«يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 7562

الحديث رقم 7562 من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «يخرج ناس من قبل المشرق، ويقرؤون القرآن لا…

«يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، أَوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ.»

سند حديث: ٧٥٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ…

٧٥٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يُحَدِّثُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «يخرج ناس من قبل المشرق، ويقرؤون القرآن لا…

بعث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بقطعة من الذهب في جلد مدبوغ بالقَرَض، لم تخلص قطعة الذهب من ترابها، قال:

فقسمها صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر:

عيينة بن بدر الفزاري، وأقرع بن حابس الحنظلي، وزيد الخيل النبهاني، وعلقمة بن علاثة العامري، فقال رجل من أصحابه:

كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال:

فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال:

«ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً.»

قال: فقام رجل عيناه داخلتان في محاجرهما، بارز ومرتفع أعلى الخَدّ، مرتفع الجبهة، ولحيته كثيفة غير طويلة، محلوق الرأس، رافع إزاره الذي يغطي أسفل جسده، فقال:

يا رسول الله اتق الله، فقال صلى الله عليه وسلم:

«ويلك، أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟!»

قال: ثم ولّى الرجل، قال خالد بن الوليد:

يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟

قال: لا، عسى أن يكون يصلي، فقال خالد:

وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال صلى الله عليه وسلم:

إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم؛ إنما أمرت أن آخذ بظواهر أمورهم، قال:

ثم نظر إليه وهو مقف، فقال:

إنه يخرج من نَسل هذا وأصحابه أو قبيلته قوم حذاق في قراءة كتاب الله بصوت حسن، ألسنتهم رطبة من كثرة تلاوته، لا يجاوز القرآن حلوقهم فتعيه قلوبهم فيصلحها، ولا يرفعها الله ولا يقبلها، يخرجون من الإسلام كما يخرج السهم من الرمية سرعةً وخفةً.

وأظنه قال: لئن أدركت خروجهم على المسلمين بالسيف لأقتلنهم قتلًا شديدًا كقوم ثمود.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حلم النبي صلى الله عليه وسلم وصبره على الأذى.
  • إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وأن الذي أوتيه وحي من الله.
  • معاملة الناس بما ظهر منهم، والله يتولى سرائرهم.
  • تعظيم قدر الصلاة، وأن أهل الصلاة لا يُقتلون إلا بحق الإسلام.
  • خطر الخوارج، وأنهم إذا قاتلوا يشرع قتالهم لدفع أذاهم.
  • قال النووي: الحث على قتالهم وفضيلة لعلي رضي الله عنه في قتالهم.
  • أهمية تدبر القرآن وفهمه والعمل به والاستمساك به.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «يخرج ناس من قبل المشرق، ويقرؤون القرآن لا…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لغلبة الكذب (١) عليه ولفساد حاله كما لا ينتفع المنافق بقراءته لفساد عقيدته، وانضمام خبثه إليها، قاله في «الكواكب» وقال في «الفتح»: والذي يظهر لي من مراد (٢) البخاريِّ أنَّ تلفُّظ المنافق بالقرآن كما يتلفَّظ به المؤمن، فتختلف تلاوتهما والمتلوُّ واحدٌ، ولو كان المتلوُّ عين التِّلاوة، لم يقع فيه تخالفٌ، وكذلك الكاهن في تلفُّظه بالكلمة من الوحي التي يخبره بها الجنِّيُّ ممَّا يختطفه من المَلَك تلفظه بها، وتلفُّظ الجنِّيِّ مغايرٌ لتلفُّظ المَلَك فتغايرا.

وسبق الحديث في «باب الكهانة» أواخر «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٢].

٧٥٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديُّ قال: (سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ) أبا بكرٍ أحد الأعلام (يُحَدِّثُ عَنْ) أخيه (مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ) بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها مُوحَّدةٌ مفتوحةٌ فدالٌ مهملةٌ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ) أي: من جهة مشرق المدينة كنجدٍ وما بعده، وهم الخوارج، ومن معتقدهم تكفير عثمان ﵁، وأنَّه قُتِل بحقٍّ، ولم يزالوا مع عليٍّ حتَّى وقع التَّحكيم بصفِّين، فأنكروا التَّحكيم وخرجوا على عليٍّ وكفَّروه (وَيَقْرَؤُوْنَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «يقرؤون» (القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) بالنَّصب على المفعوليَّة، جمع تَرْقُوَةٍ -بفتح الفوقيَّة وسكون الرَّاء وضمِّ القاف وفتح الواو- العظم الذي بين ثغرة النَّحر والعنق، وهذا موضع التَّرجمة (يَمْرُقُونَ) بضمِّ الراء، يخرجون (مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء وكسر (٣) الميم وتشديد التَّحتيَّة، أي: المرميِّ إليها (ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ) أي: في الدِّين، وسقط «ثَّم (٤)» في بعض

النُّسخ (حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ) بضمِّ الفاء موضع الوتر من السَّهم، وهو لا يعود إلى فوقه قطُّ بنفسه (قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ؟) بكسر السِّين المهملة مقصورًا، ما علامتهم؟ قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: والسَّائل لم أقف على تعيينه (قَالَ) ﵊: (سِيمَاهُمُ) أي: علامتهم (التَّحْلِيقُ) أي: إزالة الشَّعر، أو إزالة شعر الرَّأس، قال الحافظ ابن حجرٍ: طرق الحديث المتكاثرة كالصَّريحة في إرادة حلق الرَّأس، وإنَّما كان هذا علامتهم وإن كان غيرهم يحلق رأسه أيضًا؛ لأنَّهم جعلوا الحلق لهم دائمًا، وزمن الصَّحابة إنَّما كانوا يحلقون رؤوسهم في نسكٍ أو حاجةٍ، وقيل: المراد حلق الرَّأس واللِّحية وجميع الشُّعور (أَوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ) بفوقيَّةٍ مفتوحةٍ فسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ وبعد الموحَّدة المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ فدالٌ مهملةٌ، وهو بمعنى التَّحليق، أو هو (١) أبلغ منه استئصال الشَّعر، أو ترك غسله وترك (٢) دهنه، والشَّكُّ من الرَّاوي.

ولمَّا كان آخر الأمور التي يظهر بها المفلح من الخاسر ثقل الموازين وخفَّتها جعله المؤلِّف آخر تراجم كتابه، فبدأ (٣) بحديث: «الأعمال بالنِّيَّات» [خ¦١] وذلك في الدُّنيا (٤) وختم: بأنَّ الأعمال تُوزَن يوم القيامة، [خ¦٧٥٦٣] إشارةً إلى أنه إنَّما يتقبَّل منها ما كان بالنِّيَّة الخالصة لله تعالى، فقال رحمه الله تعالى (٥):

(٥٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾) العدل، وهو منصوبٌ على أنَّه نعتٌ لـ ﴿الْمَوَازِينَ﴾ وعلى (٦) هذا فلِمَ أُفرِد؟ وأجيب بأنَّه (٧) في الأصل مصدرٌ، والمصدر يوحَّد مطلقًا، أو على أنَّه

على حذف مضافٍ، أي: ذوات القسط، وَ ﴿الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزانٍ، وجاء ذكرها في القرآن بلفظ الجمع، وفي السُّنَّة به وبالإفراد، فجوَّز بعضهم لمَّا أشكل عليه الجمع في الآية أن يكون ثَمَّ موازين للعامل الواحد يوزن بكلِّ ميزانٍ منها صنفٌ واحدٌ من أعماله، قال الشَّاعر:

ملكٌ تقومُ الحادثاتُ لأجلهِ … فلكلِّ حادثةٍ لها ميزانُ

والذي عليه الأكثرون أنَّه ميزانٌ واحدٌ، عبَّر عنه بلفظ الجمع للتَّفخيم كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وإنَّما هو رسولٌ واحدٌ، أو الجمع باعتبار العباد وأنواع الموزونات، أي: ونضع الموازين العادلات (﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]) وثبت قوله: «ليوم القيامة» لأبي ذرٍّ، وسقط لغيره، واللَّام بمعنى: «في» وإليه ذهب ابن قتيبة وابن مالكٍ، وهو رأي الكوفيِّين، ومنه عندهم: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] أو هي للتَّعليل، ولكن على حذف مضافٍ، أي: لحساب يوم القيامة، أو بمعنى: «عند» كقوله: جئتك لخمسٍ خلون من الشَّهر، وقول النَّابغة:

تَوهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُها … لستَّةِ أَعْوَامٍ وذا العَامُ سَابِعُ

(وَأَنَّ) بفتح الهمزة وقد تُكسَر (أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ) بالإفراد، وللقابسيِّ: «وأقوالهم (١) تُوزَن» بميزانٍ له لسانٌ وكفَّتان خلافًا للمعتزلة المنكرين لذلك إلَّا أنَّ منهم من أحاله عقلًا، ومنهم من جوَّزه ولم يحكم بثبوته كالعلَّاف وابن المعتمر، واحتجُّوا: بأنَّ الأعمال أعراضٌ وقد عدمت، فلا يمكن إعادتها، وإذا (٢) أمكن إعادتها يستحيل وزنها؛ إذ لا تقوم بأنفسها فلا توصف بخفَّةٍ ولا ثقلٍ، والقرآن يردُّ عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] أي: وزن الأعمال يومئذٍ الحقُّ ﴿فَأَمَّا مَن (٣) ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٦ - ٧] سلَّمنا أنَّ الأعراض لا تُوصَف بخفَّةٍ ولا ثقلٍ، لكن لمَّا ورد الدَّليل على ثبوت الميزان والوزن كالحساب والصِّراط وجب علينا اعتقاده، وإن عجزت عقولنا عن إدراك بعضٍ، فنَكِلُ علمه إلى الله تعالى ولا نشتغل بكيفيَّته، والعمدة في إثباتها عند أهل الحقِّ أنَّها

ممكنةٌ في أنفسها (١)؛ إذ لا يلزم من فرض وقوعها محالٌ لذاته مع إخبار الصَّادق عنها، فأجمع المسلمون (٢) عليها قبل ظهور المخالف عليها، والله تعالى قادرٌ على أن يعرِّف عباده مقادير أعمالهم وأقوالهم يوم القيامة بأيِّ طريقٍ شاء؛ إمَّا بأن يجعل الأعمال والأقوال أجسامًا، أو يجعلها في أجسام، وقد روى بعض المتكلِّمين عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا، فيزنها أو توزن صحفها، ويؤيِّد هذا حديث البطاقة المرويِّ في «التِّرمذيِّ» وقال: حسنٌ غريبٌ، وابن ماجه وابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم والبيهقيِّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الله يستخلص رجلًا من أمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلًّا، كلُّ سجلٍّ مثل مدِّ البصر، ثمَّ يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربِّ، فيقول: أَفَلَكَ (٣) عذرٌ؟ فيقول (٤): لا يا ربِّ، فيقول الله تعالى: بلى، إنَّ لك عندنا حسنةً، فإنَّه لا ظلمَ عليك، فيخرِج بطاقةً فيها (٥) أشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السِّجلَّات؟ فيقول (٦): فإنَّك لا تُظلَم، فتُوضَع السِّجلَّاتُ في كفَّةٍ والبطاقةُ في كفَّةٍ، فطاشت السِّجلَّات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيءٌ» وقال ابن ماجه بدل قوله: «إنَّ الله يستخلص رجلًا من أمَّتي»: «يُصاح برجلٍ من أمَّتي» وقال محمَّد بن يحيى: البطاقة الرُّقعة، وهذا يدلُّ على الميزان الحقيقيِّ، وأنَّ الموزون صحف (٧) الأعمال، ويكون رجحانها باعتبار كثرة ما كُتِب فيها، وخِفَّتُها بقلَّته فلا إشكال، وقيل: إنَّه ميزانٌ كميزان الشّعر، وفائدته: إظهار العدل والمبالغة في الإنصاف، ولو جاز حمله على ذلك لجاز حمل الصِّراط على الدِّين الحقِّ، والجنَّة والنَّار على ما يَرِدُ على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، وهذا كلُّه فاسدٌ؛ لأنَّه رُدَّ لما جاء به الصَّادق على ما لا يخفى، فإن قلت: أهل القيامة إمَّا أن يكونوا

عالمين بكونه تعالى عادلًا غير ظالمٍ أو لا، فإن علموا ذلك كان مجرَّد حكمه كافيًا، فلا فائدة في وضع الميزان، وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصَّحائف، وحينئذٍ فلا فائدة في وضعها أصلًا، أجيب بأنَّهم عالمون بعدله تعالى، وإنَّما فعل ذلك لإقامة الحجَّة عليهم، وبيانًا لكونه لا يظلم مثقال ذرَّةٍ، وإظهارًا لعظمة قدرته في أنَّ كلَّ كفَّةٍ طباق السَّموات والأرض ترجح بمثقال الحبَّة من الخردل وتخفُّ، وأيضًا فإنَّه ﷾ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقد رُوِي عن سلمان (١) أنَّه قال: فإن أنكر ذلك منكرٌ جاهلٌ -بمعنى توجيه معنى خبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ عن الميزان- وقال: أَوَ بالله حاجةٌ إلى وزن الأشياء وهو العالم بمقدار كلِّ شيءٍ قبل خلقه إيَّاه وبعده في كلِّ حالٍ؟ قيل له: وزان ذلك إثباته إيَّاه في أمِّ الكتاب واستنساخه في الكتب من غير حاجةٍ إلى ذلك؛ لأنَّه سبحانه لا يخاف النِّسيان وهو عالمٌ بكلِّ ذلك على كلِّ حالٍ ووقتٍ قبل كونه وبعد وجوده، وإنَّما يفعل ذلك تعالى ليكون حجَّةً على خلقه كما قال تعالى (٢): ﴿كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨ - ٢٩] فكذلك وزنه تعالى لأعمال خلقه بالميزان حجَّةٌ عليهم ولهم إمَّا بالتَّقصير في طاعته والتَّضييع، وإمَّا بالتَّكميل والتَّتميم، وإظهارٌ لكرمه وعفوه ومغفرته وحلمه مع قدرته بعد إطلاع كلِّ أحدٍ منَّا على مساوئه، ومسامحته له وغفرانه وإدخاله إيَّاه الجنَّة بعد معصيته.

وحكى الزَّركشيُّ عن بعضهم: أنَّ رجحان الوزن في الآخرة بصعود الرَّاجح عكس الوزن في الدُّنيا، واستند في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ … الآية [فاطر: ١٠] وهو غريبٌ مصادمٌ لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآية (٣) [القارعة: ٦] وقد جاء أنَّ كفَّة الحسنات من نورٍ والأخرى من ظلامٍ، وأنَّ الجنَّة توضع عن يمين العرش والنَّار عن يساره، ويُؤتَى بالميزان فيُنصَب (٤) بين يدي الله ﷿ كفَّة الحسنات عن يمين العرش مقابل (٥) الجنَّة،

وكفَّة السَّيِّئات عن يسار العرش مقابل النَّار، ذكره التِّرمذيُّ الحكيم في «نوادر الأصول» وأبو القاسم اللَّالكائيُّ في «سننه» وعن حذيفة موقوفًا (١): «إنَّ صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﵇»، وعند البيهقيِّ عن أنسٍ مرفوعًا قال: «ملك الموت مُوكَّلٌ بالميزان».

وفي «الطَّبرانيِّ الصَّغير» من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله -أي: يوم القيامة-: يا آدم قد جعلتك حكمًا بيني وبين ذرِّيَّتك، قم عند الميزان فانظر ما يُرفَع إليك من أعمالهم، فمن رجح منهم خيره على شرِّه مثقال ذرَّةٍ فله الجنَّة حتَّى تعلم (٢) أنِّي لا أُدخِل منهم النَّار إلَّا ظالمًا … » الحديث، وقال الطَّبرانيُّ: لا يروى هذا عن أبي هريرة إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به عبد الأعلى.

وعند الحاكم عن سلمان (٣) مرفوعًا: «يُوضَع الميزان يوم القيامة، فلو آوى فيه السَّموات والأرض لوُضِعت، فتقول الملائكة: يا ربِّ لمن تزن بهذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك».

وعند صاحب «الفردوس» وابنه أبي منصورٍ الدَّيلميِّ عن عائشة مرفوعًا: «خلق الله ﷿ كفتي الميزان مثل أو ملء السَّموات والأرض، فقالت الملائكة: يا ربَّنا ما تزن بهذا؟ قال: أَزِنُ به من شئت من خلقي» وقيل: سأل داود ﵇ ربَّه ﷿ أن يريه الميزان، فلمَّا رآه أُغمِي عليه من هوله، ثمَّ أفاق فقال: إلهي من يقدر على ملء كفة هذا الميزان حسناتٍ؟ فقال الله تعالى: «يا داود إنِّي إذا رضيت على عبدي ملأته بتمرةٍ واحدةٍ، يا داود أملؤها بكلمة لا إله إلَّا الله» ثمَّ إنَّ ظاهر قول البخاريِّ: «وإنَّ أعمال بني آدم وقولهم يُوَزن» التَّعميم، وليس كذلك، بل خصَّ منهم من يدخل الجنَّة بغير حسابٍ، وهم السَّبعون ألفًا كما في «البخاريِّ» [خ¦٣٢٤٧] فإنَّه لا يُرفَع (٤) لهم ميزانٌ ولا يأخذون صحفًا، وإنَّما هي براءاتٌ (٥) مكتوبةٌ كما قاله الغزاليُّ، وكذلك من لا ذنب له إلَّا الكفر فقط ولم يعمل حسنةً، فإنَّه يقع في النَّار من غير حسابٍ ولا ميزانٍ، وفي «البخاريِّ»

مرفوعًا [خ¦٤٧٢٩] «إنَّه ليأتي الرَّجل العظيم السَّمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضةٍ، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾» [الكهف: ١٠٥] أي: لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابلةٌ بالعذاب، فلا حسنة لهم تُوزَن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النَّار.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر في قوله تعالى: ﴿وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥] ممَّا وصله الفريابيُّ في «تفسيره» (القُِسْطَاسُ) بضمِّ القاف وكسرها (العَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ) أي: بلغة أهل الرُّوم، ففيه وقوع المعرَّب في القرآن، وأمَّا قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فلا ينافيه ألفاظٌ نادرةٌ، أو هو من توافق اللُّغتين لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] وليس بشيءٍ؛ لأنَّ المعنى: أنَّه عربيُّ الأسلوب والنَّظم، ولو سلَّمنا فباعتبار الأعمِّ الأغلب، ولم يُشتَرط في الكلام العربيِّ أن تكون (١) كلُّ كلمةٍ منه عربيَّةً، ولا يجوز اشتمال القرآن على كلمةٍ غير فصيحةٍ، وقيل يجوز، وردَّه المولى سعد الدِّين التَّفتازانيُّ: بأنَّ ذلك يقود إلى نسبة الجهل أو العجز (٢) إلى الله تعالى عن ذلك، واعترضه البونيُّ أحد تلامذة الشَّيخ بأنَّه يجوز أن يختار الله تعالى غير الفصيح مع القدرة على الفصيح لحكمةٍ هي إمَّا أنَّ دلالته على المراد أوضح من الفصيح أو غير ذلك ممَّا لا يعلمه إلَّا هو، فلا يلزم شيءٌ من العجز والجهل، قال: وعرضته على الشَّيخ فاستحسنه.

(وَيُقَالُ: القِسْطُ مَصْدَرُ المُقْسِطِ) اعترضه الإسماعيليُّ بأنَّ مصدر «المقسط» الإقساط؛ لأنَّه رباعيٌّ، وأُجيب بأنَّ المراد المصدر (٣) المحذوف الزَّوائد نظرًا إلى أصله، فهو مصدر (٤) مصدره؛ إذ لا خفاء أنَّ المصدر الجاري على فعله هو الإقساط، قاله في «اللَّامع» و «المصابيح» كـ «الكواكب» (وَهْوَ) أي: المقسط (العَادِلُ) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].

(وَأَمَّا القَاسِطُ فَهْوَ الجَائِرُ) قال الله (٥) تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] و «قسط» الثَّلاثيُّ بمعنى: «جار»، و «أقسط» الرُّباعيُّ بمعنى: «عدل» وحكى الزَّجَّاج أنَّ الثُّلاثيَّ يُستعمَل كالرُّباعيِّ، والمشهور الأوَّل، ومن الغريب ما حُكِي أنَّ الحجَّاج لمَّا أحضر سعيد بن

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٧٥٥٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ، حدّثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عنْ عُمارَةَ، عنْ أبي زُرْعَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ قَالَ الله عَزَّ وجَلَّ ومَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أوْ شَعِيرَةً

انْظُر الحَدِيث ٥٩٥٣

الْكَلَام فِي مُطَابقَة هَذَا مثل مَا مر فِيمَا قبله.

وَابْن فُضَيْل مصغر وَهُوَ مُحَمَّد، وَعمارَة بن الْقَعْقَاع، وَأَبُو زرْعَة اسْمه هرم بِفَتْح الْهَاء وَكسر الرَّاء البَجلِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي اللبَاس عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن ابْن نمير وَغَيره.

قَوْله: ذهب من الذّهاب الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الْقَصْد والإقبال إِلَيْهِ. قَوْله: فليخلقوا ذرة بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَهِي النملة الصَّغِيرَة، وَهَذَا استهزاء، أَو قَول على زعمهم، أَو التَّشْبِيه فِي الصُّورَة وَحدهَا لَا من سَائِر الْوُجُوه. قَوْله: أَو شعيرَة عطف الْخَاص على الْعَام، أَو هُوَ شكّ من الرَّاوِي، وَالْغَرَض تعجيزهم وتعذيبهم تَارَة بِخلق الْحَيَوَان، وَأُخْرَى بِخلق الجماد، وَفِيه نوع من الترقي فِي الخساسة وَنَوع من التنزل فِي الْإِلْزَام.

٥٧ - (بابُ قِرَاءَةِ الفاجِرِ والمُنافِقِ وأصْوَاتُهُمْ وتِلَاوَتُهُمْ لَا تُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال قِرَاءَة الْفَاجِر. قَالَ الْكرْمَانِي: الْفَاجِر الْمُنَافِق بِقَرِينَة جعله قسيماً لِلْمُؤمنِ فِي الحَدِيث، ومقابلاً لَهُ. وَعطف الْمُنَافِق عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ من بَاب الْعَطف التفسيري. قَوْله: وتلاوتهم، مُبْتَدأ وَخَبره: لَا تجَاوز، وَإِمَّا جمع الضَّمِير فَهُوَ حِكَايَة عَن لفظ الحَدِيث، وَزيد فِي بعض الرِّوَايَات: وأصواتهم، والحناجر جمع حنجرة وَهِي الْحُلْقُوم، وَهُوَ مجْرى النَّفس كَمَا أَن المري مجْرى الطَّعَام وَالشرَاب.

٧٥٦٠ - حدّثنا هُدْبةُ بنُ خالِدٍ، حدّثنا هَمَّامٌ، حَدثنَا قتادَةُ، حَدثنَا أنسٌ عنْ أبي مُوسَى، رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُها طَيِّبٌ ورِيحُها طَيِّبٌ، والّذِي لَا يَقْرَأُ كالتَّمْرَةِ طَعْمُها طَيِّبٌ، ولَا رِيحَ لَها، ومَثَلُ الفاجِرِ الّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ، كَمَثَلِ الرَّيْحانَةِ ريحُها طَيِّبٌ وطَعْمها مُرٌّ، ومَثَلُ الفاجِرِ الّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ طَعْمُها مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

وهدبة بِضَم الْهَاء ابْن خَالِد الْقَيْسِي بِفَتْح الْقَاف، وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم هُوَ ابْن يحيى العوذي، وَأنس هُوَ ابْن مَالك، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

وَالرِّجَال كلهم بصريون، وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُسَدّد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: كالأترجة بِضَم الْهمزَة وَيُقَال: الأترنجة والترنجة وَفِي التَّوْضِيح كالأترجة، كَذَا فِي الْأُصُول وَلأبي الْحسن: كالأترنجة، بالنُّون وَالصَّوَاب الأول لِأَن النُّون والهمزة لَا يَجْتَمِعَانِ، وَالْمَعْرُوف: الأترج. وَحكى أَبُو زيد: ترنجة وترج. وَقَالُوا: الأترجة أفضل الثِّمَار للخواص الْمَوْجُودَة فِيهَا مثل: كبر جرمها، وَحسن منظرها، ولين ملمسها، ولونها يسر الناظرين، ثمَّ أكلهَا يُفِيد بعد الالتذاذ طيب النكهة ودباغ الْمعدة، وَقُوَّة الهضم، واشتراك الْحَواس الْأَرْبَعَة: الْبَصَر والذوق والشم واللمس فِي الاحتظاء بهَا، ثمَّ إِن أجزاءها تَنْقَسِم على طبائع: فقشرها حَار يَابِس، وجرمها حَار رطب، وحماضها بَارِد يَابِس، وبزرها حَار مجفف. قَوْله: كَمثل الحنظلة وَهِي شَجَرَة مَشْهُورَة، وَفِي بعض الْبِلَاد تسمى: بطيخ أبي جهل، فَإِن قلت: قَالَ فِي آخر فَضَائِل الْقُرْآن: كالحنظلة طعمها مر وريحها مر. وَهنا قَالَ: وَلَا ريح لَهَا؟ قلت: الْمَقْصُود مِنْهُمَا وَاحِد، وَذَلِكَ هُوَ بَيَان عدم النَّفْع لَا لَهُ وَلَا لغيره، وَرُبمَا كَانَ مضراً فَمَعْنَاه: لَا ريح لَهَا نافعة.

٧٥٦١ - حدّثنا عَلِيُّ، حَدثنَا هِشامٌ، أخبرنَا مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ. ح وحدّثني أحْمَدُ بنُ صالِحٍ

حَدثنَا عَنْبَسَةُ، حَدثنَا يُونُسُ، عنِ ابنِ شِهابٍ، أَخْبرنِي يَحْياى بنُ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أنّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: قالَتْ عائِشةُ، رَضِي الله عَنْهَا، سألَ أُناسٌ النبيَّ عنِ الكُهَّانِ فَقَالَ: إنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ فقالُوا: يَا رسولَ الله فإنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بالشّيءِ يَكُونُ حَقاً. قَالَ: فَقَالَ النبيُّ تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطُفُها الجِنِّيُّ فَيُقَرْقِرُها فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، كَقَرْقَرَةِ الدَّجاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ

ا

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ مشابهة الكاهن بالمنافق من حَيْثُ إِنَّه لَا يتنفع بِالْكَلِمَةِ الصادقة لغَلَبَة الْكَذِب عَلَيْهِ ولفساد حَاله، كَمَا لَا ينْتَفع الْمُنَافِق بقرَاءَته لفساد عقيدته وانضمام خبثه إِلَيْهَا.

وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. وَالثَّانِي: عَن أَحْمد بن صَالح أبي جَعْفَر الْمصْرِيّ عَن عَنْبَسَة بن خَالِد بن يزِيد بن أبي النجا ابْن أخي يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، سمع عَمه يُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن يحيى بن عُرْوَة بن الزبير عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة.

والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر الطِّبّ فِي: بَاب الكهانة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: سَأَلَ أنَاس وَفِي رِوَايَة معمر: نَاس، وَكِلَاهُمَا وَاحِد. قَوْله: عَن الْكُهَّان أَي: عَن حَالهم، والكهان جمع كَاهِن وَهُوَ الَّذِي يتعاطى الْخَبَر عَن الكائنات فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان، وَيَدعِي معرفَة الْأَسْرَار. قَوْله: يَخْطفهَا بِالْفَتْح على اللُّغَة الفصيحة وبكسرها، والجني مُفْرد الْجِنّ أَي: يختلسها الجني من أَخْبَار، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يحفظها، من الْحِفْظ. قَوْله: فيقرقرها من القرقرة وَهُوَ الْوَضع فِي الْأذن بالصوت، والقر الْوَضع فِيهَا بِدُونِ الصَّوْت، وَإِضَافَة القرقرة إِلَى الدَّجَاجَة من إِضَافَة الْفَاعِل، والدجاجة بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا. وَقَالَ الْخطابِيّ: غَرَضه نفي مَا يتعاطون من علم الْغَيْب. قَالَ: وَالصَّوَاب كقرقرة الزجاجة ليلائم معنى القارورة الَّذِي فِي الحَدِيث الآخر، وَتَكون إِضَافَة القرقرة إِلَى الْمَفْعُول فِيهِ نَحْو مكر اللَّيْل.

٧٥٦٢ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ، حَدثنَا مَهْدِيُّ بنُ مَيْمُونٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ سِيرين، يُحَدِّثُ عنْ مَعْبَدِ بنِ سِيرين عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، رَضِي الله عَنهُ، عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: يَخْرُجُ ناسٌ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ ويَقْرأونَ القُرْآنَ لَا يُجاوِزُ تَراقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودونَ فِيهِ حتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ، قِيلَ: مَا سِيْماهُمْ؟ قَالَ: سِيْماهُمُ التَّحْلِيقُ أوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ

ا

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوز تراقيهم

وَأخرجه عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل عَن مهْدي بن مَيْمُون الْأَزْدِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أَخِيه معبد بن سِيرِين بِفَتْح الْمِيم، وَالْأَرْبَعَة بصريون.

قَوْله: يخرج نَاس من قبل الْمشرق تقدم فِي الْفِتَن أَنهم: الْخَوَارِج. قَوْله: تراقيهم جمع ترقوة بِفَتْح أَوله وَسُكُون الرَّاء وَضم الْقَاف وَفتح الْوَاو وَهِي الْعظم الَّذِي بَين نقرة النَّحْر والعاتق. قَوْله: يَمْرُقُونَ أَي: يخرجُون. قَوْله: من الرَّمية بِكَسْر الْمِيم الْخَفِيفَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، فعيلة بِمَعْنى المرمية أَي: المرمى إِلَيْهَا. قَوْله: إِلَى فَوْقه بِضَم الْفَاء وَهُوَ مَوضِع الْوتر من السهْم. قَوْله: مَا سِيمَاهُمْ؟ بِكَسْر الْمُهْملَة مَقْصُورا وممدوداً: الْعَلامَة. قَوْله: التحليق هُوَ إِزَالَة الشّعْر. قَوْله: أَو التسبيد بِالْمُهْمَلَةِ وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ استيصال الشّعْر. فَإِن قلت: يلْزم من وجود الْعَلامَة وجود ذِي الْعَلامَة، فَكل محلوق الرَّأْس مِنْهُم لكنه خلاف الْإِجْمَاع. قلت: كَانَ فِي عهد الصَّحَابَة لَا يحلقون رؤوسهم إلَاّ فِي النّسك أَو الْحَاجة، وَأما هَؤُلَاءِ فقد جعلُوا الْحلق شعارهم، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ حلق الرَّأْس واللحية وَجَمِيع شُعُورهمْ.

٥٨ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {وَنَضَع الموازين بِالْقِسْطِ} وَفِي رِوَايَة أبي ذَر أَي: فِي يَوْمهَا، والموازين جمع ميزَان وَأَصله: موزان، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، والقسط مصدر يَسْتَوِي فِيهِ الْمُفْرد الْمثنى وَالْجمع، أَي:

تضع الموازين العادلات. قيل: ثمَّة ميزَان وَاحِد يُوزن بِهِ الْحَسَنَات. وَأجِيب بِأَنَّهُ جمع بِاعْتِبَار الْعباد وأنواع الموزونات. وَقَالَ الزّجاج: أَي نضع الموازين ذَوَات الْقسْط. قَالَ أهل السّنة: إِنَّه جسم محسوس ذُو لِسَان وكفتين، وَالله تَعَالَى يَجْعَل الْأَعْمَال والأقوال كالأعيان موزونة أَو توزن صحفها، وَقيل: ميزَان كميزان الشّعْر، وَفَائِدَته إِظْهَار الْعدْل وَالْمُبَالغَة فِي الْإِنْصَاف والإلزام قطعا لأعذار الْعباد.

وأنَّ أعْمالَ بَني آدَمَ وقَوْلَهُمْ يُوزَنُ.

قد ذكرُوا أَن الْأَعْمَال والأقوال تتجسد بِإِذن الله تَعَالَى فتوزن، أَو توزن الصحائف الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَال.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: القُسْطاطُ: العَدْلُ بالرُّومِيَّةِ.

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {يَابَنِى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْءَايَاتِى فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، {وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} وَهُوَ بِضَم الْقَاف وَكسرهَا الْعدْل بلغَة أهل الرّوم، هُوَ من توَافق اللغتين.

ويُقالُ: القِسْطُ مَصْدَرُ المُقْسِطِ، وهْوَ العادِلُ. وأمَّا القاسِطُ فَهْوَ الجائِرُ.

اعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ على البُخَارِيّ فِي قَوْله: الْقسْط مصدر المقسط، ومصدر المقسط الإقساط، يُقَال: أقسط إِذا عدل، وقسط إِذا جَار. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمصدر الْمَحْذُوف الزَّوَائِد نظرا إِلَى أَصله.

قلت: هَذَا لَيْسَ بكاف فِي الْجَواب.

٧٥٦٣ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ إشْكابٍ، حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، عنْ عُمارَةَ بنِ القَعْقاعِ، عنْ أبي زُرْعَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَلِمتانِ حَبيبَتان إِلَى الرَّحْمانِ خَفِيفتانِ عَلى اللِّسانِ، ثَقيلَتانِ فِي المِيزانِ: سبْحان الله وبِحَمْدِهِ، سبْحانَ الله العَظِيمِ

انْظُر الحَدِيث ٦٤٠٦ وطرفه

ختم البُخَارِيّ كِتَابه بالتسبيح والتحميد كَمَا بَدَأَ أَوله بِحَدِيث النِّيَّة عملا بِهِ.

وَأَبُو زرْعَة اسْمه: هرم، وَمر رِجَاله عَن قريب.

وَقد مضى الحَدِيث فِي الدَّعْوَات عَن زُهَيْر بن حَرْب وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن قُتَيْبَة، وَهنا رَوَاهُ عَن أَحْمد بن إشكاب بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وبالكاف وبالباء الْمُوَحدَة غير منصرف، وَقيل: هُوَ منصرف أَبُو عبد الله الصفار الْكُوفِي سكن مصر وَيُقَال: أَحْمد بن مَيْمُون بن إشكاب، وَيُقَال: أَحْمد بن عبد الله بن إشكاب، وَيُقَال: اسْم إشكاب مجمع مَاتَ سنة تسع عشر وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من أَفْرَاده.

قَوْله: كلمتان أَي: كلامان، وَتطلق الْكَلِمَة عَلَيْهِ كَمَا يُقَال: كلمة الشَّهَادَة. قَوْله: حبيبتان أَي: محبوبتان يَعْنِي بِمَعْنى الْمَفْعُول لَا الْفَاعِل، وَالْمرَاد محبوبية قائلهما، ومحبة الله للْعَبد إِرَادَة إِيصَال الْخَيْر إِلَيْهِ والتكريم. قيل: مَا وَجه لُحُوق عَلامَة التَّأْنِيث؟ والفعيل إِذا كَانَ بِمَعْنى الْمَفْعُول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث. فَأُجِيب: بِأَن التَّسْوِيَة جَائِزَة لَا وَاجِبَة، ووجوبها فِي الْمُفْرد لَا فِي الْمثنى، أَو أَن هَذِه التَّاء للنَّقْل من الوصفية إِلَى الاسمية. قَوْله: إِلَى الرَّحْمَن تَخْصِيص لفظ الرَّحْمَن من بَين سَائِر الْأَسْمَاء الْحسنى لِأَن الْقَصْد من الحَدِيث بَيَان سَعَة رَحْمَة الله تَعَالَى على عباده، حَيْثُ يجازي على الْفِعْل الْقَلِيل بالثواب الْكثير، وَلَا يُقَال: إِنَّه سجع، لِأَن الْمنْهِي سجع الْكُهَّان. قَوْله: سُبْحَانَ مصدر لَازم النصب بإضمار الْفِعْل، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: سُبْحَانَ علم للتسبيح كعثمان علم للرجل، قيل: سُبْحَانَ وَاجِب الْإِضَافَة فَكيف الْجمع بَين الْإِضَافَة والعلمية؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يُنكر ثمَّ يُضَاف، وَمعنى التَّسْبِيح التَّنْزِيه يَعْنِي: أنزه الله تَنْزِيها عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ. قَوْله: وَبِحَمْدِهِ الْوَاو للْحَال أَي: أسبحه ملتبساً بحمدي لَهُ من أجل توفيقه لي للتسبيح وَنَحْوه. أَو لعطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة أَي: أسبح وألتبس بِحَمْدِهِ، وَالْحَمْد هُوَ الثَّنَاء بالجميل على وَجه التَّفْضِيل، وتكرار التَّسْبِيح للإشعار بتنزيهه على الْإِطْلَاق، وَالْحَمْد لله وَحده، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا دَائِما.

فرغت يَمِين مُؤَلفه ومسطره العَبْد الْفَقِير إِلَى رَحْمَة ربه الْغَنِيّ أَبُو مُحَمَّد محمودبن أَحْمد الْعَيْنِيّ من تأليف هَذَا الْجُزْء وتسطيره. الْحَادِي وَالْعِشْرين من عُمْدَة الْقَارِي فِي شرح البُخَارِيّ الَّذِي بِهِ كمل الشَّرْح بِتَوْفِيق الله وعونه ولطفه وَكَرمه، فِي آخر الثُّلُث الأول من لَيْلَة السبت الْخَامِس من شهر جُمَادَى الأولى عَام سَبْعَة وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة، فِي دَاره الَّتِي مُقَابلَة مدرسته البدرية فِي حارة كتامة بِالْقربِ من الْجَامِع الْأَزْهَر، وَكَانَ ابْتِدَاء شروعي فِي تأليفه فِي آخر شهر رَجَب الْأَصَم الأصب سنة عشْرين وَثَمَانمِائَة، وفرغت من الْجُزْء الأول يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّادِس عشر من شهر ذِي الْحجَّة الْحَرَام سنة عشْرين وَثَمَانمِائَة، وفرغت من الْجُزْء الثَّانِي نَهَار الثُّلَاثَاء السَّابِع من شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَمَانمِائَة، وفرغت من الْجُزْء الثَّالِث يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة، بعد أَن مكثت فِيهِ نصف سنة، وَكَانَ الْخُلُو بَين الثَّانِي وَالثَّالِث مِقْدَار سِتَّة عشر سنة، وَأكْثر، وفرغت من الرَّابِع يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع من ربيع الآخر سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة، ثمَّ استمريت فِي الْكِتَابَة والتأليف إِلَى التَّارِيخ الْمَذْكُور فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين وَكَانَت مُدَّة مكثي فِي التَّأْلِيف مِقْدَار عشر سِنِين مَعَ تخَلّل أَيَّام كَثِيرَة فِيهَا، وَالْحَمْد لله تَعَالَى على هَذِه النِّعْمَة، صلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم.

أحمدك يَا من أوضحت سنَن الْحق لسالكيها بآيَات بَيِّنَات. وأبنت طرق الْهِدَايَة بعلامات واضحات. وكشفت عَن الضَّلَالَة حجب الأوهام والخزعبلات. فظهرت وحشية المنظر منفورة الشكل لَدَى أَرْبَاب البصائر والإدراكات. فَانْدفع الْبَاطِل وزهق بِمَا للْحَقِيقَة من قُوَّة وصدمات. فتعالى وانتصر سَبِيل دين الْحق الْمُؤَيد بِأم الْكتاب الَّتِي هِيَ آيَات محكمات. والمدعم بِسنة خير خلق الله المعزز بالبراهين والمعجزات. فنشهد أَن لَا إلاه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة دائمة فِي الْمحيا وَالْمَمَات. ونشهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله صَاحب الْمقَام الْمَحْمُود والمناقب الباهرات. اللَّهُمَّ صل على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه مَا دَامَت أزمنة وأوقات. وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا وَبَارك عَلَيْهِم وعَلى من تبع هديهم بتحيات مباركات زاكيات.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

لغلبة الكذب (١) عليه ولفساد حاله كما لا ينتفع المنافق بقراءته لفساد عقيدته، وانضمام خبثه إليها، قاله في «الكواكب» وقال في «الفتح»: والذي يظهر لي من مراد (٢) البخاريِّ أنَّ تلفُّظ المنافق بالقرآن كما يتلفَّظ به المؤمن، فتختلف تلاوتهما والمتلوُّ واحدٌ، ولو كان المتلوُّ عين التِّلاوة، لم يقع فيه تخالفٌ، وكذلك الكاهن في تلفُّظه بالكلمة من الوحي التي يخبره بها الجنِّيُّ ممَّا يختطفه من المَلَك تلفظه بها، وتلفُّظ الجنِّيِّ مغايرٌ لتلفُّظ المَلَك فتغايرا.

وسبق الحديث في «باب الكهانة» أواخر «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٦٢].

٧٥٦٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل قال: (حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديُّ قال: (سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ) أبا بكرٍ أحد الأعلام (يُحَدِّثُ عَنْ) أخيه (مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ) بفتح الميم وسكون العين المهملة بعدها مُوحَّدةٌ مفتوحةٌ فدالٌ مهملةٌ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ) أي: من جهة مشرق المدينة كنجدٍ وما بعده، وهم الخوارج، ومن معتقدهم تكفير عثمان ﵁، وأنَّه قُتِل بحقٍّ، ولم يزالوا مع عليٍّ حتَّى وقع التَّحكيم بصفِّين، فأنكروا التَّحكيم وخرجوا على عليٍّ وكفَّروه (وَيَقْرَؤُوْنَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ: «يقرؤون» (القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) بالنَّصب على المفعوليَّة، جمع تَرْقُوَةٍ -بفتح الفوقيَّة وسكون الرَّاء وضمِّ القاف وفتح الواو- العظم الذي بين ثغرة النَّحر والعنق، وهذا موضع التَّرجمة (يَمْرُقُونَ) بضمِّ الراء، يخرجون (مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء وكسر (٣) الميم وتشديد التَّحتيَّة، أي: المرميِّ إليها (ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ) أي: في الدِّين، وسقط «ثَّم (٤)» في بعض

النُّسخ (حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ) بضمِّ الفاء موضع الوتر من السَّهم، وهو لا يعود إلى فوقه قطُّ بنفسه (قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ؟) بكسر السِّين المهملة مقصورًا، ما علامتهم؟ قال الحافظ ابن حجرٍ ﵀: والسَّائل لم أقف على تعيينه (قَالَ) ﵊: (سِيمَاهُمُ) أي: علامتهم (التَّحْلِيقُ) أي: إزالة الشَّعر، أو إزالة شعر الرَّأس، قال الحافظ ابن حجرٍ: طرق الحديث المتكاثرة كالصَّريحة في إرادة حلق الرَّأس، وإنَّما كان هذا علامتهم وإن كان غيرهم يحلق رأسه أيضًا؛ لأنَّهم جعلوا الحلق لهم دائمًا، وزمن الصَّحابة إنَّما كانوا يحلقون رؤوسهم في نسكٍ أو حاجةٍ، وقيل: المراد حلق الرَّأس واللِّحية وجميع الشُّعور (أَوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ) بفوقيَّةٍ مفتوحةٍ فسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ وبعد الموحَّدة المكسورة تحتيَّةٌ ساكنةٌ فدالٌ مهملةٌ، وهو بمعنى التَّحليق، أو هو (١) أبلغ منه استئصال الشَّعر، أو ترك غسله وترك (٢) دهنه، والشَّكُّ من الرَّاوي.

ولمَّا كان آخر الأمور التي يظهر بها المفلح من الخاسر ثقل الموازين وخفَّتها جعله المؤلِّف آخر تراجم كتابه، فبدأ (٣) بحديث: «الأعمال بالنِّيَّات» [خ¦١] وذلك في الدُّنيا (٤) وختم: بأنَّ الأعمال تُوزَن يوم القيامة، [خ¦٧٥٦٣] إشارةً إلى أنه إنَّما يتقبَّل منها ما كان بالنِّيَّة الخالصة لله تعالى، فقال رحمه الله تعالى (٥):

(٥٨) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾) العدل، وهو منصوبٌ على أنَّه نعتٌ لـ ﴿الْمَوَازِينَ﴾ وعلى (٦) هذا فلِمَ أُفرِد؟ وأجيب بأنَّه (٧) في الأصل مصدرٌ، والمصدر يوحَّد مطلقًا، أو على أنَّه

على حذف مضافٍ، أي: ذوات القسط، وَ ﴿الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزانٍ، وجاء ذكرها في القرآن بلفظ الجمع، وفي السُّنَّة به وبالإفراد، فجوَّز بعضهم لمَّا أشكل عليه الجمع في الآية أن يكون ثَمَّ موازين للعامل الواحد يوزن بكلِّ ميزانٍ منها صنفٌ واحدٌ من أعماله، قال الشَّاعر:

ملكٌ تقومُ الحادثاتُ لأجلهِ … فلكلِّ حادثةٍ لها ميزانُ

والذي عليه الأكثرون أنَّه ميزانٌ واحدٌ، عبَّر عنه بلفظ الجمع للتَّفخيم كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وإنَّما هو رسولٌ واحدٌ، أو الجمع باعتبار العباد وأنواع الموزونات، أي: ونضع الموازين العادلات (﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]) وثبت قوله: «ليوم القيامة» لأبي ذرٍّ، وسقط لغيره، واللَّام بمعنى: «في» وإليه ذهب ابن قتيبة وابن مالكٍ، وهو رأي الكوفيِّين، ومنه عندهم: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] أو هي للتَّعليل، ولكن على حذف مضافٍ، أي: لحساب يوم القيامة، أو بمعنى: «عند» كقوله: جئتك لخمسٍ خلون من الشَّهر، وقول النَّابغة:

تَوهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُها … لستَّةِ أَعْوَامٍ وذا العَامُ سَابِعُ

(وَأَنَّ) بفتح الهمزة وقد تُكسَر (أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ وَقَوْلَهُمْ يُوزَنُ) بالإفراد، وللقابسيِّ: «وأقوالهم (١) تُوزَن» بميزانٍ له لسانٌ وكفَّتان خلافًا للمعتزلة المنكرين لذلك إلَّا أنَّ منهم من أحاله عقلًا، ومنهم من جوَّزه ولم يحكم بثبوته كالعلَّاف وابن المعتمر، واحتجُّوا: بأنَّ الأعمال أعراضٌ وقد عدمت، فلا يمكن إعادتها، وإذا (٢) أمكن إعادتها يستحيل وزنها؛ إذ لا تقوم بأنفسها فلا توصف بخفَّةٍ ولا ثقلٍ، والقرآن يردُّ عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] أي: وزن الأعمال يومئذٍ الحقُّ ﴿فَأَمَّا مَن (٣) ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٦ - ٧] سلَّمنا أنَّ الأعراض لا تُوصَف بخفَّةٍ ولا ثقلٍ، لكن لمَّا ورد الدَّليل على ثبوت الميزان والوزن كالحساب والصِّراط وجب علينا اعتقاده، وإن عجزت عقولنا عن إدراك بعضٍ، فنَكِلُ علمه إلى الله تعالى ولا نشتغل بكيفيَّته، والعمدة في إثباتها عند أهل الحقِّ أنَّها

ممكنةٌ في أنفسها (١)؛ إذ لا يلزم من فرض وقوعها محالٌ لذاته مع إخبار الصَّادق عنها، فأجمع المسلمون (٢) عليها قبل ظهور المخالف عليها، والله تعالى قادرٌ على أن يعرِّف عباده مقادير أعمالهم وأقوالهم يوم القيامة بأيِّ طريقٍ شاء؛ إمَّا بأن يجعل الأعمال والأقوال أجسامًا، أو يجعلها في أجسام، وقد روى بعض المتكلِّمين عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا، فيزنها أو توزن صحفها، ويؤيِّد هذا حديث البطاقة المرويِّ في «التِّرمذيِّ» وقال: حسنٌ غريبٌ، وابن ماجه وابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم والبيهقيِّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الله يستخلص رجلًا من أمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعةً وتسعين سجلًّا، كلُّ سجلٍّ مثل مدِّ البصر، ثمَّ يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا ربِّ، فيقول: أَفَلَكَ (٣) عذرٌ؟ فيقول (٤): لا يا ربِّ، فيقول الله تعالى: بلى، إنَّ لك عندنا حسنةً، فإنَّه لا ظلمَ عليك، فيخرِج بطاقةً فيها (٥) أشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السِّجلَّات؟ فيقول (٦): فإنَّك لا تُظلَم، فتُوضَع السِّجلَّاتُ في كفَّةٍ والبطاقةُ في كفَّةٍ، فطاشت السِّجلَّات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيءٌ» وقال ابن ماجه بدل قوله: «إنَّ الله يستخلص رجلًا من أمَّتي»: «يُصاح برجلٍ من أمَّتي» وقال محمَّد بن يحيى: البطاقة الرُّقعة، وهذا يدلُّ على الميزان الحقيقيِّ، وأنَّ الموزون صحف (٧) الأعمال، ويكون رجحانها باعتبار كثرة ما كُتِب فيها، وخِفَّتُها بقلَّته فلا إشكال، وقيل: إنَّه ميزانٌ كميزان الشّعر، وفائدته: إظهار العدل والمبالغة في الإنصاف، ولو جاز حمله على ذلك لجاز حمل الصِّراط على الدِّين الحقِّ، والجنَّة والنَّار على ما يَرِدُ على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، وهذا كلُّه فاسدٌ؛ لأنَّه رُدَّ لما جاء به الصَّادق على ما لا يخفى، فإن قلت: أهل القيامة إمَّا أن يكونوا

عالمين بكونه تعالى عادلًا غير ظالمٍ أو لا، فإن علموا ذلك كان مجرَّد حكمه كافيًا، فلا فائدة في وضع الميزان، وإن لم يعلموا ذلك لم تحصل الفائدة في وزن الصَّحائف، وحينئذٍ فلا فائدة في وضعها أصلًا، أجيب بأنَّهم عالمون بعدله تعالى، وإنَّما فعل ذلك لإقامة الحجَّة عليهم، وبيانًا لكونه لا يظلم مثقال ذرَّةٍ، وإظهارًا لعظمة قدرته في أنَّ كلَّ كفَّةٍ طباق السَّموات والأرض ترجح بمثقال الحبَّة من الخردل وتخفُّ، وأيضًا فإنَّه ﷾ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقد رُوِي عن سلمان (١) أنَّه قال: فإن أنكر ذلك منكرٌ جاهلٌ -بمعنى توجيه معنى خبر الله تعالى وخبر رسوله ﷺ عن الميزان- وقال: أَوَ بالله حاجةٌ إلى وزن الأشياء وهو العالم بمقدار كلِّ شيءٍ قبل خلقه إيَّاه وبعده في كلِّ حالٍ؟ قيل له: وزان ذلك إثباته إيَّاه في أمِّ الكتاب واستنساخه في الكتب من غير حاجةٍ إلى ذلك؛ لأنَّه سبحانه لا يخاف النِّسيان وهو عالمٌ بكلِّ ذلك على كلِّ حالٍ ووقتٍ قبل كونه وبعد وجوده، وإنَّما يفعل ذلك تعالى ليكون حجَّةً على خلقه كما قال تعالى (٢): ﴿كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨ - ٢٩] فكذلك وزنه تعالى لأعمال خلقه بالميزان حجَّةٌ عليهم ولهم إمَّا بالتَّقصير في طاعته والتَّضييع، وإمَّا بالتَّكميل والتَّتميم، وإظهارٌ لكرمه وعفوه ومغفرته وحلمه مع قدرته بعد إطلاع كلِّ أحدٍ منَّا على مساوئه، ومسامحته له وغفرانه وإدخاله إيَّاه الجنَّة بعد معصيته.

وحكى الزَّركشيُّ عن بعضهم: أنَّ رجحان الوزن في الآخرة بصعود الرَّاجح عكس الوزن في الدُّنيا، واستند في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ … الآية [فاطر: ١٠] وهو غريبٌ مصادمٌ لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآية (٣) [القارعة: ٦] وقد جاء أنَّ كفَّة الحسنات من نورٍ والأخرى من ظلامٍ، وأنَّ الجنَّة توضع عن يمين العرش والنَّار عن يساره، ويُؤتَى بالميزان فيُنصَب (٤) بين يدي الله ﷿ كفَّة الحسنات عن يمين العرش مقابل (٥) الجنَّة،

وكفَّة السَّيِّئات عن يسار العرش مقابل النَّار، ذكره التِّرمذيُّ الحكيم في «نوادر الأصول» وأبو القاسم اللَّالكائيُّ في «سننه» وعن حذيفة موقوفًا (١): «إنَّ صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﵇»، وعند البيهقيِّ عن أنسٍ مرفوعًا قال: «ملك الموت مُوكَّلٌ بالميزان».

وفي «الطَّبرانيِّ الصَّغير» من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله -أي: يوم القيامة-: يا آدم قد جعلتك حكمًا بيني وبين ذرِّيَّتك، قم عند الميزان فانظر ما يُرفَع إليك من أعمالهم، فمن رجح منهم خيره على شرِّه مثقال ذرَّةٍ فله الجنَّة حتَّى تعلم (٢) أنِّي لا أُدخِل منهم النَّار إلَّا ظالمًا … » الحديث، وقال الطَّبرانيُّ: لا يروى هذا عن أبي هريرة إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به عبد الأعلى.

وعند الحاكم عن سلمان (٣) مرفوعًا: «يُوضَع الميزان يوم القيامة، فلو آوى فيه السَّموات والأرض لوُضِعت، فتقول الملائكة: يا ربِّ لمن تزن بهذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك».

وعند صاحب «الفردوس» وابنه أبي منصورٍ الدَّيلميِّ عن عائشة مرفوعًا: «خلق الله ﷿ كفتي الميزان مثل أو ملء السَّموات والأرض، فقالت الملائكة: يا ربَّنا ما تزن بهذا؟ قال: أَزِنُ به من شئت من خلقي» وقيل: سأل داود ﵇ ربَّه ﷿ أن يريه الميزان، فلمَّا رآه أُغمِي عليه من هوله، ثمَّ أفاق فقال: إلهي من يقدر على ملء كفة هذا الميزان حسناتٍ؟ فقال الله تعالى: «يا داود إنِّي إذا رضيت على عبدي ملأته بتمرةٍ واحدةٍ، يا داود أملؤها بكلمة لا إله إلَّا الله» ثمَّ إنَّ ظاهر قول البخاريِّ: «وإنَّ أعمال بني آدم وقولهم يُوَزن» التَّعميم، وليس كذلك، بل خصَّ منهم من يدخل الجنَّة بغير حسابٍ، وهم السَّبعون ألفًا كما في «البخاريِّ» [خ¦٣٢٤٧] فإنَّه لا يُرفَع (٤) لهم ميزانٌ ولا يأخذون صحفًا، وإنَّما هي براءاتٌ (٥) مكتوبةٌ كما قاله الغزاليُّ، وكذلك من لا ذنب له إلَّا الكفر فقط ولم يعمل حسنةً، فإنَّه يقع في النَّار من غير حسابٍ ولا ميزانٍ، وفي «البخاريِّ»

مرفوعًا [خ¦٤٧٢٩] «إنَّه ليأتي الرَّجل العظيم السَّمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضةٍ، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾» [الكهف: ١٠٥] أي: لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابلةٌ بالعذاب، فلا حسنة لهم تُوزَن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النَّار.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ) المفسِّر في قوله تعالى: ﴿وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٥] ممَّا وصله الفريابيُّ في «تفسيره» (القُِسْطَاسُ) بضمِّ القاف وكسرها (العَدْلُ بِالرُّومِيَّةِ) أي: بلغة أهل الرُّوم، ففيه وقوع المعرَّب في القرآن، وأمَّا قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فلا ينافيه ألفاظٌ نادرةٌ، أو هو من توافق اللُّغتين لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] وليس بشيءٍ؛ لأنَّ المعنى: أنَّه عربيُّ الأسلوب والنَّظم، ولو سلَّمنا فباعتبار الأعمِّ الأغلب، ولم يُشتَرط في الكلام العربيِّ أن تكون (١) كلُّ كلمةٍ منه عربيَّةً، ولا يجوز اشتمال القرآن على كلمةٍ غير فصيحةٍ، وقيل يجوز، وردَّه المولى سعد الدِّين التَّفتازانيُّ: بأنَّ ذلك يقود إلى نسبة الجهل أو العجز (٢) إلى الله تعالى عن ذلك، واعترضه البونيُّ أحد تلامذة الشَّيخ بأنَّه يجوز أن يختار الله تعالى غير الفصيح مع القدرة على الفصيح لحكمةٍ هي إمَّا أنَّ دلالته على المراد أوضح من الفصيح أو غير ذلك ممَّا لا يعلمه إلَّا هو، فلا يلزم شيءٌ من العجز والجهل، قال: وعرضته على الشَّيخ فاستحسنه.

(وَيُقَالُ: القِسْطُ مَصْدَرُ المُقْسِطِ) اعترضه الإسماعيليُّ بأنَّ مصدر «المقسط» الإقساط؛ لأنَّه رباعيٌّ، وأُجيب بأنَّ المراد المصدر (٣) المحذوف الزَّوائد نظرًا إلى أصله، فهو مصدر (٤) مصدره؛ إذ لا خفاء أنَّ المصدر الجاري على فعله هو الإقساط، قاله في «اللَّامع» و «المصابيح» كـ «الكواكب» (وَهْوَ) أي: المقسط (العَادِلُ) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].

(وَأَمَّا القَاسِطُ فَهْوَ الجَائِرُ) قال الله (٥) تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] و «قسط» الثَّلاثيُّ بمعنى: «جار»، و «أقسط» الرُّباعيُّ بمعنى: «عدل» وحكى الزَّجَّاج أنَّ الثُّلاثيَّ يُستعمَل كالرُّباعيِّ، والمشهور الأوَّل، ومن الغريب ما حُكِي أنَّ الحجَّاج لمَّا أحضر سعيد بن

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٧٥٥٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ، حدّثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عنْ عُمارَةَ، عنْ أبي زُرْعَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ قَالَ الله عَزَّ وجَلَّ ومَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أوْ شَعِيرَةً

انْظُر الحَدِيث ٥٩٥٣

الْكَلَام فِي مُطَابقَة هَذَا مثل مَا مر فِيمَا قبله.

وَابْن فُضَيْل مصغر وَهُوَ مُحَمَّد، وَعمارَة بن الْقَعْقَاع، وَأَبُو زرْعَة اسْمه هرم بِفَتْح الْهَاء وَكسر الرَّاء البَجلِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي اللبَاس عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل. وَأخرجه مُسلم فِي اللبَاس عَن ابْن نمير وَغَيره.

قَوْله: ذهب من الذّهاب الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الْقَصْد والإقبال إِلَيْهِ. قَوْله: فليخلقوا ذرة بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَهِي النملة الصَّغِيرَة، وَهَذَا استهزاء، أَو قَول على زعمهم، أَو التَّشْبِيه فِي الصُّورَة وَحدهَا لَا من سَائِر الْوُجُوه. قَوْله: أَو شعيرَة عطف الْخَاص على الْعَام، أَو هُوَ شكّ من الرَّاوِي، وَالْغَرَض تعجيزهم وتعذيبهم تَارَة بِخلق الْحَيَوَان، وَأُخْرَى بِخلق الجماد، وَفِيه نوع من الترقي فِي الخساسة وَنَوع من التنزل فِي الْإِلْزَام.

٥٧ - (بابُ قِرَاءَةِ الفاجِرِ والمُنافِقِ وأصْوَاتُهُمْ وتِلَاوَتُهُمْ لَا تُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حَال قِرَاءَة الْفَاجِر. قَالَ الْكرْمَانِي: الْفَاجِر الْمُنَافِق بِقَرِينَة جعله قسيماً لِلْمُؤمنِ فِي الحَدِيث، ومقابلاً لَهُ. وَعطف الْمُنَافِق عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ من بَاب الْعَطف التفسيري. قَوْله: وتلاوتهم، مُبْتَدأ وَخَبره: لَا تجَاوز، وَإِمَّا جمع الضَّمِير فَهُوَ حِكَايَة عَن لفظ الحَدِيث، وَزيد فِي بعض الرِّوَايَات: وأصواتهم، والحناجر جمع حنجرة وَهِي الْحُلْقُوم، وَهُوَ مجْرى النَّفس كَمَا أَن المري مجْرى الطَّعَام وَالشرَاب.

٧٥٦٠ - حدّثنا هُدْبةُ بنُ خالِدٍ، حدّثنا هَمَّامٌ، حَدثنَا قتادَةُ، حَدثنَا أنسٌ عنْ أبي مُوسَى، رَضِي الله عَنهُ، عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كالأُتْرُجَّةِ، طَعْمُها طَيِّبٌ ورِيحُها طَيِّبٌ، والّذِي لَا يَقْرَأُ كالتَّمْرَةِ طَعْمُها طَيِّبٌ، ولَا رِيحَ لَها، ومَثَلُ الفاجِرِ الّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ، كَمَثَلِ الرَّيْحانَةِ ريحُها طَيِّبٌ وطَعْمها مُرٌّ، ومَثَلُ الفاجِرِ الّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ طَعْمُها مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

وهدبة بِضَم الْهَاء ابْن خَالِد الْقَيْسِي بِفَتْح الْقَاف، وَهَمَّام بتَشْديد الْمِيم هُوَ ابْن يحيى العوذي، وَأنس هُوَ ابْن مَالك، وَأَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

وَالرِّجَال كلهم بصريون، وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

والْحَدِيث مضى فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مُسَدّد، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: كالأترجة بِضَم الْهمزَة وَيُقَال: الأترنجة والترنجة وَفِي التَّوْضِيح كالأترجة، كَذَا فِي الْأُصُول وَلأبي الْحسن: كالأترنجة، بالنُّون وَالصَّوَاب الأول لِأَن النُّون والهمزة لَا يَجْتَمِعَانِ، وَالْمَعْرُوف: الأترج. وَحكى أَبُو زيد: ترنجة وترج. وَقَالُوا: الأترجة أفضل الثِّمَار للخواص الْمَوْجُودَة فِيهَا مثل: كبر جرمها، وَحسن منظرها، ولين ملمسها، ولونها يسر الناظرين، ثمَّ أكلهَا يُفِيد بعد الالتذاذ طيب النكهة ودباغ الْمعدة، وَقُوَّة الهضم، واشتراك الْحَواس الْأَرْبَعَة: الْبَصَر والذوق والشم واللمس فِي الاحتظاء بهَا، ثمَّ إِن أجزاءها تَنْقَسِم على طبائع: فقشرها حَار يَابِس، وجرمها حَار رطب، وحماضها بَارِد يَابِس، وبزرها حَار مجفف. قَوْله: كَمثل الحنظلة وَهِي شَجَرَة مَشْهُورَة، وَفِي بعض الْبِلَاد تسمى: بطيخ أبي جهل، فَإِن قلت: قَالَ فِي آخر فَضَائِل الْقُرْآن: كالحنظلة طعمها مر وريحها مر. وَهنا قَالَ: وَلَا ريح لَهَا؟ قلت: الْمَقْصُود مِنْهُمَا وَاحِد، وَذَلِكَ هُوَ بَيَان عدم النَّفْع لَا لَهُ وَلَا لغيره، وَرُبمَا كَانَ مضراً فَمَعْنَاه: لَا ريح لَهَا نافعة.

٧٥٦١ - حدّثنا عَلِيُّ، حَدثنَا هِشامٌ، أخبرنَا مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ. ح وحدّثني أحْمَدُ بنُ صالِحٍ

حَدثنَا عَنْبَسَةُ، حَدثنَا يُونُسُ، عنِ ابنِ شِهابٍ، أَخْبرنِي يَحْياى بنُ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أنّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: قالَتْ عائِشةُ، رَضِي الله عَنْهَا، سألَ أُناسٌ النبيَّ عنِ الكُهَّانِ فَقَالَ: إنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ فقالُوا: يَا رسولَ الله فإنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بالشّيءِ يَكُونُ حَقاً. قَالَ: فَقَالَ النبيُّ تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطُفُها الجِنِّيُّ فَيُقَرْقِرُها فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، كَقَرْقَرَةِ الدَّجاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ

ا

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ مشابهة الكاهن بالمنافق من حَيْثُ إِنَّه لَا يتنفع بِالْكَلِمَةِ الصادقة لغَلَبَة الْكَذِب عَلَيْهِ ولفساد حَاله، كَمَا لَا ينْتَفع الْمُنَافِق بقرَاءَته لفساد عقيدته وانضمام خبثه إِلَيْهَا.

وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن هِشَام بن يُوسُف الصَّنْعَانِيّ عَن معمر بن رَاشد عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. وَالثَّانِي: عَن أَحْمد بن صَالح أبي جَعْفَر الْمصْرِيّ عَن عَنْبَسَة بن خَالِد بن يزِيد بن أبي النجا ابْن أخي يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي، سمع عَمه يُونُس بن يزِيد عَن ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ عَن يحيى بن عُرْوَة بن الزبير عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة.

والْحَدِيث مضى فِي أَوَاخِر الطِّبّ فِي: بَاب الكهانة، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.

قَوْله: سَأَلَ أنَاس وَفِي رِوَايَة معمر: نَاس، وَكِلَاهُمَا وَاحِد. قَوْله: عَن الْكُهَّان أَي: عَن حَالهم، والكهان جمع كَاهِن وَهُوَ الَّذِي يتعاطى الْخَبَر عَن الكائنات فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان، وَيَدعِي معرفَة الْأَسْرَار. قَوْله: يَخْطفهَا بِالْفَتْح على اللُّغَة الفصيحة وبكسرها، والجني مُفْرد الْجِنّ أَي: يختلسها الجني من أَخْبَار، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: يحفظها، من الْحِفْظ. قَوْله: فيقرقرها من القرقرة وَهُوَ الْوَضع فِي الْأذن بالصوت، والقر الْوَضع فِيهَا بِدُونِ الصَّوْت، وَإِضَافَة القرقرة إِلَى الدَّجَاجَة من إِضَافَة الْفَاعِل، والدجاجة بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا. وَقَالَ الْخطابِيّ: غَرَضه نفي مَا يتعاطون من علم الْغَيْب. قَالَ: وَالصَّوَاب كقرقرة الزجاجة ليلائم معنى القارورة الَّذِي فِي الحَدِيث الآخر، وَتَكون إِضَافَة القرقرة إِلَى الْمَفْعُول فِيهِ نَحْو مكر اللَّيْل.

٧٥٦٢ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ، حَدثنَا مَهْدِيُّ بنُ مَيْمُونٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ سِيرين، يُحَدِّثُ عنْ مَعْبَدِ بنِ سِيرين عنْ أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، رَضِي الله عَنهُ، عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: يَخْرُجُ ناسٌ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ ويَقْرأونَ القُرْآنَ لَا يُجاوِزُ تَراقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودونَ فِيهِ حتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ، قِيلَ: مَا سِيْماهُمْ؟ قَالَ: سِيْماهُمُ التَّحْلِيقُ أوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ

ا

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوز تراقيهم

وَأخرجه عَن أبي النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل عَن مهْدي بن مَيْمُون الْأَزْدِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أَخِيه معبد بن سِيرِين بِفَتْح الْمِيم، وَالْأَرْبَعَة بصريون.

قَوْله: يخرج نَاس من قبل الْمشرق تقدم فِي الْفِتَن أَنهم: الْخَوَارِج. قَوْله: تراقيهم جمع ترقوة بِفَتْح أَوله وَسُكُون الرَّاء وَضم الْقَاف وَفتح الْوَاو وَهِي الْعظم الَّذِي بَين نقرة النَّحْر والعاتق. قَوْله: يَمْرُقُونَ أَي: يخرجُون. قَوْله: من الرَّمية بِكَسْر الْمِيم الْخَفِيفَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، فعيلة بِمَعْنى المرمية أَي: المرمى إِلَيْهَا. قَوْله: إِلَى فَوْقه بِضَم الْفَاء وَهُوَ مَوضِع الْوتر من السهْم. قَوْله: مَا سِيمَاهُمْ؟ بِكَسْر الْمُهْملَة مَقْصُورا وممدوداً: الْعَلامَة. قَوْله: التحليق هُوَ إِزَالَة الشّعْر. قَوْله: أَو التسبيد بِالْمُهْمَلَةِ وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ استيصال الشّعْر. فَإِن قلت: يلْزم من وجود الْعَلامَة وجود ذِي الْعَلامَة، فَكل محلوق الرَّأْس مِنْهُم لكنه خلاف الْإِجْمَاع. قلت: كَانَ فِي عهد الصَّحَابَة لَا يحلقون رؤوسهم إلَاّ فِي النّسك أَو الْحَاجة، وَأما هَؤُلَاءِ فقد جعلُوا الْحلق شعارهم، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ حلق الرَّأْس واللحية وَجَمِيع شُعُورهمْ.

٥٨ - (بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} )

أَي: هَذَا بَاب فِي قَول الله عز وَجل: {وَنَضَع الموازين بِالْقِسْطِ} وَفِي رِوَايَة أبي ذَر أَي: فِي يَوْمهَا، والموازين جمع ميزَان وَأَصله: موزان، قلبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا، والقسط مصدر يَسْتَوِي فِيهِ الْمُفْرد الْمثنى وَالْجمع، أَي:

تضع الموازين العادلات. قيل: ثمَّة ميزَان وَاحِد يُوزن بِهِ الْحَسَنَات. وَأجِيب بِأَنَّهُ جمع بِاعْتِبَار الْعباد وأنواع الموزونات. وَقَالَ الزّجاج: أَي نضع الموازين ذَوَات الْقسْط. قَالَ أهل السّنة: إِنَّه جسم محسوس ذُو لِسَان وكفتين، وَالله تَعَالَى يَجْعَل الْأَعْمَال والأقوال كالأعيان موزونة أَو توزن صحفها، وَقيل: ميزَان كميزان الشّعْر، وَفَائِدَته إِظْهَار الْعدْل وَالْمُبَالغَة فِي الْإِنْصَاف والإلزام قطعا لأعذار الْعباد.

وأنَّ أعْمالَ بَني آدَمَ وقَوْلَهُمْ يُوزَنُ.

قد ذكرُوا أَن الْأَعْمَال والأقوال تتجسد بِإِذن الله تَعَالَى فتوزن، أَو توزن الصحائف الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَال.

وَقَالَ مُجاهِدٌ: القُسْطاطُ: العَدْلُ بالرُّومِيَّةِ.

أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {يَابَنِى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْءَايَاتِى فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، {وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} وَهُوَ بِضَم الْقَاف وَكسرهَا الْعدْل بلغَة أهل الرّوم، هُوَ من توَافق اللغتين.

ويُقالُ: القِسْطُ مَصْدَرُ المُقْسِطِ، وهْوَ العادِلُ. وأمَّا القاسِطُ فَهْوَ الجائِرُ.

اعْترض الْإِسْمَاعِيلِيّ على البُخَارِيّ فِي قَوْله: الْقسْط مصدر المقسط، ومصدر المقسط الإقساط، يُقَال: أقسط إِذا عدل، وقسط إِذا جَار. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمصدر الْمَحْذُوف الزَّوَائِد نظرا إِلَى أَصله.

قلت: هَذَا لَيْسَ بكاف فِي الْجَواب.

٧٥٦٣ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ إشْكابٍ، حَدثنَا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ، عنْ عُمارَةَ بنِ القَعْقاعِ، عنْ أبي زُرْعَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَلِمتانِ حَبيبَتان إِلَى الرَّحْمانِ خَفِيفتانِ عَلى اللِّسانِ، ثَقيلَتانِ فِي المِيزانِ: سبْحان الله وبِحَمْدِهِ، سبْحانَ الله العَظِيمِ

انْظُر الحَدِيث ٦٤٠٦ وطرفه

ختم البُخَارِيّ كِتَابه بالتسبيح والتحميد كَمَا بَدَأَ أَوله بِحَدِيث النِّيَّة عملا بِهِ.

وَأَبُو زرْعَة اسْمه: هرم، وَمر رِجَاله عَن قريب.

وَقد مضى الحَدِيث فِي الدَّعْوَات عَن زُهَيْر بن حَرْب وَفِي الْأَيْمَان وَالنُّذُور عَن قُتَيْبَة، وَهنا رَوَاهُ عَن أَحْمد بن إشكاب بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وبالكاف وبالباء الْمُوَحدَة غير منصرف، وَقيل: هُوَ منصرف أَبُو عبد الله الصفار الْكُوفِي سكن مصر وَيُقَال: أَحْمد بن مَيْمُون بن إشكاب، وَيُقَال: أَحْمد بن عبد الله بن إشكاب، وَيُقَال: اسْم إشكاب مجمع مَاتَ سنة تسع عشر وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من أَفْرَاده.

قَوْله: كلمتان أَي: كلامان، وَتطلق الْكَلِمَة عَلَيْهِ كَمَا يُقَال: كلمة الشَّهَادَة. قَوْله: حبيبتان أَي: محبوبتان يَعْنِي بِمَعْنى الْمَفْعُول لَا الْفَاعِل، وَالْمرَاد محبوبية قائلهما، ومحبة الله للْعَبد إِرَادَة إِيصَال الْخَيْر إِلَيْهِ والتكريم. قيل: مَا وَجه لُحُوق عَلامَة التَّأْنِيث؟ والفعيل إِذا كَانَ بِمَعْنى الْمَفْعُول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث. فَأُجِيب: بِأَن التَّسْوِيَة جَائِزَة لَا وَاجِبَة، ووجوبها فِي الْمُفْرد لَا فِي الْمثنى، أَو أَن هَذِه التَّاء للنَّقْل من الوصفية إِلَى الاسمية. قَوْله: إِلَى الرَّحْمَن تَخْصِيص لفظ الرَّحْمَن من بَين سَائِر الْأَسْمَاء الْحسنى لِأَن الْقَصْد من الحَدِيث بَيَان سَعَة رَحْمَة الله تَعَالَى على عباده، حَيْثُ يجازي على الْفِعْل الْقَلِيل بالثواب الْكثير، وَلَا يُقَال: إِنَّه سجع، لِأَن الْمنْهِي سجع الْكُهَّان. قَوْله: سُبْحَانَ مصدر لَازم النصب بإضمار الْفِعْل، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: سُبْحَانَ علم للتسبيح كعثمان علم للرجل، قيل: سُبْحَانَ وَاجِب الْإِضَافَة فَكيف الْجمع بَين الْإِضَافَة والعلمية؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يُنكر ثمَّ يُضَاف، وَمعنى التَّسْبِيح التَّنْزِيه يَعْنِي: أنزه الله تَنْزِيها عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ. قَوْله: وَبِحَمْدِهِ الْوَاو للْحَال أَي: أسبحه ملتبساً بحمدي لَهُ من أجل توفيقه لي للتسبيح وَنَحْوه. أَو لعطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة أَي: أسبح وألتبس بِحَمْدِهِ، وَالْحَمْد هُوَ الثَّنَاء بالجميل على وَجه التَّفْضِيل، وتكرار التَّسْبِيح للإشعار بتنزيهه على الْإِطْلَاق، وَالْحَمْد لله وَحده، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا دَائِما.

فرغت يَمِين مُؤَلفه ومسطره العَبْد الْفَقِير إِلَى رَحْمَة ربه الْغَنِيّ أَبُو مُحَمَّد محمودبن أَحْمد الْعَيْنِيّ من تأليف هَذَا الْجُزْء وتسطيره. الْحَادِي وَالْعِشْرين من عُمْدَة الْقَارِي فِي شرح البُخَارِيّ الَّذِي بِهِ كمل الشَّرْح بِتَوْفِيق الله وعونه ولطفه وَكَرمه، فِي آخر الثُّلُث الأول من لَيْلَة السبت الْخَامِس من شهر جُمَادَى الأولى عَام سَبْعَة وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة، فِي دَاره الَّتِي مُقَابلَة مدرسته البدرية فِي حارة كتامة بِالْقربِ من الْجَامِع الْأَزْهَر، وَكَانَ ابْتِدَاء شروعي فِي تأليفه فِي آخر شهر رَجَب الْأَصَم الأصب سنة عشْرين وَثَمَانمِائَة، وفرغت من الْجُزْء الأول يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّادِس عشر من شهر ذِي الْحجَّة الْحَرَام سنة عشْرين وَثَمَانمِائَة، وفرغت من الْجُزْء الثَّانِي نَهَار الثُّلَاثَاء السَّابِع من شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَمَانمِائَة، وفرغت من الْجُزْء الثَّالِث يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة، بعد أَن مكثت فِيهِ نصف سنة، وَكَانَ الْخُلُو بَين الثَّانِي وَالثَّالِث مِقْدَار سِتَّة عشر سنة، وَأكْثر، وفرغت من الرَّابِع يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع من ربيع الآخر سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة، ثمَّ استمريت فِي الْكِتَابَة والتأليف إِلَى التَّارِيخ الْمَذْكُور فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين وَكَانَت مُدَّة مكثي فِي التَّأْلِيف مِقْدَار عشر سِنِين مَعَ تخَلّل أَيَّام كَثِيرَة فِيهَا، وَالْحَمْد لله تَعَالَى على هَذِه النِّعْمَة، صلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم.

أحمدك يَا من أوضحت سنَن الْحق لسالكيها بآيَات بَيِّنَات. وأبنت طرق الْهِدَايَة بعلامات واضحات. وكشفت عَن الضَّلَالَة حجب الأوهام والخزعبلات. فظهرت وحشية المنظر منفورة الشكل لَدَى أَرْبَاب البصائر والإدراكات. فَانْدفع الْبَاطِل وزهق بِمَا للْحَقِيقَة من قُوَّة وصدمات. فتعالى وانتصر سَبِيل دين الْحق الْمُؤَيد بِأم الْكتاب الَّتِي هِيَ آيَات محكمات. والمدعم بِسنة خير خلق الله المعزز بالبراهين والمعجزات. فنشهد أَن لَا إلاه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة دائمة فِي الْمحيا وَالْمَمَات. ونشهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله صَاحب الْمقَام الْمَحْمُود والمناقب الباهرات. اللَّهُمَّ صل على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه مَا دَامَت أزمنة وأوقات. وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا وَبَارك عَلَيْهِم وعَلى من تبع هديهم بتحيات مباركات زاكيات.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 24 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 25.3 / 29.5
الإضاءة 19%
الهلال الجديد بعد 4 يوم
لا إله إلا الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56