«تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٤٦٣

الحديث رقم ٧٤٦٣ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٤٦٣ في صحيح البخاري

«تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ.»

قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٧٤٦٣

٧٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٤٦٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَنْ يَشَاءُ﴾ وَعَلَى الْقُوَّةِ وَالثَّبَاتِ وَالنَّصْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ وَعَلَى جِبْرِيلَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، وَعَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ تَسْمِيَةُ رُوحِ بَنِي آدَمَ رُوحًا بَلْ سَمَّاهَا نَفْسًا فِي قَوْلِهِ: النَّفْسُ الْمُطَمْئِنَةُ، وَالنَّفْسُ الْأَمَارَةُ بِالسُّوءِ، وَالنَّفْسُ اللَّوَّامَةُ، وَأَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَتَمَسَّكَ مَنْ زَعَمَ بِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ بِإِضَافَتِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَقَعُ عَلَى صِفَةٍ تَقُومُ بِالْمَوْصُوفِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَعَلَى مَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ كَبَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: رُوحُ اللَّهِ، مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.

الثَّانِي: وَهِيَ إِضَافَةُ تَخْصِيصٍ وَتَشْرِيفٍ وَهِيَ فَوْقَ الْإِضَافَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي بِمَعْنَى الْإِيجَادِ فَالْإِضَافَةُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: إِضَافَةُ إِيجَادٍ وَإِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَإِضَافَةُ صِفَةٍ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ مَخْلُوقَةٌ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ وَالْأَرْوَاحُ مَرْبُوبَةٌ وَكُلُّ مَرْبُوبٍ مَخْلُوقُ، رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى لِزَكَرِيَّا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ وَهَذَا الْخِطَابُ لِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ مَعًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ سَوَاءٌ قُلْنَا إِنَّ قَوْلَهُ خَلْقُنَا يَتَنَاوَلُ الْأَرْوَاحَ وَالْأَجْسَادَ مَعًا أَوِ الْأَرْوَاحَ فَقَطْ، وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَخْلُوقُونَ وَهُمْ أَرْوَاحٌ، وَحَدِيثُ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ وَالْجُنُودُ الْمُجَنَّدَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مَخْلُوقَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ وَشَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ بِلَالًا قَالَ لَمَّا نَامُوا فِي الْوَادِي: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ الرُّوحُ قَطْعًا لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ الْحَدِيثَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي

سُورَةِ سُبْحَانَ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ وَمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَمَا أُوتِيتُمْ عَلَى وَفْقِ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّتِهِ: قَالَ الْأَعْمَشُ هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ بِأَمْرِهِ لَهُ وَأَنَّ أَمْرَهُ وَقَوْلُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ يَقُولُ كُنْ حَقِيقَةً، وَأَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ الْخَلْقِ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ بِالْوَاوِ انْتَهَى. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾

٣٠ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾

﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ سَخَّرَ: ذَلَّلَ.

٧٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٤٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: تَكَفَّلَ اللهُ) فضلًا منه تعالى (لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ (١) وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ والمُستملي: «وتصديق كلماته» (أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ) الذي خرج منه (بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ) بغير غنيمةٍ إن لم يغنموا (أَوْ) من أجرٍ مع (غَنِيمَةٍ) إن غنموا.

والحديث سبق قريبًا [خ¦٧٤٥٧].

(٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي المَشِيئَةِ وَالإِرَادَةِ) فلا فرق بين المشيئة والإرادة إلَّا عند الكرَّاميَّة حيث جعلوا المشيئة صفةً واحدةً أزليَّةً تتناول ما يشاء (٢) الله تعالى بها من حيث يحدث، والإرادة حادثةً متعدِّدةً بعدد المرادات، ويدلُّ لأهل السُّنَّة قوله تعالى: (﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]) قال إمامنا الشَّافعيُّ -فيما رواه البيهقيُّ عن الرَّبيع بن سليمان عنه- المشيئة إرادة الله، وقد أعلم الله خلقه أنَّ المشيئة له دونهم فقال: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ﴾ فليست للخلق مشيئةٌ إلَّا أن يشاء الله تعالى (٣). انتهى. وقد دلَّت الآية على أنَّه تعالى خالقٌ أفعال العباد، وأنَّهم لا يفعلون إلَّا ما يشاء، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ثمَّ أكَّد ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فدلَّ على أنَّه (٤) فعل اقتتالهم الواقع بينهم (٥)؛ لكونه مريدًا له، وإذا كان هو الفاعل لاقتتالهم فهو المريد لمشيئتهم والفاعل، فثبت بذلك أنَّ

كسب العباد إنَّما هو بمشيئة الله وإرادته، ولو لم يرد وقوعه ما وقع، وقسم بعضهم الإرادة إلى (١) قسمين: إرادة أمرٍ وتشريعٍ، وإرادة قضاءٍ وتقديرٍ، فالأولى تتعلَّق بالطَّاعة والمعصية سواءٌ وقعت أم لا، والثَّانية: شاملةٌ لجميع الكائنات، محيطةٌ بجميع الحادثات طاعةً ومعصيةً، وإلى الأوَّل (٢) الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وإلى الثَّاني (٣) بقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، وسقط الباب وتاليه لغير أبي ذرٍّ، فقوله: «وقول الله تعالى (٤)» رفعٌ: (﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء﴾ [آل عمران: ٢٦]) وقوله تعالى: (﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا. إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]) وقوله (٥) تعالى: (﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [القصص: ٥٦]) يخلق (٦) فعل الاهتداء فيمن يشاء، فدلَّت هذه الآيات على إثبات الإرادة والمشيئة لله تعالى، وأنَّ العباد لا يريدون شيئًا إلَّا وقد سبقت إرادة الله تعالى له (٧)، وأنَّه الخالق لأعمالهم طاعةً أو معصيةً.

(قَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: عَنْ أَبِيهِ: نَزَلَتْ) آية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] (فِي أَبِي طَالِبٍ) وقد أجمع المفسِّرون على أنَّها نزلت فيه كما قاله الزَّجَّاج، وهذا التَّعليق وصله في «تفسير سورة القصص» [خ¦٤٧٧٢].

وقوله تعالى: (﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) تمسَّك به المعتزلة بأنَّه لا يريد المعصية، وأجيب بأنَّ معنى إرادة اليسر التَّخيير بين الصَّوم في السَّفر ومع المرض والإفطار بشرطه، وإرادة العسر المنفيَّة الإلزام بالصَّوم في السَّفر في جميع الحالات، فالإلزام هو

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَنْ يَشَاءُ﴾ وَعَلَى الْقُوَّةِ وَالثَّبَاتِ وَالنَّصْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ وَعَلَى جِبْرِيلَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، وَعَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَلَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ تَسْمِيَةُ رُوحِ بَنِي آدَمَ رُوحًا بَلْ سَمَّاهَا نَفْسًا فِي قَوْلِهِ: النَّفْسُ الْمُطَمْئِنَةُ، وَالنَّفْسُ الْأَمَارَةُ بِالسُّوءِ، وَالنَّفْسُ اللَّوَّامَةُ، وَأَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَتَمَسَّكَ مَنْ زَعَمَ بِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ بِإِضَافَتِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَقَعُ عَلَى صِفَةٍ تَقُومُ بِالْمَوْصُوفِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَعَلَى مَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ كَبَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: رُوحُ اللَّهِ، مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.

الثَّانِي: وَهِيَ إِضَافَةُ تَخْصِيصٍ وَتَشْرِيفٍ وَهِيَ فَوْقَ الْإِضَافَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي بِمَعْنَى الْإِيجَادِ فَالْإِضَافَةُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: إِضَافَةُ إِيجَادٍ وَإِضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَإِضَافَةُ صِفَةٍ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ مَخْلُوقَةٌ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ وَالْأَرْوَاحُ مَرْبُوبَةٌ وَكُلُّ مَرْبُوبٍ مَخْلُوقُ، رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى لِزَكَرِيَّا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ وَهَذَا الْخِطَابُ لِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ مَعًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ سَوَاءٌ قُلْنَا إِنَّ قَوْلَهُ خَلْقُنَا يَتَنَاوَلُ الْأَرْوَاحَ وَالْأَجْسَادَ مَعًا أَوِ الْأَرْوَاحَ فَقَطْ، وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَخْلُوقُونَ وَهُمْ أَرْوَاحٌ، وَحَدِيثُ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ وَالْجُنُودُ الْمُجَنَّدَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مَخْلُوقَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ وَشَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ بِلَالًا قَالَ لَمَّا نَامُوا فِي الْوَادِي: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ الرُّوحُ قَطْعًا لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ الْحَدِيثَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي

سُورَةِ سُبْحَانَ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ وَمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَمَا أُوتِيتُمْ عَلَى وَفْقِ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّتِهِ: قَالَ الْأَعْمَشُ هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ بِأَمْرِهِ لَهُ وَأَنَّ أَمْرَهُ وَقَوْلُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّهُ يَقُولُ كُنْ حَقِيقَةً، وَأَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ الْخَلْقِ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ بِالْوَاوِ انْتَهَى. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾

٣٠ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾

﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ سَخَّرَ: ذَلَّلَ.

٧٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أَنْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٤٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: تَكَفَّلَ اللهُ) فضلًا منه تعالى (لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ (١) وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ والمُستملي: «وتصديق كلماته» (أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ) الذي خرج منه (بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ) بغير غنيمةٍ إن لم يغنموا (أَوْ) من أجرٍ مع (غَنِيمَةٍ) إن غنموا.

والحديث سبق قريبًا [خ¦٧٤٥٧].

(٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي المَشِيئَةِ وَالإِرَادَةِ) فلا فرق بين المشيئة والإرادة إلَّا عند الكرَّاميَّة حيث جعلوا المشيئة صفةً واحدةً أزليَّةً تتناول ما يشاء (٢) الله تعالى بها من حيث يحدث، والإرادة حادثةً متعدِّدةً بعدد المرادات، ويدلُّ لأهل السُّنَّة قوله تعالى: (﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]) قال إمامنا الشَّافعيُّ -فيما رواه البيهقيُّ عن الرَّبيع بن سليمان عنه- المشيئة إرادة الله، وقد أعلم الله خلقه أنَّ المشيئة له دونهم فقال: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ﴾ فليست للخلق مشيئةٌ إلَّا أن يشاء الله تعالى (٣). انتهى. وقد دلَّت الآية على أنَّه تعالى خالقٌ أفعال العباد، وأنَّهم لا يفعلون إلَّا ما يشاء، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ثمَّ أكَّد ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فدلَّ على أنَّه (٤) فعل اقتتالهم الواقع بينهم (٥)؛ لكونه مريدًا له، وإذا كان هو الفاعل لاقتتالهم فهو المريد لمشيئتهم والفاعل، فثبت بذلك أنَّ

كسب العباد إنَّما هو بمشيئة الله وإرادته، ولو لم يرد وقوعه ما وقع، وقسم بعضهم الإرادة إلى (١) قسمين: إرادة أمرٍ وتشريعٍ، وإرادة قضاءٍ وتقديرٍ، فالأولى تتعلَّق بالطَّاعة والمعصية سواءٌ وقعت أم لا، والثَّانية: شاملةٌ لجميع الكائنات، محيطةٌ بجميع الحادثات طاعةً ومعصيةً، وإلى الأوَّل (٢) الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وإلى الثَّاني (٣) بقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].

(وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، وسقط الباب وتاليه لغير أبي ذرٍّ، فقوله: «وقول الله تعالى (٤)» رفعٌ: (﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء﴾ [آل عمران: ٢٦]) وقوله تعالى: (﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا. إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]) وقوله (٥) تعالى: (﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [القصص: ٥٦]) يخلق (٦) فعل الاهتداء فيمن يشاء، فدلَّت هذه الآيات على إثبات الإرادة والمشيئة لله تعالى، وأنَّ العباد لا يريدون شيئًا إلَّا وقد سبقت إرادة الله تعالى له (٧)، وأنَّه الخالق لأعمالهم طاعةً أو معصيةً.

(قَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: عَنْ أَبِيهِ: نَزَلَتْ) آية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] (فِي أَبِي طَالِبٍ) وقد أجمع المفسِّرون على أنَّها نزلت فيه كما قاله الزَّجَّاج، وهذا التَّعليق وصله في «تفسير سورة القصص» [خ¦٤٧٧٢].

وقوله تعالى: (﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) تمسَّك به المعتزلة بأنَّه لا يريد المعصية، وأجيب بأنَّ معنى إرادة اليسر التَّخيير بين الصَّوم في السَّفر ومع المرض والإفطار بشرطه، وإرادة العسر المنفيَّة الإلزام بالصَّوم في السَّفر في جميع الحالات، فالإلزام هو

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله