«سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ.» بَابُ الْجَهْرِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٦٥

الحديث رقم ٧٦٥ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الجهر في المغرب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٦٥ في صحيح البخاري

«سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ.»

بَابُ الْجَهْرِ فِي الْعِشَاءِ

إسناد حديث رقم ٧٦٥ من صحيح البخاري

٧٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٦٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ الصَّغَانِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَكَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بِقِصَارِ السُّوَرِ وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْأُسُودِ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ، أَتَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَإِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، وَصَرَّحَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِالْإِخْبَارِ بَيْنَ عُرْوَةَ، وَزَيْدٍ، فَكَأَنَّ عُرْوَةَ سَمِعَهُ مِنْ مَرْوَانَ، عَنْ زَيْدٍ ثُمَّ لَقِيَ زَيْدًا فَأَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَدْ سَمِعْتُ) اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الْمُنِيرِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ نَادِرًا، قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَقَالَ كَانَ يَفْعَلُ، يُشْعِرُ بِأَنَّ عَادَتَهُ كَانَتْ كَذَلِكَ. انْتَهَى. وَغَفَلَ عَمَّا فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْرَأُ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ.

قَوْلُهُ: (بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ) أَيْ: بِأَطْوَلِ السُّورَتَيْنِ الطَّوِيلَتَيْنِ وَطُولَى تَأْنِيثُ أَطْوَلَ، وَالطُّولَيَيْنِ بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ طُولَى، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِطُولِ بِضَمِّ الطَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَوَجَّهَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْمَصْدَرَ وَأَرَادَ الْوَصْفَ أَيْ: كَانَ يَقْرَأُ بِمِقْدَارِ طُولِ الطُّولَيَيْنِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَرَأَ بِقَدْرِ السُّورَتَيْنِ، وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ. وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ ضَبَطَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ. قَالَ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الطِّوَلَ الْحَبْلُ وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا. انْتَهَى.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِأَطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ بِالتَّذْكِيرِ، وَلَمْ يَقَعْ تَفْسِيرُهُمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ الْمَذْكُورَةِ: بِأَطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ المص وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ: قُلْتُ وَمَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ؟ قَالَ: الْأَعْرَافُ، وَبَيَّنَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ وَلَفْظُهُ: قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَهِيَ كُنْيَةُ عُرْوَةَ.

وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِ: قَالَ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَمَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ - يَعْنِي ابْنَ جُرَيْجٍ - وَسَأَلْتُ أَنَا ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ فَقَالَ لِي مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ الْمَائِدَةُ وَالْأَعْرَافُ كَذَا رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. وَلِلْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ الْأَنْعَامَ بَدَلَ الْمَائِدَةِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَالصَّغَانِيُّ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بَدَلَ الْأَنْعَامِ يُونُسَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، فَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَفْسِيرِ الطُّولَى بِالْأَعْرَافِ، وَفِي تَفْسِيرِ الْأُخْرَى ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، الْمَحْفُوظُ مِنْهَا الْأَنْعَامُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْبَقَرَةُ أَطْوَلُ السَّبْعِ الطِّوَالِ فَلَوْ أَرَادَهَا لَقَالَ طُولَى الطِّوَالِ، فَلَمَّا لَمْ يُرِدْهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْأَعْرَافَ؛ لِأَنَّهَا أَطْوَلُ السُّوَرِ بَعْدَ الْبَقَرَةِ.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النِّسَاءَ أَطْوَلُ مِنَ الْأَعْرَافِ، وَلَيْسَ هَذَا التَّعْقِيبُ بِمَرْضِيٍّ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ عَدَدَ الْآيَاتِ، وَعَدَدُ آيَاتِ الْأَعْرَافِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ آيَاتِ النِّسَاءِ وَغَيْرِهَا مِنَ السَّبْعِ بَعْدَ الْبَقَرَةِ، وَالْمُتَعَقِّبُ اعْتَبَرَ عَدَدَ الْكَلِمَاتِ؛ لِأَنَّ كَلِمَاتِ النِّسَاءِ تَزِيدُ عَلَى كَلِمَاتِ الْأَعْرَافِ بِمِائَتَيْ كَلِمَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: تَسْمِيَةُ الْأَعْرَافِ وَالْأَنْعَامِ بِالطُّولَيَيْنِ إِنَّمَا هُوَ لِعُرْفٍ فِيهِمَا لَا أَنَّهُمَا أَطْوَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا بِغَيْرِ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

٩٩ - بَاب الْجَهْرِ فِي الْمَغْرِبِ

٧٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ.

[الحديث ٧٦٥ - أطرافه في: ٤٨٥٤، ٤٠٢٣، ٣٠٥٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْجَهْرِ فِي الْمَغْرِبِ) اعْتَرَضَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَالَّتِي بَعْدَهَا بِأَنَّ الْجَهْرَ فِيهِمَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَهُوَ عَجِيبٌ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مَوْضُوعٌ لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَلَيْسَ هُوَ مَقْصُورًا عَلَى الْخِلَافِيَّاتِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ: (قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ يَقْرَأُ وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ، زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَكَانَ جَاءَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فِي فِدَاءِ أَهْلِ بَدْرٍ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ: وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ أَيْضًا فِي آخِرِهِ قَالَ: وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ وَزَادَ: فَأَخَذَنِي مِنْ قِرَاءَتِهِ الْكَرْبُ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَكَأَنَّمَا صُدِعَ قَلْبِي حِينَ سَمِعْتُ الْقُرْآنَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ أَدَاءِ مَا تَحَمَّلَهُ الرَّاوِي فِي حَالِ الْكُفْرِ، وَكَذَا الْفِسْقُ إِذَا أَدَّاهُ فِي حَالِ الْعَدَالَةِ. وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى زَوَائِدَ أُخْرَى فِيهِ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ.

قَوْلُهُ: (بِالطُّورِ) أَيْ بِسُورَةِ الطُّورِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ وَسَنَذْكُرُ مَا فِيهِ قَرِيبًا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: ذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقْرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالسُّوَرِ الطِّوَالِ نَحْوِ الطُّورِ وَالْمُرْسَلَاتِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَكْرَهُ ذَلِكَ بَلْ أَسْتَحِبُّهُ. وَكَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا كَرَاهِيَةَ فِي ذَلِكَ وَلَا اسْتِحْبَابَ. وَأَمَّا مَالِكٌ فَاعْتَمَدَ الْعَمَلَ بِالْمَدِينَةِ بَلْ وَبِغَيْرِهَا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَى تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَتَقْصِيرِهَا فِي الْمَغْرِبِ، وَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّ مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ وَثَبَتَتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَمَا لَمْ تَثْبُتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَيْهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ. قُلْتُ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ فِي الْقِرَاءَةِ هُنَا ثَلَاثَةٌ مُخْتَلِفَةُ الْمَقَادِيرِ لِأَنَّ الْأَعْرَافَ مِنَ السَّبْعِ الطِّوَالِ، وَالطُّورَ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَالْمُرْسَلَاتِ مِنْ أَوْسَاطِهِ. وَفِي ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ بِهِمْ فِي الْمَغْرِبِ بِالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ أَرَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا فِيهِ التَّنْصِيصُ عَلَى الْقِرَاءَةِ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ إِلَّا حَدِيثًا فِي ابْنِ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَصَّ فِيهِ عَلَى الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ حِبَّانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.

فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَظَاهِرُ إِسْنَادِهِ الصِّحَّةُ إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَخْطَأَ فِيهِ بَعْضُ رُوَاتِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فَفِيهِ سَعِيدُ بْنُ سِمَاكٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ قَرَأَ بِهِمَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَاعْتَمَدَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ حَدِيثَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ فُلَانٍ، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ. وَهَذَا يُشْعِرُ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ يَأْتِي مِثْلُهُ فِي بَابِ جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ بَعْدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَابًا.

نَعَمْ حَدِيثُ رَافِعٍ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْمَوَاقِيتِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَضِلُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ يَدُلُّ عَلَى تَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَإِمَّا لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَنْكَرَ عَلَى مَرْوَانَ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَلَوْ كَانَ مَرْوَانُ يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ لَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى زَيْدٍ، لَكِنْ لَمْ يُرِدْ زَيْدٌ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالطِّوَالِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَتَعَاهَدَ ذَلِكَ كَمَا رَآهُ مِنَ النَّبِيِّ . وَفِي حَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الصِّحَّةِ بِأَطْوَلَ مِنَ الْمُرْسَلَاتِ لِكَوْنِهِ كَانَ فِي

حَالِ شِدَّةِ مَرَضِهِ وَهُوَ مَظِنَّةُ التَّخْفِيفِ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى أَبِي دَاوُدَ ادِّعَاءَ نَسْخِ التَّطْوِيلِ لِأَنَّهُ رَوَى عَقِبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْقِصَارِ، قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ حَدِيثِ زَيْدٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الدَّلَالَةِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى عُرْوَةَ رَاوِيَ الْخَبَرِ عَمِلَ بِخِلَافِهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى نَاسِخِهِ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْحَمْلِ، وَكَيْفَ تَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ وَأُمُّ الْفَضْلِ تَقُولُ: إِنَّ آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِهِمْ قَرَأَ بِالْمُرْسَلَاتِ.

قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ: هَذَا مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، فَجَائِزٌ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقْرَأَ فِي الْمَغْرِبِ وَفِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا بِمَا أَحَبَّ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ إِمَامًا اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُخَفِّفَ فِي الْقِرَاءَةِ كَمَا تَقَدَّمَ اهـ.

وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقُرْطُبِيِّ: مَا وَرَدَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ التَّقْصِيرُ أَوْ عَكْسُهُ فَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ عَلَى تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ قَرَأَ بَعْضَ السُّورَةِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ جُبَيْرٍ بِلَفْظٍ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾، قَالَ: فَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ هِيَ هَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةً اهـ. وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِي قَوْلَهُ خَاصَّةً مَعَ كَوْنِ رِوَايَةِ هُشَيْمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِخُصُوصِهَا مُضَعَّفَةً، بَلْ جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ كُلَّهَا، فَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كَادَ قَلْبِي يَطِيرُ، وَنَحْوُهُ لِقَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ، وَفِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ وَمِثْلُهُ لِابْنِ سَعْدٍ، وَزَادَ فِي أُخْرَى فَاسْتَمَعْتُ قِرَاءَتَهُ حَتَّى خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ.

ثُمَّ ادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ يَأْتِي فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَكَذَا أَبْدَاهُ الْخَطَّابِيُّ احْتِمَالًا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَرَأَ بِشَيْءٍ مِنْهَا يَكُونُ قَدْرَ سُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ لَمَا كَانَ لِإِنْكَارِ زَيْدٍ مَعْنًى. وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ زَيْدٍ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: إِنَّكَ لَتُخِفُّ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْرَأُ فِيهَا بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَاخْتُلِفَ عَلَى هِشَامٍ فِي صَحَابِيِّهِ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَالَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ: عَنْ هِشَامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَوْ أَبِي أَيُّوبَ، وَقِيلَ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَى الْمَتْنِ دُونَ الْقِصَّةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَنْ قَالَ إِنَّ لَهَا وَقْتًا وَاحِدًا لَمْ يَحُدَّهُ بِقِرَاءَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ أَوَّلِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَهُ أَنْ يَمُدَّ الْقِرَاءَةَ فِيهَا وَلَوْ غَابَ الشَّفَقُ. وَاسْتَشْكَلَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ إِطْلَاقَ هَذَا، وَحَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ قَبْلَهُ عَلَى أَنَّهُ يُوقِعُ رَكْعَةً فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَيُدِيمُ الْبَاقِيَ وَلَوْ غَابَ الشَّفَقُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، لِأَنَّ تَعَمُّدَ إِخْرَاجِ بَعْضِ الصَّلَاةِ عَنِ الْوَقْتِ مَمْنُوعٌ، وَلَوْ أَجْزَأَتْ فَلَا يُحْمَلُ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَى ذَلِكَ.

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْمُفَصَّلِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مُنْتَهَاهُ آخِرُ الْقُرْآنِ هَلْ هُوَ مِنْ أَوَّلِ الصَّافَّاتِ أَوِ الْجَاثِيَةِ أَوِ الْقِتَالِ أَوِ الْفَتْحِ أَوِ الْحُجُرَاتِ أَوْ ق أَوِ الصَّفِّ أَوْ تَبَارَكَ أَوْ سَبِّحْ أَوِ الضُّحَى إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ أَقْوَالٌ أَكْثَرُهَا مُسْتَغْرَبٌ اقْتَصَرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنَ الْأَوَائِلِ سِوَى الْأَوَّلِ وَالرَّابِعِ، وَحَكَى الْأَوَّلَ وَالسَّابِعَ وَالثَّامِنَ ابْنُ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَنِيُّ، وَحَكَى الرَّابِعَ وَالثَّامِنَ الدِّزَّمَارِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ وَحَكَى التَّاسِعَ الْمَرْزُوقِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ، وَالْمَاوَرْدِيُّ الْعَاشِرَ، وَالرَّاجِحُ الْحُجُرَاتُ (١) ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ. وَنَقَلَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ قَوْلًا شَاذًّا أَنَّ الْمُفَصَّلَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٩٩) (بابُ) حكم (الجَهْرِ) بالقراءة (فِي) صلاة (المَغْرِبِ).

٧٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ المصريُّ (١) (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) (٢) إمام الأئمَّة، الأصبحيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بضمِّ الميم وكسر العين، وقد وقع التَّصريح بالتَّحديث من طريق سفيان عن الزُّهريِّ [خ¦٤٨٥٤] (عَنْ أَبِيهِ) جبير بن مطعم بن عَدِيٍّ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «سمعت النَّبيَّ» ( قَرَأَ) ولابن عساكر: «يقرأ» (فِي) صلاة (المَغْرِبِ بِالطُّورِ) أي: بسورة «الطُّور» كلِّها. وقول ابن الجوزيِّ يحتمل أن تكون «الباء» بمعنى «من» (٣) كقوله تعالى ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦] يعني: فيكون المراد: أنَّه قرأ بعض سورة «الطُّور». واستدلال الطَّحاويِّ لذلك بما رواه من طريق هُشَيْمٍ، عن الزُّهريِّ في حديث جُبَيْرٍ بقوله: فسمعته يقول: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: ٧] قال: فأخبر أنَّ الَّذي سمعه من هذه السُّورة هي هذه الآية خاصَّةً مُعارَضٌ بما عند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٨٥٤] حيث قال: «سمعته يقرأ في المغرب بـ «الطُّور»، فلمَّا بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ … الآيات إلى قوله: ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] كاد (٤) قلبي يطير»، وفي رواية أسامة ومحمَّد بن عمرٍو: وسمعته يقرأ ﴿وَالطُّورِ. وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢] وزاد ابن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ الصَّغَانِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، وَكَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بِقِصَارِ السُّوَرِ وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْأُسُودِ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ، أَتَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَإِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، وَصَرَّحَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِالْإِخْبَارِ بَيْنَ عُرْوَةَ، وَزَيْدٍ، فَكَأَنَّ عُرْوَةَ سَمِعَهُ مِنْ مَرْوَانَ، عَنْ زَيْدٍ ثُمَّ لَقِيَ زَيْدًا فَأَخْبَرَهُ.

قَوْلُهُ: (وَقَدْ سَمِعْتُ) اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الْمُنِيرِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ نَادِرًا، قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَقَالَ كَانَ يَفْعَلُ، يُشْعِرُ بِأَنَّ عَادَتَهُ كَانَتْ كَذَلِكَ. انْتَهَى. وَغَفَلَ عَمَّا فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْرَأُ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ.

قَوْلُهُ: (بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ) أَيْ: بِأَطْوَلِ السُّورَتَيْنِ الطَّوِيلَتَيْنِ وَطُولَى تَأْنِيثُ أَطْوَلَ، وَالطُّولَيَيْنِ بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ طُولَى، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِطُولِ بِضَمِّ الطَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَوَجَّهَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْمَصْدَرَ وَأَرَادَ الْوَصْفَ أَيْ: كَانَ يَقْرَأُ بِمِقْدَارِ طُولِ الطُّولَيَيْنِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَرَأَ بِقَدْرِ السُّورَتَيْنِ، وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ. وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ ضَبَطَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ. قَالَ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الطِّوَلَ الْحَبْلُ وَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا. انْتَهَى.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بِأَطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ بِالتَّذْكِيرِ، وَلَمْ يَقَعْ تَفْسِيرُهُمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ الْمَذْكُورَةِ: بِأَطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ المص وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ: قُلْتُ وَمَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ؟ قَالَ: الْأَعْرَافُ، وَبَيَّنَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ وَلَفْظُهُ: قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَهِيَ كُنْيَةُ عُرْوَةَ.

وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِ: قَالَ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَمَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ - يَعْنِي ابْنَ جُرَيْجٍ - وَسَأَلْتُ أَنَا ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ فَقَالَ لِي مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ الْمَائِدَةُ وَالْأَعْرَافُ كَذَا رَوَاهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. وَلِلْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ الْأَنْعَامَ بَدَلَ الْمَائِدَةِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَالصَّغَانِيُّ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ بَدَلَ الْأَنْعَامِ يُونُسَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ، فَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَفْسِيرِ الطُّولَى بِالْأَعْرَافِ، وَفِي تَفْسِيرِ الْأُخْرَى ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، الْمَحْفُوظُ مِنْهَا الْأَنْعَامُ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْبَقَرَةُ أَطْوَلُ السَّبْعِ الطِّوَالِ فَلَوْ أَرَادَهَا لَقَالَ طُولَى الطِّوَالِ، فَلَمَّا لَمْ يُرِدْهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْأَعْرَافَ؛ لِأَنَّهَا أَطْوَلُ السُّوَرِ بَعْدَ الْبَقَرَةِ.

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النِّسَاءَ أَطْوَلُ مِنَ الْأَعْرَافِ، وَلَيْسَ هَذَا التَّعْقِيبُ بِمَرْضِيٍّ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ عَدَدَ الْآيَاتِ، وَعَدَدُ آيَاتِ الْأَعْرَافِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ آيَاتِ النِّسَاءِ وَغَيْرِهَا مِنَ السَّبْعِ بَعْدَ الْبَقَرَةِ، وَالْمُتَعَقِّبُ اعْتَبَرَ عَدَدَ الْكَلِمَاتِ؛ لِأَنَّ كَلِمَاتِ النِّسَاءِ تَزِيدُ عَلَى كَلِمَاتِ الْأَعْرَافِ بِمِائَتَيْ كَلِمَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: تَسْمِيَةُ الْأَعْرَافِ وَالْأَنْعَامِ بِالطُّولَيَيْنِ إِنَّمَا هُوَ لِعُرْفٍ فِيهِمَا لَا أَنَّهُمَا أَطْوَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا بِغَيْرِ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.

٩٩ - بَاب الْجَهْرِ فِي الْمَغْرِبِ

٧٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ.

[الحديث ٧٦٥ - أطرافه في: ٤٨٥٤، ٤٠٢٣، ٣٠٥٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ الْجَهْرِ فِي الْمَغْرِبِ) اعْتَرَضَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَالَّتِي بَعْدَهَا بِأَنَّ الْجَهْرَ فِيهِمَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَهُوَ عَجِيبٌ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ مَوْضُوعٌ لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَلَيْسَ هُوَ مَقْصُورًا عَلَى الْخِلَافِيَّاتِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ: (قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ يَقْرَأُ وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ، زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَكَانَ جَاءَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فِي فِدَاءِ أَهْلِ بَدْرٍ، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ: وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ أَيْضًا فِي آخِرِهِ قَالَ: وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي، وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ وَزَادَ: فَأَخَذَنِي مِنْ قِرَاءَتِهِ الْكَرْبُ، وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: فَكَأَنَّمَا صُدِعَ قَلْبِي حِينَ سَمِعْتُ الْقُرْآنَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ أَدَاءِ مَا تَحَمَّلَهُ الرَّاوِي فِي حَالِ الْكُفْرِ، وَكَذَا الْفِسْقُ إِذَا أَدَّاهُ فِي حَالِ الْعَدَالَةِ. وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى زَوَائِدَ أُخْرَى فِيهِ لِبَعْضِ الرُّوَاةِ.

قَوْلُهُ: (بِالطُّورِ) أَيْ بِسُورَةِ الطُّورِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ وَسَنَذْكُرُ مَا فِيهِ قَرِيبًا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: ذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقْرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالسُّوَرِ الطِّوَالِ نَحْوِ الطُّورِ وَالْمُرْسَلَاتِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَكْرَهُ ذَلِكَ بَلْ أَسْتَحِبُّهُ. وَكَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا كَرَاهِيَةَ فِي ذَلِكَ وَلَا اسْتِحْبَابَ. وَأَمَّا مَالِكٌ فَاعْتَمَدَ الْعَمَلَ بِالْمَدِينَةِ بَلْ وَبِغَيْرِهَا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَى تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ وَتَقْصِيرِهَا فِي الْمَغْرِبِ، وَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّ مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ وَثَبَتَتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَمَا لَمْ تَثْبُتْ مُوَاظَبَتُهُ عَلَيْهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ. قُلْتُ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ فِي الْقِرَاءَةِ هُنَا ثَلَاثَةٌ مُخْتَلِفَةُ الْمَقَادِيرِ لِأَنَّ الْأَعْرَافَ مِنَ السَّبْعِ الطِّوَالِ، وَالطُّورَ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَالْمُرْسَلَاتِ مِنْ أَوْسَاطِهِ. وَفِي ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ بِهِمْ فِي الْمَغْرِبِ بِالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَمْ أَرَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا فِيهِ التَّنْصِيصُ عَلَى الْقِرَاءَةِ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ إِلَّا حَدِيثًا فِي ابْنِ مَاجَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَصَّ فِيهِ عَلَى الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ حِبَّانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.

فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَظَاهِرُ إِسْنَادِهِ الصِّحَّةُ إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَخْطَأَ فِيهِ بَعْضُ رُوَاتِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فَفِيهِ سَعِيدُ بْنُ سِمَاكٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ قَرَأَ بِهِمَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَاعْتَمَدَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ حَدِيثَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ فُلَانٍ، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ. وَهَذَا يُشْعِرُ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ يَأْتِي مِثْلُهُ فِي بَابِ جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ بَعْدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَابًا.

نَعَمْ حَدِيثُ رَافِعٍ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْمَوَاقِيتِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَضِلُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ يَدُلُّ عَلَى تَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَإِمَّا لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَنْكَرَ عَلَى مَرْوَانَ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَلَوْ كَانَ مَرْوَانُ يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ لَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى زَيْدٍ، لَكِنْ لَمْ يُرِدْ زَيْدٌ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالطِّوَالِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَتَعَاهَدَ ذَلِكَ كَمَا رَآهُ مِنَ النَّبِيِّ . وَفِي حَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الصِّحَّةِ بِأَطْوَلَ مِنَ الْمُرْسَلَاتِ لِكَوْنِهِ كَانَ فِي

حَالِ شِدَّةِ مَرَضِهِ وَهُوَ مَظِنَّةُ التَّخْفِيفِ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى أَبِي دَاوُدَ ادِّعَاءَ نَسْخِ التَّطْوِيلِ لِأَنَّهُ رَوَى عَقِبَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْقِصَارِ، قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ حَدِيثِ زَيْدٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الدَّلَالَةِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى عُرْوَةَ رَاوِيَ الْخَبَرِ عَمِلَ بِخِلَافِهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى نَاسِخِهِ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الْحَمْلِ، وَكَيْفَ تَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ وَأُمُّ الْفَضْلِ تَقُولُ: إِنَّ آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِهِمْ قَرَأَ بِالْمُرْسَلَاتِ.

قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ: هَذَا مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، فَجَائِزٌ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقْرَأَ فِي الْمَغْرِبِ وَفِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا بِمَا أَحَبَّ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا كَانَ إِمَامًا اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُخَفِّفَ فِي الْقِرَاءَةِ كَمَا تَقَدَّمَ اهـ.

وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقُرْطُبِيِّ: مَا وَرَدَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِيمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ التَّقْصِيرُ أَوْ عَكْسُهُ فَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ عَلَى تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ قَرَأَ بَعْضَ السُّورَةِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ جُبَيْرٍ بِلَفْظٍ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾، قَالَ: فَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ هِيَ هَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةً اهـ. وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِي قَوْلَهُ خَاصَّةً مَعَ كَوْنِ رِوَايَةِ هُشَيْمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِخُصُوصِهَا مُضَعَّفَةً، بَلْ جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ كُلَّهَا، فَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كَادَ قَلْبِي يَطِيرُ، وَنَحْوُهُ لِقَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ، وَفِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ وَمِثْلُهُ لِابْنِ سَعْدٍ، وَزَادَ فِي أُخْرَى فَاسْتَمَعْتُ قِرَاءَتَهُ حَتَّى خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ.

ثُمَّ ادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ يَأْتِي فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَكَذَا أَبْدَاهُ الْخَطَّابِيُّ احْتِمَالًا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَرَأَ بِشَيْءٍ مِنْهَا يَكُونُ قَدْرَ سُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ لَمَا كَانَ لِإِنْكَارِ زَيْدٍ مَعْنًى. وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ زَيْدٍ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: إِنَّكَ لَتُخِفُّ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْرَأُ فِيهَا بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَمِيعًا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَاخْتُلِفَ عَلَى هِشَامٍ فِي صَحَابِيِّهِ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَقَالَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ: عَنْ هِشَامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَوْ أَبِي أَيُّوبَ، وَقِيلَ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَى الْمَتْنِ دُونَ الْقِصَّةِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَنْ قَالَ إِنَّ لَهَا وَقْتًا وَاحِدًا لَمْ يَحُدَّهُ بِقِرَاءَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ أَوَّلِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَهُ أَنْ يَمُدَّ الْقِرَاءَةَ فِيهَا وَلَوْ غَابَ الشَّفَقُ. وَاسْتَشْكَلَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ إِطْلَاقَ هَذَا، وَحَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ قَبْلَهُ عَلَى أَنَّهُ يُوقِعُ رَكْعَةً فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَيُدِيمُ الْبَاقِيَ وَلَوْ غَابَ الشَّفَقُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، لِأَنَّ تَعَمُّدَ إِخْرَاجِ بَعْضِ الصَّلَاةِ عَنِ الْوَقْتِ مَمْنُوعٌ، وَلَوْ أَجْزَأَتْ فَلَا يُحْمَلُ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَى ذَلِكَ.

وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْمُفَصَّلِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مُنْتَهَاهُ آخِرُ الْقُرْآنِ هَلْ هُوَ مِنْ أَوَّلِ الصَّافَّاتِ أَوِ الْجَاثِيَةِ أَوِ الْقِتَالِ أَوِ الْفَتْحِ أَوِ الْحُجُرَاتِ أَوْ ق أَوِ الصَّفِّ أَوْ تَبَارَكَ أَوْ سَبِّحْ أَوِ الضُّحَى إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ أَقْوَالٌ أَكْثَرُهَا مُسْتَغْرَبٌ اقْتَصَرَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنَ الْأَوَائِلِ سِوَى الْأَوَّلِ وَالرَّابِعِ، وَحَكَى الْأَوَّلَ وَالسَّابِعَ وَالثَّامِنَ ابْنُ أَبِي الصَّيْفِ الْيَمَنِيُّ، وَحَكَى الرَّابِعَ وَالثَّامِنَ الدِّزَّمَارِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ وَحَكَى التَّاسِعَ الْمَرْزُوقِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ، وَالْمَاوَرْدِيُّ الْعَاشِرَ، وَالرَّاجِحُ الْحُجُرَاتُ (١) ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ. وَنَقَلَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ قَوْلًا شَاذًّا أَنَّ الْمُفَصَّلَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٩٩) (بابُ) حكم (الجَهْرِ) بالقراءة (فِي) صلاة (المَغْرِبِ).

٧٦٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ المصريُّ (١) (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) (٢) إمام الأئمَّة، الأصبحيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) بضمِّ الميم وكسر العين، وقد وقع التَّصريح بالتَّحديث من طريق سفيان عن الزُّهريِّ [خ¦٤٨٥٤] (عَنْ أَبِيهِ) جبير بن مطعم بن عَدِيٍّ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: «سمعت النَّبيَّ» ( قَرَأَ) ولابن عساكر: «يقرأ» (فِي) صلاة (المَغْرِبِ بِالطُّورِ) أي: بسورة «الطُّور» كلِّها. وقول ابن الجوزيِّ يحتمل أن تكون «الباء» بمعنى «من» (٣) كقوله تعالى ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الإنسان: ٦] يعني: فيكون المراد: أنَّه قرأ بعض سورة «الطُّور». واستدلال الطَّحاويِّ لذلك بما رواه من طريق هُشَيْمٍ، عن الزُّهريِّ في حديث جُبَيْرٍ بقوله: فسمعته يقول: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: ٧] قال: فأخبر أنَّ الَّذي سمعه من هذه السُّورة هي هذه الآية خاصَّةً مُعارَضٌ بما عند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦٤٨٥٤] حيث قال: «سمعته يقرأ في المغرب بـ «الطُّور»، فلمَّا بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ … الآيات إلى قوله: ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] كاد (٤) قلبي يطير»، وفي رواية أسامة ومحمَّد بن عمرٍو: وسمعته يقرأ ﴿وَالطُّورِ. وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢] وزاد ابن

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر