الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٥٦٢
الحديث رقم ٧٥٦٢ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ وَأَنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْقُسْطَاسُ الْعَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ وَيُقَالُ الْقِسْطُ مَصْدَرُ الْمُقْسِطِ وَهُوَ الْعَادِلُ وَأَمَّا الْقَاسِطُ فَهُوَ الْجَائِرُ
٧٥٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يُحَدِّثُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لغلبة الكذب (١) عليه ولفساد حاله كما لا ينتفع المنافق بقراءته لفساد عقيدته، وانضمام خبثه إليها، قاله في «الكواكب» وقال في «الفتح»: والذي يظهر لي من مراد (٢) البخاريِّ أنَّ تلفُّظ المنافق بالقرآن كما يتلفَّظ به المؤمن، فتختلف تلاوتهما والمتلوُّ واحدٌ، ولو كان المتلوُّ عين التِّلاوة، لم يقع فيه تخالفٌ، وكذلك الكاهن في تلفُّظه بالكلمة من الوحي التي يخبره بها الجنِّيُّ ممَّا يختطفه من المَلَك تلفظه بها، وتلفُّظ الجنِّيِّ مغايرٌ لتلفُّظ المَلَك فتغايرا.
وسبق الحديث في «باب الكهانة» أواخر «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٢].
٧٥٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديُّ قال: (سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ) أبا بكرٍ أحد الأعلام (يُحَدِّثُ عَنْ) أخيه (مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ) بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها مُوحَّدةٌ مفتوحةٌ فدالٌ مهملةٌ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ) أي: من جهة مشرق المدينة كنجدٍ وما بعده، وهم الخوارج، ومن معتقدهم تكفير عثمان ﵁، وأنَّه قُتِل بحقٍّ، ولم يزالوا مع عليٍّ حتَّى وقع التَّحكيم بصفِّين، فأنكروا التَّحكيم وخرجوا على عليٍّ وكفَّروه (وَيَقْرَؤُوْنَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «يقرؤون» (القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) بالنَّصب على المفعوليَّة، جمع تَرْقُوَةٍ -بفتح الفوقيَّة وسكون الرَّاء وضمِّ القاف وفتح الواو- العظم الذي بين ثغرة النَّحر والعنق، وهذا موضع التَّرجمة (يَمْرُقُونَ) بضمِّ الراء، يخرجون (مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء وكسر (٣) الميم وتشديد التَّحتيَّة، أي: المرميِّ إليها (ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ) أي: في الدِّين، وسقط «ثَّم (٤)» في بعض
النُّسخ (حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ) بضمِّ الفاء موضع الوتر من السَّهم، وهو لا يعود إلى فوقه قطُّ بنفسه (قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ؟) بكسر السِّين المهملة مقصورًا، ما علامتهم؟ قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: والسَّائل لم أقف على تعيينه (قَالَ) ﵊: (سِيمَاهُمُ) أي: علامتهم (التَّحْلِيقُ) أي: إزالة الشَّعر، أو إزالة شعر الرَّأس، قال الحافظ ابن حجرٍ: طرق الحديث المتكاثرة كالصَّريحة في إرادة حلق الرَّأس، وإنَّما كان هذا علامتهم وإن كان غيرهم يحلق رأسه أيضًا؛ لأنَّهم جعلوا الحلق لهم دائمًا، وزمن الصَّحابة إنَّما كانوا يحلقون رؤوسهم في نسكٍ أو حاجةٍ، وقيل: المراد حلق الرَّأس واللِّحية وجميع الشُّعور (أَوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ) بفوقيَّةٍ مفتوحةٍ فسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ وبعد الموحَّدة المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ فدالٌ مهملةٌ، وهو بمعنى التَّحليق، أو هو (١) أبلغ منه استئصال الشَّعر، أو ترك غسله وترك (٢) دهنه، والشَّكُّ من الرَّاوي.
ولمَّا كان آخر الأمور التي يظهر بها المفلح من الخاسر ثقل الموازين وخفَّتها جعله المؤلِّف آخر تراجم كتابه، فبدأ (٣) بحديث: «الأعمال بالنِّيَّات» [خ¦١] وذلك في الدُّنيا (٤) وختم: بأنَّ الأعمال تُوزَن يوم القيامة، [خ¦٧٥٦٣] إشارةً إلى أنه إنَّما يتقبَّل منها ما كان بالنِّيَّة الخالصة لله تعالى، فقال رحمه الله تعالى (٥):
(٥٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾) العدل، وهو منصوبٌ على أنَّه نعتٌ لـ ﴿الْمَوَازِينَ﴾ وعلى (٦) هذا فلِمَ أُفرِد؟ وأجيب بأنَّه (٧) في الأصل مصدرٌ، والمصدر يوحَّد مطلقًا، أو على أنَّه
على حذف مضافٍ، أي: ذوات القسط، وَ ﴿الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزانٍ، وجاء ذكرها في القرآن بلفظ الجمع، وفي السُّنَّة به وبالإفراد، فجوَّز بعضهم لمَّا أشكل عليه الجمع في الآية أن يكون ثَمَّ موازين للعامل الواحد يوزن بكلِّ ميزانٍ منها صنفٌ واحدٌ من أعماله، قال الشَّاعر:
ملكٌ تقومُ الحادثاتُ لأجلهِ … فلكلِّ حادثةٍ لها ميزانُ
والذي عليه الأكثرون أنَّه ميزانٌ واحدٌ، عبَّر عنه بلفظ الجمع للتَّفخيم كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وإنَّما هو رسولٌ واحدٌ، أو الجمع باعتبار العباد وأنواع الموزونات، أي: ونضع الموازين العادلات (﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]) وثبت قوله: «ليوم القيامة» لأبي ذرٍّ، وسقط لغيره، واللَّام بمعنى: «في» وإليه ذهب ابن قتيبة وابن مالكٍ، وهو رأي الكوفيِّين، ومنه عندهم: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] أو هي للتَّعليل، ولكن على حذف مضافٍ، أي: لحساب يوم القيامة، أو بمعنى: «عند» كقوله: جئتك لخمسٍ خلون من الشَّهر، وقول النَّابغة:
تَوهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُها … لستَّةِ أَعْوَامٍ وذا العَامُ سَابِعُ
(وَأَنَّ) بفتح الهمزة وقد تُكسَر (أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ) بالإفراد، وللقابسيِّ: «وأقوالهم (١) تُوزَن» بميزانٍ له لسانٌ وكفَّتان خلافًا للمعتزلة المنكرين لذلك إلَّا أنَّ منهم من أحاله عقلًا، ومنهم من جوَّزه ولم يحكم بثبوته كالعلَّاف وابن المعتمر، واحتجُّوا: بأنَّ الأعمال أعراضٌ وقد عدمت، فلا يمكن إعادتها، وإذا (٢) أمكن إعادتها يستحيل وزنها؛ إذ لا تقوم بأنفسها فلا توصف بخفَّةٍ ولا ثقلٍ، والقرآن يردُّ عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] أي: وزن الأعمال يومئذٍ الحقُّ ﴿فَأَمَّا مَن (٣) ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٦ - ٧] سلَّمنا أنَّ الأعراض لا تُوصَف بخفَّةٍ ولا ثقلٍ، لكن لمَّا ورد الدَّليل على ثبوت الميزان والوزن كالحساب والصِّراط وجب علينا اعتقاده، وإن عجزت عقولنا عن إدراك بعضٍ، فنَكِلُ علمه إلى الله تعالى ولا نشتغل بكيفيَّته، والعمدة في إثباتها عند أهل الحقِّ أنَّها
ممكنةٌ في أنفسها (١)؛ إذ لا يلزم من فرض وقوعها محالٌ لذاته مع إخبار الصَّادق عنها، فأجمع المسلمون (٢) عليها قبل ظهور المخالف عليها، والله تعالى قادرٌ على أن يعرِّف عباده مقادير أعمالهم وأقوالهم يوم القيامة بأيِّ طريقٍ شاء؛ إمَّا بأن يجعل الأعمال والأقوال أجسامًا، أو يجعلها في أجسام، وقد روى بعض المتكلِّمين عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا، فيزنها أو توزن صحفها، ويؤيِّد هذا حديث البطاقة المرويِّ في «التِّرمذيِّ» وقال: حسنٌ غريبٌ، وابن ماجه وابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم والبيهقيِّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الله يستخلص رجلًا من أمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلًّا، كلُّ سجلٍّ مثل مدِّ البصر، ثمَّ يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربِّ، فيقول: أَفَلَكَ (٣) عذرٌ؟ فيقول (٤): لا يا ربِّ، فيقول الله تعالى: بلى، إنَّ لك عندنا حسنةً، فإنَّه لا ظلمَ عليك، فيخرِج بطاقةً فيها (٥) أشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السِّجلَّات؟ فيقول (٦): فإنَّك لا تُظلَم، فتُوضَع السِّجلَّاتُ في كفَّةٍ والبطاقةُ في كفَّةٍ، فطاشت السِّجلَّات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيءٌ» وقال ابن ماجه بدل قوله: «إنَّ الله يستخلص رجلًا من أمَّتي»: «يُصاح برجلٍ من أمَّتي» وقال محمَّد بن يحيى: البطاقة الرُّقعة، وهذا يدلُّ على الميزان الحقيقيِّ، وأنَّ الموزون صحف (٧) الأعمال، ويكون رجحانها باعتبار كثرة ما كُتِب فيها، وخِفَّتُها بقلَّته فلا إشكال، وقيل: إنَّه ميزانٌ كميزان الشّعر، وفائدته: إظهار العدل والمبالغة في الإنصاف، ولو جاز حمله على ذلك لجاز حمل الصِّراط على الدِّين الحقِّ، والجنَّة والنَّار على ما يَرِدُ على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، وهذا كلُّه فاسدٌ؛ لأنَّه رُدَّ لما جاء به الصَّادق على ما لا يخفى، فإن قلت: أهل القيامة إمَّا أن يكونوا
عالمين بكونه تعالى عادلًا غير ظالمٍ أو لا، فإن علموا ذلك كان مجرَّد حكمه كافيًا، فلا فائدة في وضع الميزان، وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصَّحائف، وحينئذٍ فلا فائدة في وضعها أصلًا، أجيب بأنَّهم عالمون بعدله تعالى، وإنَّما فعل ذلك لإقامة الحجَّة عليهم، وبيانًا لكونه لا يظلم مثقال ذرَّةٍ، وإظهارًا لعظمة قدرته في أنَّ كلَّ كفَّةٍ طباق السَّموات والأرض ترجح بمثقال الحبَّة من الخردل وتخفُّ، وأيضًا فإنَّه ﷾ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقد رُوِي عن سلمان (١) أنَّه قال: فإن أنكر ذلك منكرٌ جاهلٌ -بمعنى توجيه معنى خبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ عن الميزان- وقال: أَوَ بالله حاجةٌ إلى وزن الأشياء وهو العالم بمقدار كلِّ شيءٍ قبل خلقه إيَّاه وبعده في كلِّ حالٍ؟ قيل له: وزان ذلك إثباته إيَّاه في أمِّ الكتاب واستنساخه في الكتب من غير حاجةٍ إلى ذلك؛ لأنَّه سبحانه لا يخاف النِّسيان وهو عالمٌ بكلِّ ذلك على كلِّ حالٍ ووقتٍ قبل كونه وبعد وجوده، وإنَّما يفعل ذلك تعالى ليكون حجَّةً على خلقه كما قال تعالى (٢): ﴿كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨ - ٢٩] فكذلك وزنه تعالى لأعمال خلقه بالميزان حجَّةٌ عليهم ولهم إمَّا بالتَّقصير في طاعته والتَّضييع، وإمَّا بالتَّكميل والتَّتميم، وإظهارٌ لكرمه وعفوه ومغفرته وحلمه مع قدرته بعد إطلاع كلِّ أحدٍ منَّا على مساوئه، ومسامحته له وغفرانه وإدخاله إيَّاه الجنَّة بعد معصيته.
وحكى الزَّركشيُّ عن بعضهم: أنَّ رجحان الوزن في الآخرة بصعود الرَّاجح عكس الوزن في الدُّنيا، واستند في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ … الآية [فاطر: ١٠] وهو غريبٌ مصادمٌ لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآية (٣) [القارعة: ٦] وقد جاء أنَّ كفَّة الحسنات من نورٍ والأخرى من ظلامٍ، وأنَّ الجنَّة توضع عن يمين العرش والنَّار عن يساره، ويُؤتَى بالميزان فيُنصَب (٤) بين يدي الله ﷿ كفَّة الحسنات عن يمين العرش مقابل (٥) الجنَّة،
وكفَّة السَّيِّئات عن يسار العرش مقابل النَّار، ذكره التِّرمذيُّ الحكيم في «نوادر الأصول» وأبو القاسم اللَّالكائيُّ في «سننه» وعن حذيفة موقوفًا (١): «إنَّ صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﵇»، وعند البيهقيِّ عن أنسٍ مرفوعًا قال: «ملك الموت مُوكَّلٌ بالميزان».
وفي «الطَّبرانيِّ الصَّغير» من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله -أي: يوم القيامة-: يا آدم قد جعلتك حكمًا بيني وبين ذرِّيَّتك، قم عند الميزان فانظر ما يُرفَع إليك من أعمالهم، فمن رجح منهم خيره على شرِّه مثقال ذرَّةٍ فله الجنَّة حتَّى تعلم (٢) أنِّي لا أُدخِل منهم النَّار إلَّا ظالمًا … » الحديث، وقال الطَّبرانيُّ: لا يروى هذا عن أبي هريرة إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به عبد الأعلى.
وعند الحاكم عن سلمان (٣) مرفوعًا: «يُوضَع الميزان يوم القيامة، فلو آوى فيه السَّموات والأرض لوُضِعت، فتقول الملائكة: يا ربِّ لمن تزن بهذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك».
وعند صاحب «الفردوس» وابنه أبي منصورٍ الدَّيلميِّ عن عائشة مرفوعًا: «خلق الله ﷿ كفتي الميزان مثل أو ملء السَّموات والأرض، فقالت الملائكة: يا ربَّنا ما تزن بهذا؟ قال: أَزِنُ به من شئت من خلقي» وقيل: سأل داود ﵇ ربَّه ﷿ أن يريه الميزان، فلمَّا رآه أُغمِي عليه من هوله، ثمَّ أفاق فقال: إلهي من يقدر على ملء كفة هذا الميزان حسناتٍ؟ فقال الله تعالى: «يا داود إنِّي إذا رضيت على عبدي ملأته بتمرةٍ واحدةٍ، يا داود أملؤها بكلمة لا إله إلَّا الله» ثمَّ إنَّ ظاهر قول البخاريِّ: «وإنَّ أعمال بني آدم وقولهم يُوَزن» التَّعميم، وليس كذلك، بل خصَّ منهم من يدخل الجنَّة بغير حسابٍ، وهم السَّبعون ألفًا كما في «البخاريِّ» [خ¦٣٢٤٧] فإنَّه لا يُرفَع (٤) لهم ميزانٌ ولا يأخذون صحفًا، وإنَّما هي براءاتٌ (٥) مكتوبةٌ كما قاله الغزاليُّ، وكذلك من لا ذنب له إلَّا الكفر فقط ولم يعمل حسنةً، فإنَّه يقع في النَّار من غير حسابٍ ولا ميزانٍ، وفي «البخاريِّ»
مرفوعًا [خ¦٤٧٢٩] «إنَّه ليأتي الرَّجل العظيم السَّمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضةٍ، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾» [الكهف: ١٠٥] أي: لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابلةٌ بالعذاب، فلا حسنة لهم تُوزَن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النَّار.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر في قوله تعالى: ﴿وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥] ممَّا وصله الفريابيُّ في «تفسيره» (القُِسْطَاسُ) بضمِّ القاف وكسرها (العَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ) أي: بلغة أهل الرُّوم، ففيه وقوع المعرَّب في القرآن، وأمَّا قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فلا ينافيه ألفاظٌ نادرةٌ، أو هو من توافق اللُّغتين لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] وليس بشيءٍ؛ لأنَّ المعنى: أنَّه عربيُّ الأسلوب والنَّظم، ولو سلَّمنا فباعتبار الأعمِّ الأغلب، ولم يُشتَرط في الكلام العربيِّ أن تكون (١) كلُّ كلمةٍ منه عربيَّةً، ولا يجوز اشتمال القرآن على كلمةٍ غير فصيحةٍ، وقيل يجوز، وردَّه المولى سعد الدِّين التَّفتازانيُّ: بأنَّ ذلك يقود إلى نسبة الجهل أو العجز (٢) إلى الله تعالى عن ذلك، واعترضه البونيُّ أحد تلامذة الشَّيخ بأنَّه يجوز أن يختار الله تعالى غير الفصيح مع القدرة على الفصيح لحكمةٍ هي إمَّا أنَّ دلالته على المراد أوضح من الفصيح أو غير ذلك ممَّا لا يعلمه إلَّا هو، فلا يلزم شيءٌ من العجز والجهل، قال: وعرضته على الشَّيخ فاستحسنه.
(وَيُقَالُ: القِسْطُ مَصْدَرُ المُقْسِطِ) اعترضه الإسماعيليُّ بأنَّ مصدر «المقسط» الإقساط؛ لأنَّه رباعيٌّ، وأُجيب بأنَّ المراد المصدر (٣) المحذوف الزَّوائد نظرًا إلى أصله، فهو مصدر (٤) مصدره؛ إذ لا خفاء أنَّ المصدر الجاري على فعله هو الإقساط، قاله في «اللَّامع» و «المصابيح» كـ «الكواكب» (وَهْوَ) أي: المقسط (العَادِلُ) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].
(وَأَمَّا القَاسِطُ فَهْوَ الجَائِرُ) قال الله (٥) تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] و «قسط» الثَّلاثيُّ بمعنى: «جار»، و «أقسط» الرُّباعيُّ بمعنى: «عدل» وحكى الزَّجَّاج أنَّ الثُّلاثيَّ يُستعمَل كالرُّباعيِّ، والمشهور الأوَّل، ومن الغريب ما حُكِي أنَّ الحجَّاج لمَّا أحضر سعيد بن
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لغلبة الكذب (١) عليه ولفساد حاله كما لا ينتفع المنافق بقراءته لفساد عقيدته، وانضمام خبثه إليها، قاله في «الكواكب» وقال في «الفتح»: والذي يظهر لي من مراد (٢) البخاريِّ أنَّ تلفُّظ المنافق بالقرآن كما يتلفَّظ به المؤمن، فتختلف تلاوتهما والمتلوُّ واحدٌ، ولو كان المتلوُّ عين التِّلاوة، لم يقع فيه تخالفٌ، وكذلك الكاهن في تلفُّظه بالكلمة من الوحي التي يخبره بها الجنِّيُّ ممَّا يختطفه من المَلَك تلفظه بها، وتلفُّظ الجنِّيِّ مغايرٌ لتلفُّظ المَلَك فتغايرا.
وسبق الحديث في «باب الكهانة» أواخر «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٢].
٧٥٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديُّ قال: (سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ) أبا بكرٍ أحد الأعلام (يُحَدِّثُ عَنْ) أخيه (مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ) بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها مُوحَّدةٌ مفتوحةٌ فدالٌ مهملةٌ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ) أي: من جهة مشرق المدينة كنجدٍ وما بعده، وهم الخوارج، ومن معتقدهم تكفير عثمان ﵁، وأنَّه قُتِل بحقٍّ، ولم يزالوا مع عليٍّ حتَّى وقع التَّحكيم بصفِّين، فأنكروا التَّحكيم وخرجوا على عليٍّ وكفَّروه (وَيَقْرَؤُوْنَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «يقرؤون» (القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) بالنَّصب على المفعوليَّة، جمع تَرْقُوَةٍ -بفتح الفوقيَّة وسكون الرَّاء وضمِّ القاف وفتح الواو- العظم الذي بين ثغرة النَّحر والعنق، وهذا موضع التَّرجمة (يَمْرُقُونَ) بضمِّ الراء، يخرجون (مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء وكسر (٣) الميم وتشديد التَّحتيَّة، أي: المرميِّ إليها (ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ) أي: في الدِّين، وسقط «ثَّم (٤)» في بعض
النُّسخ (حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ) بضمِّ الفاء موضع الوتر من السَّهم، وهو لا يعود إلى فوقه قطُّ بنفسه (قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ؟) بكسر السِّين المهملة مقصورًا، ما علامتهم؟ قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: والسَّائل لم أقف على تعيينه (قَالَ) ﵊: (سِيمَاهُمُ) أي: علامتهم (التَّحْلِيقُ) أي: إزالة الشَّعر، أو إزالة شعر الرَّأس، قال الحافظ ابن حجرٍ: طرق الحديث المتكاثرة كالصَّريحة في إرادة حلق الرَّأس، وإنَّما كان هذا علامتهم وإن كان غيرهم يحلق رأسه أيضًا؛ لأنَّهم جعلوا الحلق لهم دائمًا، وزمن الصَّحابة إنَّما كانوا يحلقون رؤوسهم في نسكٍ أو حاجةٍ، وقيل: المراد حلق الرَّأس واللِّحية وجميع الشُّعور (أَوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ) بفوقيَّةٍ مفتوحةٍ فسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ وبعد الموحَّدة المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ فدالٌ مهملةٌ، وهو بمعنى التَّحليق، أو هو (١) أبلغ منه استئصال الشَّعر، أو ترك غسله وترك (٢) دهنه، والشَّكُّ من الرَّاوي.
ولمَّا كان آخر الأمور التي يظهر بها المفلح من الخاسر ثقل الموازين وخفَّتها جعله المؤلِّف آخر تراجم كتابه، فبدأ (٣) بحديث: «الأعمال بالنِّيَّات» [خ¦١] وذلك في الدُّنيا (٤) وختم: بأنَّ الأعمال تُوزَن يوم القيامة، [خ¦٧٥٦٣] إشارةً إلى أنه إنَّما يتقبَّل منها ما كان بالنِّيَّة الخالصة لله تعالى، فقال رحمه الله تعالى (٥):
(٥٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾) العدل، وهو منصوبٌ على أنَّه نعتٌ لـ ﴿الْمَوَازِينَ﴾ وعلى (٦) هذا فلِمَ أُفرِد؟ وأجيب بأنَّه (٧) في الأصل مصدرٌ، والمصدر يوحَّد مطلقًا، أو على أنَّه
على حذف مضافٍ، أي: ذوات القسط، وَ ﴿الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزانٍ، وجاء ذكرها في القرآن بلفظ الجمع، وفي السُّنَّة به وبالإفراد، فجوَّز بعضهم لمَّا أشكل عليه الجمع في الآية أن يكون ثَمَّ موازين للعامل الواحد يوزن بكلِّ ميزانٍ منها صنفٌ واحدٌ من أعماله، قال الشَّاعر:
ملكٌ تقومُ الحادثاتُ لأجلهِ … فلكلِّ حادثةٍ لها ميزانُ
والذي عليه الأكثرون أنَّه ميزانٌ واحدٌ، عبَّر عنه بلفظ الجمع للتَّفخيم كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وإنَّما هو رسولٌ واحدٌ، أو الجمع باعتبار العباد وأنواع الموزونات، أي: ونضع الموازين العادلات (﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]) وثبت قوله: «ليوم القيامة» لأبي ذرٍّ، وسقط لغيره، واللَّام بمعنى: «في» وإليه ذهب ابن قتيبة وابن مالكٍ، وهو رأي الكوفيِّين، ومنه عندهم: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] أو هي للتَّعليل، ولكن على حذف مضافٍ، أي: لحساب يوم القيامة، أو بمعنى: «عند» كقوله: جئتك لخمسٍ خلون من الشَّهر، وقول النَّابغة:
تَوهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُها … لستَّةِ أَعْوَامٍ وذا العَامُ سَابِعُ
(وَأَنَّ) بفتح الهمزة وقد تُكسَر (أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ) بالإفراد، وللقابسيِّ: «وأقوالهم (١) تُوزَن» بميزانٍ له لسانٌ وكفَّتان خلافًا للمعتزلة المنكرين لذلك إلَّا أنَّ منهم من أحاله عقلًا، ومنهم من جوَّزه ولم يحكم بثبوته كالعلَّاف وابن المعتمر، واحتجُّوا: بأنَّ الأعمال أعراضٌ وقد عدمت، فلا يمكن إعادتها، وإذا (٢) أمكن إعادتها يستحيل وزنها؛ إذ لا تقوم بأنفسها فلا توصف بخفَّةٍ ولا ثقلٍ، والقرآن يردُّ عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] أي: وزن الأعمال يومئذٍ الحقُّ ﴿فَأَمَّا مَن (٣) ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٦ - ٧] سلَّمنا أنَّ الأعراض لا تُوصَف بخفَّةٍ ولا ثقلٍ، لكن لمَّا ورد الدَّليل على ثبوت الميزان والوزن كالحساب والصِّراط وجب علينا اعتقاده، وإن عجزت عقولنا عن إدراك بعضٍ، فنَكِلُ علمه إلى الله تعالى ولا نشتغل بكيفيَّته، والعمدة في إثباتها عند أهل الحقِّ أنَّها
ممكنةٌ في أنفسها (١)؛ إذ لا يلزم من فرض وقوعها محالٌ لذاته مع إخبار الصَّادق عنها، فأجمع المسلمون (٢) عليها قبل ظهور المخالف عليها، والله تعالى قادرٌ على أن يعرِّف عباده مقادير أعمالهم وأقوالهم يوم القيامة بأيِّ طريقٍ شاء؛ إمَّا بأن يجعل الأعمال والأقوال أجسامًا، أو يجعلها في أجسام، وقد روى بعض المتكلِّمين عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا، فيزنها أو توزن صحفها، ويؤيِّد هذا حديث البطاقة المرويِّ في «التِّرمذيِّ» وقال: حسنٌ غريبٌ، وابن ماجه وابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم والبيهقيِّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الله يستخلص رجلًا من أمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلًّا، كلُّ سجلٍّ مثل مدِّ البصر، ثمَّ يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربِّ، فيقول: أَفَلَكَ (٣) عذرٌ؟ فيقول (٤): لا يا ربِّ، فيقول الله تعالى: بلى، إنَّ لك عندنا حسنةً، فإنَّه لا ظلمَ عليك، فيخرِج بطاقةً فيها (٥) أشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السِّجلَّات؟ فيقول (٦): فإنَّك لا تُظلَم، فتُوضَع السِّجلَّاتُ في كفَّةٍ والبطاقةُ في كفَّةٍ، فطاشت السِّجلَّات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيءٌ» وقال ابن ماجه بدل قوله: «إنَّ الله يستخلص رجلًا من أمَّتي»: «يُصاح برجلٍ من أمَّتي» وقال محمَّد بن يحيى: البطاقة الرُّقعة، وهذا يدلُّ على الميزان الحقيقيِّ، وأنَّ الموزون صحف (٧) الأعمال، ويكون رجحانها باعتبار كثرة ما كُتِب فيها، وخِفَّتُها بقلَّته فلا إشكال، وقيل: إنَّه ميزانٌ كميزان الشّعر، وفائدته: إظهار العدل والمبالغة في الإنصاف، ولو جاز حمله على ذلك لجاز حمل الصِّراط على الدِّين الحقِّ، والجنَّة والنَّار على ما يَرِدُ على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، وهذا كلُّه فاسدٌ؛ لأنَّه رُدَّ لما جاء به الصَّادق على ما لا يخفى، فإن قلت: أهل القيامة إمَّا أن يكونوا
عالمين بكونه تعالى عادلًا غير ظالمٍ أو لا، فإن علموا ذلك كان مجرَّد حكمه كافيًا، فلا فائدة في وضع الميزان، وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصَّحائف، وحينئذٍ فلا فائدة في وضعها أصلًا، أجيب بأنَّهم عالمون بعدله تعالى، وإنَّما فعل ذلك لإقامة الحجَّة عليهم، وبيانًا لكونه لا يظلم مثقال ذرَّةٍ، وإظهارًا لعظمة قدرته في أنَّ كلَّ كفَّةٍ طباق السَّموات والأرض ترجح بمثقال الحبَّة من الخردل وتخفُّ، وأيضًا فإنَّه ﷾ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقد رُوِي عن سلمان (١) أنَّه قال: فإن أنكر ذلك منكرٌ جاهلٌ -بمعنى توجيه معنى خبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ عن الميزان- وقال: أَوَ بالله حاجةٌ إلى وزن الأشياء وهو العالم بمقدار كلِّ شيءٍ قبل خلقه إيَّاه وبعده في كلِّ حالٍ؟ قيل له: وزان ذلك إثباته إيَّاه في أمِّ الكتاب واستنساخه في الكتب من غير حاجةٍ إلى ذلك؛ لأنَّه سبحانه لا يخاف النِّسيان وهو عالمٌ بكلِّ ذلك على كلِّ حالٍ ووقتٍ قبل كونه وبعد وجوده، وإنَّما يفعل ذلك تعالى ليكون حجَّةً على خلقه كما قال تعالى (٢): ﴿كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨ - ٢٩] فكذلك وزنه تعالى لأعمال خلقه بالميزان حجَّةٌ عليهم ولهم إمَّا بالتَّقصير في طاعته والتَّضييع، وإمَّا بالتَّكميل والتَّتميم، وإظهارٌ لكرمه وعفوه ومغفرته وحلمه مع قدرته بعد إطلاع كلِّ أحدٍ منَّا على مساوئه، ومسامحته له وغفرانه وإدخاله إيَّاه الجنَّة بعد معصيته.
وحكى الزَّركشيُّ عن بعضهم: أنَّ رجحان الوزن في الآخرة بصعود الرَّاجح عكس الوزن في الدُّنيا، واستند في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ … الآية [فاطر: ١٠] وهو غريبٌ مصادمٌ لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآية (٣) [القارعة: ٦] وقد جاء أنَّ كفَّة الحسنات من نورٍ والأخرى من ظلامٍ، وأنَّ الجنَّة توضع عن يمين العرش والنَّار عن يساره، ويُؤتَى بالميزان فيُنصَب (٤) بين يدي الله ﷿ كفَّة الحسنات عن يمين العرش مقابل (٥) الجنَّة،
وكفَّة السَّيِّئات عن يسار العرش مقابل النَّار، ذكره التِّرمذيُّ الحكيم في «نوادر الأصول» وأبو القاسم اللَّالكائيُّ في «سننه» وعن حذيفة موقوفًا (١): «إنَّ صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﵇»، وعند البيهقيِّ عن أنسٍ مرفوعًا قال: «ملك الموت مُوكَّلٌ بالميزان».
وفي «الطَّبرانيِّ الصَّغير» من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله -أي: يوم القيامة-: يا آدم قد جعلتك حكمًا بيني وبين ذرِّيَّتك، قم عند الميزان فانظر ما يُرفَع إليك من أعمالهم، فمن رجح منهم خيره على شرِّه مثقال ذرَّةٍ فله الجنَّة حتَّى تعلم (٢) أنِّي لا أُدخِل منهم النَّار إلَّا ظالمًا … » الحديث، وقال الطَّبرانيُّ: لا يروى هذا عن أبي هريرة إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به عبد الأعلى.
وعند الحاكم عن سلمان (٣) مرفوعًا: «يُوضَع الميزان يوم القيامة، فلو آوى فيه السَّموات والأرض لوُضِعت، فتقول الملائكة: يا ربِّ لمن تزن بهذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك».
وعند صاحب «الفردوس» وابنه أبي منصورٍ الدَّيلميِّ عن عائشة مرفوعًا: «خلق الله ﷿ كفتي الميزان مثل أو ملء السَّموات والأرض، فقالت الملائكة: يا ربَّنا ما تزن بهذا؟ قال: أَزِنُ به من شئت من خلقي» وقيل: سأل داود ﵇ ربَّه ﷿ أن يريه الميزان، فلمَّا رآه أُغمِي عليه من هوله، ثمَّ أفاق فقال: إلهي من يقدر على ملء كفة هذا الميزان حسناتٍ؟ فقال الله تعالى: «يا داود إنِّي إذا رضيت على عبدي ملأته بتمرةٍ واحدةٍ، يا داود أملؤها بكلمة لا إله إلَّا الله» ثمَّ إنَّ ظاهر قول البخاريِّ: «وإنَّ أعمال بني آدم وقولهم يُوَزن» التَّعميم، وليس كذلك، بل خصَّ منهم من يدخل الجنَّة بغير حسابٍ، وهم السَّبعون ألفًا كما في «البخاريِّ» [خ¦٣٢٤٧] فإنَّه لا يُرفَع (٤) لهم ميزانٌ ولا يأخذون صحفًا، وإنَّما هي براءاتٌ (٥) مكتوبةٌ كما قاله الغزاليُّ، وكذلك من لا ذنب له إلَّا الكفر فقط ولم يعمل حسنةً، فإنَّه يقع في النَّار من غير حسابٍ ولا ميزانٍ، وفي «البخاريِّ»
مرفوعًا [خ¦٤٧٢٩] «إنَّه ليأتي الرَّجل العظيم السَّمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضةٍ، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾» [الكهف: ١٠٥] أي: لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابلةٌ بالعذاب، فلا حسنة لهم تُوزَن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النَّار.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر في قوله تعالى: ﴿وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥] ممَّا وصله الفريابيُّ في «تفسيره» (القُِسْطَاسُ) بضمِّ القاف وكسرها (العَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ) أي: بلغة أهل الرُّوم، ففيه وقوع المعرَّب في القرآن، وأمَّا قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فلا ينافيه ألفاظٌ نادرةٌ، أو هو من توافق اللُّغتين لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] وليس بشيءٍ؛ لأنَّ المعنى: أنَّه عربيُّ الأسلوب والنَّظم، ولو سلَّمنا فباعتبار الأعمِّ الأغلب، ولم يُشتَرط في الكلام العربيِّ أن تكون (١) كلُّ كلمةٍ منه عربيَّةً، ولا يجوز اشتمال القرآن على كلمةٍ غير فصيحةٍ، وقيل يجوز، وردَّه المولى سعد الدِّين التَّفتازانيُّ: بأنَّ ذلك يقود إلى نسبة الجهل أو العجز (٢) إلى الله تعالى عن ذلك، واعترضه البونيُّ أحد تلامذة الشَّيخ بأنَّه يجوز أن يختار الله تعالى غير الفصيح مع القدرة على الفصيح لحكمةٍ هي إمَّا أنَّ دلالته على المراد أوضح من الفصيح أو غير ذلك ممَّا لا يعلمه إلَّا هو، فلا يلزم شيءٌ من العجز والجهل، قال: وعرضته على الشَّيخ فاستحسنه.
(وَيُقَالُ: القِسْطُ مَصْدَرُ المُقْسِطِ) اعترضه الإسماعيليُّ بأنَّ مصدر «المقسط» الإقساط؛ لأنَّه رباعيٌّ، وأُجيب بأنَّ المراد المصدر (٣) المحذوف الزَّوائد نظرًا إلى أصله، فهو مصدر (٤) مصدره؛ إذ لا خفاء أنَّ المصدر الجاري على فعله هو الإقساط، قاله في «اللَّامع» و «المصابيح» كـ «الكواكب» (وَهْوَ) أي: المقسط (العَادِلُ) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].
(وَأَمَّا القَاسِطُ فَهْوَ الجَائِرُ) قال الله (٥) تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] و «قسط» الثَّلاثيُّ بمعنى: «جار»، و «أقسط» الرُّباعيُّ بمعنى: «عدل» وحكى الزَّجَّاج أنَّ الثُّلاثيَّ يُستعمَل كالرُّباعيِّ، والمشهور الأوَّل، ومن الغريب ما حُكِي أنَّ الحجَّاج لمَّا أحضر سعيد بن