الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٩٤
الحديث رقم ٧٩٤ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الدعاء في الركوع.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَا يَقُولُ الْإِمَامُ وَمَنْ خَلْفَهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ
٧٩٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَفِيهِ أَنَّ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ لَا مَا زَادَتْهُ السُّنَّةُ فَيُنْدَبُ (١). وَفِيهِ حُسْنُ خُلُقِهِ ﷺ وَلُطْفُ مُعَاشَرَتِهِ، وَفِيهِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ فِي الْمَجْلِسِ لِلْمَصْلَحَةِ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ عَلَى صَلَاتِهِ وَهِيَ فَاسِدَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أَخَلَّ بِبَعْضِ الْوَاجِبَاتِ، وَأَجَابَ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهُ أَرَادَ اسْتِدْرَاجَهُ بِفِعْلِ مَا يَجْهَلُهُ مَرَّاتٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ غَافِلًا فَيَتَذَكَّرُهُ فَيَفْعَلُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّقْرِيرِ الْخَطَأِ، بَلْ مِنْ بَابِ تَحَقُّقِ الْخَطَأِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ نَحْوَهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يُعَلِّمْهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَعْرِيفِهِ وَتَعْرِيفِ غَيْرِهِ بِصِفَةِ الصَّلَاةِ الْمُجْزِئَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْدِيدُهُ لِتَفْخِيمِ الْأَمْرِ وَتَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ، وَرَأَى أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَفُتْهُ، فَرَأَى إِيقَاظَ الْفِطْنَةِ لِلْمَتْرُوكِ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ التَّقْرِيرُ بِدَلِيلٍ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنِ انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي زِيَادَةِ قَبُولِ الْمُتَعَلِّمِ لِمَا يُلْقَى إِلَيْهِ بَعْدَ تَكْرَارِ فِعْلِهِ وَاسْتِجْمَاعِ نَفْسِهِ وَتَوَجُّهِ سُؤَالِهِ مَصْلَحَةً مَانِعَةً مِنْ وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى التَّعْلِيمِ، لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَمِ خَوْفِ الْفَوَاتِ، إِمَّا بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، أَوْ بِوَحْيٍ خَاصٍّ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا سَكَتَ عَنْ تَعْلِيمِهِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ لَمْ يَسْتَكْشِفِ الْحَالَ مِنْ مَوْرِدِ الْوَحْيِ، وَكَأَنَّهُ اغْتَرَّ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ فَسَكَتَ عَنْ تَعْلِيمِهِ زَجْرًا لَهُ وَتَأْدِيبًا وَإِرْشَادًا إِلَى اسْتِكْشَافِ مَا اسْتَبْهَمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا طَلَبَ كَشْفَ الْحَالِ مِنْ مَوْرِدِهِ أُرْشِدَ إِلَيْهِ. انْتَهَى.
لَكِنْ فِيهِ مُنَاقَشَةٌ، لِأَنَّهُ إِنْ تَمَّ لَهُ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لَمْ يَتِمَّ لَهُ فِي الْأُولَى، لِأَنَّهُ ﷺ بَدَأَهُ لَمَّا جَاءَ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِقَوْلِهِ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ. فَالسُّؤَالُ وَارِدٌ عَلَى تَقْرِيرِهِ لَهُ عَلَى الصَّلَاةِ الْأُولَى: كَيْفَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ فِي أَثْنَائِهَا؟ لَكِنَّ الْجَوَابَ يَصْلُحُ بَيَانًا لِلْحِكْمَةِ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ أَجَازَ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ لِكَوْنِ مَا لَيْسَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ لَا يُسَمَّى قُرْآنًا، قَالَهُ عِيَاضٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ وُجُوبُ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا، وَأَنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَكَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ السَّائِلُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَذْكُرَهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ لَا مِنَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا مَعْنَى لَهُ. وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ كَوْنُهُ قَالَ: عَلِّمْنِي؛ أَيِ الصَّلَاةَ. فَعَلَّمَهُ الصَّلَاةَ وَمُقَدِّمَاتِهَا.
١٢٣ - بَاب الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ
٧٩٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي.
[الحديث ٧٩٤ - أطرافه في: ٤٩٦٨، ٤٩٦٧، ٤٢٩٣، ٨١٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ) تَرْجَمَ بَعْدَ هَذَا بِأَبْوَابِ التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ، وَسَاقَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَابِ، فَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الرُّكُوعِ بِالدُّعَاءِ دُونَ التَّسْبِيحِ - مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ -؛ أَنَّهُ قَصَدَ الْإِشَارَةَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الدُّعَاءَ فِي الرُّكُوعِ كَمَالِكٍ، وَأَمَّا التَّسْبِيحُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، فَاهْتَمَّ هُنَا بِذِكْرِ الدُّعَاءِ لِذَلِكَ. وَحُجَّةُ الْمُخَالِفِ الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَفِيهِ: فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ. لَكِنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ، فَلَا يَمْتَنِعُ الدُّعَاءُ فِي الرُّكُوعِ كَمَا لَا يَمْتَنِعُ التَّعْظِيمُ فِي السُّجُودِ. وَظَاهِرُ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هَذَا الذِّكْرَ كُلَّهُ فِي الرُّكُوعِ وَكَذَا فِي السُّجُودِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لأنَّها لم تُذكَر في حديث المسيء صلاته (ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ) حال كونك (سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ) حال كونك (جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ) حال كونك (سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ) المذكور من كلِّ واحدٍ من التَّكبير للإحرام، وقراءة الفاتحة، والرُّكوع، والسُّجود، والجلوس (فِي) كلِّ ركعةٍ واحدةٍ (١) من (صَلَاتِكَ كُلِّهَا) فرضًا ونفلًا، ولم يذكر له بقيَّة الواجبات في الصَّلاة لكونه كان معلومًا عنده.
فإن قلت: من أين تُؤخَذ المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث، فإنَّه لم يقع فيه بيان ما نقصه المصلِّي المذكور؟ أُجيب بأنَّه ورد في حديث رِفَاعة بن رافعٍ عند ابن أبي شيبة في هذه القصَّة: دخل رجلٌ فصلَّى صلاةً خفيفةً لم (٢) يتمَّ ركوعها ولا سجودها، فالظَّاهر أنَّ المؤلِّف أشار بالتَّرجمة إلى ذلك، وأجاب ابن المُنَيِّر بأنَّه ﵊ لمَّا قال له: «اركع حتَّى تطمئن راكعًا … » إلى آخر ما ذكر له من الأركان اقتضى ذلك تساويها في الحكم لتناول الأمر كلَّ فردٍ منها، فكلُّ من لم يتمَّ ركوعه أو سجوده أو غير ذلك ممَّا ذكر مأمورٌ بالإعادة. انتهى.
وهذا الحديث قد سبق في «باب وجوب القراءة للإمام والمأموم» [خ¦٧٥٧].
(١٢٣) (بابُ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ).
٧٩٤ - وبه قال: (حدَّثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، الحوضيُّ (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر السُّلميِّ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) بضمِّ الضَّاد المُعجَمة وفتح الحاء المُهمَلة مقصورًا، مسلم بن صُبَيْحٍ؛ بضمِّ الصَّاد المُهمَلة وفتح المُوحَّدة، آخره مُهمَلةٌ، الكوفيِّ العطَّار التَّابعيِّ، المُتوفَّى في زمن خلافة عمر بن عبد العزيز (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع
الهَمْدانيِّ الكوفيِّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «كان رسول الله» (ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ) امتثالًا لِمَا أمره الله به في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] على أحسن الوجوه وأفضل الحالات، في فرض الصَّلاة ونفلها: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ) بالنَّصب بفعلٍ محذوفٍ لزومًا، أي: أسبِّح سبحانك اللَّهُمَّ (رَبَّنَا، وَ) سبَّحت (بِحَمْدِكَ) فمُتعلَّق «الباء» محذوفٌ، أي: بتوفيقك وهدايتك، لا بحولي وقوَّتي، ففيه شكرُ الله تعالى على هذه النِّعمة والاعترافُ بها، والواو فيه للحال، أو لعطف الجملة على الجملة، سواءٌ قلنا: إضافة «الحمد» إلى الفاعل، والمراد من «الحمد» لازمُه مجازًا، وهو ما يوجب الحمد من التَّوفيق والهداية، أو إلى المفعول، ويكون معناه: وسبَّحت ملتبِسًا (١) بحمدي لك (اللَّهُمَّ) أي: يا الله (اغْفِرْ لِي).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَفِيهِ أَنَّ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ لَا مَا زَادَتْهُ السُّنَّةُ فَيُنْدَبُ (١). وَفِيهِ حُسْنُ خُلُقِهِ ﷺ وَلُطْفُ مُعَاشَرَتِهِ، وَفِيهِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ فِي الْمَجْلِسِ لِلْمَصْلَحَةِ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ عَلَى صَلَاتِهِ وَهِيَ فَاسِدَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أَخَلَّ بِبَعْضِ الْوَاجِبَاتِ، وَأَجَابَ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهُ أَرَادَ اسْتِدْرَاجَهُ بِفِعْلِ مَا يَجْهَلُهُ مَرَّاتٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ غَافِلًا فَيَتَذَكَّرُهُ فَيَفْعَلُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّقْرِيرِ الْخَطَأِ، بَلْ مِنْ بَابِ تَحَقُّقِ الْخَطَأِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ نَحْوَهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يُعَلِّمْهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَعْرِيفِهِ وَتَعْرِيفِ غَيْرِهِ بِصِفَةِ الصَّلَاةِ الْمُجْزِئَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْدِيدُهُ لِتَفْخِيمِ الْأَمْرِ وَتَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ، وَرَأَى أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَفُتْهُ، فَرَأَى إِيقَاظَ الْفِطْنَةِ لِلْمَتْرُوكِ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ التَّقْرِيرُ بِدَلِيلٍ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنِ انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي زِيَادَةِ قَبُولِ الْمُتَعَلِّمِ لِمَا يُلْقَى إِلَيْهِ بَعْدَ تَكْرَارِ فِعْلِهِ وَاسْتِجْمَاعِ نَفْسِهِ وَتَوَجُّهِ سُؤَالِهِ مَصْلَحَةً مَانِعَةً مِنْ وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى التَّعْلِيمِ، لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَمِ خَوْفِ الْفَوَاتِ، إِمَّا بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، أَوْ بِوَحْيٍ خَاصٍّ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا سَكَتَ عَنْ تَعْلِيمِهِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ لَمْ يَسْتَكْشِفِ الْحَالَ مِنْ مَوْرِدِ الْوَحْيِ، وَكَأَنَّهُ اغْتَرَّ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ فَسَكَتَ عَنْ تَعْلِيمِهِ زَجْرًا لَهُ وَتَأْدِيبًا وَإِرْشَادًا إِلَى اسْتِكْشَافِ مَا اسْتَبْهَمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا طَلَبَ كَشْفَ الْحَالِ مِنْ مَوْرِدِهِ أُرْشِدَ إِلَيْهِ. انْتَهَى.
لَكِنْ فِيهِ مُنَاقَشَةٌ، لِأَنَّهُ إِنْ تَمَّ لَهُ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لَمْ يَتِمَّ لَهُ فِي الْأُولَى، لِأَنَّهُ ﷺ بَدَأَهُ لَمَّا جَاءَ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِقَوْلِهِ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ. فَالسُّؤَالُ وَارِدٌ عَلَى تَقْرِيرِهِ لَهُ عَلَى الصَّلَاةِ الْأُولَى: كَيْفَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ فِي أَثْنَائِهَا؟ لَكِنَّ الْجَوَابَ يَصْلُحُ بَيَانًا لِلْحِكْمَةِ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ أَجَازَ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ لِكَوْنِ مَا لَيْسَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ لَا يُسَمَّى قُرْآنًا، قَالَهُ عِيَاضٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ وُجُوبُ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا، وَأَنَّ الْمُفْتِيَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَكَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ السَّائِلُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَذْكُرَهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ لَا مِنَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا مَعْنَى لَهُ. وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ كَوْنُهُ قَالَ: عَلِّمْنِي؛ أَيِ الصَّلَاةَ. فَعَلَّمَهُ الصَّلَاةَ وَمُقَدِّمَاتِهَا.
١٢٣ - بَاب الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ
٧٩٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي.
[الحديث ٧٩٤ - أطرافه في: ٤٩٦٨، ٤٩٦٧، ٤٢٩٣، ٨١٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ) تَرْجَمَ بَعْدَ هَذَا بِأَبْوَابِ التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ، وَسَاقَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَابِ، فَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الرُّكُوعِ بِالدُّعَاءِ دُونَ التَّسْبِيحِ - مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ -؛ أَنَّهُ قَصَدَ الْإِشَارَةَ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ الدُّعَاءَ فِي الرُّكُوعِ كَمَالِكٍ، وَأَمَّا التَّسْبِيحُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، فَاهْتَمَّ هُنَا بِذِكْرِ الدُّعَاءِ لِذَلِكَ. وَحُجَّةُ الْمُخَالِفِ الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَفِيهِ: فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ. لَكِنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ، فَلَا يَمْتَنِعُ الدُّعَاءُ فِي الرُّكُوعِ كَمَا لَا يَمْتَنِعُ التَّعْظِيمُ فِي السُّجُودِ. وَظَاهِرُ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هَذَا الذِّكْرَ كُلَّهُ فِي الرُّكُوعِ وَكَذَا فِي السُّجُودِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لأنَّها لم تُذكَر في حديث المسيء صلاته (ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ) حال كونك (سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ) حال كونك (جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ) حال كونك (سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ) المذكور من كلِّ واحدٍ من التَّكبير للإحرام، وقراءة الفاتحة، والرُّكوع، والسُّجود، والجلوس (فِي) كلِّ ركعةٍ واحدةٍ (١) من (صَلَاتِكَ كُلِّهَا) فرضًا ونفلًا، ولم يذكر له بقيَّة الواجبات في الصَّلاة لكونه كان معلومًا عنده.
فإن قلت: من أين تُؤخَذ المُطابَقة بين التَّرجمة والحديث، فإنَّه لم يقع فيه بيان ما نقصه المصلِّي المذكور؟ أُجيب بأنَّه ورد في حديث رِفَاعة بن رافعٍ عند ابن أبي شيبة في هذه القصَّة: دخل رجلٌ فصلَّى صلاةً خفيفةً لم (٢) يتمَّ ركوعها ولا سجودها، فالظَّاهر أنَّ المؤلِّف أشار بالتَّرجمة إلى ذلك، وأجاب ابن المُنَيِّر بأنَّه ﵊ لمَّا قال له: «اركع حتَّى تطمئن راكعًا … » إلى آخر ما ذكر له من الأركان اقتضى ذلك تساويها في الحكم لتناول الأمر كلَّ فردٍ منها، فكلُّ من لم يتمَّ ركوعه أو سجوده أو غير ذلك ممَّا ذكر مأمورٌ بالإعادة. انتهى.
وهذا الحديث قد سبق في «باب وجوب القراءة للإمام والمأموم» [خ¦٧٥٧].
(١٢٣) (بابُ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ).
٧٩٤ - وبه قال: (حدَّثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، الحوضيُّ (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر السُّلميِّ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) بضمِّ الضَّاد المُعجَمة وفتح الحاء المُهمَلة مقصورًا، مسلم بن صُبَيْحٍ؛ بضمِّ الصَّاد المُهمَلة وفتح المُوحَّدة، آخره مُهمَلةٌ، الكوفيِّ العطَّار التَّابعيِّ، المُتوفَّى في زمن خلافة عمر بن عبد العزيز (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع
الهَمْدانيِّ الكوفيِّ (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: «كان رسول الله» (ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ) امتثالًا لِمَا أمره الله به في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] على أحسن الوجوه وأفضل الحالات، في فرض الصَّلاة ونفلها: (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ) بالنَّصب بفعلٍ محذوفٍ لزومًا، أي: أسبِّح سبحانك اللَّهُمَّ (رَبَّنَا، وَ) سبَّحت (بِحَمْدِكَ) فمُتعلَّق «الباء» محذوفٌ، أي: بتوفيقك وهدايتك، لا بحولي وقوَّتي، ففيه شكرُ الله تعالى على هذه النِّعمة والاعترافُ بها، والواو فيه للحال، أو لعطف الجملة على الجملة، سواءٌ قلنا: إضافة «الحمد» إلى الفاعل، والمراد من «الحمد» لازمُه مجازًا، وهو ما يوجب الحمد من التَّوفيق والهداية، أو إلى المفعول، ويكون معناه: وسبَّحت ملتبِسًا (١) بحمدي لك (اللَّهُمَّ) أي: يا الله (اغْفِرْ لِي).