«كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٨٠٧

الحديث رقم ٨٠٧ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يبدي ضبعيه ويجافي في السجود.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٨٠٧ في صحيح البخاري

«كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ.

بَابٌ: يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ قَالَهُ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ عَنِ النَّبِيِّ .

بَابٌ: إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ

إسناد حديث رقم ٨٠٧ من صحيح البخاري

٨٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ

⦗١٦٢⦘

هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٨٠٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

السُّجُودِ؛ فَقِيلَ: هِيَ الْأَعْضَاءُ السَّبْعَةُ الْآتِي ذِكْرُهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبًا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الْمُرَادُ الْجَبْهَةُ خَاصَّةً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ قَوْمًا يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ؛ فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَخُصُّ الْعُمُومَ الَّذِي فِي الْأُولَى.

١٣٠ - بَاب يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ

٨٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ بْنِ بُحَيْنَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ يُبْدِي ضَبْعَيْهِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، تَثْنِيَةُ ضَبْعٍ، وَهُوَ وَسَطُ الْعَضُدِ مِنْ دَاخِلٍ، وَقِيلَ: هُوَ لَحْمَةٌ تَحْتَ الْإِبِطِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ جَعْفَرٍ) هُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ، وَابْنُ هُرْمُزَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ: نَحَّى كُلَّ يَدٍ عَنِ الْجَنْبِ الَّذِي يَلِيهَا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ فِي السُّجُودِ أَنَّهُ يَخِفُّ بِهَا اعْتِمَادُهُ عَنْ وَجْهِهِ وَلَا يَتَأَثَّرُ أَنْفُهُ وَلَا جَبْهَتُهُ، وَلَا يَتَأَذَّى بِمُلَاقَاةِ الْأَرْضِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَأَبْلَغُ فِي تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مِنَ الْأَرْضِ مَعَ مُغَايَرَتِهِ لِهَيْئَةِ الْكَسْلَانِ، وَقَالَ نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ يَظْهَرَ كُلُّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ وَيَتَمَيَّزَ؛ حَتَّى يَكُونَ الْإِنْسَانُ الْوَاحِدُ فِي سُجُودِهِ كَأَنَّهُ عَدَدٌ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَسْتَقِلَّ كُلُّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ وَلَا يَعْتَمِدَ بَعْضُ الْأَعْضَاءِ عَلَى بَعْضٍ فِي سُجُودِهِ، وَهَذَا ضِدُّ مَا وَرَدَ فِي الصُّفُوفِ مِنِ الْتِصَاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ إِظْهَارُ الِاتِّحَادِ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ حَتَّى كَأَنَّهُمْ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَفْتَرِشِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَادْعَمْ عَلَى رَاحَتَيْكَ وَأَبْدِ ضَبْعَيْكَ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ سَجَدَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْكَ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: نَهَى النَّبِيُّ أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ؛ فَكُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ إِذَا سَجَدَ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ، وَلْيَضُمَّ فَخِذَيْهِ.

وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ، وَعَنْهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا سَجَدَ يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ. وَلَهُ مِنْ حَدِيثِهِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ رَفَعَهُ: إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ - مَعَ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كَانَ النَّبِيُّ يُجَافِي يَدَيْهِ، فَلَوْ أَنَّ بَهِيمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ لَمَرَّتْ. مَعَ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْمُعَلَّقِ هُنَا - ظَاهِرُهَا وُجُوبُ التَّفْرِيجِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ؛ وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: شَكَا أَصْحَابُ النَّبِيِّ لَهُ مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ إِذَا انْفَرَجُوا، فَقَالَ: اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ. وَتُرْجِمَ لَهُ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ؛ أَيْ: فِي تَرْكِ التَّفْرِيجِ، قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ أَحَدُ رُوَاتِهِ: وَذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مِرْفَقَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ إِذَا طَالَ السُّجُودُ وَأَعْيَا، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَتِهِ: إِذَا انْفَرَجُوا.

فَتُرْجِمَ لَهُ مَا جَاءَ فِي الِاعْتِمَادِ إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ؛ فَجُعِلَ مَحَلُّ الِاسْتِعَانَةِ بِالرُّكَبِ لِمَنْ يَرْفَعُ مِنَ السُّجُودِ طَالِبًا لِلْقِيَامِ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ مَا قَالَ، لَكِنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ تُعَيِّنُ الْمُرَادَ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَمِيصٌ لِانْكِشَافِ إِبْطَيْهِ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْقَمِيصُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يُبْدِي) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون المُوحَّدة، أي: يظهر الرَّجل المصلِّي (ضَبْعَيْهِ) بفتح الضَّاد المُعجمَة وسكون المُوحَّدة، تثنية: «ضَبْع» أي: وسط عضديه، أو اللُّحمتين اللَّتين تحت إبطيه (وَيُجَافِي) أي: يباعد بطنه عن فخذيه (فِي السُّجُودِ) وخرج بـ «الرَّجل» المرأةُ والخنثى، فلا يجافيان، بل يضمَّان بعضَهما إلى بعضٍ لأنَّه أستر لها وأحوط له.

٨٠٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حدَّثنا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) ولأبي ذَرٍّ: «يحيى بن عبد الله بن بُكير» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدثنا» (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف في الأوَّل، وضمِّ الميم وفتح المُعجمَة غير مُنْصَرف في الثَّاني (عَنْ جَعْفَرٍ) هو ابن ربيعةَ (عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ) عبد الرَّحمن الأعرج (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ) صفةٌ لـ «عبد الله» لأنَّها أمُّه لا لـ «مالك»، فيكتب «ابن» (١) بالألف، وتنوين «مالكٍ»: (أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ) بتشديد الرَّاء، أي: نحَّى كلَّ يدٍ عن الجنب الَّذي يليها (حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ)

لأنَّه أشبه بالتَّواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، مع مغايرته لهيئة الكسلان، وفي حديث ميمونة المرويِّ في «مسلم»: «كان يجافي يديه (١)، فلو أنَّ بهيمة أرادت أن تمرَّ لمرَّت»، وفي حديث عائشة ممَّا رُوِيَ في «مسلم» أيضًا: «كان النَّبيُّ (٢) ينهى أن يَفْتَرِشَ الرَّجلُ ذراعيه افتراشَ السَّبع»، وفي حديث البراء عند مسلمٍ أيضًا رفعه: «إذا سجدت فضع كفَّيك وارفع مرفقيك» وظاهرهما (٣) الوجوب، وقول الحافظ ابنِ حجرٍ: إنَّ حديث أبي هريرةَ عند أبي داود: شكا أصحابُ النَّبيِّ له مشقَّة السُّجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: «استعينوا بالرُّكَب» أي: بوضع المرفقين على الرُّكبتين (٤)، كما فسَّره ابنُ عجلان أحد رواته، وترجم له أبو داود بالرُّخصة (٥) في ترك التَّفريج يدلُّ على الاستحباب فيه نظر لأنَّ ظاهره الرُّخصة مع وجود العذر؛ وهو المشقَّة عليهم، لكن في «مُصنَّف ابن أبي شيبة»: وعن ابن عون قال: قلت لمحمَّد: الرَّجل يسجد إذا اعتمد بمرفقيه على ركبتيه؟ قال:

ما أعلم به بأسًا، وكان ابن عمر يضمُّ يديه إلى جنبيه (١) إذا سجد، وسأله رجل: أأضع (٢) مَرْفِقَيَّ على فَخِذَيَّ إذا سَجَدْتُ؟ فقال: اسجد كيف تيسر عليك، وقال الشَّافعي في «الأمِّ»: يُسَنُّ للرَّجل أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه.

(وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ: (حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ) وصله مسلمٌ بلفظ: «كان إذا سجد فرَّج يديه عن إبطيه حتَّى إنِّي لأرى بياض إبطيه».

(١٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَسْتَقْبِلُ) المصلِّي حال سجودِه (بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «باب يستقبل القبلة بأطراف رجليه» بأن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما، وعقبيه مرتفعتين، فيستقبل (٣) بظهور (٤) قدميه القبلة، ومن ثمَّ ندب ضَمُّ الأصابع في السُّجود لأنَّها لو تفرَّجت (٥) انحرفت رؤوس بعضها عن القبلة (قَالَهُ) أي: الاستقبال المذكور (أَبُو حُمَيْدٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «السَّاعِدِيُّ» (عَنِ النَّبِيِّ ) وهذا الباب والَّذي قبله ثبتا في الفرع كأصله، وفي كثير من الأصول، وسقطا في بعضهما، قال الكِرمانيُّ: لأنَّهما ذكرا مرَّةً قبل «باب فضل استقبال القبلة»، وتُعقِّب بأنَّه لم يذكر هناك إلَّا قوله (٦): «باب يبدي ضَبْعَيه ويجافي جنبيه في السجود»، وأما الباب الثَّاني فلم

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

السُّجُودِ؛ فَقِيلَ: هِيَ الْأَعْضَاءُ السَّبْعَةُ الْآتِي ذِكْرُهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبًا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الْمُرَادُ الْجَبْهَةُ خَاصَّةً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ قَوْمًا يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ؛ فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَخُصُّ الْعُمُومَ الَّذِي فِي الْأُولَى.

١٣٠ - بَاب يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ

٨٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ بْنِ بُحَيْنَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ يُبْدِي ضَبْعَيْهِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، تَثْنِيَةُ ضَبْعٍ، وَهُوَ وَسَطُ الْعَضُدِ مِنْ دَاخِلٍ، وَقِيلَ: هُوَ لَحْمَةٌ تَحْتَ الْإِبِطِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ جَعْفَرٍ) هُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ، وَابْنُ هُرْمُزَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ: نَحَّى كُلَّ يَدٍ عَنِ الْجَنْبِ الَّذِي يَلِيهَا، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ فِي السُّجُودِ أَنَّهُ يَخِفُّ بِهَا اعْتِمَادُهُ عَنْ وَجْهِهِ وَلَا يَتَأَثَّرُ أَنْفُهُ وَلَا جَبْهَتُهُ، وَلَا يَتَأَذَّى بِمُلَاقَاةِ الْأَرْضِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَأَبْلَغُ فِي تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مِنَ الْأَرْضِ مَعَ مُغَايَرَتِهِ لِهَيْئَةِ الْكَسْلَانِ، وَقَالَ نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ يَظْهَرَ كُلُّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ وَيَتَمَيَّزَ؛ حَتَّى يَكُونَ الْإِنْسَانُ الْوَاحِدُ فِي سُجُودِهِ كَأَنَّهُ عَدَدٌ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَسْتَقِلَّ كُلُّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ وَلَا يَعْتَمِدَ بَعْضُ الْأَعْضَاءِ عَلَى بَعْضٍ فِي سُجُودِهِ، وَهَذَا ضِدُّ مَا وَرَدَ فِي الصُّفُوفِ مِنِ الْتِصَاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ إِظْهَارُ الِاتِّحَادِ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ حَتَّى كَأَنَّهُمْ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَفْتَرِشِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَادْعَمْ عَلَى رَاحَتَيْكَ وَأَبْدِ ضَبْعَيْكَ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ سَجَدَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْكَ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: نَهَى النَّبِيُّ أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ؛ فَكُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ إِذَا سَجَدَ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ، وَلْيَضُمَّ فَخِذَيْهِ.

وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ، وَعَنْهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا سَجَدَ يُرَى وَضَحُ إِبْطَيْهِ. وَلَهُ مِنْ حَدِيثِهِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ رَفَعَهُ: إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ - مَعَ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كَانَ النَّبِيُّ يُجَافِي يَدَيْهِ، فَلَوْ أَنَّ بَهِيمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ لَمَرَّتْ. مَعَ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الْمُعَلَّقِ هُنَا - ظَاهِرُهَا وُجُوبُ التَّفْرِيجِ الْمَذْكُورِ، لَكِنْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ؛ وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: شَكَا أَصْحَابُ النَّبِيِّ لَهُ مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ إِذَا انْفَرَجُوا، فَقَالَ: اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ. وَتُرْجِمَ لَهُ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ؛ أَيْ: فِي تَرْكِ التَّفْرِيجِ، قَالَ ابْنُ عَجْلَانَ أَحَدُ رُوَاتِهِ: وَذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مِرْفَقَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ إِذَا طَالَ السُّجُودُ وَأَعْيَا، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَتِهِ: إِذَا انْفَرَجُوا.

فَتُرْجِمَ لَهُ مَا جَاءَ فِي الِاعْتِمَادِ إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ؛ فَجُعِلَ مَحَلُّ الِاسْتِعَانَةِ بِالرُّكَبِ لِمَنْ يَرْفَعُ مِنَ السُّجُودِ طَالِبًا لِلْقِيَامِ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ مَا قَالَ، لَكِنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ تُعَيِّنُ الْمُرَادَ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَمِيصٌ لِانْكِشَافِ إِبْطَيْهِ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْقَمِيصُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يُبْدِي) بضمِّ المثنَّاة التَّحتيَّة وسكون المُوحَّدة، أي: يظهر الرَّجل المصلِّي (ضَبْعَيْهِ) بفتح الضَّاد المُعجمَة وسكون المُوحَّدة، تثنية: «ضَبْع» أي: وسط عضديه، أو اللُّحمتين اللَّتين تحت إبطيه (وَيُجَافِي) أي: يباعد بطنه عن فخذيه (فِي السُّجُودِ) وخرج بـ «الرَّجل» المرأةُ والخنثى، فلا يجافيان، بل يضمَّان بعضَهما إلى بعضٍ لأنَّه أستر لها وأحوط له.

٨٠٧ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حدَّثنا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) ولأبي ذَرٍّ: «يحيى بن عبد الله بن بُكير» (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: «حدثنا» (بَكْرُ بْنُ مُضَرَ) بفتح المُوحَّدة وسكون الكاف في الأوَّل، وضمِّ الميم وفتح المُعجمَة غير مُنْصَرف في الثَّاني (عَنْ جَعْفَرٍ) هو ابن ربيعةَ (عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ) عبد الرَّحمن الأعرج (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ) صفةٌ لـ «عبد الله» لأنَّها أمُّه لا لـ «مالك»، فيكتب «ابن» (١) بالألف، وتنوين «مالكٍ»: (أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ) بتشديد الرَّاء، أي: نحَّى كلَّ يدٍ عن الجنب الَّذي يليها (حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ)

لأنَّه أشبه بالتَّواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، مع مغايرته لهيئة الكسلان، وفي حديث ميمونة المرويِّ في «مسلم»: «كان يجافي يديه (١)، فلو أنَّ بهيمة أرادت أن تمرَّ لمرَّت»، وفي حديث عائشة ممَّا رُوِيَ في «مسلم» أيضًا: «كان النَّبيُّ (٢) ينهى أن يَفْتَرِشَ الرَّجلُ ذراعيه افتراشَ السَّبع»، وفي حديث البراء عند مسلمٍ أيضًا رفعه: «إذا سجدت فضع كفَّيك وارفع مرفقيك» وظاهرهما (٣) الوجوب، وقول الحافظ ابنِ حجرٍ: إنَّ حديث أبي هريرةَ عند أبي داود: شكا أصحابُ النَّبيِّ له مشقَّة السُّجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: «استعينوا بالرُّكَب» أي: بوضع المرفقين على الرُّكبتين (٤)، كما فسَّره ابنُ عجلان أحد رواته، وترجم له أبو داود بالرُّخصة (٥) في ترك التَّفريج يدلُّ على الاستحباب فيه نظر لأنَّ ظاهره الرُّخصة مع وجود العذر؛ وهو المشقَّة عليهم، لكن في «مُصنَّف ابن أبي شيبة»: وعن ابن عون قال: قلت لمحمَّد: الرَّجل يسجد إذا اعتمد بمرفقيه على ركبتيه؟ قال:

ما أعلم به بأسًا، وكان ابن عمر يضمُّ يديه إلى جنبيه (١) إذا سجد، وسأله رجل: أأضع (٢) مَرْفِقَيَّ على فَخِذَيَّ إذا سَجَدْتُ؟ فقال: اسجد كيف تيسر عليك، وقال الشَّافعي في «الأمِّ»: يُسَنُّ للرَّجل أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه.

(وَقَالَ اللَّيْثُ) بن سعدٍ: (حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ) وصله مسلمٌ بلفظ: «كان إذا سجد فرَّج يديه عن إبطيه حتَّى إنِّي لأرى بياض إبطيه».

(١٣١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (يَسْتَقْبِلُ) المصلِّي حال سجودِه (بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: «باب يستقبل القبلة بأطراف رجليه» بأن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما، وعقبيه مرتفعتين، فيستقبل (٣) بظهور (٤) قدميه القبلة، ومن ثمَّ ندب ضَمُّ الأصابع في السُّجود لأنَّها لو تفرَّجت (٥) انحرفت رؤوس بعضها عن القبلة (قَالَهُ) أي: الاستقبال المذكور (أَبُو حُمَيْدٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «السَّاعِدِيُّ» (عَنِ النَّبِيِّ ) وهذا الباب والَّذي قبله ثبتا في الفرع كأصله، وفي كثير من الأصول، وسقطا في بعضهما، قال الكِرمانيُّ: لأنَّهما ذكرا مرَّةً قبل «باب فضل استقبال القبلة»، وتُعقِّب بأنَّه لم يذكر هناك إلَّا قوله (٦): «باب يبدي ضَبْعَيه ويجافي جنبيه في السجود»، وأما الباب الثَّاني فلم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله