«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٥١٩

الحديث رقم ٧٥١٩ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كلام الرب مع أهل الجنة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٥١٩ في صحيح البخاري

«أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ، فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَا تَجِدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ

بَابُ ذِكْرِ اللهِ بِالْأَمْرِ وَذِكْرِ الْعِبَادِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالْإِبْلَاغِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ غُمَّةٌ هَمٌّ وَضِيقٌ قَالَ مُجَاهِدٌ اقْضُوا إِلَيَّ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ يُقَالُ افْرُقِ اقْضِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ إِنْسَانٌ يَأْتِيهِ فَيَسْتَمِعُ مَا يَقُولُ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَهْوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ

⦗١٥٢⦘

حَيْثُ جَاءَهُ النَّبَأُ الْعَظِيمُ الْقُرْآنُ صَوَابًا حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلهِ أَنْدَادًا﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ وَقَالَ عِكْرِمَةُ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ﴾ وَ ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وَمَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَكْسَابِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿مَا تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ بِالرِّسَالَةِ وَالْعَذَابِ ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ الْمُبَلِّغِينَ الْمُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ ﴿وَإِنَّا لَهُ حَافِظُونَ﴾ عِنْدَنَا ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ الْقُرْآنُ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ الْمُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ

إسناد حديث رقم ٧٥١٩ من صحيح البخاري

٧٥١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٥١٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٥١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وتخفيف النُّون الأولى، العَوقيُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء مُصغَّرًا، ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) هو ابن عليٍّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالسِّين المهملة المخفَّفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : (أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ رسول الله» ( كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ) أصحابه (وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ) لم يُسَمَّ: (أَنَّ رَجُلًا) هو مفعول «يحدِّث» (٢) (مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ) بصيغة الماضي، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٣): «يستأذن» (رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ: أَوَلَسْتَ) وللكشميهنيِّ: «فقال له: أولست» (فِيمَا شِئْتَ؟) من المشتهيات (قَالَ: بَلَى) يا ربِّ (وَلَكِنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولكن» (أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ) فأذن له (فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ) بالذَّال المعجمة (فَتَبَادَرَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فبادر» (الطَّرْفَ) بفتح الطَّاء، منصوبٌ مفعولٌ لقوله: (نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ) جمعه في البيدر (أَمْثَالَ الجِبَالِ) يعني: نبت واستوى إلى آخره قبل طرفة العين (فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: دُونَكَ) خذه (يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ) أي: لِمَا طُبِع عليه؛ لأنَّه لا يزال يطلب الازدياد إلَّا من شاء الله، وقوله: لا «يُشْبِعك»؛ بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الشِّين المعجمة بعدها مُوحَّدةٌ مكسورةٌ، واستُشكِل هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] وأُجيب بأنَّ نفي الشِّبع أعمُّ من الجوع؛ لثبوت الواسطة وهي الكفاية، وأكل أهل الجنَّة لا عن جوعٍ فيها أصلًا لنفي الله له عنهم، واختُلِف في الشِّبع فيها، والمختار أن لا شبع؛ لأنَّه لو كان فيها لمنع طول الأكل المستلذِّ، وإنَّما أراد الله تعالى بقوله: «لا يشبعك شيءٌ» ذمَّ ترك تلك القناعة بما (٤) كان، وطلب الزِّيادة (٥) عليه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا يسَعك» بفتح التَّحتيَّة والسِّين المهملة، من الوسع (فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ لَا تَجِدُ هَذَا) الذي زرع في الجنَّة (إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ) أهل البادية (فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ (٦)

زَرْعٍ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ) ومطابقة الحديث ظاهرٌ.

وسبق في «كتاب المزارعة» في بابٍ مجرَّدٍ عقب: «باب كراء الأرض بالذَّهب» [خ¦٢٣٤٨].

(٣٩) (بابُ ذِكْرِ اللهِ) تعالى لعباده يكون (بِالأَمْرِ) لهم والإنعام عليهم إذا أطاعوه، أو بعذابه إذا عصوه (وَذِكْرِ العِبَادِ) له تعالى (بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالإِبْلَاغِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «والبلاغ» لغيرهم من الخلق ما وصل إليهم من العلوم (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]) الذِّكر يكون بالقلب والجوارح، فذكر اللِّسان: الحمد والتَّسبيح والتَّمجيد (١) وقراءة القرآن، وذكر القلب: التَّفكُّر في الدَّلائل الدَّالَّة على ذاته وصفاته، والتَّفكُّر في الجواب عن الشُّبه العارضة في تلك الدَّلائل، والتفكُّر في الدَّلائل (٢) الدَّالَّة على كيفيَّة تكاليفه من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده، فإذا عرفوا كيفيَّة التَّكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي التَّرك من الوعيد سَهُل فعله عليهم والتَّفكُّر في أسرار مخلوقاته تعالى، وأمَّا الذِّكر بالجوارح فهو عبارةٌ عن كون الجوارح مستغرقةً في الأعمال التي أُمِروا بها، وخاليةً عن الأعمال التي نُهوا عنها، فقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ تضمَّن جميع الطَّاعات، ولهذا قال سعيد بن جبيرٍ: «اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي» فأجملَه حتَّى يُدخِل الكلَّ فيه، وقال ابن عبَّاسٍ (٣) فيما ذكره السَّفاقسيُّ: «ما من عبدٍ يذكر الله تعالى إلَّا ذكره الله تعالى، لا يذكره مؤمنٌ إلَّا ذكره برحمته، ولا يذكره كافرٌ

إلَّا ذكره بعذابه»، وقيل: المراد ذكره باللِّسان وذكره بالقلب عندما يهمُّ العبد بالسَّيِّئة، فيذكر مقام ربِّه، وقال قومٌ: إنَّ هذا الذِّكر أفضل، وليس كذلك، بل ذكره بلسانه وقوله: «لا إله إلَّا الله» مخلصًا من قلبه أعظم من ذكره بالقلب (١) دون اللِّسان، وذكر البدر الدَّمامينيُّ أنَّه سمع شيخه وليَّ الدِّين بن خلدون يذكر أنَّه كان بمجلس شيخه ابن عبد السَّلام شارح ابن الحاجب الفرعيِّ وهو يتكلَّم على آيةٍ وقع فيها الأمر بذكر الله، ورجَّح أن يكون المراد بالذِّكر فيها: الذِّكر اللِّسانيَّ لا القلبيَّ، فقال له الشَّريف التِّلمسانيُّ: قد عُلِم أنَّ الذِّكر ضدُّ النِّسيان، وتقرَّر في محلِّه أنَّ الضِّدَّ إذا تعلَّق بمحلٍّ وجب تعلُّق ذلك الضَّدِّ الآخر بعين ذلك (٢) المحلِّ، ولا نزاع في أنَّ النِّسيان محلُّه القلب، فليكن الذِّكر كذلك عملًا بهذه القاعدة، فقال له ابن عبد السَّلام على الفور: يمكن أن يُعارَض هذا بمثله فيُقال: قد عُلِم أنَّ الذِّكر ضدُّ الصَّمت، ومحلُّ الصَّمت اللِّسان، فليكن الذِّكر كذلك عملًا بهذه القاعدة. انتهى.

وقوله تعالى: (﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾) أي: خبره مع قومه (٣) (﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ﴾) عظم وشقَّ (٤) (﴿عَلَيْكُم مَّقَامِي﴾) مكاني، يعني نفسه، أو قيامي ومكثي بين أظهركم ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا، وهو من باب الإسناد المجازيِّ كقولهم: ثقل عليَّ ظلُّه (﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ﴾) لأنَّهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم؛ ليكون مكانهم بيِّنًا وكلامهم مسموعًا (﴿فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ﴾) جواب الشَّرط، وتاليه عطفٌ عليه وهو قوله: (﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ﴾) أي: مع شركائكم (﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾) فُسِّر بالسُّترة، من غمَّه إذا ستره، والمعنى حينئذٍ: ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورًا عليكم، وليكن مكشوفًا مشهورًا تجاهرونني به (﴿ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ﴾) ذلك الأمر الذي تريدون بي (﴿وَلَا تُنظِرُونِ﴾) ولا تمهلونِ (﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾) فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي (﴿فَمَا سَأَلْتُكُم (٥) مِّنْ أَجْرٍ﴾) فأوجب التَّولِّي (﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ﴾) وهو الثَّواب الذي يثيبني به في الآخرة، أي: ما نصحتكم إلَّا لله لا لغرضٍ من أغراض الدُّنيا (﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ

الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢]) أي: من المستسلمين لأوامره ونواهيه، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ﴾ … » إلى آخره، وقال: «إلى قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾».

وقوله: (﴿غُمَّةً﴾) فسَّره بقوله: (هَمٌّ وَضِيقٌ) وقال في «اللُّباب»: يُقال: غمٌّ وغمَّةٌ نحو كَرْبٍ وكُربةٍ، قال أبو الهيثم: غُمَّ علينا الهلال فهو مغمومٌ إذا التُمِس فلم يُرَ، قال طرفة بن العبد:

لعمرك (١) ما أمري عليَّ بغُمَّةٍ … نهاري، ولا ليلي عليَّ بسرمدي

وقال اللَّيث: هو في غمَّةٍ من أمره إذا لم يتبيَّن له.

(قَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر فيما وصله الفريابيُّ في «تفسيره» عن ورقاء عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قوله تعالى: (﴿اقْضُواْ إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١]) أي: (مَا فِي (٢) أَنْفُسِكُمْ) وقال غير مجاهدٍ: (يُقَالُ: افْرُقِ) أي: (اقْضِ).

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ أيضا بالسَّند السَّابق: (﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٦] إِنْسَانٌ) من المشركين (يَأْتِيهِ) (فَيَسْتَمِعُ (٣) مَا يَقُولُ) من كلام الله (وَمَا أُنْزِلَ) بضمِّ الهمزة وكسر الزَّاي، ولأبي ذرٍّ: «وما (٤) يَُنزَِل» (عَلَيْهِ) بتحتيَّةٍ بدل الهمزة مضمومةً (٥) مع فتح الزَّاي أو مفتوحةً مع كسرها (فَهْوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ) (فَيَسْمَعَ) منه (٦) (كَلَامَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «حين يأتيه فيسمعُ كلام الله» (وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ (٧) حَيْثُ جَاءَ) يعني: إن أراد مشركٌ سماع كلام الله فاعْرِض عليه القرآن وبلِّغه إليه وأمِّنه عند السَّماع، فإن أسلم فذاك، وإلَّا فردَّه إلى مأمنه من حيث أتاك.

وقال مجاهدٌ أيضًا فيما وصله الفريابيُّ أيضًا: (﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ٢]) هو (القُرْآنُ) وقوله: (﴿صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]) أي: قال: (حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ) فإنَّه يُؤذَن له يوم القيامة بالتَّكلُّم وللأَصيليِّ: «وعملًا» بدل قوله: «وعملٌ» واستطرد المصنِّف بذكره هنا على عادته في المناسبة، والمقصود من ذكر هذه الآية في هذا الباب: أنَّه مذكورٌ بأنَّه أُمِر بالتِّلاوة على الأمَّة والتَّبليغ إليهم، وأنَّ نوحًا كان يذكِّرهم بآيات الله وأحكامه كما أنَّ المقصود بالباب في هذا الكتاب بيان كونه تعالى ذاكرًا ومذكورًا بمعنى الأمر والدُّعاء، ولم (١) يذكر المصنِّف في هذا الباب حديثًا مرفوعًا، ولعلَّه كان بيَّض له فأدمجه النُّسَّاخ كغيره ممَّا بيَّضه (٢).

(٤٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ (٣) تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: ٢٢]) أي: اعبدوا ربَّكم فلا تجعلوا له أندادًا (٤)؛ لأنَّ أصل العبادة وأساسها التَّوحيد، وألَّا يُجعَل لله ندٌّ ولا شريكٌ، والنِّدُّ: المثل، ولا يُقال إلَّا للمثل المخالف المناوئ.

(وَقَولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾) شركاء وأشباهًا (﴿ذَلِكَ﴾) الذي خلق ما سبق (﴿رَبُّ

الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩]) خالق جميع الموجودات لتكون منافع.

(وَقَولِهِ) تعالى: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) أي: لا يشركون.

(﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾) من الأنبياء (﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾) وحَّد ﴿أَشْرَكْتَ﴾ والموحَى إليهم جماعةٌ؛ لأنَّ المعنى أوحى إليك لئن أشركت ليحبطنَّ عملك وإلى الذين من قبلك مثله، واللَّام الأولى موطِئةٌ للقَسَم المحذوف، والثَّانية لام الجواب، وهذا الجواب سادٌّ مسدَّ الجوابين، أعني: جوابَي القَسَم والشَّرط، وإنَّما صحَّ هذا الكلام مع علمه تعالى بأنَّ رسله لا يشركون به (١) لأنَّ الخطاب للنَّبيِّ والمراد به غيره، أو لأنَّه على سبيل الفرض، والمحالات يصحُّ فرضها، والغرض تشديد الوعيد على من أشرك، وأنَّ للإنسان عملًا يُثاب عليه إذا سلم من الشِّرك، ويبطل ثوابه إذا أشرك (﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾) ردٌّ لما أَمروه به من عبادة آلهتهم (﴿وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]) على ما أنعم به عليك، وسقط قوله «﴿وَلَتَكُونَنَّ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال: «إلى قوله: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾».

(وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ فيما وصله الطَّبريُّ: (﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾. ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم﴾) وللأَصيليِّ: «لئن تسألهم» ولأبي ذرٍّ: «قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم﴾» (﴿مَّنْ خَلَقَهُمْ﴾ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]) بتشديد النُّون، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فيقولون (٢)» بالتَّخفيف وزيادة واوٍ وفاءٍ بدل اللَّام (٣) (فَذَلِكَ) القول (إِيمَانُهُمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ) تعالى من الأصنام ونحوها.

(وَ) بابُ (مَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَاد) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أعمال العباد» (وَاَكْتِسَابِهِمْ (٤) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾) أي: أحدث كلَّ شيءٍ وحده (﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]) فهيَّأهُ لما يصلح له بلا خللٍ فيه، وهو يدلُّ على أنَّه تعالى خلق الأعمال من وجهين أحدهما: أنَّ قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يتناول جميع الأشياء، ومن جملتها أفعال العباد، وثانيها: أنَّه

تعالى نفى الشَّريك فكأنَّ قائلًا قال (١): هنا أقوامٌ معترفون بنفي الشُّركاء والأنداد، ومع ذلك يقولون: بخلق أفعال أنفسهم، فذكر الله هذه الآية ردًّا عليهم، ولا شبهة فيها لمن لا يقول: الله شيءٌ، ولا لمن يقول بخلق القرآن؛ لأنَّ الفاعل بجميع صفاته لا يكون مفعوله.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر فيما وصله الفريابيُّ في قوله تعالى: (﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ ِّ﴾ [الحجر: ٨]) أي: (بِالرِّسَالَةِ وَالعَذَابِ) وقال في «الكواكب»: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ﴾ بالنُّون ونصب ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ استشهادٌ لكون نزول الملائكة بخلق الله، وبالتَّاء المفتوحة والرَّفع لكون نزولهم بكسبهم.

(﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]) أي: (المُبَلِّغِينَ المُؤَدِّينَ) بكسر اللَّام والدَّال المشدَّدتين فيهما (مِنَ الرُّسُلِ) أي: الأنبياء المبلِّغين المؤدِّين الرِّسالة عن تبليغهم، والتَّفسير بهم إنَّما هو بقرينة السَّابق عليه (٢) وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] وهو لبيان الكسب حيث أسند الصِّدق إليهم والميثاق ونحوه.

(وَإِنَّا لَهُ حَافِظُونَ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «﴿لَحَافِظُونَ﴾» [الحجر: ٩] (عِنْدَنَا) هو أيضًا من قول مجاهدٍ أخرجه الفريابيُّ، وقال مجاهدٌ (٣) أيضًا ممَّا وصله الطَّبريُّ: (﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]) هو (القُرْآنُ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾) هو (المُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ) وهو أيضًا للكسب إذا أُضيف التَّصديق (٤) إلى المؤمن لا سيَّما وأضاف العمل أيضًا إلى نفسه حيث قال: «عملت» والكسب له جهتان فأثبتهما بالآيات، وقد اجتمعا (٥) في كثيرٍ من الآيات نحو: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] قاله في «الكواكب» قال ابن بطَّالٍ: غرض البخاريِّ في هذا الباب: نسبة الأفعال كلِّها لله تعالى، سواءٌ كانت من المخلوقين خيرًا أو شرًّا، فهي لله خلقٌ وللعباد كسبٌ، ولا يُنسَب شيءٌ من الخلق لغير الله تعالى، فيكون شريكًا وندًّا ومساويًا له في

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٥١٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وتخفيف النُّون الأولى، العَوقيُّ (١) قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء مُصغَّرًا، ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) هو ابن عليٍّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالسِّين المهملة المخفَّفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : (أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «أنَّ رسول الله» ( كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ) أصحابه (وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ) لم يُسَمَّ: (أَنَّ رَجُلًا) هو مفعول «يحدِّث» (٢) (مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ) بصيغة الماضي، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي (٣): «يستأذن» (رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ: أَوَلَسْتَ) وللكشميهنيِّ: «فقال له: أولست» (فِيمَا شِئْتَ؟) من المشتهيات (قَالَ: بَلَى) يا ربِّ (وَلَكِنِّي) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ولكن» (أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ) فأذن له (فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ) بالذَّال المعجمة (فَتَبَادَرَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «فبادر» (الطَّرْفَ) بفتح الطَّاء، منصوبٌ مفعولٌ لقوله: (نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ) جمعه في البيدر (أَمْثَالَ الجِبَالِ) يعني: نبت واستوى إلى آخره قبل طرفة العين (فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: دُونَكَ) خذه (يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ) أي: لِمَا طُبِع عليه؛ لأنَّه لا يزال يطلب الازدياد إلَّا من شاء الله، وقوله: لا «يُشْبِعك»؛ بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الشِّين المعجمة بعدها مُوحَّدةٌ مكسورةٌ، واستُشكِل هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] وأُجيب بأنَّ نفي الشِّبع أعمُّ من الجوع؛ لثبوت الواسطة وهي الكفاية، وأكل أهل الجنَّة لا عن جوعٍ فيها أصلًا لنفي الله له عنهم، واختُلِف في الشِّبع فيها، والمختار أن لا شبع؛ لأنَّه لو كان فيها لمنع طول الأكل المستلذِّ، وإنَّما أراد الله تعالى بقوله: «لا يشبعك شيءٌ» ذمَّ ترك تلك القناعة بما (٤) كان، وطلب الزِّيادة (٥) عليه، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «لا يسَعك» بفتح التَّحتيَّة والسِّين المهملة، من الوسع (فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ لَا تَجِدُ هَذَا) الذي زرع في الجنَّة (إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ) أهل البادية (فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ (٦)

زَرْعٍ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ) ومطابقة الحديث ظاهرٌ.

وسبق في «كتاب المزارعة» في بابٍ مجرَّدٍ عقب: «باب كراء الأرض بالذَّهب» [خ¦٢٣٤٨].

(٣٩) (بابُ ذِكْرِ اللهِ) تعالى لعباده يكون (بِالأَمْرِ) لهم والإنعام عليهم إذا أطاعوه، أو بعذابه إذا عصوه (وَذِكْرِ العِبَادِ) له تعالى (بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالرِّسَالَةِ وَالإِبْلَاغِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «والبلاغ» لغيرهم من الخلق ما وصل إليهم من العلوم (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]) الذِّكر يكون بالقلب والجوارح، فذكر اللِّسان: الحمد والتَّسبيح والتَّمجيد (١) وقراءة القرآن، وذكر القلب: التَّفكُّر في الدَّلائل الدَّالَّة على ذاته وصفاته، والتَّفكُّر في الجواب عن الشُّبه العارضة في تلك الدَّلائل، والتفكُّر في الدَّلائل (٢) الدَّالَّة على كيفيَّة تكاليفه من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده، فإذا عرفوا كيفيَّة التَّكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد وفي التَّرك من الوعيد سَهُل فعله عليهم والتَّفكُّر في أسرار مخلوقاته تعالى، وأمَّا الذِّكر بالجوارح فهو عبارةٌ عن كون الجوارح مستغرقةً في الأعمال التي أُمِروا بها، وخاليةً عن الأعمال التي نُهوا عنها، فقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ تضمَّن جميع الطَّاعات، ولهذا قال سعيد بن جبيرٍ: «اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي» فأجملَه حتَّى يُدخِل الكلَّ فيه، وقال ابن عبَّاسٍ (٣) فيما ذكره السَّفاقسيُّ: «ما من عبدٍ يذكر الله تعالى إلَّا ذكره الله تعالى، لا يذكره مؤمنٌ إلَّا ذكره برحمته، ولا يذكره كافرٌ

إلَّا ذكره بعذابه»، وقيل: المراد ذكره باللِّسان وذكره بالقلب عندما يهمُّ العبد بالسَّيِّئة، فيذكر مقام ربِّه، وقال قومٌ: إنَّ هذا الذِّكر أفضل، وليس كذلك، بل ذكره بلسانه وقوله: «لا إله إلَّا الله» مخلصًا من قلبه أعظم من ذكره بالقلب (١) دون اللِّسان، وذكر البدر الدَّمامينيُّ أنَّه سمع شيخه وليَّ الدِّين بن خلدون يذكر أنَّه كان بمجلس شيخه ابن عبد السَّلام شارح ابن الحاجب الفرعيِّ وهو يتكلَّم على آيةٍ وقع فيها الأمر بذكر الله، ورجَّح أن يكون المراد بالذِّكر فيها: الذِّكر اللِّسانيَّ لا القلبيَّ، فقال له الشَّريف التِّلمسانيُّ: قد عُلِم أنَّ الذِّكر ضدُّ النِّسيان، وتقرَّر في محلِّه أنَّ الضِّدَّ إذا تعلَّق بمحلٍّ وجب تعلُّق ذلك الضَّدِّ الآخر بعين ذلك (٢) المحلِّ، ولا نزاع في أنَّ النِّسيان محلُّه القلب، فليكن الذِّكر كذلك عملًا بهذه القاعدة، فقال له ابن عبد السَّلام على الفور: يمكن أن يُعارَض هذا بمثله فيُقال: قد عُلِم أنَّ الذِّكر ضدُّ الصَّمت، ومحلُّ الصَّمت اللِّسان، فليكن الذِّكر كذلك عملًا بهذه القاعدة. انتهى.

وقوله تعالى: (﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾) أي: خبره مع قومه (٣) (﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ﴾) عظم وشقَّ (٤) (﴿عَلَيْكُم مَّقَامِي﴾) مكاني، يعني نفسه، أو قيامي ومكثي بين أظهركم ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا، وهو من باب الإسناد المجازيِّ كقولهم: ثقل عليَّ ظلُّه (﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ﴾) لأنَّهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم؛ ليكون مكانهم بيِّنًا وكلامهم مسموعًا (﴿فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ﴾) جواب الشَّرط، وتاليه عطفٌ عليه وهو قوله: (﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ﴾) أي: مع شركائكم (﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾) فُسِّر بالسُّترة، من غمَّه إذا ستره، والمعنى حينئذٍ: ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورًا عليكم، وليكن مكشوفًا مشهورًا تجاهرونني به (﴿ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ﴾) ذلك الأمر الذي تريدون بي (﴿وَلَا تُنظِرُونِ﴾) ولا تمهلونِ (﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾) فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي (﴿فَمَا سَأَلْتُكُم (٥) مِّنْ أَجْرٍ﴾) فأوجب التَّولِّي (﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ﴾) وهو الثَّواب الذي يثيبني به في الآخرة، أي: ما نصحتكم إلَّا لله لا لغرضٍ من أغراض الدُّنيا (﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ

الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢]) أي: من المستسلمين لأوامره ونواهيه، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله «﴿وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ﴾ … » إلى آخره، وقال: «إلى قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾».

وقوله: (﴿غُمَّةً﴾) فسَّره بقوله: (هَمٌّ وَضِيقٌ) وقال في «اللُّباب»: يُقال: غمٌّ وغمَّةٌ نحو كَرْبٍ وكُربةٍ، قال أبو الهيثم: غُمَّ علينا الهلال فهو مغمومٌ إذا التُمِس فلم يُرَ، قال طرفة بن العبد:

لعمرك (١) ما أمري عليَّ بغُمَّةٍ … نهاري، ولا ليلي عليَّ بسرمدي

وقال اللَّيث: هو في غمَّةٍ من أمره إذا لم يتبيَّن له.

(قَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر فيما وصله الفريابيُّ في «تفسيره» عن ورقاء عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قوله تعالى: (﴿اقْضُواْ إِلَيَّ﴾ [يونس: ٧١]) أي: (مَا فِي (٢) أَنْفُسِكُمْ) وقال غير مجاهدٍ: (يُقَالُ: افْرُقِ) أي: (اقْضِ).

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) فيما وصله الفريابيُّ أيضا بالسَّند السَّابق: (﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٦] إِنْسَانٌ) من المشركين (يَأْتِيهِ) (فَيَسْتَمِعُ (٣) مَا يَقُولُ) من كلام الله (وَمَا أُنْزِلَ) بضمِّ الهمزة وكسر الزَّاي، ولأبي ذرٍّ: «وما (٤) يَُنزَِل» (عَلَيْهِ) بتحتيَّةٍ بدل الهمزة مضمومةً (٥) مع فتح الزَّاي أو مفتوحةً مع كسرها (فَهْوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ) (فَيَسْمَعَ) منه (٦) (كَلَامَ اللهِ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «حين يأتيه فيسمعُ كلام الله» (وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ (٧) حَيْثُ جَاءَ) يعني: إن أراد مشركٌ سماع كلام الله فاعْرِض عليه القرآن وبلِّغه إليه وأمِّنه عند السَّماع، فإن أسلم فذاك، وإلَّا فردَّه إلى مأمنه من حيث أتاك.

وقال مجاهدٌ أيضًا فيما وصله الفريابيُّ أيضًا: (﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ٢]) هو (القُرْآنُ) وقوله: (﴿صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]) أي: قال: (حَقًّا فِي الدُّنْيَا وَعَمَلٌ بِهِ) فإنَّه يُؤذَن له يوم القيامة بالتَّكلُّم وللأَصيليِّ: «وعملًا» بدل قوله: «وعملٌ» واستطرد المصنِّف بذكره هنا على عادته في المناسبة، والمقصود من ذكر هذه الآية في هذا الباب: أنَّه مذكورٌ بأنَّه أُمِر بالتِّلاوة على الأمَّة والتَّبليغ إليهم، وأنَّ نوحًا كان يذكِّرهم بآيات الله وأحكامه كما أنَّ المقصود بالباب في هذا الكتاب بيان كونه تعالى ذاكرًا ومذكورًا بمعنى الأمر والدُّعاء، ولم (١) يذكر المصنِّف في هذا الباب حديثًا مرفوعًا، ولعلَّه كان بيَّض له فأدمجه النُّسَّاخ كغيره ممَّا بيَّضه (٢).

(٤٠) (بابُ قَوْلِ اللهِ (٣) تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: ٢٢]) أي: اعبدوا ربَّكم فلا تجعلوا له أندادًا (٤)؛ لأنَّ أصل العبادة وأساسها التَّوحيد، وألَّا يُجعَل لله ندٌّ ولا شريكٌ، والنِّدُّ: المثل، ولا يُقال إلَّا للمثل المخالف المناوئ.

(وَقَولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾) شركاء وأشباهًا (﴿ذَلِكَ﴾) الذي خلق ما سبق (﴿رَبُّ

الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩]) خالق جميع الموجودات لتكون منافع.

(وَقَولِهِ) تعالى: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) أي: لا يشركون.

(﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾) من الأنبياء (﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾) وحَّد ﴿أَشْرَكْتَ﴾ والموحَى إليهم جماعةٌ؛ لأنَّ المعنى أوحى إليك لئن أشركت ليحبطنَّ عملك وإلى الذين من قبلك مثله، واللَّام الأولى موطِئةٌ للقَسَم المحذوف، والثَّانية لام الجواب، وهذا الجواب سادٌّ مسدَّ الجوابين، أعني: جوابَي القَسَم والشَّرط، وإنَّما صحَّ هذا الكلام مع علمه تعالى بأنَّ رسله لا يشركون به (١) لأنَّ الخطاب للنَّبيِّ والمراد به غيره، أو لأنَّه على سبيل الفرض، والمحالات يصحُّ فرضها، والغرض تشديد الوعيد على من أشرك، وأنَّ للإنسان عملًا يُثاب عليه إذا سلم من الشِّرك، ويبطل ثوابه إذا أشرك (﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ﴾) ردٌّ لما أَمروه به من عبادة آلهتهم (﴿وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]) على ما أنعم به عليك، وسقط قوله «﴿وَلَتَكُونَنَّ﴾ … » إلى آخره لأبي ذرٍّ، وقال: «إلى قوله: ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾».

(وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ فيما وصله الطَّبريُّ: (﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾. ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم﴾) وللأَصيليِّ: «لئن تسألهم» ولأبي ذرٍّ: «قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم﴾» (﴿مَّنْ خَلَقَهُمْ﴾ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]) بتشديد النُّون، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «فيقولون (٢)» بالتَّخفيف وزيادة واوٍ وفاءٍ بدل اللَّام (٣) (فَذَلِكَ) القول (إِيمَانُهُمْ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ) تعالى من الأصنام ونحوها.

(وَ) بابُ (مَا ذُكِرَ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَاد) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: «أعمال العباد» (وَاَكْتِسَابِهِمْ (٤) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾) أي: أحدث كلَّ شيءٍ وحده (﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]) فهيَّأهُ لما يصلح له بلا خللٍ فيه، وهو يدلُّ على أنَّه تعالى خلق الأعمال من وجهين أحدهما: أنَّ قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ يتناول جميع الأشياء، ومن جملتها أفعال العباد، وثانيها: أنَّه

تعالى نفى الشَّريك فكأنَّ قائلًا قال (١): هنا أقوامٌ معترفون بنفي الشُّركاء والأنداد، ومع ذلك يقولون: بخلق أفعال أنفسهم، فذكر الله هذه الآية ردًّا عليهم، ولا شبهة فيها لمن لا يقول: الله شيءٌ، ولا لمن يقول بخلق القرآن؛ لأنَّ الفاعل بجميع صفاته لا يكون مفعوله.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر فيما وصله الفريابيُّ في قوله تعالى: (﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ ِّ﴾ [الحجر: ٨]) أي: (بِالرِّسَالَةِ وَالعَذَابِ) وقال في «الكواكب»: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ﴾ بالنُّون ونصب ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ استشهادٌ لكون نزول الملائكة بخلق الله، وبالتَّاء المفتوحة والرَّفع لكون نزولهم بكسبهم.

(﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]) أي: (المُبَلِّغِينَ المُؤَدِّينَ) بكسر اللَّام والدَّال المشدَّدتين فيهما (مِنَ الرُّسُلِ) أي: الأنبياء المبلِّغين المؤدِّين الرِّسالة عن تبليغهم، والتَّفسير بهم إنَّما هو بقرينة السَّابق عليه (٢) وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧] وهو لبيان الكسب حيث أسند الصِّدق إليهم والميثاق ونحوه.

(وَإِنَّا لَهُ حَافِظُونَ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «﴿لَحَافِظُونَ﴾» [الحجر: ٩] (عِنْدَنَا) هو أيضًا من قول مجاهدٍ أخرجه الفريابيُّ، وقال مجاهدٌ (٣) أيضًا ممَّا وصله الطَّبريُّ: (﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]) هو (القُرْآنُ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾) هو (المُؤْمِنُ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ) وهو أيضًا للكسب إذا أُضيف التَّصديق (٤) إلى المؤمن لا سيَّما وأضاف العمل أيضًا إلى نفسه حيث قال: «عملت» والكسب له جهتان فأثبتهما بالآيات، وقد اجتمعا (٥) في كثيرٍ من الآيات نحو: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] قاله في «الكواكب» قال ابن بطَّالٍ: غرض البخاريِّ في هذا الباب: نسبة الأفعال كلِّها لله تعالى، سواءٌ كانت من المخلوقين خيرًا أو شرًّا، فهي لله خلقٌ وللعباد كسبٌ، ولا يُنسَب شيءٌ من الخلق لغير الله تعالى، فيكون شريكًا وندًّا ومساويًا له في

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله