«لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ، فَهْوَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٥٢٩

الحديث رقم ٧٥٢٩ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي رجل آتاه الله القرآن.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٥٢٩ في صحيح البخاري

«لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ، فَهْوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَهْوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ». سَمِعْتُ سُفْيَانَ مِرَارًا، لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الْخَبَرَ، وَهْوَ مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ.

بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ﴾ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مِنَ اللهِ الرِّسَالَةُ وَعَلَى رَسُولِ اللهِ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ وَقَالَ ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ وَقَالَ أُبْلِغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﴿وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾، وَقَالَتْ عَائِشَةُ إِذَا

⦗١٥٥⦘

أَعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِئٍ فَقُلِ ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ وَقَالَ مَعْمَرٌ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ هَذَا الْقُرْآنُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ بَيَانٌ وَدِلَالَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ﴾ هَذَا حُكْمُ اللهِ ﴿لا رَيْبَ﴾ لَا شَكَّ ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ يَعْنِي هَذِهِ أَعْلَامُ الْقُرْآنِ وَمِثْلُهُ ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ يَعْنِي بِكُمْ وَقَالَ أَنَسٌ بَعَثَ النَّبِيُّ خَالَهُ حَرَامًا إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ أَتُؤْمِنُونِي أُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللهِ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ

إسناد حديث رقم ٧٥٢٩ من صحيح البخاري

٧٥٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٥٢٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهْوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ) من الصَّدقة الواجبة ووجوه الخير المشروعة، لا في التَّبذير ووجوه المكاره (فَيَقُولُ) الحاسد: (لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ) هذا من المال (عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ) من الإنفاق في حقِّه، قال في «شرح المشكاة»: أثبت الحسد في هذا الحديث لإرادة (١) المبالغة في تحصيل النِّعمتين الخطيرتين اللَّتين لو اجتمعتا في امرئٍ بلغ من العلياء كلَّ مكانٍ.

٧٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عينية (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمرَ (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) إحداهما: (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ) ﷿ -بمدِّ همزة «آتاه» - أي: أعطاه الله (القُرْآنَ فَهْوَ يَتْلُوهُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يقوم به» (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ) ساعاتهما، وواحد الآناء -قال الأخفش-: أني مثل معي، وقيل: أنو، يُقال: مضى أنيان من اللَّيل وأنوان (وَ) ثانيتهما (٢) (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ) ﷿ (مَالًا فَهْوَ يُنْفِقُهُ) في حقِّه (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَار) قال البغويُّ: المراد هنا من الحسد: الغِبطة وهي أن يتمنَّى الرَّجل مثل ما لأخيه من غير أن يتمنَّى زواله عنه، والمذموم أن يتمنَّى زواله وهو الحسد، ومعنى الحديث التَّرغيب في التَّصدُّق بالمال وتعليم العلم. انتهى.

قال عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: (سَمِعْتُ سُفْيَانَ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «سمعت من سفيان» (مِرَارًا، لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الخَبَرَ) أي: لم أسمعه بلفظ: «أخبرنا أو حدَّثنا الزُّهريُّ»، بل بلفظ: «قال»: (وَهْوَ) مع ذلك (مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ) فلا قدح فيه؛ إذ هو معلومٌ من الطُّرق الصَّحيحة، فعند الإسماعيليِّ عن أبي يَعلى عن أبي خيثمة قال: حدَّثنا سفيان هو ابن عيينة قال: حدَّثنا الزُّهريُّ عن سالمٍ به، وكذا هو في «مسلمٍ» عن أبي خيثمة زهير بن حربٍ، وقال في «الكواكب»:

أورد البخاريُّ التَّرجمة مخرومةً؛ إذ ذكر من صاحب القرآن حال المحسود فقط، ومن صاحب المال حال الحاسد فقط، ولا لبسَ في ذلك؛ لأنَّه اقتصر على ذكر حامل القرآن حاسدًا ومحسودًا، وترك حال ذي المال.

وسبق الحديث في «العلم» [خ¦٧٣] و «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٢٥] و «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٣٢].

(٤٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾) ناداه بأشرف الصِّفات البشريَّة وقوله: ﴿بَلِّغْ﴾ (١) وهو قد بلَّغ (٢) فأجاب في «الكشَّاف» بأنَّ المعنى: جميع ما أُنزِل إليك، أي: أيَّ شيءٍ أُنزِل غير مراقبٍ في تبليغه أحدًا، ولا خائفٍ أن ينالك مكروهٌ، وقوله: ﴿مَا﴾ يحتمل أن تكون بمعنى «الذي»، ولا يجوز أن تكون نكرةً موصوفةً؛ لأنَّه مأمورٌ بتبليغ الجميع كما مرَّ، والنَّكرة لا تفي بذلك فإنَّ تقديرها: بلِّغ شيئًا أُنزِل إليك، وفي ﴿أُنزِلَ﴾ ضميرٌ مرفوعٌ يعود على ما قام مقام الفاعل (﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]) بلفظ الجمع، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وأبي بكرٍ (٣)، أي: إن لم تفعل التَّبليغ، فحذف المفعول، ثمَّ إنَّ الجواب لا بدَّ وأن يكون مغايرًا للشَّرط لتحصل (٤) الفائدة، ومتَّى اتَّحدا اختلَّ الكلام ولم تحصل منه فائدةٌ،

وكلام البلغاء يُصان عن ذلك (١)، فلو قلت: إن أتى زيدٌ فقد جاء، لم يجز، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ﴾ اتِّحاد الشَّرط والجزاء، فإنَّ المعنى يؤول ظاهرًا إلى (٢) «وإن لم تفعل لم تفعل» ولا معنى له (٣)، وأجاب النَّاس عن ذلك بأجوبةٍ، فقيل: هو أمرٌ بتبليغ الرِّسالة في المستقبل، أي: بلِّغ ما أُنزِل إليك من ربِّك في المستقبل، وإن لم تفعل -أي: وإن لم تبلِّغ الرِّسالة في المستقبل- فكأنَّك لم تبلِّغ الرِّسالة أصلًا، أو بلِّغ ما أُنزِل إليك من ربِّك الآن ولا تنتظر به كثرة الشَّوكة والعدَّة، فإن لم تبلِّغ كنت كمن لم (٤) يبلِّغ أصلًا، أو بلِّغ غير خائفٍ أحدًا، فإن لم تبلِّغ على هذا الوصف فكأنَّك لم تبلِّغ الرِّسالة أصلًا، ثمَّ قال مشجِّعًا له في التَّبليغ: ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال البدر الدَّمامينيُّ في «مصابيحه»: وجه التَّغاير بين الشَّرط والجزاء: أنَّ الجزاء ممَّا أُقيم فيه السَّبب مقام المسبِّب؛ إذ عدُم التَّبليغ سببٌ لتوجيه العتب، وهذا المسبَّب (٥) في الحقيقة هو الجزاء، فالتَّغاير حاصلٌ، لكنَّ نكتة العدول عنه إلى ذكر السَّبب إجلالُ النَّبيِّ وترفيع محلِّه عن أن يُواجَه بعتبٍ أو بشيءٍ (٦) ممَّا يتأثَّر منه ولو على سبيل الفرض، فتأمَّله. انتهى.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (مِنَ اللهِ) ﷿ (الرِّسَالَةُ، وَعَلَى رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «وعلى رسوله» ( البَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ) فلا بدَّ في الرِّسالة من ثلاثة أمورٍ: المرسِل والرَّسول والمرسَل إليه، ولكلٍّ منهم شأنٌ، فللمرسِل الإرسال، وللرَّسول التَّبليغ، وللمرسَل إليه القبول والتَّسليم، وهذا وقع في قصَّةٍ أخرجها الحميديُّ في «النَّوادر» ومن طريقه الخطيب.

(وَقَالَ: ﴿لِيَعْلَمَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقال الله (٧) تعالى: ليعلم» أي: الله تعالى (﴿أَن قَدْ أَبْلَغُوا﴾) أي: الرُّسل (﴿رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]) كاملةً بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ إلى المرسَل إليهم، أي: ليعلم الله

ذلك موجودًا حال وجوده كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنَّه يوجده، وقيل: ليعلم محمَّدٌ أنَّ الرُّسل قبله قد بلَّغوا الرِّسالة، وقال القرطبيُّ: فيه حذفٌ يتعلَّق به الكلام، أي: اخترنا لحفظنا الوحي (١) ليعلم أنَّ الرُّسل قبله كانوا على مثل (٢) حالته من التَّبليغ بالحقِّ والصِّدق، وقيل: ليعلم إبليس أنَّ الرُّسل قد أبلغوا رسالات ربِّهم (٣) سليمةً من تخليطه واستراق أصحابه. (وَقَالَ) تعالى: (﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٢]) أي: ما أُوحِي إليَّ في الأوقات المتطاولة (٤)، أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنَّواهي والبشائر والنَّذائر والتَّبليغ فعلٌ، فإذا بلَّغ فقد فعل ما أُمِر به.

(وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) الأنصاريُّ (حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ) في غزوة تبوك ممَّا سبق بطوله في «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٧] (﴿وَسَيَرَى اللّهُ﴾) وللأبوين (٥): «﴿فَسَيَرَى اللّهُ﴾» (﴿عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤]) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «والمؤمنون» يشير إلى قوله في القصَّة، قال الله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ (٦)﴾ … الآية، ومراد البخاريِّ تسمية ذلك كلِّه عملًا.

(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) : (إِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِئٍ فَقُلِ: ﴿اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ) بالخاء المعجمة وتشديد الفاء والنُّون، أي: لا يستخفنَّك أحدٌ (٧) بعمله فتسارع إلى مدحه وظنِّ الخير به، لكن تثبَّت حتَّى تراه عاملًا بما

يرضاه الله ورسوله والمؤمنون، وصله البخاريُّ في «خلق أفعال العباد» مُطوَّلًا، وفيه ما كان من شأن عثمان حين نجم القرَّاء الذين طعنوا فيه، وقالوا قولًا لا يُحسَن مثله، وقرؤوا قراءةً لا يُحسَن مثلها، وصلَّوا صلاةً لا يُصلَّى مثلها … الحديث بطوله، والمراد: أنَّها سمَّت ذلك كلَّه عملًا.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، هو أبو عبيدة بن المثنَّى اللُّغويُّ في «كتاب مجاز القرآن» له: (﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾) أي: (هَذَا القُرْآنُ) قال: وقد يخاطب (١) العرب (٢) الشَّاهد بمخاطبة الغائب، وقال في «المصابيح»: قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا (٣) القرآن، يعني: أنَّ الإشارةَ إلى الكتاب المرادُ به القرآن، وليس ببعيدٍ، فكان مقتضى الظَّاهر أن يُشار إليه بـ «هذا» لكن أتى «بذلك» الذي يُشار به إلى البعيد؛ لأنَّ القصد فيه إلى تعظيم المشار إليه وبُعْد درجته، قال: وفي كلام الزَّركشيِّ في «التَّنقيح» هنا خبطٌ. وقال تعالى: (﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]) أي: (بَيَانٌ وَدِلَالَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ﴾ [الممتحنة: ١٠] هَذَا حُكْمُ اللهِ) يعني: أنَّ «ذلك» بمعنى: «هذا» (﴿لاَّ رَيْبَ﴾) زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «فيه» أي: (لَا شَكَّ).

(﴿تِلْكَ آيَاتُ (٤)[البقرة: ٢٥٢] يَعْنِي: هَذِهِ أَعْلَامُ القُرْآنِ) فاستعمل ﴿تِلْكَ﴾ التي للبعيد في موضع «هذه» التي للقريب (وَمِثْلُهُ) في الاستعمال قوله تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] يَعْنِي بِكُمْ) فلمَّا شاع استعمال ما هو للبعيد للقريب جاز استعمال ما هو للغائب للحاضر.

(وَقَالَ أَنَسٌ) : (بَعَثَ النَّبِيُّ خَالَهُ) وفي نسخةٍ «خالي» (حَرَامًا) أي: ابن ملحان أخا أمِّ سُلَيمٍ إلى بني عامرٍ (٥) (إِلَى قَوْمِه) بني عامرٍ، ولأبي ذرٍّ: «إلى قومٍ» (وَقَالَ) لهم حرامٌ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهْوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ) من الصَّدقة الواجبة ووجوه الخير المشروعة، لا في التَّبذير ووجوه المكاره (فَيَقُولُ) الحاسد: (لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ) هذا من المال (عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ) من الإنفاق في حقِّه، قال في «شرح المشكاة»: أثبت الحسد في هذا الحديث لإرادة (١) المبالغة في تحصيل النِّعمتين الخطيرتين اللَّتين لو اجتمعتا في امرئٍ بلغ من العلياء كلَّ مكانٍ.

٧٥٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عينية (قَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمرَ (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) إحداهما: (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ) ﷿ -بمدِّ همزة «آتاه» - أي: أعطاه الله (القُرْآنَ فَهْوَ يَتْلُوهُ) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «يقوم به» (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ) ساعاتهما، وواحد الآناء -قال الأخفش-: أني مثل معي، وقيل: أنو، يُقال: مضى أنيان من اللَّيل وأنوان (وَ) ثانيتهما (٢) (رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ) ﷿ (مَالًا فَهْوَ يُنْفِقُهُ) في حقِّه (آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَار) قال البغويُّ: المراد هنا من الحسد: الغِبطة وهي أن يتمنَّى الرَّجل مثل ما لأخيه من غير أن يتمنَّى زواله عنه، والمذموم أن يتمنَّى زواله وهو الحسد، ومعنى الحديث التَّرغيب في التَّصدُّق بالمال وتعليم العلم. انتهى.

قال عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: (سَمِعْتُ سُفْيَانَ) ولأبوي الوقت وذرٍّ: «سمعت من سفيان» (مِرَارًا، لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الخَبَرَ) أي: لم أسمعه بلفظ: «أخبرنا أو حدَّثنا الزُّهريُّ»، بل بلفظ: «قال»: (وَهْوَ) مع ذلك (مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ) فلا قدح فيه؛ إذ هو معلومٌ من الطُّرق الصَّحيحة، فعند الإسماعيليِّ عن أبي يَعلى عن أبي خيثمة قال: حدَّثنا سفيان هو ابن عيينة قال: حدَّثنا الزُّهريُّ عن سالمٍ به، وكذا هو في «مسلمٍ» عن أبي خيثمة زهير بن حربٍ، وقال في «الكواكب»:

أورد البخاريُّ التَّرجمة مخرومةً؛ إذ ذكر من صاحب القرآن حال المحسود فقط، ومن صاحب المال حال الحاسد فقط، ولا لبسَ في ذلك؛ لأنَّه اقتصر على ذكر حامل القرآن حاسدًا ومحسودًا، وترك حال ذي المال.

وسبق الحديث في «العلم» [خ¦٧٣] و «فضائل القرآن» [خ¦٥٠٢٥] و «التَّمنِّي» [خ¦٧٢٣٢].

(٤٦) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾) ناداه بأشرف الصِّفات البشريَّة وقوله: ﴿بَلِّغْ﴾ (١) وهو قد بلَّغ (٢) فأجاب في «الكشَّاف» بأنَّ المعنى: جميع ما أُنزِل إليك، أي: أيَّ شيءٍ أُنزِل غير مراقبٍ في تبليغه أحدًا، ولا خائفٍ أن ينالك مكروهٌ، وقوله: ﴿مَا﴾ يحتمل أن تكون بمعنى «الذي»، ولا يجوز أن تكون نكرةً موصوفةً؛ لأنَّه مأمورٌ بتبليغ الجميع كما مرَّ، والنَّكرة لا تفي بذلك فإنَّ تقديرها: بلِّغ شيئًا أُنزِل إليك، وفي ﴿أُنزِلَ﴾ ضميرٌ مرفوعٌ يعود على ما قام مقام الفاعل (﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]) بلفظ الجمع، وهي قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وأبي بكرٍ (٣)، أي: إن لم تفعل التَّبليغ، فحذف المفعول، ثمَّ إنَّ الجواب لا بدَّ وأن يكون مغايرًا للشَّرط لتحصل (٤) الفائدة، ومتَّى اتَّحدا اختلَّ الكلام ولم تحصل منه فائدةٌ،

وكلام البلغاء يُصان عن ذلك (١)، فلو قلت: إن أتى زيدٌ فقد جاء، لم يجز، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ﴾ اتِّحاد الشَّرط والجزاء، فإنَّ المعنى يؤول ظاهرًا إلى (٢) «وإن لم تفعل لم تفعل» ولا معنى له (٣)، وأجاب النَّاس عن ذلك بأجوبةٍ، فقيل: هو أمرٌ بتبليغ الرِّسالة في المستقبل، أي: بلِّغ ما أُنزِل إليك من ربِّك في المستقبل، وإن لم تفعل -أي: وإن لم تبلِّغ الرِّسالة في المستقبل- فكأنَّك لم تبلِّغ الرِّسالة أصلًا، أو بلِّغ ما أُنزِل إليك من ربِّك الآن ولا تنتظر به كثرة الشَّوكة والعدَّة، فإن لم تبلِّغ كنت كمن لم (٤) يبلِّغ أصلًا، أو بلِّغ غير خائفٍ أحدًا، فإن لم تبلِّغ على هذا الوصف فكأنَّك لم تبلِّغ الرِّسالة أصلًا، ثمَّ قال مشجِّعًا له في التَّبليغ: ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال البدر الدَّمامينيُّ في «مصابيحه»: وجه التَّغاير بين الشَّرط والجزاء: أنَّ الجزاء ممَّا أُقيم فيه السَّبب مقام المسبِّب؛ إذ عدُم التَّبليغ سببٌ لتوجيه العتب، وهذا المسبَّب (٥) في الحقيقة هو الجزاء، فالتَّغاير حاصلٌ، لكنَّ نكتة العدول عنه إلى ذكر السَّبب إجلالُ النَّبيِّ وترفيع محلِّه عن أن يُواجَه بعتبٍ أو بشيءٍ (٦) ممَّا يتأثَّر منه ولو على سبيل الفرض، فتأمَّله. انتهى.

(وَقَالَ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ: (مِنَ اللهِ) ﷿ (الرِّسَالَةُ، وَعَلَى رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: «وعلى رسوله» ( البَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ) فلا بدَّ في الرِّسالة من ثلاثة أمورٍ: المرسِل والرَّسول والمرسَل إليه، ولكلٍّ منهم شأنٌ، فللمرسِل الإرسال، وللرَّسول التَّبليغ، وللمرسَل إليه القبول والتَّسليم، وهذا وقع في قصَّةٍ أخرجها الحميديُّ في «النَّوادر» ومن طريقه الخطيب.

(وَقَالَ: ﴿لِيَعْلَمَ﴾) ولأبي ذرٍّ: «وقال الله (٧) تعالى: ليعلم» أي: الله تعالى (﴿أَن قَدْ أَبْلَغُوا﴾) أي: الرُّسل (﴿رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]) كاملةً بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ إلى المرسَل إليهم، أي: ليعلم الله

ذلك موجودًا حال وجوده كما كان يعلم ذلك قبل وجوده أنَّه يوجده، وقيل: ليعلم محمَّدٌ أنَّ الرُّسل قبله قد بلَّغوا الرِّسالة، وقال القرطبيُّ: فيه حذفٌ يتعلَّق به الكلام، أي: اخترنا لحفظنا الوحي (١) ليعلم أنَّ الرُّسل قبله كانوا على مثل (٢) حالته من التَّبليغ بالحقِّ والصِّدق، وقيل: ليعلم إبليس أنَّ الرُّسل قد أبلغوا رسالات ربِّهم (٣) سليمةً من تخليطه واستراق أصحابه. (وَقَالَ) تعالى: (﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٦٢]) أي: ما أُوحِي إليَّ في الأوقات المتطاولة (٤)، أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنَّواهي والبشائر والنَّذائر والتَّبليغ فعلٌ، فإذا بلَّغ فقد فعل ما أُمِر به.

(وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ) الأنصاريُّ (حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ) في غزوة تبوك ممَّا سبق بطوله في «سورة التَّوبة» [خ¦٤٦٧٧] (﴿وَسَيَرَى اللّهُ﴾) وللأبوين (٥): «﴿فَسَيَرَى اللّهُ﴾» (﴿عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤]) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «والمؤمنون» يشير إلى قوله في القصَّة، قال الله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ (٦)﴾ … الآية، ومراد البخاريِّ تسمية ذلك كلِّه عملًا.

(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) : (إِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِئٍ فَقُلِ: ﴿اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ) بالخاء المعجمة وتشديد الفاء والنُّون، أي: لا يستخفنَّك أحدٌ (٧) بعمله فتسارع إلى مدحه وظنِّ الخير به، لكن تثبَّت حتَّى تراه عاملًا بما

يرضاه الله ورسوله والمؤمنون، وصله البخاريُّ في «خلق أفعال العباد» مُطوَّلًا، وفيه ما كان من شأن عثمان حين نجم القرَّاء الذين طعنوا فيه، وقالوا قولًا لا يُحسَن مثله، وقرؤوا قراءةً لا يُحسَن مثلها، وصلَّوا صلاةً لا يُصلَّى مثلها … الحديث بطوله، والمراد: أنَّها سمَّت ذلك كلَّه عملًا.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، هو أبو عبيدة بن المثنَّى اللُّغويُّ في «كتاب مجاز القرآن» له: (﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾) أي: (هَذَا القُرْآنُ) قال: وقد يخاطب (١) العرب (٢) الشَّاهد بمخاطبة الغائب، وقال في «المصابيح»: قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا (٣) القرآن، يعني: أنَّ الإشارةَ إلى الكتاب المرادُ به القرآن، وليس ببعيدٍ، فكان مقتضى الظَّاهر أن يُشار إليه بـ «هذا» لكن أتى «بذلك» الذي يُشار به إلى البعيد؛ لأنَّ القصد فيه إلى تعظيم المشار إليه وبُعْد درجته، قال: وفي كلام الزَّركشيِّ في «التَّنقيح» هنا خبطٌ. وقال تعالى: (﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]) أي: (بَيَانٌ وَدِلَالَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ﴾ [الممتحنة: ١٠] هَذَا حُكْمُ اللهِ) يعني: أنَّ «ذلك» بمعنى: «هذا» (﴿لاَّ رَيْبَ﴾) زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «فيه» أي: (لَا شَكَّ).

(﴿تِلْكَ آيَاتُ (٤)[البقرة: ٢٥٢] يَعْنِي: هَذِهِ أَعْلَامُ القُرْآنِ) فاستعمل ﴿تِلْكَ﴾ التي للبعيد في موضع «هذه» التي للقريب (وَمِثْلُهُ) في الاستعمال قوله تعالى: (﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] يَعْنِي بِكُمْ) فلمَّا شاع استعمال ما هو للبعيد للقريب جاز استعمال ما هو للغائب للحاضر.

(وَقَالَ أَنَسٌ) : (بَعَثَ النَّبِيُّ خَالَهُ) وفي نسخةٍ «خالي» (حَرَامًا) أي: ابن ملحان أخا أمِّ سُلَيمٍ إلى بني عامرٍ (٥) (إِلَى قَوْمِه) بني عامرٍ، ولأبي ذرٍّ: «إلى قومٍ» (وَقَالَ) لهم حرامٌ:

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله