«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٥٩

الحديث رقم ٧٥٩ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب القراءة في الظهر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٥٩ في صحيح البخاري

«كَانَ النَّبِيُّ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ.»

إسناد حديث رقم ٧٥٩ من صحيح البخاري

٧٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٥٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْ هَذَا وَكَانَ هَذَا سَبَبَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّ مَنْ مَضَى كَانَ الْإِمَامُ يَسْكُتُ سَاعَةً قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ.

(فَائِدَةٌ): زَادَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ فَصَاعِدًا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى الْفَاتِحَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ قَصْرِ الْحُكْمِ عَلَى الْفَاتِحَةِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ: هُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَادَّعَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِثُبُوتِهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ الْأَمْرَ اسْتَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ بَابًا، وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِإِيرَادِهِ عَقِبَ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَنَّ الْفَاتِحَةَ إِنَّمَا تَتَحَتَّمُ عَلَى مَنْ يُحْسِنُهَا، وَأَنَّ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا يَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ إِطْلَاقَ الْقِرَاءَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مُقَيَّدٌ بِالْفَاتِحَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَوْلُهُ: ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ التَّخْيِيرِ؛ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ لِمَنْ أَحْسَنَهَا بِدَلِيلِ حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ثُمَّ عَيَّنَتِ السُّنَّةُ الْمُرَادَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ مَا تَيَسَّرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهَا مُتَيَسِّرَةٌ، أَوْ عَلَى مَا زَادَ مِنَ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ أَنْ يَقْرَأَهَا، أَوْ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنِ الْفَاتِحَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ مَا تَيَسَّرَ لَا إِجْمَالَ فِيهِ حَتَّى يُبَيَّنَ بِالْفَاتِحَةِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْفَاتِحَةِ يُنَافِي التَّيْسِيرَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْإِطْلَاقُ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ مُتَيَسِّرَةٌ وَهِيَ أَقْصَرُ مِنَ الْفَاتِحَةِ فَلَمْ يَنْحَصِرِ التَّيْسِيرُ فِي الْفَاتِحَةِ، وَأَمَّا الْحَمْلُ عَلَى مَا زَادَ فَمَبْنِيٌّ عَلَى تَسْلِيمِ تَعَيُّنِ الْفَاتِحَةِ وَهِيَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.

وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى مَنْ عَجَزَ فَبَعِيدٌ، وَالْجَوَابُ الْقَوِيُّ عَنْ هَذَا أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ تَفْسِيرُ مَا تَيَسَّرَ بِالْفَاتِحَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ رَفَعَهُ: وَإِذَا قُمْتَ فَتَوَجَّهْتَ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ، وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ الْحَدِيثَ. وَوَقَعَ فِيهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: ثُمَّ اقْرَأْ إِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْ وَهَلِّلْ، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ كَانَ تَعَيُّنُ الْفَاتِحَةِ هُوَ الْأَصْلُ لِمَنْ مَعَهُ قُرْآنٌ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَعَلُّمِهَا وَكَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ قَرَأَ مَا تَيَسَّرَ، وَإِلَّا انْتَقَلَ إِلَى الذِّكْرِ. وَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَاقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ أَيْ: بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ.

٩٦ - بَاب الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ

٧٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ترجيحهم الأوَّل تقديم دليل (١) النَّافي على دليل الثَّاني المثبت، عكس الرَّاجح في الأصول لِمَا قام في ذلك عندهم. انتهى. وذلك لأنَّ دليل النَّافي لقراءة السُّورة في الأخريين (٢) مقدَّمٌ على حديث إثباتها المذكور لكونه (٣) في (٤) رواية مسلمٍ، والأوَّل من روايتهما معًا. (فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال» (عُمَرُ : ذَلِكَ) باللَّام، ولأبوي ذَرٍّ والوقت (٥) وابن عساكر: «ذاك» (الظَّنُّ بِكَ).

وهذا الحديث مرَّ في الباب السَّابق [خ¦٧٥٥] وهو هنا محذوفٌ في رواية غير أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر، ثابتٌ في روايتهم كما في الفرع وأصله (٦)، ولم يذكره في «فتح الباري» هنا.

٧٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن رِبْعِيٍّ

(قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «كان رسول الله» ( يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ) بمُثنَّاتين تحتيَّتين وضمِّ الهمزة، تثنية الأُولى (مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ) في كلِّ ركعةٍ سورةٌ (يُطَوِّلُ فِي) قراءة الرَّكعة (الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي) قراءة الرَّكعة (الثَّانِيَةِ) لأنَّ النَّشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التَّخفيف في الثَّانية حذرًا من (١) الملل. واستُدِلَ به على استحباب تطويل الأولى على الثَّانية، وجُمِع بينه وبين حديث سعدٍ السَّابق [خ¦٧٥٥] حيث قال: «أركد في الأوليين» بأنَّ (٢) المراد تطويلهما على الأخريين، لا التَّسوية بينهما في الطُّول. واستُفِيد من هذا أفضليَّة (٣) قراءة سورةٍ كاملةٍ ولو قَصُرَت على قراءة قدرها من طويلةٍ، قال النَّوويُّ: وزاد البغويُّ: ولو قَصُرَت السُّورة عن المقروء. (وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا) أي: في أحيانٍ، جمع حينٍ، وهو يدلُّ على تكرار (٤) ذلك منه، وللنَّسائيِّ من حديث البراء: فنسمع (٥) منه الآية بعد الآية (٦) من سورة «لقمان» و «الذَّاريات»، ولابن خزيمة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] فإن قلت: العلم بقراءة السُّورة في السِّرِّية لا يكون إِلَّا بسماع كلِّها، وإنَّما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهريَّة، أُجيب باحتمال أن يكون مأخوذًا من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، أو أنَّ النَّبيَّ كان يخبرهم عقب (٧) الصَّلاة دائمًا أو غالبًا بقراءة السُّورتين، وهو بعيد جدًّا، قاله ابن دقيق العيد (وَكَانَ) (يَقْرَأُ فِي) صلاة (العَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ) في كلِّ ركعةٍ سورةٌ واحدةٌ (وَكَانَ يُطَوِّلُ) قراءة غير الفاتحة (فِي) الرَّكعة (الأُولَى) منها، أي: ويقصر في الثَّانية (وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي) قراءة (الرَّكعة الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ) ويُقاس المغرب والعشاء عليها، والسُّنَّة عند الشَّافعيَّة أن

يقرأ في الصُّبح والظُّهر من (١) طِوَال المُفصَّل، وفي العصر والعشاء من أوساطه (٢)، وفي المغرب من (٣) قصاره لأنَّ الظُّهر وقت القيلولة، فطوَّل ليدرك المتأخِّر، والعصر وقت إتمام الأعمال (٤) فخفَّف، وأمَّا المغرب فلأنَّها (٥) تأتي عند إعياء النَّاس من العمل وحاجتهم إلى العَشاء، لا سيَّما الصُّوَّام. ومحلُّ سنيَّة الطِّوال والأوساط إذا كان المصلِّي منفردًا، فإن كان إمامًا وكان المأمومون محصورين (٦) وآثروا التَّطويل استُحِبَّ، وإن لم يكونوا محصورين، أو كانوا ولكن لم يؤثروا التَّطويل فلا يُسَنُّ، هكذا جزم به النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» فقال: هذا الَّذي ذكرناه من استحباب طِوَال المُفصَّل وأوساطه هو فيما إذا آثر المأمومون المحصورون ذلك، وإلَّا خُفِّف، وجزم به أيضًا في «التَّحقيق» و «شرح مسلمٍ» (٧)، وقال الحنابلة: في الصُّبح من طِوَال المُفصَّل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه.

وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف [خ¦٧٧٦] أيضًا، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنْ هَذَا وَكَانَ هَذَا سَبَبَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَلَكِنَّ مَنْ مَضَى كَانَ الْإِمَامُ يَسْكُتُ سَاعَةً قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ.

(فَائِدَةٌ): زَادَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ فَصَاعِدًا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى الْفَاتِحَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ قَصْرِ الْحُكْمِ عَلَى الْفَاتِحَةِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ: هُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَادَّعَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِثُبُوتِهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ الْأَمْرَ اسْتَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ بَابًا، وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِإِيرَادِهِ عَقِبَ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَنَّ الْفَاتِحَةَ إِنَّمَا تَتَحَتَّمُ عَلَى مَنْ يُحْسِنُهَا، وَأَنَّ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا يَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ إِطْلَاقَ الْقِرَاءَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مُقَيَّدٌ بِالْفَاتِحَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَوْلُهُ: ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ التَّخْيِيرِ؛ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ لِمَنْ أَحْسَنَهَا بِدَلِيلِ حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ثُمَّ عَيَّنَتِ السُّنَّةُ الْمُرَادَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَوْلُهُ مَا تَيَسَّرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهَا مُتَيَسِّرَةٌ، أَوْ عَلَى مَا زَادَ مِنَ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ أَنْ يَقْرَأَهَا، أَوْ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنِ الْفَاتِحَةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ مَا تَيَسَّرَ لَا إِجْمَالَ فِيهِ حَتَّى يُبَيَّنَ بِالْفَاتِحَةِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْفَاتِحَةِ يُنَافِي التَّيْسِيرَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْإِطْلَاقُ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا فَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ مُتَيَسِّرَةٌ وَهِيَ أَقْصَرُ مِنَ الْفَاتِحَةِ فَلَمْ يَنْحَصِرِ التَّيْسِيرُ فِي الْفَاتِحَةِ، وَأَمَّا الْحَمْلُ عَلَى مَا زَادَ فَمَبْنِيٌّ عَلَى تَسْلِيمِ تَعَيُّنِ الْفَاتِحَةِ وَهِيَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.

وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى مَنْ عَجَزَ فَبَعِيدٌ، وَالْجَوَابُ الْقَوِيُّ عَنْ هَذَا أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ تَفْسِيرُ مَا تَيَسَّرَ بِالْفَاتِحَةِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ رَفَعَهُ: وَإِذَا قُمْتَ فَتَوَجَّهْتَ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ، وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ الْحَدِيثَ. وَوَقَعَ فِيهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: ثُمَّ اقْرَأْ إِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْ وَهَلِّلْ، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ كَانَ تَعَيُّنُ الْفَاتِحَةِ هُوَ الْأَصْلُ لِمَنْ مَعَهُ قُرْآنٌ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَعَلُّمِهَا وَكَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ قَرَأَ مَا تَيَسَّرَ، وَإِلَّا انْتَقَلَ إِلَى الذِّكْرِ. وَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَاقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ أَيْ: بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ.

٩٦ - بَاب الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ

٧٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ترجيحهم الأوَّل تقديم دليل (١) النَّافي على دليل الثَّاني المثبت، عكس الرَّاجح في الأصول لِمَا قام في ذلك عندهم. انتهى. وذلك لأنَّ دليل النَّافي لقراءة السُّورة في الأخريين (٢) مقدَّمٌ على حديث إثباتها المذكور لكونه (٣) في (٤) رواية مسلمٍ، والأوَّل من روايتهما معًا. (فَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: «قال» (عُمَرُ : ذَلِكَ) باللَّام، ولأبوي ذَرٍّ والوقت (٥) وابن عساكر: «ذاك» (الظَّنُّ بِكَ).

وهذا الحديث مرَّ في الباب السَّابق [خ¦٧٥٥] وهو هنا محذوفٌ في رواية غير أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر، ثابتٌ في روايتهم كما في الفرع وأصله (٦)، ولم يذكره في «فتح الباري» هنا.

٧٥٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن رِبْعِيٍّ

(قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: «كان رسول الله» ( يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ) بمُثنَّاتين تحتيَّتين وضمِّ الهمزة، تثنية الأُولى (مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ) في كلِّ ركعةٍ سورةٌ (يُطَوِّلُ فِي) قراءة الرَّكعة (الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي) قراءة الرَّكعة (الثَّانِيَةِ) لأنَّ النَّشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التَّخفيف في الثَّانية حذرًا من (١) الملل. واستُدِلَ به على استحباب تطويل الأولى على الثَّانية، وجُمِع بينه وبين حديث سعدٍ السَّابق [خ¦٧٥٥] حيث قال: «أركد في الأوليين» بأنَّ (٢) المراد تطويلهما على الأخريين، لا التَّسوية بينهما في الطُّول. واستُفِيد من هذا أفضليَّة (٣) قراءة سورةٍ كاملةٍ ولو قَصُرَت على قراءة قدرها من طويلةٍ، قال النَّوويُّ: وزاد البغويُّ: ولو قَصُرَت السُّورة عن المقروء. (وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا) أي: في أحيانٍ، جمع حينٍ، وهو يدلُّ على تكرار (٤) ذلك منه، وللنَّسائيِّ من حديث البراء: فنسمع (٥) منه الآية بعد الآية (٦) من سورة «لقمان» و «الذَّاريات»، ولابن خزيمة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] فإن قلت: العلم بقراءة السُّورة في السِّرِّية لا يكون إِلَّا بسماع كلِّها، وإنَّما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهريَّة، أُجيب باحتمال أن يكون مأخوذًا من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، أو أنَّ النَّبيَّ كان يخبرهم عقب (٧) الصَّلاة دائمًا أو غالبًا بقراءة السُّورتين، وهو بعيد جدًّا، قاله ابن دقيق العيد (وَكَانَ) (يَقْرَأُ فِي) صلاة (العَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ) في كلِّ ركعةٍ سورةٌ واحدةٌ (وَكَانَ يُطَوِّلُ) قراءة غير الفاتحة (فِي) الرَّكعة (الأُولَى) منها، أي: ويقصر في الثَّانية (وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي) قراءة (الرَّكعة الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ) ويُقاس المغرب والعشاء عليها، والسُّنَّة عند الشَّافعيَّة أن

يقرأ في الصُّبح والظُّهر من (١) طِوَال المُفصَّل، وفي العصر والعشاء من أوساطه (٢)، وفي المغرب من (٣) قصاره لأنَّ الظُّهر وقت القيلولة، فطوَّل ليدرك المتأخِّر، والعصر وقت إتمام الأعمال (٤) فخفَّف، وأمَّا المغرب فلأنَّها (٥) تأتي عند إعياء النَّاس من العمل وحاجتهم إلى العَشاء، لا سيَّما الصُّوَّام. ومحلُّ سنيَّة الطِّوال والأوساط إذا كان المصلِّي منفردًا، فإن كان إمامًا وكان المأمومون محصورين (٦) وآثروا التَّطويل استُحِبَّ، وإن لم يكونوا محصورين، أو كانوا ولكن لم يؤثروا التَّطويل فلا يُسَنُّ، هكذا جزم به النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» فقال: هذا الَّذي ذكرناه من استحباب طِوَال المُفصَّل وأوساطه هو فيما إذا آثر المأمومون المحصورون ذلك، وإلَّا خُفِّف، وجزم به أيضًا في «التَّحقيق» و «شرح مسلمٍ» (٧)، وقال الحنابلة: في الصُّبح من طِوَال المُفصَّل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه.

وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف [خ¦٧٧٦] أيضًا، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 2 صفر
هلال متزايد اليوم 3.3 / 29.5
الإضاءة 12%
البدر بعد 11 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله