ ومن يسمع كلامك؟ ومن ينظر إليك؟ وقال الخرَّاز: ليكن إقبالك