«أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٤

الحديث رقم ٧٤ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما ذكر في ذهاب موسى ﷺ في البحر إلى الخضر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٤ في صحيح البخاري

«أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا. فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ. فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ».

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ

إسناد حديث رقم ٧٤ من صحيح البخاري

٧٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٧٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي، هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إذ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا فَأَوْحَى إِلَى مُوسَى بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ.

[الحديث ٧٤ - أطرافه في، ٧٤٧٨، ٦٦٧٢، ٤٧٢٧، ٤٧٢٦، ٤٧٢٥، ٣٤٠١، ٣٤٠٠، ٣٢٧٨، ٢٧٢٨، ٢٢٦٧، ١٢٢، ٧٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ) هَذَا الْبَابُ مَعْقُودٌ لِلتَّرْغِيبِ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ مَا يُغْتَبَطُ بِهِ تُحْتَمَلُ الْمَشَقَّةُ فِيهِ ; وَلِأَنَّ مُوسَى لَمْ يَمْنَعْهُ بُلُوغُهُ مِنَ السِّيَادَةِ الْمَحَلَّ الْأَعْلَى مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَرُكُوبَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لِأَجْلِهِ، فَظَهَرَ بِهَذَا مُنَاسَبَةُ هَذَا الْبَابِ لِمَا قَبْلَهُ. وَظَاهِرُ التَّبْوِيبِ أَنَّ مُوسَى رَكِبَ الْبَحْرَ لَمَّا تَوَجَّهَ فِي طَلَبِ الْخَضِرِ.

وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي الْبَرِّ وَسَيَأْتِي بِلَفْظِ فَخَرَجَا يَمْشِيَانِ وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَإِنَّمَا رَكِبَ الْبَحْرَ فِي السَّفِينَةِ هُوَ وَالْخَضِرُ بَعْدَ أَنِ الْتَقَيَا، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: إِلَى الْخَضِرِ عَلَى أَنَّ فِيهِ حَذْفًا، أَيْ: إِلَى مَقْصِدِ الْخَضِرِ ; لِأَنَّ مُوسَى لَمْ يَرْكَبِ الْبَحْرَ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا رَكِبَهُ تَبَعًا لِلْخَضِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ذَهَابَ مُوسَى فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَيَكُونُ فِيهِ حَذْفٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَقْصُودُ الذَّهَابِ إِنَّمَا حَصَلَ بِتَمَامِ الْقِصَّةِ، وَمِنْ تَمَامِهَا أَنَّهُ رَكِبَ مَعَهُ الْبَحْرَ، فَأَطْلَقَ عَلَى جَمِيعِهَا ذَهَابًا مَجَازًا، إِمَّا مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ أَوْ مِنْ تَسْمِيَةِ السَّبَبِ بِاسْمِ مَا تَسَبَّبَ عَنْهُ. وَحَمَلَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ عَلَى أَنَّ إِلَى بِمَعْنَى مَعَ. وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ مُوسَى تَوَجَّهَ فِي الْبَحْرِ لَمَّا طَلَبَ الْخَضِرَ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ قَوِيَ عِنْدَهُ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي قَوْلِهِ: فَكَانَ يَتْبَعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ فَالظَّرْفُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمُوسَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْحُوتِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا جَاءَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَغَيْرِهِ، فَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ أَنَّ مُوسَى الْتَقَى بِالْخَضِرِ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، انْتَهَى. وَالتَّوَصُّلُ إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ لَا يَقَعُ إِلَّا بِسُلُوكِ الْبَحْرِ غَالِبًا. وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: إِنْجَابُ الْمَاءِ عَنْ مَسْلَكِ الْحُوتِ فَصَارَ طَاقَةً مَفْتُوحَةً، فَدَخَلَهَا مُوسَى عَلَى أَثَرِ الْحُوتِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْخَضِرِ.

فَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ إِلَيْهِ. وَهَذَانِ الْأَثَرَانِ الْمَوْقُوفَانِ رِجَالُهُمَا ثِقَاتٌ.

قَوْلُهُ: (الْآيَةَ) هُوَ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ: فَذَكَرَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ بَاقِيَ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا) وَلِلْأَصِيلِيِّ: حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ.

قَوْلُهُ: (غُرَيْرٌ) تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا، وَمُحَمَّدٌ وَشَيْخُهُ وَأَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ زُهْرِيُّونَ، وَكَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الأَصيليُّ في روايته باقي الآية؛ وهو قوله: «﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾» [الكهف: ٦٦] أي: علمًا ذا رشدٍ؛ وهو إصابة الخير، وقرأ يعقوب وأبو عمرٍو والحسن واليزيديُّ (١): بفتح الرَّاء والشِّين، والباقون: بضمِّ الرَّاء وسكون الشِّين (٢)، وهما لغتان؛ كالبَخَل والبُخْل، وهو مفعول: ﴿تُعَلِّمَنِ﴾، ومفعول ﴿عُلِّمْتَ﴾ العائدُ محذوفٌ، وكلاهما منقولٌ من «عَلِمَ» الذي له مفعولٌ واحدٌ، ويجوز أن يكون ﴿رُشْدًا﴾ (٣) علَّة لـ ﴿أَتَّبِعُكَ﴾ أو مصدرًا بإضمار فعله، ولا ينافي نبوَّته وكونه صاحب شريعةٍ أن يتعلَّم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدِّين؛ فإنَّ الرَّسول ينبغي أن يكون أعلمَ ممَّن أُرسِلَ إليه فيما بُعِثَ به من أصول الدِّين وفروعه، لا مُطلَقًا، وقد (٤) راعى في ذلك غاية الأدب والتَّواضع، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له، وسأل منه أن يرشده ويُنعِمَ عليه بتعليمِ بعضِ ما أَنْعَمَ الله عليه، قاله البيضاويُّ.

٧٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ) بغَيْنٍ مُعجَمَةٍ مضمومةٍ وراءٍ مُكرَّرةٍ؛ الأولى منهما مفتوحةٌ بينهما مُثَّناةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ،

ابن الوليد القرشيُّ (الزُّهْرِيُّ) المدنيُّ، نزيل سمرقند (قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ القرشيُّ المدنيُّ الزُّهريُّ، سكن بغداد وتُوفِّي بها (١) في شوَّال سنة ثمانٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) أي: ابن كَيسان -بفتح الكاف- المدنيِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى وهو ابن مئة سنةٍ ونيَّفٍ وستِّين سنةً (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (حَدَّثَ) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «حدَّثه» (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) بالتَّصغير (بْنَ عَبْدِ اللهِ) -بالتَّكبير- ابن عتبة، أحد الفقهاء السَّبعة (أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله : (أَنَّهُ تَمَارَى) أي: تجادل وتنازع (هُوَ) أي: ابن عبَّاسٍ (وَالحُرُّ) بضمِّ الحاء المُهمَلَة، وتشديد الرَّاء (بْنُ قَيْسِ) بفتح القاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخرُه مُهمَلَةٌ (بْنِ حِصْنٍ) بكسر الحاء وسكون الصَّاد المُهمَلَتين، الصَّحابيُّ (الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزَّاي ثمَّ الرَّاء؛ نسبةً إلى فَزَارةَ بن شيبانَ (فِي صَاحِبِ مُوسَى) ؛ هل هو خضرٌ أو غيره؟ (قَالَ (٢) ابْنُ عَبَّاسٍ) : (هُوَ خَضِرٌ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أو بكسر أوَّله وإسكان ثانيه، ولم يذكر مقالة الحرِّ بن قيسٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا وقفت على ذلك في شيءٍ من طرق هذا الحديث (فَمَرَّ بِهِمَا) أي: بابن عبَّاسٍ والحرِّ بن قيسٍ (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) هو أبو (٣) المنذر الأنصاريُّ، المُتوفَّى سنة تسعَ عشْرةَ، أو عشرين، أو ثلاثين (فَدَعَاهُ) أي: ناداه (ابْنُ عَبَّاسٍ) ، وفسَّره السَّفاقسيُّ -فيما نقله عنه الزَّركشيُّ وغيره- بقيامه إليه، أي: ثمَّ سأله، وعلَّله (٤) بأنَّ ابن عبَّاسٍ كان آدْبَ من أن يدعو أُبيًّا مع جلالته. انتهى. وليس في دعائه أن يجلس عندهم لفصل الخصومة ما يخلُّ بالأدب، وقد رُوِيَ: «فمرَّ بهما أُبيُّ بن كعبٍ، فدعاه ابن عبَّاسٍ، فقال: يا أبا الطُّفيل، هلمَّ إلينا» فهو صريحٌ في المُرَاد (فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ) أي: اختلفت (أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا) الحرُّ بن قيسٍ (فِي

صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى) وللأَصيليِّ زيادة: «» (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ) بلامٍ مضمومةٍ فقافٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ (هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ) حال كونه (١) (يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ) أُبيٌّ: (نَعَمْ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية ابن عساكر: «النَّبيَّ» () زاد في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت (٢): «يذكر شأنه» حال كونه (يَقُولُ: بَيْنَمَا) بالميم (مُوسَى) (فِي مَلإٍ) بالقصر، أي: في جماعةٍ أو أشرافٍ (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وهم أولاد يعقوب ، وكان أولاده اثني عشر؛ وهم الأسباط، وجميع بني إسرائيل منهم (جَاءَهُ رَجُلٌ) جواب «بينما»، والفصيح في جوابه -كما تقرَّر- ترك «إذ» و «إذا». نعم؛ ثبتت «إذ» في رواية أبي ذَرٍّ، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (٣)، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على تسمية الرَّجل (فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟) بنصب «أعلمَ» صفةٌ لـ «أحدًا» (قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فقال» (مُوسَى: لَا) أعلم أحدًا أعلمَ منِّي، وفي «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٥]: فسُئِل: أيُّ النَّاس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه، أي: تنبيهًا له وتعليمًا لمن بعده، ولئلَّا يقتديَ به غيره في تزكية نفسه فيهلك، ولا ريبَ أنَّ في هذه القصَّة أبلغَ ردٍّ على مَنْ في هذا العصر؛ حيث (٤) فاهَ بقوله: أنا أعلمُ خلقِ الله، وإنَّما أُلجِئَ موسى للخضر للتَّأديب لا للتَّعليم، فافهم (فَأَوْحَى اللهُ) زاد الأَصيليُّ: «﷿» (إِلَى مُوسَى: بَلَى) بفتح اللَّام وألفٍ؛ كـ «على» (عَبْدُنَا خَضِرٌ) وهو بَلْيَا بن ملكان (٥) أعلم منك؛ بما أعلمتُه من الغيوب وحوادث القدرة ممَّا لا تعلم الأنبياء منه إلَّا ما أُعلِموا به؛ كما قال سيِّدهم وصفوتهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم في هذا المقام: «إنِّي لا أعلم إلَّا ما علَّمني ربِّي»، وإِلَّا فلا ريبَ أنَّ موسى أعلم بوظائف النُّبوَّة، وأمور الشَّريعة، وسياسة الأمَّة، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «بلْ» بإسكان اللَّام، والتَّقدير: فأوحى الله إليه لا تُطلقِ النَّفيَ، بل قل: خَضِرٌ، لكن استُشكِل على هذه الرِّواية قوله: «عبدنا» إذ إنَّ المقام يقتضي أن يقول: عبد الله أو عبدك،

وأُجِيب: بأنَّه ورد على سبيل الحكاية عنِ الله تعالى، وأضافه تعالى إليه للتَّعظيم (فَسَأَلَ مُوسَى) (السَّبِيلَ إِلَيْهِ) أي: إلى الخضر، فقال: اللهمَّ؛ ادللني عليه (فَجَعَلَ اللهُ لَهُ) أي: لأجله (الحُوتَ آيَةً) أي: علامةً لمكان الخضر ولُقِيِّه (وَقِيلَ لَهُ): يا موسى (إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ) وذلك: أنَّه لمَّا سأل موسى السَّبيل إليه قال الله تعالى له: اطلبه على السَّاحل عند الصَّخرة، قال: يا ربِّ؛ كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مِكْتَلٍ، فحيث فقدته فهو هناك، فقِيلَ: أخذ سمكةً مملوحةً، وقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني (وَكَانَ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «فكان» (يَتَّبِعُ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة (أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ) يوشع بن نونٍ، فإنَّه كان يخدمه ويتبعه ولذلك سمَّاه فتاه: (﴿أَرَأَيْتَ﴾) ما دهاني (﴿إِذْ﴾) أي: حين (﴿أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾) يعني: الصَّخرة التي رقد عندها موسى ، أوِ الصَّخرة التي دون نهر الزَّيت؛ وذلك أنَّ موسى لمَّا رقد اضطرب الحوت المشويُّ ووقع في البحر؛ معجزةً لموسى أو الخضر ، وقِيلَ: إنَّ يوشع حمل الخبز والحوت في المِكْتَل، ونزلا ليلًا (١) على شاطئ عينٍ تُسمَّى: عين الحياة، فلمَّا أصاب السَّمكة روح الماء وبرده عاشت، وقِيلَ: توضَّأ يوشعُ من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فعاش ووقع في الماء (﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) فقدته، أو نسيت ذكره بما رأيت (﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾) قال البيضاويُّ: أي: وما أنساني ذكرَه إلَّا الشَّيطانُ، فإنَّ «أن أذكره» بدلٌ من الضَّمير، وهو اعتذارٌ عن نسيانه بشغل الشَّيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبةً لا يُنسَى مثلها، لكنَّه لمَّا ضَرِيَ بمشاهدة أمثالها عند موسى وأَلِفَها قلَّ اهتمامه بها، ولعلَّه نَسِيَ ذلك لاستغراقه في الاستبصار، وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنَّما نسبه إلى الشَّيطان هضمًا لنفسه (﴿قَالَ﴾) موسى: (﴿ذَلِكَ﴾) أي: فقدان الحوت (﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾) أي: الذي نطلبه؛ لأنَّه (٢) علامةٌ على وجدان المقصود (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾) فرجعا في الطَّريق الذي جاءا فيه يقصَّان (﴿قَصَصًا﴾) أي: يتَّبعان آثارهما

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٧٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي، هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إذ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا فَأَوْحَى إِلَى مُوسَى بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ.

[الحديث ٧٤ - أطرافه في، ٧٤٧٨، ٦٦٧٢، ٤٧٢٧، ٤٧٢٦، ٤٧٢٥، ٣٤٠١، ٣٤٠٠، ٣٢٧٨، ٢٧٢٨، ٢٢٦٧، ١٢٢، ٧٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ) هَذَا الْبَابُ مَعْقُودٌ لِلتَّرْغِيبِ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ; لِأَنَّ مَا يُغْتَبَطُ بِهِ تُحْتَمَلُ الْمَشَقَّةُ فِيهِ ; وَلِأَنَّ مُوسَى لَمْ يَمْنَعْهُ بُلُوغُهُ مِنَ السِّيَادَةِ الْمَحَلَّ الْأَعْلَى مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَرُكُوبَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لِأَجْلِهِ، فَظَهَرَ بِهَذَا مُنَاسَبَةُ هَذَا الْبَابِ لِمَا قَبْلَهُ. وَظَاهِرُ التَّبْوِيبِ أَنَّ مُوسَى رَكِبَ الْبَحْرَ لَمَّا تَوَجَّهَ فِي طَلَبِ الْخَضِرِ.

وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي الْبَرِّ وَسَيَأْتِي بِلَفْظِ فَخَرَجَا يَمْشِيَانِ وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَإِنَّمَا رَكِبَ الْبَحْرَ فِي السَّفِينَةِ هُوَ وَالْخَضِرُ بَعْدَ أَنِ الْتَقَيَا، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: إِلَى الْخَضِرِ عَلَى أَنَّ فِيهِ حَذْفًا، أَيْ: إِلَى مَقْصِدِ الْخَضِرِ ; لِأَنَّ مُوسَى لَمْ يَرْكَبِ الْبَحْرَ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا رَكِبَهُ تَبَعًا لِلْخَضِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ذَهَابَ مُوسَى فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَيَكُونُ فِيهِ حَذْفٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَقْصُودُ الذَّهَابِ إِنَّمَا حَصَلَ بِتَمَامِ الْقِصَّةِ، وَمِنْ تَمَامِهَا أَنَّهُ رَكِبَ مَعَهُ الْبَحْرَ، فَأَطْلَقَ عَلَى جَمِيعِهَا ذَهَابًا مَجَازًا، إِمَّا مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ أَوْ مِنْ تَسْمِيَةِ السَّبَبِ بِاسْمِ مَا تَسَبَّبَ عَنْهُ. وَحَمَلَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ عَلَى أَنَّ إِلَى بِمَعْنَى مَعَ. وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ مُوسَى تَوَجَّهَ فِي الْبَحْرِ لَمَّا طَلَبَ الْخَضِرَ. قُلْتُ: لَعَلَّهُ قَوِيَ عِنْدَهُ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي قَوْلِهِ: فَكَانَ يَتْبَعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ فَالظَّرْفُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمُوسَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْحُوتِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا جَاءَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَغَيْرِهِ، فَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ أَنَّ مُوسَى الْتَقَى بِالْخَضِرِ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، انْتَهَى. وَالتَّوَصُّلُ إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ لَا يَقَعُ إِلَّا بِسُلُوكِ الْبَحْرِ غَالِبًا. وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: إِنْجَابُ الْمَاءِ عَنْ مَسْلَكِ الْحُوتِ فَصَارَ طَاقَةً مَفْتُوحَةً، فَدَخَلَهَا مُوسَى عَلَى أَثَرِ الْحُوتِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْخَضِرِ.

فَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ إِلَيْهِ. وَهَذَانِ الْأَثَرَانِ الْمَوْقُوفَانِ رِجَالُهُمَا ثِقَاتٌ.

قَوْلُهُ: (الْآيَةَ) هُوَ بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ: فَذَكَرَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ بَاقِيَ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا) وَلِلْأَصِيلِيِّ: حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ.

قَوْلُهُ: (غُرَيْرٌ) تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّهُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا، وَمُحَمَّدٌ وَشَيْخُهُ وَأَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ زُهْرِيُّونَ، وَكَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الأَصيليُّ في روايته باقي الآية؛ وهو قوله: «﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾» [الكهف: ٦٦] أي: علمًا ذا رشدٍ؛ وهو إصابة الخير، وقرأ يعقوب وأبو عمرٍو والحسن واليزيديُّ (١): بفتح الرَّاء والشِّين، والباقون: بضمِّ الرَّاء وسكون الشِّين (٢)، وهما لغتان؛ كالبَخَل والبُخْل، وهو مفعول: ﴿تُعَلِّمَنِ﴾، ومفعول ﴿عُلِّمْتَ﴾ العائدُ محذوفٌ، وكلاهما منقولٌ من «عَلِمَ» الذي له مفعولٌ واحدٌ، ويجوز أن يكون ﴿رُشْدًا﴾ (٣) علَّة لـ ﴿أَتَّبِعُكَ﴾ أو مصدرًا بإضمار فعله، ولا ينافي نبوَّته وكونه صاحب شريعةٍ أن يتعلَّم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدِّين؛ فإنَّ الرَّسول ينبغي أن يكون أعلمَ ممَّن أُرسِلَ إليه فيما بُعِثَ به من أصول الدِّين وفروعه، لا مُطلَقًا، وقد (٤) راعى في ذلك غاية الأدب والتَّواضع، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له، وسأل منه أن يرشده ويُنعِمَ عليه بتعليمِ بعضِ ما أَنْعَمَ الله عليه، قاله البيضاويُّ.

٧٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ) بغَيْنٍ مُعجَمَةٍ مضمومةٍ وراءٍ مُكرَّرةٍ؛ الأولى منهما مفتوحةٌ بينهما مُثَّناةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ،

ابن الوليد القرشيُّ (الزُّهْرِيُّ) المدنيُّ، نزيل سمرقند (قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعدٍ القرشيُّ المدنيُّ الزُّهريُّ، سكن بغداد وتُوفِّي بها (١) في شوَّال سنة ثمانٍ ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (أَبِي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ صَالِحٍ) أي: ابن كَيسان -بفتح الكاف- المدنيِّ التَّابعيِّ، المُتوفَّى وهو ابن مئة سنةٍ ونيَّفٍ وستِّين سنةً (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (حَدَّثَ) وفي رواية الحَمُّويي والمُستملي: «حدَّثه» (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ) بالتَّصغير (بْنَ عَبْدِ اللهِ) -بالتَّكبير- ابن عتبة، أحد الفقهاء السَّبعة (أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله : (أَنَّهُ تَمَارَى) أي: تجادل وتنازع (هُوَ) أي: ابن عبَّاسٍ (وَالحُرُّ) بضمِّ الحاء المُهمَلَة، وتشديد الرَّاء (بْنُ قَيْسِ) بفتح القاف وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخرُه مُهمَلَةٌ (بْنِ حِصْنٍ) بكسر الحاء وسكون الصَّاد المُهمَلَتين، الصَّحابيُّ (الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء والزَّاي ثمَّ الرَّاء؛ نسبةً إلى فَزَارةَ بن شيبانَ (فِي صَاحِبِ مُوسَى) ؛ هل هو خضرٌ أو غيره؟ (قَالَ (٢) ابْنُ عَبَّاسٍ) : (هُوَ خَضِرٌ) بفتح أوَّله وكسر ثانيه، أو بكسر أوَّله وإسكان ثانيه، ولم يذكر مقالة الحرِّ بن قيسٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا وقفت على ذلك في شيءٍ من طرق هذا الحديث (فَمَرَّ بِهِمَا) أي: بابن عبَّاسٍ والحرِّ بن قيسٍ (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) هو أبو (٣) المنذر الأنصاريُّ، المُتوفَّى سنة تسعَ عشْرةَ، أو عشرين، أو ثلاثين (فَدَعَاهُ) أي: ناداه (ابْنُ عَبَّاسٍ) ، وفسَّره السَّفاقسيُّ -فيما نقله عنه الزَّركشيُّ وغيره- بقيامه إليه، أي: ثمَّ سأله، وعلَّله (٤) بأنَّ ابن عبَّاسٍ كان آدْبَ من أن يدعو أُبيًّا مع جلالته. انتهى. وليس في دعائه أن يجلس عندهم لفصل الخصومة ما يخلُّ بالأدب، وقد رُوِيَ: «فمرَّ بهما أُبيُّ بن كعبٍ، فدعاه ابن عبَّاسٍ، فقال: يا أبا الطُّفيل، هلمَّ إلينا» فهو صريحٌ في المُرَاد (فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ) أي: اختلفت (أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا) الحرُّ بن قيسٍ (فِي

صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى) وللأَصيليِّ زيادة: «» (السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ) بلامٍ مضمومةٍ فقافٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مُشدَّدةٍ (هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ) حال كونه (١) (يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ) أُبيٌّ: (نَعَمْ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) وفي رواية ابن عساكر: «النَّبيَّ» () زاد في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت (٢): «يذكر شأنه» حال كونه (يَقُولُ: بَيْنَمَا) بالميم (مُوسَى) (فِي مَلإٍ) بالقصر، أي: في جماعةٍ أو أشرافٍ (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وهم أولاد يعقوب ، وكان أولاده اثني عشر؛ وهم الأسباط، وجميع بني إسرائيل منهم (جَاءَهُ رَجُلٌ) جواب «بينما»، والفصيح في جوابه -كما تقرَّر- ترك «إذ» و «إذا». نعم؛ ثبتت «إذ» في رواية أبي ذَرٍّ، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (٣)، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أقف على تسمية الرَّجل (فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟) بنصب «أعلمَ» صفةٌ لـ «أحدًا» (قَالَ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فقال» (مُوسَى: لَا) أعلم أحدًا أعلمَ منِّي، وفي «التَّفسير» [خ¦٤٧٢٥]: فسُئِل: أيُّ النَّاس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه، أي: تنبيهًا له وتعليمًا لمن بعده، ولئلَّا يقتديَ به غيره في تزكية نفسه فيهلك، ولا ريبَ أنَّ في هذه القصَّة أبلغَ ردٍّ على مَنْ في هذا العصر؛ حيث (٤) فاهَ بقوله: أنا أعلمُ خلقِ الله، وإنَّما أُلجِئَ موسى للخضر للتَّأديب لا للتَّعليم، فافهم (فَأَوْحَى اللهُ) زاد الأَصيليُّ: «﷿» (إِلَى مُوسَى: بَلَى) بفتح اللَّام وألفٍ؛ كـ «على» (عَبْدُنَا خَضِرٌ) وهو بَلْيَا بن ملكان (٥) أعلم منك؛ بما أعلمتُه من الغيوب وحوادث القدرة ممَّا لا تعلم الأنبياء منه إلَّا ما أُعلِموا به؛ كما قال سيِّدهم وصفوتهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم في هذا المقام: «إنِّي لا أعلم إلَّا ما علَّمني ربِّي»، وإِلَّا فلا ريبَ أنَّ موسى أعلم بوظائف النُّبوَّة، وأمور الشَّريعة، وسياسة الأمَّة، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: «بلْ» بإسكان اللَّام، والتَّقدير: فأوحى الله إليه لا تُطلقِ النَّفيَ، بل قل: خَضِرٌ، لكن استُشكِل على هذه الرِّواية قوله: «عبدنا» إذ إنَّ المقام يقتضي أن يقول: عبد الله أو عبدك،

وأُجِيب: بأنَّه ورد على سبيل الحكاية عنِ الله تعالى، وأضافه تعالى إليه للتَّعظيم (فَسَأَلَ مُوسَى) (السَّبِيلَ إِلَيْهِ) أي: إلى الخضر، فقال: اللهمَّ؛ ادللني عليه (فَجَعَلَ اللهُ لَهُ) أي: لأجله (الحُوتَ آيَةً) أي: علامةً لمكان الخضر ولُقِيِّه (وَقِيلَ لَهُ): يا موسى (إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ) بفتح القاف (فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ) وذلك: أنَّه لمَّا سأل موسى السَّبيل إليه قال الله تعالى له: اطلبه على السَّاحل عند الصَّخرة، قال: يا ربِّ؛ كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مِكْتَلٍ، فحيث فقدته فهو هناك، فقِيلَ: أخذ سمكةً مملوحةً، وقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني (وَكَانَ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: «فكان» (يَتَّبِعُ) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة (أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ) يوشع بن نونٍ، فإنَّه كان يخدمه ويتبعه ولذلك سمَّاه فتاه: (﴿أَرَأَيْتَ﴾) ما دهاني (﴿إِذْ﴾) أي: حين (﴿أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾) يعني: الصَّخرة التي رقد عندها موسى ، أوِ الصَّخرة التي دون نهر الزَّيت؛ وذلك أنَّ موسى لمَّا رقد اضطرب الحوت المشويُّ ووقع في البحر؛ معجزةً لموسى أو الخضر ، وقِيلَ: إنَّ يوشع حمل الخبز والحوت في المِكْتَل، ونزلا ليلًا (١) على شاطئ عينٍ تُسمَّى: عين الحياة، فلمَّا أصاب السَّمكة روح الماء وبرده عاشت، وقِيلَ: توضَّأ يوشعُ من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فعاش ووقع في الماء (﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾) فقدته، أو نسيت ذكره بما رأيت (﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾) قال البيضاويُّ: أي: وما أنساني ذكرَه إلَّا الشَّيطانُ، فإنَّ «أن أذكره» بدلٌ من الضَّمير، وهو اعتذارٌ عن نسيانه بشغل الشَّيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبةً لا يُنسَى مثلها، لكنَّه لمَّا ضَرِيَ بمشاهدة أمثالها عند موسى وأَلِفَها قلَّ اهتمامه بها، ولعلَّه نَسِيَ ذلك لاستغراقه في الاستبصار، وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنَّما نسبه إلى الشَّيطان هضمًا لنفسه (﴿قَالَ﴾) موسى: (﴿ذَلِكَ﴾) أي: فقدان الحوت (﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾) أي: الذي نطلبه؛ لأنَّه (٢) علامةٌ على وجدان المقصود (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾) فرجعا في الطَّريق الذي جاءا فيه يقصَّان (﴿قَصَصًا﴾) أي: يتَّبعان آثارهما

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله