الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٤
الحديث رقم ٧٤ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما ذكر في ذهاب موسى ﷺ في البحر إلى الخضر.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٧٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
يقول سعيد بن جُبير إنه أخبر ابن عباس أن رجلًا يُسمى نَوْفًا البَكالي زعم أنَّ موسى الذي كان مع الخضر ليس بموسى المرسَل لبني إسرائيل، إنما هو موسى آخر؟ فقال ابن عباس: (كذب عدوّ الله) وهذا خرج منه مخرج الزجر والتحذير لا القدح في نوف، لأن ابن عباس قال ذلك في حال غضبه وألفاظ الغضب تقع على غير الحقيقة غالبًا وتكذيبه له لكونه قال غير الواقع ولا يلزم منه تعمده.
ثم استدل على كذب نوف بأن أبي بن كعب حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسأله رجل: من أعلم الناس؟ فقال: أنا أعلم الناس. وهذا قاله موسى عليه السلام بحسب اعتقاده، فعاتبه الله عز وجل حيث لم يرد العلم إليه، ولم يقل: الله أعلم. فأوحى الله تعالى إليه أنه يوجد عبد من عبادي يسمى الخضر عند ملتقى البحرين هو أعلم منك فقال: يا رب، كيف الطريق إلى لقائه؟ فقال له: احمل حوتًا في وعاء من خوص فإذا فقدت الحوت، فستجد الخضر هناك فانطلق موسى بخادم له يُسمَّى يوشع بن نون، وحملا حوتًا في وعاء من خوص كما أمره الله به، حتى إذا كانا عند صخرة عند ساحل البحر وضعا رؤوسهما على الأرض وناما، فخرج الحوت من الوعاء، واتخذ طريقا إلى البحر وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، وكان إحياء الحوت وإمساك جرية الماء حتى صار مسلكًا بعد ذلك عجبًا لموسى وخادمه، فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما فلما أصبح قال موسى لخادمه: آتنا غداءنا لقد تعبنا من سفرنا هذا، ولم يجد موسى عليه السلام تعبًا حتى جاوز المكان الذي أُمر به فأُلقي عليه الجوع والتعب، فقال له خادمه: إننا عندما كنا عند الصخرة فإني فقدت الحوت. فقال موسى: هذا الذي كنا نطلب لأنه علامة وجدان الخضر، فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه يتبعان آثارهما اتباعًا، فلما أتيا إلى الصخرة إذا رجل مغطًّى كله بثوب، فسلم موسى عليه، فقال الخضر: (وأنَّى بأرضك السلام) أي: وهل بأرضي من سلام؟ وهو استفهام استبعاد، يدل على أن أهل تلك الأرض لم يكونوا إذ ذاك مسلمين.
فقال موسى للخضر: أنا موسى. فقال له الخضر: أنت موسى الذي أُرسل إلى بني اسرائيل؟ فقال موسى: نعم. وهذا يدل على أن الأنبياء ومن دونهم لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى، لأن الخضر لو كان يعلم كل غيب لعرف موسى قبل أن يسأله، وهذا محل الشاهد الذي لأجله ذكر ابن عباس الحديث، ثم قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمني من الذي علمك الله علمًا، ولا ينافي نبوّته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أُرسل إليه فيما بُعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقًا. فأجابه الخضر بقوله: إنك لن تستطيع معي صبرًا؛ فإني أفعل أمورًا ظاهرها مناكير وباطنها لم تُحط به. ثم قال له: يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله إياه لا أعلمه. فقال له موسى: ستجدني إن شاء الله صابرًا معك غير منكر عليك، ولن أعصي لك أمرًا. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ليس لهما سفينة، فمرت بهما سفينة فكلموا أصحاب السفينة أن يحملوهما فعرف أصحابُ السفينة الخضر فحملوهما بغير أُجرة، فجاء عصفور فوقف على حرف السفينة فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر. فقصد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه بفأس فانخرقت السفينة ودخل الماء، فقال له موسى عليه السلام: هؤلاء قوم حملونا بغير أجر قصدت إلى سفينتهم فخرقتها لتُغرق أهلها. قال الخضر مذكِّرًا له بما قال له من قبل: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا. قال موسى: لا تؤاخذني بنسياني ولا تضيق عليَّ، فإن ذلك يُعَسِّر علي متابعتك. فكانت المسألة الأولى من موسى عليه السلام نسيانًا.
فانطلقا بعد خروجهما من السفينة، فإذا هم بغلام يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأس الغلام فاقتلع رأسه بيده، فقال موسى للخضر عليه السلام: أقتلت نفسًا طاهرة من الذنوب، لم نرها أذنبت ذنبًا يقتضي قتلها، أو قتلت نفسًا فتُقتل به. فقال الخضر لموسى عليهما السلام: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا. بزيادة «لك» في هذه المرة زيادة في العتاب، ولذلك قال سفيان بن عيينة أحد رواة الحديث: وهذا أوكد. واستدل عليه بزيادة «لك» في هذه المرة. فانطلقا حتى مرَّا بأهل قرية فطلبا منهم الطعام فامتنعوا أن يضيفوهما، ولم يجدوا في تلك القرية ضيافة ولا مأوى، فوجدا فيها جدارًا قد أوشك على السقوط والانهيار فأشار الخضر بيده فأقامه، فقال موسى للخضر: لو شئت لأخذت عليه أجرًا فيكون لنا عونا على سفرنا. فقال الخضر لموسى عليه السلام: هذا الاعتراض الثالث سبب للفراق بيني وبينك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى لقد أحببنا وتمنينا أن لو صبر حتى نستزيد مما دار بينهما من العلم والحكمة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٧٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي، هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إذ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا فَأَوْحَى إِلَى مُوسَى بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ.
[الحديث ٧٤ - أطرافه في، ٧٤٧٨، ٦٦٧٢، ٤٧٢٧، ٤٧٢٦، ٤٧٢٥، ٣٤٠١، ٣٤٠٠، ٣٢٧٨، ٢٧٢٨، ٢٢٦٧، ١٢٢، ٧٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ) هَذَا الْبَابُ مَعْقُودٌ لِلتَّرْغِيبِ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ مَا يُغْتَبَطُ بِهِ تُحْتَمَلُ الْمَشَقَّةُ فِيهِ ; وَلِأَنَّ مُوسَى ﵊ لَمْ يَمْنَعْهُ بُلُوغُهُ مِنَ السِّيَادَةِ الْمَحَلَّ الْأَعْلَى مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَرُكُوبَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لِأَجْلِهِ، فَظَهَرَ بِهَذَا مُنَاسَبَةُ هَذَا الْبَابِ لِمَا قَبْلَهُ. وَظَاهِرُ التَّبْوِيبِ أَنَّ مُوسَى رَكِبَ الْبَحْرَ لَمَّا تَوَجَّهَ فِي طَلَبِ الْخَضِرِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي الْبَرِّ وَسَيَأْتِي بِلَفْظِ فَخَرَجَا يَمْشِيَانِ وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَإِنَّمَا رَكِبَ الْبَحْرَ فِي السَّفِينَةِ هُوَ وَالْخَضِرُ بَعْدَ أَنِ الْتَقَيَا، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: إِلَى الْخَضِرِ عَلَى أَنَّ فِيهِ حَذْفًا، أَيْ: إِلَى مَقْصِدِ الْخَضِرِ ; لِأَنَّ مُوسَى لَمْ يَرْكَبِ الْبَحْرَ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا رَكِبَهُ تَبَعًا لِلْخَضِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ذَهَابَ مُوسَى فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَيَكُونُ فِيهِ حَذْفٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَقْصُودُ الذَّهَابِ إِنَّمَا حَصَلَ بِتَمَامِ الْقِصَّةِ، وَمِنْ تَمَامِهَا أَنَّهُ رَكِبَ مَعَهُ الْبَحْرَ، فَأَطْلَقَ عَلَى جَمِيعِهَا ذَهَابًا مَجَازًا، إِمَّا مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ أَوْ مِنْ تَسْمِيَةِ السَّبَبِ بِاسْمِ مَا تَسَبَّبَ عَنْهُ. وَحَمَلَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ عَلَى أَنَّ إِلَى بِمَعْنَى مَعَ. وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ مُوسَى تَوَجَّهَ فِي الْبَحْرِ لَمَّا طَلَبَ الْخَضِرَ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ قَوِيَ عِنْدَهُ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي قَوْلِهِ: فَكَانَ يَتْبَعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ فَالظَّرْفُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمُوسَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْحُوتِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا جَاءَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَغَيْرِهِ، فَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ أَنَّ مُوسَى الْتَقَى بِالْخَضِرِ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، انْتَهَى. وَالتَّوَصُّلُ إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ لَا يَقَعُ إِلَّا بِسُلُوكِ الْبَحْرِ غَالِبًا. وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: إِنْجَابُ الْمَاءِ عَنْ مَسْلَكِ الْحُوتِ فَصَارَ طَاقَةً مَفْتُوحَةً، فَدَخَلَهَا مُوسَى عَلَى أَثَرِ الْحُوتِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْخَضِرِ.
فَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ إِلَيْهِ. وَهَذَانِ الْأَثَرَانِ الْمَوْقُوفَانِ رِجَالُهُمَا ثِقَاتٌ.
قَوْلُهُ: (الْآيَةَ) هُوَ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ: فَذَكَرَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ بَاقِيَ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا) وَلِلْأَصِيلِيِّ: حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ.
قَوْلُهُ: (غُرَيْرٌ) تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا، وَمُحَمَّدٌ وَشَيْخُهُ وَأَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ زُهْرِيُّونَ، وَكَذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الأَصيليُّ في روايته باقي الآية؛ وهو قوله: «﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾» [الكهف: ٦٦] أي: علمًا ذا رشدٍ؛ وهو إصابة الخير، وقرأ يعقوب وأبو عمرٍو والحسن واليزيديُّ (١): بفتح الرَّاء والشِّين، والباقون: بضمِّ الرَّاء وسكون الشِّين (٢)، وهما لغتان؛ كالبَخَل والبُخْل، وهو مفعول: ﴿تُعَلِّمَنِ﴾، ومفعول ﴿عُلِّمْتَ﴾ العائدُ محذوفٌ، وكلاهما منقولٌ من «عَلِمَ» الذي له مفعولٌ واحدٌ، ويجوز أن يكون ﴿رُشْدًا﴾ (٣) علَّة لـ ﴿أَتَّبِعُكَ﴾ أو مصدرًا بإضمار فعله، ولا ينافي نبوَّته وكونه صاحب شريعةٍ أن يتعلَّم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدِّين؛ فإنَّ الرَّسول ينبغي أن يكون أعلمَ ممَّن أُرسِلَ إليه فيما بُعِثَ به من أصول الدِّين وفروعه، لا مُطلَقًا، وقد (٤) راعى في ذلك غاية الأدب والتَّواضع، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له، وسأل منه أن يرشده ويُنعِمَ عليه بتعليمِ بعضِ ما أَنْعَمَ الله عليه، قاله البيضاويُّ.
٧٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ) بغَيْنٍ مُعجَمَةٍ مضمومةٍ وراءٍ مُكرَّرةٍ؛ الأولى منهما مفتوحةٌ بينهما مُثَّناةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ،
ابن الوليد القرشيُّ (الزُّهْرِيُّ) المدنيُّ، نزيل سمرقند (قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ القرشيُّ المدنيُّ الزُّهريُّ، سكن بغداد وتُوفِّي بها (١) في شوَّال سنة ثمانٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) أي: ابن كَيسان -بفتح الكاف- المدنيِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى وهو ابن مئة سنةٍ ونيَّفٍ وستِّين سنةً (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (حَدَّثَ) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «حدَّثه» (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) بالتَّصغير (بْنَ عَبْدِ اللهِ) -بالتَّكبير- ابن عتبة، أحد الفقهاء السَّبعة (أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄: (أَنَّهُ تَمَارَى) أي: تجادل وتنازع (هُوَ) أي: ابن عبَّاسٍ (وَالحُرُّ) بضمِّ الحاء المُهمَلَة، وتشديد الرَّاء (بْنُ قَيْسِ) بفتح القاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخرُه مُهمَلَةٌ (بْنِ حِصْنٍ) بكسر الحاء وسكون الصَّاد المُهمَلَتين، الصَّحابيُّ (الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزَّاي ثمَّ الرَّاء؛ نسبةً إلى فَزَارةَ بن شيبانَ (فِي صَاحِبِ مُوسَى) ﵊؛ هل هو خضرٌ أو غيره؟ (قَالَ (٢) ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (هُوَ خَضِرٌ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أو بكسر أوَّله وإسكان ثانيه، ولم يذكر مقالة الحرِّ بن قيسٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا وقفت على ذلك في شيءٍ من طرق هذا الحديث (فَمَرَّ بِهِمَا) أي: بابن عبَّاسٍ والحرِّ بن قيسٍ (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) هو أبو (٣) المنذر الأنصاريُّ، المُتوفَّى سنة تسعَ عشْرةَ، أو عشرين، أو ثلاثين (فَدَعَاهُ) أي: ناداه (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، وفسَّره السَّفاقسيُّ -فيما نقله عنه الزَّركشيُّ وغيره- بقيامه إليه، أي: ثمَّ سأله، وعلَّله (٤) بأنَّ ابن عبَّاسٍ كان آدْبَ من أن يدعو أُبيًّا مع جلالته. انتهى. وليس في دعائه أن يجلس عندهم لفصل الخصومة ما يخلُّ بالأدب، وقد رُوِيَ: «فمرَّ بهما أُبيُّ بن كعبٍ، فدعاه ابن عبَّاسٍ، فقال: يا أبا الطُّفيل، هلمَّ إلينا» فهو صريحٌ في المُرَاد (فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ) أي: اختلفت (أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا) الحرُّ بن قيسٍ (فِي
صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى) وللأَصيليِّ زيادة: «ﷺ» (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ) بلامٍ مضمومةٍ فقافٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ (هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ) حال كونه (١) (يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ) أُبيٌّ: (نَعَمْ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية ابن عساكر: «النَّبيَّ» (ﷺ) زاد في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت (٢): «يذكر شأنه» حال كونه (يَقُولُ: بَيْنَمَا) بالميم (مُوسَى) ﵊ (فِي مَلإٍ) بالقصر، أي: في جماعةٍ أو أشرافٍ (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وهم أولاد يعقوب ﵇، وكان أولاده اثني عشر؛ وهم الأسباط، وجميع بني إسرائيل منهم (جَاءَهُ رَجُلٌ) جواب «بينما»، والفصيح في جوابه -كما تقرَّر- ترك «إذ» و «إذا». نعم؛ ثبتت «إذ» في رواية أبي ذَرٍّ، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (٣)، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على تسمية الرَّجل (فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟) بنصب «أعلمَ» صفةٌ لـ «أحدًا» (قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فقال» (مُوسَى: لَا) أعلم أحدًا أعلمَ منِّي، وفي «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٥]: فسُئِل: أيُّ النَّاس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه، أي: تنبيهًا له وتعليمًا لمن بعده، ولئلَّا يقتديَ به غيره في تزكية نفسه فيهلك، ولا ريبَ أنَّ في هذه القصَّة أبلغَ ردٍّ على مَنْ في هذا العصر؛ حيث (٤) فاهَ بقوله: أنا أعلمُ خلقِ الله، وإنَّما أُلجِئَ موسى للخضر للتَّأديب لا للتَّعليم، فافهم (فَأَوْحَى اللهُ) زاد الأَصيليُّ: «﷿» (إِلَى مُوسَى: بَلَى) بفتح اللَّام وألفٍ؛ كـ «على» (عَبْدُنَا خَضِرٌ) وهو بَلْيَا بن ملكان (٥) أعلم منك؛ بما أعلمتُه من الغيوب وحوادث القدرة ممَّا لا تعلم الأنبياء منه إلَّا ما أُعلِموا به؛ كما قال سيِّدهم وصفوتهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم في هذا المقام: «إنِّي لا أعلم إلَّا ما علَّمني ربِّي»، وإِلَّا فلا ريبَ أنَّ موسى ﵊ أعلم بوظائف النُّبوَّة، وأمور الشَّريعة، وسياسة الأمَّة، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «بلْ» بإسكان اللَّام، والتَّقدير: فأوحى الله إليه لا تُطلقِ النَّفيَ، بل قل: خَضِرٌ، لكن استُشكِل على هذه الرِّواية قوله: «عبدنا» إذ إنَّ المقام يقتضي أن يقول: عبد الله أو عبدك،
وأُجِيب: بأنَّه ورد على سبيل الحكاية عنِ الله تعالى، وأضافه تعالى إليه للتَّعظيم (فَسَأَلَ مُوسَى) ﵊ (السَّبِيلَ إِلَيْهِ) أي: إلى الخضر، فقال: اللهمَّ؛ ادللني عليه (فَجَعَلَ اللهُ لَهُ) أي: لأجله (الحُوتَ آيَةً) أي: علامةً لمكان الخضر ولُقِيِّه (وَقِيلَ لَهُ): يا موسى (إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ) وذلك: أنَّه لمَّا سأل موسى السَّبيل إليه قال الله تعالى له: اطلبه على السَّاحل عند الصَّخرة، قال: يا ربِّ؛ كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مِكْتَلٍ، فحيث فقدته فهو هناك، فقِيلَ: أخذ سمكةً مملوحةً، وقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني (وَكَانَ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «فكان» (يَتَّبِعُ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة (أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ) يوشع بن نونٍ، فإنَّه كان يخدمه ويتبعه ولذلك سمَّاه فتاه: (﴿أَرَأَيْتَ﴾) ما دهاني (﴿إِذْ﴾) أي: حين (﴿أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾) يعني: الصَّخرة التي رقد عندها موسى ﵊، أوِ الصَّخرة التي دون نهر الزَّيت؛ وذلك أنَّ موسى لمَّا رقد اضطرب الحوت المشويُّ ووقع في البحر؛ معجزةً لموسى أو الخضر ﵉، وقِيلَ: إنَّ يوشع حمل الخبز والحوت في المِكْتَل، ونزلا ليلًا (١) على شاطئ عينٍ تُسمَّى: عين الحياة، فلمَّا أصاب السَّمكة روح الماء وبرده عاشت، وقِيلَ: توضَّأ يوشعُ من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فعاش ووقع في الماء (﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) فقدته، أو نسيت ذكره بما رأيت (﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾) قال البيضاويُّ: أي: وما أنساني ذكرَه إلَّا الشَّيطانُ، فإنَّ «أن أذكره» بدلٌ من الضَّمير، وهو اعتذارٌ عن نسيانه بشغل الشَّيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبةً لا يُنسَى مثلها، لكنَّه لمَّا ضَرِيَ بمشاهدة أمثالها عند موسى وأَلِفَها قلَّ اهتمامه بها، ولعلَّه نَسِيَ ذلك لاستغراقه في الاستبصار، وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنَّما نسبه إلى الشَّيطان هضمًا لنفسه (﴿قَالَ﴾) موسى: (﴿ذَلِكَ﴾) أي: فقدان الحوت (﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾) أي: الذي نطلبه؛ لأنَّه (٢) علامةٌ على وجدان المقصود (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾) فرجعا في الطَّريق الذي جاءا فيه يقصَّان (﴿قَصَصًا﴾) أي: يتَّبعان آثارهما
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَلَا يقنع بِمَا عِنْده كَمَا لم يكتف مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعِلْمِهِ الرَّابِع فِيهِ وجوب التَّوَاضُع لن الله تَعَالَى عَاتب مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حِين لم يرد الْعلم إِلَيْهِ وَأَرَادَ من هُوَ أعلم مِنْهُ قلت يَعْنِي فِي علم مَخْصُوص الْخَامِس فِيهِ حمل الزَّاد وأعداده للسَّفر بِخِلَاف قَول الصُّوفِيَّة السَّادِس قَول النَّوَوِيّ فِيهِ أَنه لَا بَأْس على الْعَالم والفاضل أَن يَخْدمه الْمَفْضُول وَيقْضى لَهُ حَاجته وَلَا يكون هَذَا من أَخذ الْعِوَض على تَعْلِيم الْعلم والآداب بل من مروآت الْأَصْحَاب وَحسن المعاشرة وَدَلِيله اتيان فتاه غداءهما السَّابِع فِيهِ الرحلة وَالسّفر لطلب الْعلم برا وبحراً الثَّامِن فِيهِ قبُول خبر الْوَاحِد الصدوق وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
١٧ - (بَاب قوْل النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هَذَا لفظ الحَدِيث، وَضعه تَرْجَمَة على صُورَة التَّعْلِيق، ثمَّ ذكره مُسْندًا، وَهل يُقَال لمثله مُرْسل أم لَا؟ فِيهِ خلاف. فَإِن قلت: مَا أَرَادَ من وضع هَذَا تَرْجَمَة؟ قلت: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن هَذَا لَا يخْتَص جَوَازه بِابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن من جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول غَلَبَة ابْن عَبَّاس على حر بن قيس فِي تماريهما فِي صَاحب مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَذَاكَ من كَثْرَة علمه وغزارة فَضله، وَفِي هَذَا الْبَاب إِشَارَة إِلَى أَن علمه الغزير وفضيلته الْكَامِلَة ببركة دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ لَهُ: (اللَّهُمَّ علمه الْكتاب) . وَوجه آخر: أَن فِي الْبَاب الأول بَيَان استفادة مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الْخضر من الْعلم الَّذِي لم يكن عِنْده من ذَلِك شَيْء، وَفِي هَذَا الْبَاب بَيَان استفادة ابْن عَبَّاس علم الْكتاب من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
٧٥ - حدّثناأبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ الوَارثِ قَالَ: حَدثنَا خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّني رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ: (اللَّهُمَّ عَلَّمُهُ الكِتابَ) ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، بل هُوَ عين التَّرْجَمَة.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد اللَّه بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج ميسرَة، الْبَصْرِيّ المقعد، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين، الْمنْقري الْحَافِظ الْحجَّة، سمع عبد الْوَارِث الدَّرَاورْدِي وَغَيرهمَا، روى عَنهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَالْبُخَارِيّ، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ. قَالَ يحيى بن معِين: هُوَ ثِقَة عَاقل، وَفِي رِوَايَة: ثَبت، وَكَانَ يَقُول بِالْقدرِ، توفّي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد ابْن ذكْوَان التَّمِيمِي الْعَنْبَري أَبُو عُبَيْدَة الْبَصْرِيّ، روى عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَغَيره، قَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة حجَّة. توفّي بِالْبَصْرَةِ فِي الْمحرم سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: خَالِد بن مهْرَان الْحذاء، أَبُو الْمنَازل، بِضَم الْمِيم، كَذَا ذكره أَبُو الْحسن، وَقَالَ عبد الْغَنِيّ: مَا كَانَ من منَازِل فَهُوَ بِضَم الْمِيم إلَاّ يُوسُف بن منَازِل فَإِنَّهُ بِفَتْح الْمِيم. قَالَ الْبَاجِيّ: قَرَأت على الشَّيْخ أبي ذَر، يَعْنِي الْهَرَوِيّ، فِي كتاب (الْأَسْمَاء والكنى) لمُسلم: خَالِد بن مهْرَان أَبُو الْمنَازل، بِفَتْح الْمِيم، وَكَذَا ذكره فِي سَائِر الْبَاب، وَالضَّم أظهر. وَقَالَ مُحَمَّد ابْن سعد: هُوَ مولى لأبي عبد اللَّه عَامر بن كريز الْقرشِي، وَلم يكن بحذّاء إِنَّمَا كَانَ يجلس إِلَيْهِم. يُقَال إِنَّه مَا حذا نعلا قطّ، وَإِنَّمَا كَانَ يجلس إِلَى صديق لَهُ حذاء. وَقيل: إِنَّه كَانَ يَقُول: أخذُوا عَليّ هَذَا النَّحْو، فلقب بِهِ. تَابِعِيّ، رأى أنس بن مَالك، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ، وَقَالَ يحيى وَأحمد: ثِقَة، توفّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: عِكْرِمَة مولى عبد اللَّه بن عَبَّاس، أَبُو عبد اللَّه الْمدنِي. أَصله من البربر من أهل الْمغرب، سمع مَوْلَاهُ وَعبد اللَّه بن عمر وخلقاً من الصَّحَابَة، وَكَانَ من الْعلمَاء فِي زَمَانه بِالْعلمِ وَالْقُرْآن، وَعنهُ أَيُّوب وخَالِد الْحذاء وَخلق، وَتكلم فِيهِ بِرَأْيهِ، رَأْي الْخَوَارِج، وَأطلق نَافِع وَغَيره عَلَيْهِ الْكَذِب، وروى لَهُ مُسلم مَقْرُونا بطاوس وَسَعِيد بن جُبَير، وَاعْتَمدهُ البُخَارِيّ فِي أَكثر مَا يَصح عَنهُ من الرِّوَايَات، وَرُبمَا عيب عَلَيْهِ إِخْرَاج حَدِيثه، وَمَات ابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة مَمْلُوك فَبَاعَهُ عَليّ ابْنه من خَالِد بن مُعَاوِيَة بأَرْبعَة آلَاف دِينَار، فَقَالَ لَهُ عِكْرِمَة: بِعْت علم أَبِيك بأَرْبعَة آلَاف دِينَار؟ فاستقاله فأقاله وَأعْتقهُ. وَكَانَ جوالاً فِي الْبِلَاد، وَمَات بِالْمَدِينَةِ سنة خمس، أَو سِتّ، أَو سبع وَمِائَة، وَمَات مَعَه فِي ذَلِك الْيَوْم كُثَيِّر الشَّاعِر، فَقيل: مَاتَ الْيَوْم أفقه النَّاس وأشعر النَّاس. وَقيل: مَاتَ عِكْرِمَة سنة خمس عشرَة وَمِائَة، وَقد بلغ ثَمَانِينَ. وَاجْتمعَ حفاظ ابْن عَبَّاس على عِكْرِمَة، فيهم عَطاء وَطَاوُس
وَسَعِيد بن جُبَير فَجعلُوا يسْأَلُون عِكْرِمَة عَن حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَجعل يُحَدِّثهُمْ. وَسَعِيد كلما حدث بِحَدِيث وضع أُصْبُعه الْإِبْهَام على السبابَة، أَي سوى، حَتَّى سَأَلُوهُ عَن الْحُوت وقصة مُوسَى، فَقَالَ عِكْرِمَة: كَانَ يسايرهما فِي ضحضاح من المَاء، فَقَالَ سعيد: أشهد على ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: يحملانه فِي مكتل، يعْنى الزنبيل. قَالَ أَيُّوب: ورأيي، وَالله أعلم، أَن ابْن عَبَّاس حدث بالخبرين جَمِيعًا. الْخَامِس: عبد اللَّه بن عَبَّاس.
بَيَان الْأَنْسَاب: الْمنْقري، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْقَاف بعْدهَا رَاء، نِسْبَة إِلَى منقر بن عبيد بن الْحَارِث، وَهُوَ مقاعس بن عَمْرو بن كَعْب بن سعيد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. قَالَ ابْن دُرَيْد: من نقرت عَن الْأَمر: كشفت عَنهُ. التَّمِيمِي: فِي مُضر ينْسب إِلَى تَمِيم بن مر ابْن أد بن طابخة بن الياس. الْعَنْبَري، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا رَاء، فِي تَمِيم ينْسب إِلَى العنبر بن عَمْرو بن تَمِيم.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث، والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته بصريون خلا عِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس. وهما أَيْضا سكنا الْبَصْرَة مُدَّة. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده على شَرط الْأَئِمَّة السِّتَّة، قَالَه بعض الشَّارِحين. وَفِيه نظر. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه هُنَا عَن أبي معمر، وَأخرجه أَيْضا فِي فَضَائِل الصَّحَابَة عَن أبي معمر ومسدد عَن عبد الْوَارِث وَعَن مُوسَى عَن وهيب، كِلَاهُمَا عَن خَالِد، قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي: هُوَ عِنْد القواريري عَن عبد الْوَارِث، وَأخرجه أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن عبد اللَّه بن مُحَمَّد، حَدثنَا هَاشم بن الْقَاسِم. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل ابْن عَبَّاس، حَدثنَا زُهَيْر وَأَبُو بكر بن أبي النَّصْر، حَدثنَا هَاشم بن الْقَاسِم، حَدثنَا وَرْقَاء عَن عبيد اللَّه بن أبي يزِيد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن بشار عَن الثَّقَفِيّ عَن عبد الْوَارِث بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عمر بن مُوسَى عَن عبد الْوَارِث بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأبي بكر بن خَلاد، كِلَاهُمَا عَن الثَّقَفِيّ بِهِ.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (ضمني) : من ضم يضم ضماً، وضممت الشَّيْء إِلَى الشَّيْء فانضم إِلَيْهِ، وَهُوَ من بَاب: نصر ينصر. قَوْله: (اللَّهُمَّ) أَصله: يَا الله، فَحذف حرف النداء وَعوض عَنهُ الْمِيم، وَلذَلِك لَا يَجْتَمِعَانِ. وَأما قَول الشَّاعِر:
(وَمَا عَلَيْك أَن تَقول كلماسبحت أَو صليت يَا اللهما)
ارْدُدْ علينا شَيخنَا مُسلما
فَلَيْسَ يثبت، وَهَذَا من خَصَائِص اسْم الله تَعَالَى، كَمَا اخْتصَّ بِالْبَاء فِي الْقسم، وبقطع همزته فِي: يَا الله، وَبِغير ذَلِك. وَكَأَنَّهُم لما أَرَادوا أَن يكون نداؤه باسمه متميزاً عَن نِدَاء عباده باسمائهم من أول الْأَمر، حذفوا حرف النداء من الأول وَزَادُوا الْمِيم لقربها من حرف الْعلَّة، كالنون فِي الآخر، وخصت لِأَن النُّون كَانَت ملتبسة بضمير النِّسَاء صُورَة، وشددت لِأَنَّهَا خلف من حرفين، وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهٍ أَن لَا تُوصَف، لِأَن وُقُوع خلف حرف النداء بَين الْمَوْصُوف وَالصّفة، كوقوع حرف النداء بَينهمَا، وَمذهب الْكُوفِيّين أَن أَصله: يَا الله أم، أَي: أقصد بِخَير، فتصرف فِيهِ، وَرجح الْأَكْثَرُونَ قَول الْبَصرِيين، وَرجح الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ قَول الْكُوفِيّين من وَجه وَكَأن الأَصْل أَن: يَا، الَّذِي هُوَ حرف النداء لَا يدْخل على مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام إلَاّ بِوَاسِطَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: {يَا أَيهَا المزمل} (المزمل: ١) وَشبهه، وَإِنَّمَا ادخلوها هُنَا لخصوصية هَذَا الِاسْم الشريف بِاللَّه تَعَالَى، وَاللَّام فِيهِ لَازِمَة غير مُفَارقَة لِأَنَّهَا عوض عَمَّا حذف مِنْهُ، وَهِي الْهمزَة.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (ضمني) فعل ومفعول، و: (رَسُول الله) فَاعله، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل. قَوْله: (وَقَالَ) ، عطف على: (ضمني) . قَوْله: (اللَّهُمَّ علمه الْكتاب) ، مقول القَوْل، وَالْهَاء فِي: علمه، مفعول أول لعلم، و: الْكتاب، مفعول ثَان. فَإِن قلت: هَذَا الْبَاب، أَعنِي: التَّعْلِيم، يتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل، ومفعوله الأول كمفعول أَعْطَيْت، وَالثَّانِي وَالثَّالِث كمفعولي: علمت، يَعْنِي لَا يجوز حذف الثَّانِي أَو الثَّالِث فَقَط، فَكيف هَهُنَا؟ قلت: علمه بِمَعْنى عرفه، فَلَا يَقْتَضِي إلَاّ مفعولين.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (ضمني) فِيهِ حذف تَقْدِيره ضمني إِلَى نَفسه، أَو إِلَى صَدره، وَقد جَاءَ بذلك مُصَرحًا فِي رِوَايَته الْأُخْرَى عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَارِث: (إِلَى صَدره) . قَوْله: (الْكتاب) أَي: الْقُرْآن، لِأَن الْجِنْس الْمُطلق مَحْمُول على الْكَامِل، وَلِأَن الْعرف الشَّرْعِيّ عَلَيْهِ، أَو لِأَن اللَّام للْعهد. فَإِن قلت: المُرَاد نفس الْقُرْآن أَي: لَفظه، أَو مَعَانِيه أَي: أَحْكَام الدّين؟ قلت: اللَّفْظ، بِاعْتِبَار دلَالَته على مَعَانِيه، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسَدّد: (الْحِكْمَة) بدل: (الْكتاب) . وَذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن ذَلِك هُوَ الثَّابِت فِي الطّرق كلهَا عَن خَالِد الْحذاء، وَفِيه نظر، لِأَن البُخَارِيّ أخرجه أَيْضا من حَدِيث وهيب عَن خَالِد بِلَفْظ: الْكتاب،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٧٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي، هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إذ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا فَأَوْحَى إِلَى مُوسَى بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ.
[الحديث ٧٤ - أطرافه في، ٧٤٧٨، ٦٦٧٢، ٤٧٢٧، ٤٧٢٦، ٤٧٢٥، ٣٤٠١، ٣٤٠٠، ٣٢٧٨، ٢٧٢٨، ٢٢٦٧، ١٢٢، ٧٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ) هَذَا الْبَابُ مَعْقُودٌ لِلتَّرْغِيبِ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ مَا يُغْتَبَطُ بِهِ تُحْتَمَلُ الْمَشَقَّةُ فِيهِ ; وَلِأَنَّ مُوسَى ﵊ لَمْ يَمْنَعْهُ بُلُوغُهُ مِنَ السِّيَادَةِ الْمَحَلَّ الْأَعْلَى مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَرُكُوبَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لِأَجْلِهِ، فَظَهَرَ بِهَذَا مُنَاسَبَةُ هَذَا الْبَابِ لِمَا قَبْلَهُ. وَظَاهِرُ التَّبْوِيبِ أَنَّ مُوسَى رَكِبَ الْبَحْرَ لَمَّا تَوَجَّهَ فِي طَلَبِ الْخَضِرِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي الْبَرِّ وَسَيَأْتِي بِلَفْظِ فَخَرَجَا يَمْشِيَانِ وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَإِنَّمَا رَكِبَ الْبَحْرَ فِي السَّفِينَةِ هُوَ وَالْخَضِرُ بَعْدَ أَنِ الْتَقَيَا، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: إِلَى الْخَضِرِ عَلَى أَنَّ فِيهِ حَذْفًا، أَيْ: إِلَى مَقْصِدِ الْخَضِرِ ; لِأَنَّ مُوسَى لَمْ يَرْكَبِ الْبَحْرَ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا رَكِبَهُ تَبَعًا لِلْخَضِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ذَهَابَ مُوسَى فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَيَكُونُ فِيهِ حَذْفٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَقْصُودُ الذَّهَابِ إِنَّمَا حَصَلَ بِتَمَامِ الْقِصَّةِ، وَمِنْ تَمَامِهَا أَنَّهُ رَكِبَ مَعَهُ الْبَحْرَ، فَأَطْلَقَ عَلَى جَمِيعِهَا ذَهَابًا مَجَازًا، إِمَّا مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ أَوْ مِنْ تَسْمِيَةِ السَّبَبِ بِاسْمِ مَا تَسَبَّبَ عَنْهُ. وَحَمَلَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ عَلَى أَنَّ إِلَى بِمَعْنَى مَعَ. وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ مُوسَى تَوَجَّهَ فِي الْبَحْرِ لَمَّا طَلَبَ الْخَضِرَ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ قَوِيَ عِنْدَهُ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي قَوْلِهِ: فَكَانَ يَتْبَعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ فَالظَّرْفُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمُوسَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْحُوتِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا جَاءَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَغَيْرِهِ، فَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ أَنَّ مُوسَى الْتَقَى بِالْخَضِرِ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، انْتَهَى. وَالتَّوَصُّلُ إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ لَا يَقَعُ إِلَّا بِسُلُوكِ الْبَحْرِ غَالِبًا. وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: إِنْجَابُ الْمَاءِ عَنْ مَسْلَكِ الْحُوتِ فَصَارَ طَاقَةً مَفْتُوحَةً، فَدَخَلَهَا مُوسَى عَلَى أَثَرِ الْحُوتِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْخَضِرِ.
فَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ إِلَيْهِ. وَهَذَانِ الْأَثَرَانِ الْمَوْقُوفَانِ رِجَالُهُمَا ثِقَاتٌ.
قَوْلُهُ: (الْآيَةَ) هُوَ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ: فَذَكَرَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ بَاقِيَ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا) وَلِلْأَصِيلِيِّ: حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ.
قَوْلُهُ: (غُرَيْرٌ) تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا، وَمُحَمَّدٌ وَشَيْخُهُ وَأَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ زُهْرِيُّونَ، وَكَذَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الأَصيليُّ في روايته باقي الآية؛ وهو قوله: «﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾» [الكهف: ٦٦] أي: علمًا ذا رشدٍ؛ وهو إصابة الخير، وقرأ يعقوب وأبو عمرٍو والحسن واليزيديُّ (١): بفتح الرَّاء والشِّين، والباقون: بضمِّ الرَّاء وسكون الشِّين (٢)، وهما لغتان؛ كالبَخَل والبُخْل، وهو مفعول: ﴿تُعَلِّمَنِ﴾، ومفعول ﴿عُلِّمْتَ﴾ العائدُ محذوفٌ، وكلاهما منقولٌ من «عَلِمَ» الذي له مفعولٌ واحدٌ، ويجوز أن يكون ﴿رُشْدًا﴾ (٣) علَّة لـ ﴿أَتَّبِعُكَ﴾ أو مصدرًا بإضمار فعله، ولا ينافي نبوَّته وكونه صاحب شريعةٍ أن يتعلَّم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدِّين؛ فإنَّ الرَّسول ينبغي أن يكون أعلمَ ممَّن أُرسِلَ إليه فيما بُعِثَ به من أصول الدِّين وفروعه، لا مُطلَقًا، وقد (٤) راعى في ذلك غاية الأدب والتَّواضع، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له، وسأل منه أن يرشده ويُنعِمَ عليه بتعليمِ بعضِ ما أَنْعَمَ الله عليه، قاله البيضاويُّ.
٧٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ) بغَيْنٍ مُعجَمَةٍ مضمومةٍ وراءٍ مُكرَّرةٍ؛ الأولى منهما مفتوحةٌ بينهما مُثَّناةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ،
ابن الوليد القرشيُّ (الزُّهْرِيُّ) المدنيُّ، نزيل سمرقند (قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ القرشيُّ المدنيُّ الزُّهريُّ، سكن بغداد وتُوفِّي بها (١) في شوَّال سنة ثمانٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) أي: ابن كَيسان -بفتح الكاف- المدنيِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى وهو ابن مئة سنةٍ ونيَّفٍ وستِّين سنةً (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (حَدَّثَ) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «حدَّثه» (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) بالتَّصغير (بْنَ عَبْدِ اللهِ) -بالتَّكبير- ابن عتبة، أحد الفقهاء السَّبعة (أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله ﵄: (أَنَّهُ تَمَارَى) أي: تجادل وتنازع (هُوَ) أي: ابن عبَّاسٍ (وَالحُرُّ) بضمِّ الحاء المُهمَلَة، وتشديد الرَّاء (بْنُ قَيْسِ) بفتح القاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخرُه مُهمَلَةٌ (بْنِ حِصْنٍ) بكسر الحاء وسكون الصَّاد المُهمَلَتين، الصَّحابيُّ (الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزَّاي ثمَّ الرَّاء؛ نسبةً إلى فَزَارةَ بن شيبانَ (فِي صَاحِبِ مُوسَى) ﵊؛ هل هو خضرٌ أو غيره؟ (قَالَ (٢) ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄: (هُوَ خَضِرٌ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أو بكسر أوَّله وإسكان ثانيه، ولم يذكر مقالة الحرِّ بن قيسٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا وقفت على ذلك في شيءٍ من طرق هذا الحديث (فَمَرَّ بِهِمَا) أي: بابن عبَّاسٍ والحرِّ بن قيسٍ (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) هو أبو (٣) المنذر الأنصاريُّ، المُتوفَّى سنة تسعَ عشْرةَ، أو عشرين، أو ثلاثين (فَدَعَاهُ) أي: ناداه (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄، وفسَّره السَّفاقسيُّ -فيما نقله عنه الزَّركشيُّ وغيره- بقيامه إليه، أي: ثمَّ سأله، وعلَّله (٤) بأنَّ ابن عبَّاسٍ كان آدْبَ من أن يدعو أُبيًّا مع جلالته. انتهى. وليس في دعائه أن يجلس عندهم لفصل الخصومة ما يخلُّ بالأدب، وقد رُوِيَ: «فمرَّ بهما أُبيُّ بن كعبٍ، فدعاه ابن عبَّاسٍ، فقال: يا أبا الطُّفيل، هلمَّ إلينا» فهو صريحٌ في المُرَاد (فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ) أي: اختلفت (أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا) الحرُّ بن قيسٍ (فِي
صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى) وللأَصيليِّ زيادة: «ﷺ» (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ) بلامٍ مضمومةٍ فقافٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ (هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ) حال كونه (١) (يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ) أُبيٌّ: (نَعَمْ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية ابن عساكر: «النَّبيَّ» (ﷺ) زاد في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت (٢): «يذكر شأنه» حال كونه (يَقُولُ: بَيْنَمَا) بالميم (مُوسَى) ﵊ (فِي مَلإٍ) بالقصر، أي: في جماعةٍ أو أشرافٍ (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وهم أولاد يعقوب ﵇، وكان أولاده اثني عشر؛ وهم الأسباط، وجميع بني إسرائيل منهم (جَاءَهُ رَجُلٌ) جواب «بينما»، والفصيح في جوابه -كما تقرَّر- ترك «إذ» و «إذا». نعم؛ ثبتت «إذ» في رواية أبي ذَرٍّ، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (٣)، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على تسمية الرَّجل (فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟) بنصب «أعلمَ» صفةٌ لـ «أحدًا» (قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فقال» (مُوسَى: لَا) أعلم أحدًا أعلمَ منِّي، وفي «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٥]: فسُئِل: أيُّ النَّاس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه، أي: تنبيهًا له وتعليمًا لمن بعده، ولئلَّا يقتديَ به غيره في تزكية نفسه فيهلك، ولا ريبَ أنَّ في هذه القصَّة أبلغَ ردٍّ على مَنْ في هذا العصر؛ حيث (٤) فاهَ بقوله: أنا أعلمُ خلقِ الله، وإنَّما أُلجِئَ موسى للخضر للتَّأديب لا للتَّعليم، فافهم (فَأَوْحَى اللهُ) زاد الأَصيليُّ: «﷿» (إِلَى مُوسَى: بَلَى) بفتح اللَّام وألفٍ؛ كـ «على» (عَبْدُنَا خَضِرٌ) وهو بَلْيَا بن ملكان (٥) أعلم منك؛ بما أعلمتُه من الغيوب وحوادث القدرة ممَّا لا تعلم الأنبياء منه إلَّا ما أُعلِموا به؛ كما قال سيِّدهم وصفوتهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم في هذا المقام: «إنِّي لا أعلم إلَّا ما علَّمني ربِّي»، وإِلَّا فلا ريبَ أنَّ موسى ﵊ أعلم بوظائف النُّبوَّة، وأمور الشَّريعة، وسياسة الأمَّة، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «بلْ» بإسكان اللَّام، والتَّقدير: فأوحى الله إليه لا تُطلقِ النَّفيَ، بل قل: خَضِرٌ، لكن استُشكِل على هذه الرِّواية قوله: «عبدنا» إذ إنَّ المقام يقتضي أن يقول: عبد الله أو عبدك،
وأُجِيب: بأنَّه ورد على سبيل الحكاية عنِ الله تعالى، وأضافه تعالى إليه للتَّعظيم (فَسَأَلَ مُوسَى) ﵊ (السَّبِيلَ إِلَيْهِ) أي: إلى الخضر، فقال: اللهمَّ؛ ادللني عليه (فَجَعَلَ اللهُ لَهُ) أي: لأجله (الحُوتَ آيَةً) أي: علامةً لمكان الخضر ولُقِيِّه (وَقِيلَ لَهُ): يا موسى (إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ) وذلك: أنَّه لمَّا سأل موسى السَّبيل إليه قال الله تعالى له: اطلبه على السَّاحل عند الصَّخرة، قال: يا ربِّ؛ كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مِكْتَلٍ، فحيث فقدته فهو هناك، فقِيلَ: أخذ سمكةً مملوحةً، وقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني (وَكَانَ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «فكان» (يَتَّبِعُ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة (أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ) يوشع بن نونٍ، فإنَّه كان يخدمه ويتبعه ولذلك سمَّاه فتاه: (﴿أَرَأَيْتَ﴾) ما دهاني (﴿إِذْ﴾) أي: حين (﴿أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾) يعني: الصَّخرة التي رقد عندها موسى ﵊، أوِ الصَّخرة التي دون نهر الزَّيت؛ وذلك أنَّ موسى لمَّا رقد اضطرب الحوت المشويُّ ووقع في البحر؛ معجزةً لموسى أو الخضر ﵉، وقِيلَ: إنَّ يوشع حمل الخبز والحوت في المِكْتَل، ونزلا ليلًا (١) على شاطئ عينٍ تُسمَّى: عين الحياة، فلمَّا أصاب السَّمكة روح الماء وبرده عاشت، وقِيلَ: توضَّأ يوشعُ من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فعاش ووقع في الماء (﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) فقدته، أو نسيت ذكره بما رأيت (﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾) قال البيضاويُّ: أي: وما أنساني ذكرَه إلَّا الشَّيطانُ، فإنَّ «أن أذكره» بدلٌ من الضَّمير، وهو اعتذارٌ عن نسيانه بشغل الشَّيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبةً لا يُنسَى مثلها، لكنَّه لمَّا ضَرِيَ بمشاهدة أمثالها عند موسى وأَلِفَها قلَّ اهتمامه بها، ولعلَّه نَسِيَ ذلك لاستغراقه في الاستبصار، وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنَّما نسبه إلى الشَّيطان هضمًا لنفسه (﴿قَالَ﴾) موسى: (﴿ذَلِكَ﴾) أي: فقدان الحوت (﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾) أي: الذي نطلبه؛ لأنَّه (٢) علامةٌ على وجدان المقصود (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾) فرجعا في الطَّريق الذي جاءا فيه يقصَّان (﴿قَصَصًا﴾) أي: يتَّبعان آثارهما
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
وَلَا يقنع بِمَا عِنْده كَمَا لم يكتف مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعِلْمِهِ الرَّابِع فِيهِ وجوب التَّوَاضُع لن الله تَعَالَى عَاتب مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حِين لم يرد الْعلم إِلَيْهِ وَأَرَادَ من هُوَ أعلم مِنْهُ قلت يَعْنِي فِي علم مَخْصُوص الْخَامِس فِيهِ حمل الزَّاد وأعداده للسَّفر بِخِلَاف قَول الصُّوفِيَّة السَّادِس قَول النَّوَوِيّ فِيهِ أَنه لَا بَأْس على الْعَالم والفاضل أَن يَخْدمه الْمَفْضُول وَيقْضى لَهُ حَاجته وَلَا يكون هَذَا من أَخذ الْعِوَض على تَعْلِيم الْعلم والآداب بل من مروآت الْأَصْحَاب وَحسن المعاشرة وَدَلِيله اتيان فتاه غداءهما السَّابِع فِيهِ الرحلة وَالسّفر لطلب الْعلم برا وبحراً الثَّامِن فِيهِ قبُول خبر الْوَاحِد الصدوق وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
١٧ - (بَاب قوْل النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَول النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هَذَا لفظ الحَدِيث، وَضعه تَرْجَمَة على صُورَة التَّعْلِيق، ثمَّ ذكره مُسْندًا، وَهل يُقَال لمثله مُرْسل أم لَا؟ فِيهِ خلاف. فَإِن قلت: مَا أَرَادَ من وضع هَذَا تَرْجَمَة؟ قلت: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن هَذَا لَا يخْتَص جَوَازه بِابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا. فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: من حَيْثُ إِن من جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول غَلَبَة ابْن عَبَّاس على حر بن قيس فِي تماريهما فِي صَاحب مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، وَذَاكَ من كَثْرَة علمه وغزارة فَضله، وَفِي هَذَا الْبَاب إِشَارَة إِلَى أَن علمه الغزير وفضيلته الْكَامِلَة ببركة دُعَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيْثُ قَالَ لَهُ: (اللَّهُمَّ علمه الْكتاب) . وَوجه آخر: أَن فِي الْبَاب الأول بَيَان استفادة مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الْخضر من الْعلم الَّذِي لم يكن عِنْده من ذَلِك شَيْء، وَفِي هَذَا الْبَاب بَيَان استفادة ابْن عَبَّاس علم الْكتاب من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
٧٥ - حدّثناأبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حدّثنا عَبْدُ الوَارثِ قَالَ: حَدثنَا خالِدٌ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّني رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ: (اللَّهُمَّ عَلَّمُهُ الكِتابَ) ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، بل هُوَ عين التَّرْجَمَة.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: عبد اللَّه بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج ميسرَة، الْبَصْرِيّ المقعد، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين، الْمنْقري الْحَافِظ الْحجَّة، سمع عبد الْوَارِث الدَّرَاورْدِي وَغَيرهمَا، روى عَنهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَالْبُخَارِيّ، وروى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ. قَالَ يحيى بن معِين: هُوَ ثِقَة عَاقل، وَفِي رِوَايَة: ثَبت، وَكَانَ يَقُول بِالْقدرِ، توفّي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد ابْن ذكْوَان التَّمِيمِي الْعَنْبَري أَبُو عُبَيْدَة الْبَصْرِيّ، روى عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وَغَيره، قَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة حجَّة. توفّي بِالْبَصْرَةِ فِي الْمحرم سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: خَالِد بن مهْرَان الْحذاء، أَبُو الْمنَازل، بِضَم الْمِيم، كَذَا ذكره أَبُو الْحسن، وَقَالَ عبد الْغَنِيّ: مَا كَانَ من منَازِل فَهُوَ بِضَم الْمِيم إلَاّ يُوسُف بن منَازِل فَإِنَّهُ بِفَتْح الْمِيم. قَالَ الْبَاجِيّ: قَرَأت على الشَّيْخ أبي ذَر، يَعْنِي الْهَرَوِيّ، فِي كتاب (الْأَسْمَاء والكنى) لمُسلم: خَالِد بن مهْرَان أَبُو الْمنَازل، بِفَتْح الْمِيم، وَكَذَا ذكره فِي سَائِر الْبَاب، وَالضَّم أظهر. وَقَالَ مُحَمَّد ابْن سعد: هُوَ مولى لأبي عبد اللَّه عَامر بن كريز الْقرشِي، وَلم يكن بحذّاء إِنَّمَا كَانَ يجلس إِلَيْهِم. يُقَال إِنَّه مَا حذا نعلا قطّ، وَإِنَّمَا كَانَ يجلس إِلَى صديق لَهُ حذاء. وَقيل: إِنَّه كَانَ يَقُول: أخذُوا عَليّ هَذَا النَّحْو، فلقب بِهِ. تَابِعِيّ، رأى أنس بن مَالك، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ، وَقَالَ يحيى وَأحمد: ثِقَة، توفّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: عِكْرِمَة مولى عبد اللَّه بن عَبَّاس، أَبُو عبد اللَّه الْمدنِي. أَصله من البربر من أهل الْمغرب، سمع مَوْلَاهُ وَعبد اللَّه بن عمر وخلقاً من الصَّحَابَة، وَكَانَ من الْعلمَاء فِي زَمَانه بِالْعلمِ وَالْقُرْآن، وَعنهُ أَيُّوب وخَالِد الْحذاء وَخلق، وَتكلم فِيهِ بِرَأْيهِ، رَأْي الْخَوَارِج، وَأطلق نَافِع وَغَيره عَلَيْهِ الْكَذِب، وروى لَهُ مُسلم مَقْرُونا بطاوس وَسَعِيد بن جُبَير، وَاعْتَمدهُ البُخَارِيّ فِي أَكثر مَا يَصح عَنهُ من الرِّوَايَات، وَرُبمَا عيب عَلَيْهِ إِخْرَاج حَدِيثه، وَمَات ابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة مَمْلُوك فَبَاعَهُ عَليّ ابْنه من خَالِد بن مُعَاوِيَة بأَرْبعَة آلَاف دِينَار، فَقَالَ لَهُ عِكْرِمَة: بِعْت علم أَبِيك بأَرْبعَة آلَاف دِينَار؟ فاستقاله فأقاله وَأعْتقهُ. وَكَانَ جوالاً فِي الْبِلَاد، وَمَات بِالْمَدِينَةِ سنة خمس، أَو سِتّ، أَو سبع وَمِائَة، وَمَات مَعَه فِي ذَلِك الْيَوْم كُثَيِّر الشَّاعِر، فَقيل: مَاتَ الْيَوْم أفقه النَّاس وأشعر النَّاس. وَقيل: مَاتَ عِكْرِمَة سنة خمس عشرَة وَمِائَة، وَقد بلغ ثَمَانِينَ. وَاجْتمعَ حفاظ ابْن عَبَّاس على عِكْرِمَة، فيهم عَطاء وَطَاوُس
وَسَعِيد بن جُبَير فَجعلُوا يسْأَلُون عِكْرِمَة عَن حَدِيث ابْن عَبَّاس، فَجعل يُحَدِّثهُمْ. وَسَعِيد كلما حدث بِحَدِيث وضع أُصْبُعه الْإِبْهَام على السبابَة، أَي سوى، حَتَّى سَأَلُوهُ عَن الْحُوت وقصة مُوسَى، فَقَالَ عِكْرِمَة: كَانَ يسايرهما فِي ضحضاح من المَاء، فَقَالَ سعيد: أشهد على ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: يحملانه فِي مكتل، يعْنى الزنبيل. قَالَ أَيُّوب: ورأيي، وَالله أعلم، أَن ابْن عَبَّاس حدث بالخبرين جَمِيعًا. الْخَامِس: عبد اللَّه بن عَبَّاس.
بَيَان الْأَنْسَاب: الْمنْقري، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْقَاف بعْدهَا رَاء، نِسْبَة إِلَى منقر بن عبيد بن الْحَارِث، وَهُوَ مقاعس بن عَمْرو بن كَعْب بن سعيد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. قَالَ ابْن دُرَيْد: من نقرت عَن الْأَمر: كشفت عَنهُ. التَّمِيمِي: فِي مُضر ينْسب إِلَى تَمِيم بن مر ابْن أد بن طابخة بن الياس. الْعَنْبَري، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة بعْدهَا رَاء، فِي تَمِيم ينْسب إِلَى العنبر بن عَمْرو بن تَمِيم.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث، والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته بصريون خلا عِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس. وهما أَيْضا سكنا الْبَصْرَة مُدَّة. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده على شَرط الْأَئِمَّة السِّتَّة، قَالَه بعض الشَّارِحين. وَفِيه نظر. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه هُنَا عَن أبي معمر، وَأخرجه أَيْضا فِي فَضَائِل الصَّحَابَة عَن أبي معمر ومسدد عَن عبد الْوَارِث وَعَن مُوسَى عَن وهيب، كِلَاهُمَا عَن خَالِد، قَالَ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي: هُوَ عِنْد القواريري عَن عبد الْوَارِث، وَأخرجه أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن عبد اللَّه بن مُحَمَّد، حَدثنَا هَاشم بن الْقَاسِم. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل ابْن عَبَّاس، حَدثنَا زُهَيْر وَأَبُو بكر بن أبي النَّصْر، حَدثنَا هَاشم بن الْقَاسِم، حَدثنَا وَرْقَاء عَن عبيد اللَّه بن أبي يزِيد عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن مُحَمَّد بن بشار عَن الثَّقَفِيّ عَن عبد الْوَارِث بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عمر بن مُوسَى عَن عبد الْوَارِث بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَأبي بكر بن خَلاد، كِلَاهُمَا عَن الثَّقَفِيّ بِهِ.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (ضمني) : من ضم يضم ضماً، وضممت الشَّيْء إِلَى الشَّيْء فانضم إِلَيْهِ، وَهُوَ من بَاب: نصر ينصر. قَوْله: (اللَّهُمَّ) أَصله: يَا الله، فَحذف حرف النداء وَعوض عَنهُ الْمِيم، وَلذَلِك لَا يَجْتَمِعَانِ. وَأما قَول الشَّاعِر:
(وَمَا عَلَيْك أَن تَقول كلماسبحت أَو صليت يَا اللهما)
ارْدُدْ علينا شَيخنَا مُسلما
فَلَيْسَ يثبت، وَهَذَا من خَصَائِص اسْم الله تَعَالَى، كَمَا اخْتصَّ بِالْبَاء فِي الْقسم، وبقطع همزته فِي: يَا الله، وَبِغير ذَلِك. وَكَأَنَّهُم لما أَرَادوا أَن يكون نداؤه باسمه متميزاً عَن نِدَاء عباده باسمائهم من أول الْأَمر، حذفوا حرف النداء من الأول وَزَادُوا الْمِيم لقربها من حرف الْعلَّة، كالنون فِي الآخر، وخصت لِأَن النُّون كَانَت ملتبسة بضمير النِّسَاء صُورَة، وشددت لِأَنَّهَا خلف من حرفين، وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهٍ أَن لَا تُوصَف، لِأَن وُقُوع خلف حرف النداء بَين الْمَوْصُوف وَالصّفة، كوقوع حرف النداء بَينهمَا، وَمذهب الْكُوفِيّين أَن أَصله: يَا الله أم، أَي: أقصد بِخَير، فتصرف فِيهِ، وَرجح الْأَكْثَرُونَ قَول الْبَصرِيين، وَرجح الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ قَول الْكُوفِيّين من وَجه وَكَأن الأَصْل أَن: يَا، الَّذِي هُوَ حرف النداء لَا يدْخل على مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام إلَاّ بِوَاسِطَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: {يَا أَيهَا المزمل} (المزمل: ١) وَشبهه، وَإِنَّمَا ادخلوها هُنَا لخصوصية هَذَا الِاسْم الشريف بِاللَّه تَعَالَى، وَاللَّام فِيهِ لَازِمَة غير مُفَارقَة لِأَنَّهَا عوض عَمَّا حذف مِنْهُ، وَهِي الْهمزَة.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (ضمني) فعل ومفعول، و: (رَسُول الله) فَاعله، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل. قَوْله: (وَقَالَ) ، عطف على: (ضمني) . قَوْله: (اللَّهُمَّ علمه الْكتاب) ، مقول القَوْل، وَالْهَاء فِي: علمه، مفعول أول لعلم، و: الْكتاب، مفعول ثَان. فَإِن قلت: هَذَا الْبَاب، أَعنِي: التَّعْلِيم، يتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل، ومفعوله الأول كمفعول أَعْطَيْت، وَالثَّانِي وَالثَّالِث كمفعولي: علمت، يَعْنِي لَا يجوز حذف الثَّانِي أَو الثَّالِث فَقَط، فَكيف هَهُنَا؟ قلت: علمه بِمَعْنى عرفه، فَلَا يَقْتَضِي إلَاّ مفعولين.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (ضمني) فِيهِ حذف تَقْدِيره ضمني إِلَى نَفسه، أَو إِلَى صَدره، وَقد جَاءَ بذلك مُصَرحًا فِي رِوَايَته الْأُخْرَى عَن مُسَدّد عَن عبد الْوَارِث: (إِلَى صَدره) . قَوْله: (الْكتاب) أَي: الْقُرْآن، لِأَن الْجِنْس الْمُطلق مَحْمُول على الْكَامِل، وَلِأَن الْعرف الشَّرْعِيّ عَلَيْهِ، أَو لِأَن اللَّام للْعهد. فَإِن قلت: المُرَاد نفس الْقُرْآن أَي: لَفظه، أَو مَعَانِيه أَي: أَحْكَام الدّين؟ قلت: اللَّفْظ، بِاعْتِبَار دلَالَته على مَعَانِيه، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسَدّد: (الْحِكْمَة) بدل: (الْكتاب) . وَذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن ذَلِك هُوَ الثَّابِت فِي الطّرق كلهَا عَن خَالِد الْحذاء، وَفِيه نظر، لِأَن البُخَارِيّ أخرجه أَيْضا من حَدِيث وهيب عَن خَالِد بِلَفْظ: الْكتاب،